الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أضف إلى ذلك ما يلي:
من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، العمل من الإيمان والإيمان من العمل، وهذا معروف أيضًا عن غير واحد من السلف والخلف أنهم يجعلون العمل مصدقًا للقول ورووا ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.. فقد سأل "أبو ذر" النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان قال:"الإيمان الإقرار والتصديق بالعمل" ثم تلا (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) إلى قوله: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)[البقرة، الآية: 177] .
وروي عن "علي بن أبي طالب" أنه قال: (إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب: فكلما ازداد العبد إيمانًا ازداد القلب بياضًا، حتى إذا استكمل الإيمان ابيض القلب كله وإن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب؛ فكلما ازداد العبد نفاقا ازداد القلب سوادًا حتى إذا استكمل النفاق اسود القلب، وايم الله لو شققتم عن قلب المؤمن لوجدتموه أبْيَضَ، ولو شققتم عن قلب المنافق والكافر لوجدتموه أسود) . وقال "ابن مسعود": (الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل) .
وعرف "الحسن البصري" الإيمان بقوله: (ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكنه ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال)(1) .
لم يكن الكلام في الدين إذن تطورًا من البسيط إلى المركب، أو من الأدنى إلى الأعلى، بل كان نكوصًا من الكمال إلى النقصان، وعصيانًا للأوامر، وانشقاقا عن الجماعة. وهذا ينقلنا إلى بحث
عوامل نشأة المشكلات الكلامية
.
عوامل نشأة المشكلات الكلامية:
من استقراء المراحل التي مر بها الجدل في أصول الدين وإثارة التساؤلات وفتح باب المناقشات في القضايا المنهي عن الجدال فيها نستقرئ عوامل نشأة المشكلات الكلامية.
وتكاد تجمع المصادر التاريخية على تعليل ظهور الجدل بعوامل خارجية، أي من قبيل الغزو الثقافي الأجنبي. وتشير أصابع المؤرخين إلى هذا المصدر، حيث هبت
(1) ابن تيمية: الإيمان ص 173-174-179.
منه أعاصير النزاع بعد أن كانت العقيدة راسخة في النفوس والقلوب، أمدت المسلمين الأوائل بطاقات هائلة فمضوا في طريقهم لتحقيق الغاية وجعل كلمة الله هي العليا.
ولكن الجدل المنهي عنه أدى إلى انحسار حضارة المسلمين فعكفوا يتجادلون ويتناحرون، فوقفت عجلة المد الإسلامي وتقوقع المسلمون، فسهل على أعدائهم غزوهم في ديارهم.
ويصف "ابن قتيبة" المظاهر الطارئة على المسلمين بقوله: (وكان المتناظرون فيما مضى يتناظرون في معادلة الصبر بالشكر، وفي تفضيل أحدهما على الآخر، وفي الوساوس والخطرات، ومجاهدة النفس، وقمع الهوى فقد صار المتناظرون يتناظرون في الاستطاعة والتولد والطفرة والجزء والعرض والجوهر، فهم دائبون يخبطون في العشوات؛ فقد تشعبت بهم الطرق وقادهم الهوى بزمام الردى)(1) .
وهذا هو الدرس التاريخي الذي وعاه شيوخ الحديث والسنة فحذروا من تضييع الجهود في محاولات جدلية سقيمة، ورأوا في تشقيقات المتكلمين بدعًا من ناحية، واستهلاكًا لطاقة تبذل فيما لا طائل وراءه من ناحية أخرى، حيث جاء القرآن بأكمل المناهج في الحجاج العقلي، وفرغ المسلمين إلى العمل. وقد رأينا أهل أفضل القرون كيف استمسكوا بالمنهج الإسلامي الصحيح العقيدة حيث يرى شيخ الإسلام أن أفضل الخلق بعدهم هم المقتدون بعلم وعمل الصحابة وتتحقق هذه المتابعة بصفة خاصة بواسطة علماء الحديث، فهم أهل الآثار النبوية وهم أهل العلم بالكتاب والسنة في كل عصر ومصر (2) .
وبمتابعة الأزمنة بعد عصر الحجاج نرى أنه كلما بعد الزمن وقل عدد الصحابة والتابعين بعدهم، بدأت البدع تظهر تدريجيًا، لأن نور النبوة في الأصل كان كمثابة الشمس الساطعة التي طمست الكواكب وعاش السلف فيها برهة طويلة ثم حجب
(1) ابن قتيبة (لاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة) كتاب عقائد السلف ص
224 تحقيق د. النشار وعمار الطالبي منشأة المعارف بالإسكندرية 1971 م.
(2)
ابن تيمية: بغية المرتاد ص 112.
بعض نور النبوة (1) .
وبانقضاء دولة الخلفاء الراشدين، وتولي زمام الحكم من هم أقل منهم مرتبة ظهر أثر ذلك في بعض قضايا أصول الدين مثلما أثاره الخوارج. ولما كان ظهورهم في أواخر حكم علي بن أبي طالب رضي الله عنه مرتبطًا بالخلافة أو الأمانة الكبرى فقد تبعه بدع الأحكام والأعمال والأسماء.
ثم ظهر الملك على يد معاوية، ثم الإمارة إلى ابنه يزيد وانشق المسلمون على أثر مقتل "الحسين بن علي" بالعراق وفتنة الحرة (سنة 37 هـ) بالمدينة وقيام "عبد الله بن الزبير" بمكة في وجه بني أمية و"المختار بن أبي عبيد" وغيره من الشيعة بالعراق.
وعلى أثر هذه الأحداث الجسام، برز الخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة، فقد قام بعض الصحابة آنذاك بالرد على هذه البدع والوقوف في وجهها وهم على سبيل المثال: عبد الله بن عباس (68 هـ) وعبد الله بن عمر (73 هـ) ، وجابر بن عبد الله (78 هـ) وأبو سعيد الخدري (94 هـ) ، وغيرهم.
ويضرب "ابن تيمية" مثلاً على ذلك بأن القدرية لم يجرؤوا على الكلام في الذات أو الصفات الإلهية إلا في أواخر صغار التابعين، أو في أواخر الدولة الأموية، وكانوا قبل ذلك يقتصرون على الكلام في الأحكام والوعد والوعيد.
ويتضح مما سبق أن الحياة الدينية تأثرت في بداية العصر العباسي بعاملين: أحدهما ظهور سلطان الموالي من غير العرب لا سيما العناصر الفارسية وانحسار الأمر عن ولاية العرب، والعامل الثاني، وهو ترجمة كتب الفرس والروم والهند.
ومما يساعد على قوة تأثير هذين العاملين أن صحابة الرسول صلوات الله عليه كانوا قد ماتوا عند انتهاء خلافة الراشدين فيما عدا القليل، وكذلك الحال بالنسبة للتابعين إذ مات أغلبهم في زمن إمارة ابن الزبير.
أما تابعو التابعين فقد انقضى عصرهم في أواخر الدولة الأموية ولهذا لم تجد التيارات الجديدة التي تسللت إلى المسلمين من يقف في وجهها لصدها مثلما فعل الخلفاء الراشدون والصحابة في عصرهم من قبل.
(1) ابن تيمية: بغية المرتاد ص 112.
واستنتج "شيخ الإسلام" من هذه الأحداث ظهور أمور ثلاثة هي: الرأي والكلام والتصوف (1) .
وأغلب الظن - من جهة أخرى - أن شيخنا قصد ترتيب ظهور الرأي ثم الكلام ثم التصوف بتسلسل زمني على أثر الترجمة خاصة وأنه يتكلم عن المأمون (218 هـ - 833 م) الذي شجعها - والمعروف - كما يذكر صاحب الفهرس أن "خالد بن يزيد بن معاوية"(85 هـ-704 م) الذي كان يسمى حكيم آل مروان "هو أول من قام بالترجمة". يقول "ابن النديم": (كان فاضلاً في نفسه وله همة ومحبة للعلوم، خطر بباله الصنعة فأمر بإحضار مجموعة من فلاسفة اليونانيين.. وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني القبطي إلى العربي، وهذا أول نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة)(2) .
ونستدل من تعيين الشيخ "السلفي" للمأمون دون غيره، أن هذا الخليفة اشتهر بالميل إلى التشيع والاعتزال، وفضلا عن مشكلة خلق القرآن التي ارتبطت في الأذهان فإن الباحث عن أسباب ذلك يجده دون كبير مشقة في كتب التاريخ التي تكاد تتحد في وصفها له.
يقول "ابن الأثير": (إنه كان شديد الميل إلى العلويين والإحسان إليهم)(3) وذكر ابن كثير أن "المأمون" لما ابتدع التشيع والاعتزال فرح بذلك شيخه بشر المريسي (118هـ - 833 م) وكان من شيوخ الاعتزال (4) .
ويضيف صاحب (تاريخ بغداد)(إنه كان إلى حد غير قليل تحت سلطان الفرس ووزرائهم)(5) وكأن شيخ الإسلام حاول بذلك أن يثبت أن الترجمة أنتجت آثارها الكاملة في عصر المأمون - أي في وقت متأخر عن عصر الصحابة والتابعين للأسباب التي تذكرها المصادر السالف الإشارة إليها. أو بعبارة أخرى أنها وجدت
(1) ابن تيمية: كتاب السلوك ص 358 ط الرياض.
(2)
ابن النديم: الفهرست ص 338.
(3)
ابن الأثير: تاريخ الكامل ج ص 179
(4)
ابن كثير: البداية والنهاية ج 10 ص 279
(5)
ابن الخطيب: تاريخ بغداد ج 6 ص 75.
صدى عنده وميلا لتقبل نتائجها. ولكن تحميل الترجمة النتائج التي حدثت في العالم الإسلامي حينذاك ليس دليلا على كراهية "ابن تيمية" للترجمة في ذاتها ولكن بسبب تشجيع المأمون للاتجاهات الفلسفية والكلامية.
هناك إذن عامل داخلي يتمثل في بدء حركة انحسار الوازع الديني والخروج عن الأصول والقواعد المستقرة الثابتة، ولكن الحركة على ضآلتها في البداية حوصرت وعولجت بحسم، ثم أخذت في الازدياد باتساع رقعة العالم الإسلامي وشيئًا فشيئًا ضعفت المقاومة بسبب موت الصحابة وتفرقهم في الأمصار، ثم موت كبار التابعين أيضًا.
ويتضح أثر العامل الخارجي بشكل أشمل إذا بحثنا ظروف الترجمة وأدوارها وآثارها، فالمشهور أن أول ترجمة للكتب اليونانية إلى العربية تمت في عهد "خالد بن يزيد بن معاوية"(توفي 85 هـ) وكانت في بدايتها - فيما يبدو - قاصرة على العلوم إذ كان "يزيد" هذا مولعًا بكتب الكيمياء (1) .
ولكن عملية الترجمة بدأت على نطاق واسع بواسطة "يحيى بن خالد بن برمك"(متوفى 190 هـ) في خلافة الرشيد.
وواقعة الترجمة لا تخلو من بعض المعاني التي يحسن بالباحث أن يتأملها حيث قيل: إن "يحيى بن خالد" هذا كان زنديقًا، وإنه صانع ملك الروم وأرسل إليه الهدايا طالبًا نقل الكتب اليونانية - وكانت مخبأة تحت بناء - فجمع الملك البطارقة والأساقفة والرهبان طالبًا منهم المشورة والرأي، وكان من رأيه أن الخير في حبس الكتب عن رعيته من النصارى لأنه خاف عليهم منها إذ قد تكون سببًا لهلاك دينهم، ويفضل إرسالها إلى خالد البرمكي؛ لكي يبتلى بها المسلمون ويسلم رعاياه من شرها، فوافقه المجتمعون على ذلك فنفذه.
واهتم بها "يحيى بن خالد البرمكي"(فجعل المناظرة في داره والجدال فيما لا ينبغي، فيتكلم كل ذي دين في دينه، ويجادل عليه آمنًا على نفسه)(2) .
(1) السيوطي: صون المنطق 1/ 42.
(2)
ن. م ص 41.
وتشير رواية أخرى إلى أن المأمون (218 هـ) هو الذي طلب من صاحب جزيرة "قبرص" خزانة كتب اليونان، وكانت عندهم في بيت لا يظهر عليه أحد فأشار عليه خواصه بإجابة المأمون إلى طلبه بهدف إحداث الفتن بينهم (فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها وأوقعت بين علمائها)(1) .
ومن المحتمل أن الرواية قد حدث فيها بعض الإضافات إلا أنه من الثابت أن المأمون قد شجع عملية الترجمة والخوض في علم الكلام، ولذا فإن "ابن تيمية"، كان يعلق على ذلك بقوله (ما أظن أن الله يغفل عن المأمون ولا بد أن يقابله على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخاله هذه العلوم بين أهلها)(2) .
ويلحظ الباحث إجماع مؤلفي كتب الفرق على إرجاع ظهور المشكلات الكلامية إلى تيار خارجي، ولا يمكن أن يكون هذا الإجماع إلا صدى لحقيقة تاريخية ثابتة أمامهم فنقلوها نقلاً متواترًا بعضهم عن بعض.
والعبارة المذكورة في كتب الفرق والتاريخ تكاد تتشابه فتذكر أسماء من أثار المشاكل والمتتبع لها وناقلها إلى محيط الثقافة الإسلامية فتذكر: (أن البدع فشت أصلاً بعد القرون الثلاثة وإن كان قد نبع أصلها في أواخر عصر التابعين، فإن أصل مقالة نفي صفات الله تعالى - أي التعطل للصفات - إنما هو مأخوذ من تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين، فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام هو "الجعد بن درهم" وأخذها عنه "الجهم بن صفوان" وأظهرها فنسبت إليه، وقد قيل: إن الجعد أخذ مقالته عن "أبان بن سمعان"، وأخذها "أبان" عن "طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم) اليهودي الساحر الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الجعد هذا فيما قيل من أهل حران، وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة بقايا أهل دين النمرود الكنعانيين الذين صنف بعض الساحرين في سحرهم. والنمرود هو ملك الصابئة إذ ذاك إلا قليلاً منهم على الشرك، وعلماؤهم الفلاسفة.. وكثر من الصابئة
(1) ن. م ص 41.
(2)
ن. م ص 42.
أو أكثرهم (1) كانوا كفاراً ومشركين وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل ومذهب النفاة الذين يقولون: ليس له صفات إلا سلبية أو إضافية أو مركبة منهما وهم الذين بعث سيدنا "إبراهيم" خليل الرحمن إليهم فيكون الجعد أخذ عقيدته عن الصابئة وأخذها الجهم أيضًا - فيما ذكره الإمام "أحمد" رضي الله عنه عنه وعن غيره وكذلك "أبو نصر الفارابي" دخل "حران" وأخذ عن فلاسفة الصابئة تمام فلسفته لما ناظر السمنية فرجعت أسانيد الجهم إلى اليهود الصابئين والمشركين والفلاسفة الضالين إما من الصابئين وإما من المشركين. فلما عربت الكتب الرومية زاد البلاء مع ما ألقى الشيطان في قلوب أهل الضلال. ولما كان بعد المائة الثانية انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمونها مقالة الجهمية بسبب "بشر بن غياث المريسي" وذويه) (2) .
وقد أرخ "المسعودي" لمراحل انتقال المدارس الفلسفية أيام اليونان من أثينا إلى الإسكندرية ثم إلى إنطاكية ثم إلى حران، متتبعًا انتقالها إلى العالم الإسلامي ذاكرًا الأفراد المهتمين بها، مبينًا أن مجلس تعليم الفلسفة انتهى في أيام المقتدر، وإبراهيم المروزي ثم إلى "أبي محمد بن كرنيب" وأبي بشر "متى بن يونس" تلميذي "إبراهيم المروزي".
ثم علق (المسعودي) بعد هذا بقوله: (وعلى شرح "متى" لكتب أرسطوطاليس المنطقية يعول الناس في وقتنا هذا - توفي المسعودي عام 385 هـ - وكانت وفاته ببغداد في خلافة "الراضي"، ثم إلى "أبي نصر محمد بن محمد الفارابي" تلميذ "يوحنا بن حيلان" وكانت وفاته بدمشق في رجب سنة 339 هـ)(3) .
ويبدو أننا إذن أمام غزو ثقافي منظم يريد الكيد للإسلام وأهله، جوبه في بدايته بمقاومة شديدة أيام الصحابة والتابعين كما ظهر لنا آنفًا، ثم ازداد على أثر
(1) وإن كان الصابئ قد لا يكون مشركا بل مؤمنًا بالله واليوم الآخر كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة، الآية: 62] .
(2)
شرح السفاريني ج 1 ص 21.
(3)
المسعودي: التنبيه والإشراف ط القاهرة 1357 هـ 1938 م.