الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإزاء هذا التصور للإنسان ومكوناته ودوافعه النفسية، لا تكفي المعرفة؛ لأنها تتصل فقط بالقوة النظرية العلمية، بل لكي يقف الإنسان على قدميه مقاومًا الأهواء وهواتف الشيطان ومعوقات سيره نحو الله - تعالى - لا بد له من عبادة الله وحده لا شريك له (والعبادة تجمع معرفته، ومحبته والعبودية له. وبهذا بعث الله الرسل، وأنزل الكتب الإلهية: كلها تدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له)(1) .
وبهذا يتبين انحراف قول الجهمية، بأن الإيمان مجرد معرفة الله ففصلوا بين علم النفس وبين إرادتها وجعلوا الكمال في نفس العلم وإن لم يصدقه قول ولا عمل، ولا اقترن مع الخشية، والمحبة، والتعظيم وغير ذلك من أصول الإيمان ولوازمه (2) .
الهدى والبينات:
تحدثنا من قبل عن نقد ابن تيمية للمتكلمين لا سيما في ظنهم بأن الصحابة لم يكونوا أهل نظر، واستخدامهم لأساليب كلامية بدعية مخالفة لأساليب القرآن في النظر والاستدلال العقلي.
بينما استدل القرآن الحكيم بالهدى والبيان والأدلة والبراهين وهي تغني عن مناهج النظر التي أسسها أهل الكلام، فإن الله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وأرسله بالآيات البينات، ومن الممتنع أن يرسل الله رسولاً يأمر الناس بتصديقه ولا يكون هناك ما يعرفون به صدقه.
وقال تعالي: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ)[البقرة: 159] .
ويفصل ابن تيمية المعاني القرآنية لكلمات البينات والهدى والفرقان كما يلي:
أ - فإن البينات جمع "بينة" وهي: الأدلة والبراهين التي هي بينة في نفسها أي:
(1) ابن تيمية - الرد على المنطقيين ص 144 - 145.
(2)
ويلحظ الباحث أن ابن تيمية يشتد في خصومته للجهمية ويحملهم مسؤولية الانحرافات كلها وأنهم أصل البلاء الذي حدث بتفرق المسلمين شيعًا وأحزابًا ويصفهم بقوله فهؤلاء الجهمية من أعظم مبتدعة المسلمين، بل جعلهم غير واحد خارجين عن الثنتين وسبعين فرقة، كما يروى ذلك عن عبد الله بن المبارك، ويوسف بن أسباط (الرد على المنطقيين ص 146) .
بديهيات، وأوليات وضروريات وكلها ألفاظ مترادفة تطلق منهجيًا على القواعد الأساسية للمعارف والعلوم، وبها يتبين غيرها، يقال: بين الأمر أي تبين في نفسه ويقال بين غيره، فالبين: اسم لما ظهر في نفسه ولما أظهر غيره، وكذلك المبين كقوله فاحشة مبينة أي: متبينة. ومقدمات الأدلة تكون معلومة بنفسها كالمقدمات الحسية والبديهية، وبها يتبين غيرها فيستدل على الخفي بالجلي والهدى أيضًا هو بيان ما ينتفع به الناس ويحتاجون إليه وهو ضد الضلالة، فالضال يضل عن مقصوده وطريق مقصوده وهو سبحانه عرفهم أن الله هو المقصود المعبود وحده وأنه لا يجوز عبادة غيره.
ويوضح الصلة بين البينات والهدى فيذكر أن البينات فيها بيان الأدلة والبراهين وعلى ذلك فليس ما يخبر به ويأمر به من الهدى قولاً مجردًا عن دليله ليؤخذ تقليدًا واتباعًا للظن، بل هو مبين بالآيات والبينات - وهي الأدلة اليقينية والبراهين القطعية.
ثم يخطو خطوة أخرى فيذكر أن الهدى التام لا يكون إلا مع الفرقان، ولهذا قال تعالى:(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)[البقرة، الآية: 185] ، فالفرقان هو المفرق بين الحق والباطل والخير والشر والصدق والكذب والمأمور والمحظور والحلال والحرام، وأيضًا فإن الأدلة تشتبه كثيرًا بما يعارضها فلا بد من الفرق بين الدليل الدال على الحق وبين ما عارضه ليتبين أن الذي عارضه باطل، فالدليل يحصل به الهدى وبيان الحق لكن لا بد مع ذلك من الفرقان وهو الفرق بين ذلك الدليل وبين ما عارضه (1) .
ويضرب الأمثلة على ما يقصده بالفرق بين الهدى والفرقان، فالهدى مثل أن يأمر بسلوك الطريق إلى الله كما يؤمر قاصد الحج بسلوك طريق مكة مع دليل يوصله، والبينات ما يدل ويبين أن ذلك هو الطريق وأن سالكه سالك للطريق لا ضال، والفرقان أن يفرق بين ذلك الطريق وغيره وبين الدليل الذي يسلكه ويدل الناس عليه وبين غيرهم ممن يدعي الدلالة وهو جاهل مضل. وهذا وأمثاله مما يبين
(1) ابن تيمية: النبوات، ص 162.