الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القاعدة التي أخذ نفسه بالدفاع عنها طيلة حياته، وهي أن العقل لا يتعارض مع النقل، (فإن الله سبحانه بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بجوامع الكلم، فالكلم التي في القرآن جامعة محيطة كلية عامة لما كان منتشرًا في كلام غيره)(1) .
وكانت هذه هي مهمة علماء أهل السنة والجماعة أيضًا. فما مذهبهم؟
مذهب أهل السنة والجماعة:
ربما ينسب البعض مذهب أهل السنة والجماعة إلى أحد أئمة الفقهاء أو كلهم. ولكنه في الحقيقة امتداد ومتابعة لمذهب الصحابة، وقد أطلق عليه اسم الجماعة للتمييز بينه وبين مذاهب المنشقين عن الجماعة الأولى أمثال الخوارج والشيعة والمعتزلة والمرجئة والقدرية.
ومذهب أهل السنة والجماعة مذهب قديم معروف قبل أن يخلق الله تعالى أبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد، فإنه مذهب الصحابة الذين تلقوه عن نبيهم صلى الله عليه وسلم ومن خالف ذلك كان مبتدعًا عند أهل السنة الجماعة، فإنهم متفقون على أن إجماع الصحابة حجة، ومتنازعون في إجماع من بعدهم (2) .
وإذا طالعنا صفحات التاريخ لمعرفة تسلسل ظهور الآراء المخالفة لما كان عليه أهل القرون الأولى، فقد رأينا - كما تقدم - كيف خرج الخوارج وتابعتهم الشيعة في إعلان آرائهم، ثم القدرية. فالجمهية أتباع "جهم بن صفوان" من نفاة صفات الله عز وجل.
ثم وقعت المحنة الكبرى في أوائل المائة الثالثة على عهد المأمون (المتوفى 215 هـ) وأخيه المعتصم ثم الواثق، ودعوا الناس إلى التجهم وإبطال صفات الله تعالى، فلم يوافقهم أهل السنة والجماعة حتى هددوا بعضهم بالقتل، وقيدوا بعضهم وعاقبوهم وابتلوهم بالرغبة والرهبة.
وندع أحد معاصري الفتنة يصف لنا وقعها على المسلمين وما كابدوه
بسببها:
قال "عبد العزيز المكي" في كتابه (الحيدة) :
(1) نقض المنطق ص 110.
(2)
ابن تيمية: منهاج السنة ج 1 ص 256.
"واستتار المؤمنون في بيوتهم وانقطاعهم عن الصلاة في الجماعات والجمعات وهربهم من بلد إلى بلد خوفًا على أنفسهم وأديانهم، وكثرة موافقة الجهال له والرعاع من الناس على كفره وضلالته، والدخول على بدعته والانتحال بمذهبه رغبة في الدنيا ورهبة من العقوبة التي كان يعاقب بها من خالفه على مذهبه (1) .
وثبت الإمام أحمد بن حنبل في هذه المحنة حتى حبسوه ثم طلبوا أصحابهم من المعتزلة بالبصرة لمناظرته فأفحمهم وعجزوا أمام حججه بالأدلة الشرعية العقلية.
وبسبب هذا الموقف رفع الله قدر هذا الإمام، فصار إمامًا من أئمة أهل السنة والجماعة علمًا من أعلامها لقيامه بإعلامها وإظهارها واطلاعه على نصوصها وآثارها وبيان خفي أسرارها، لا أنه أحدث مقالة ولا ابتدع رأيا، ولهذا قال بعض شيوخ المغرب:(المذهب لمالك والشافعي والظهور لأحمد، يعني: أن مذهب الأئمة في الأصول مذهب واحد)(2) .
وعلى أية حال فإن معيار الصحة والفساد في المذهب لا الاتباع ولكن الأدلة والإقناع، ولهذا يقرر "ابن تيمية" - وهو من أقوى المدافعين:
(وإذا قدر أن في الحنبلية أو غيرهم من طوائف السنة من قال أقوالا باطلة، لم يبطل مذهب أهل السنة والجماعة ببطلان ذلك بل يرد على من قال ذلك بالباطل وينصر السنة بالدلائل)(3) .
(1) عبد العزيز بن يحيى بن مسلم الكناني المكي: كتاب الحيدة ص 2 مطابع الشرق الأوسط - الرياض.
(2)
ابن تيمية: منهاج السنة ج 1 ص 257.
(3)
المصدر السابق نفسه.