الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالإضافة إلى مآخذ أخرى أخذها أهل السنة والجماعة على المعتزلة ومنها:
- ردهم للأحاديث التي لا توافق أغراضهم ومذاهبهم ويدعون أنها مخالفة للعقول فيجب ردها كالمنكرين لعذاب القبر والصراط والميزان ورؤية الله عز وجل في الآخرة وكذلك حديث الذباب ومقله وأنه يقدم الذي فيه الداء.. وما أشبه ذلك من الأحاديث الصحيحة المنقولة نقل العدول.
- قدحهم في الرواة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم وفيمن اتفق الأئمة من المحدثين على عدالتهم وإمامتهم.
كل ذلك ليردوا به على من خالفهم في المذاهب وأحيانًا كانوا يردون فتاوى الصحابة أمام العامة، لينفروا الأمة عن اتباع السنة وأهلها.
- ذهبت طائفة إلى نفي أخبار الآحاد جملة والاقتصار على ما تستحسنه عقولهم في فهم القرآن (1) .
والآن، بعد أن نزعنا الوجه البراق للفكر الاعتزالي، ووقفنا على حقيقته ومراميه، فإن أقل ما يطعن فيه أنه حول الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تستجيب له الفطرة الإنسانية، ويستسيغه العقل بكل سهولة - حوله إلى فلسفة نظرية دقيقة يعجز عن فهمها وإساغتها كثير من العقلاء والأذكياء فكان تنمية العقل على حساب العاطفة وإضعافًا للإيمان وإثارة للشكوك والشبهات وعدم الثقة على وجوده، وما أكثر ما في العالم مما يعجز العقل عن تعليله وإقامة الدليل عليه.
دوافع علماء الحديث لمجابهة المتكلمين:
بالرغم من المناقشات الكلامية الدائرة بين أهل الكلام والتي خصصت كتب
(1) الاعتصام للشاطبي ج 1 ص 140. يذكر الشاطبي أنهم بنفيهم أخبار الآحاد واستحسان عقولهم أباحوا الخمر بفهمهم المعوج لقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) [المائدة، الآية: 93] ويقول: ففي هؤلاء وأمثالهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا ألقين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) وهذا وعيد شديد تضمنه النهي، لاحق بمن ارتكب رد السنة.
الفرق والمذاهب عرضها والتوسع في شرحها، بالرغم من ذلك كانت الغالبية العظمى من المسلمين يتبعون علماء السنة والحديث في العقيدة المتلقاة بالقبول.
وهنا لنا ملاحظتان:
الأولى: أن الاكتفاء بالاطلاع على مؤلفات الفرق يعطي انطباعا بأن هذه المسائل كانت الشغل الشاغل للمسلمين كافة، وهذا لم يحدث إلا بعد أن فرض المأمون القول بخلق القرآن - وفي هذه القضية وحدها - وفيما عدا هذا فقد كانت الأمة الإسلامية تمضي قدمًا في بناء حضارة زاهرة بعلومها وآدابها وفنونها ونظمها في السياسة والاقتصاد والاجتماع - وجهود علماء المسلمين في فروع العلوم المختلفة أكثر من أن تذكر في هذا الموضع.
الثانية: أن العلماء المهتمين بالحديث والسنة يمثلون الأغلبية ويظهر بجانبهم أصحاب الكلام كقلة قليلة لا تعبر إلا عن نفسها وبضعة أفراد يتأثرون بهم ويقولون بأقوالهم وكانوا على سبيل التحديد كالجعد بن درهم وجهم بن صفوان.
ويذكر لنا ابن قتيبة أن عقيدة السلف الصالح كانت هي عقيدة العلماء المبرزين المتقدمين والعباد المجتهدين الذين لا يجارون ولا يبلغ شأوهم، مثل: سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي وشعبة والليث بن سعد وعلماء الأمصار كإبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض وداود الطائي وأحمد بن حنبل وبشر الحافي وأمثال هؤلاء ممن قرب من زمانه. ثم يستطرد قائلاً: (فأما المستقدمين فأكثر من أن يبلغهم الإحصاء ويحوزهم العدد)(1) .
كانت إذن الآراء الشاذة التي أظهرها جهم بن صفوان كالبثور في الجسم كبداية علامات المرض بعد أن كان صحيحًا معافًى به من المناعة ما يقاوم به المرض.
(لم يظهر جهم وأصحاب جهم في زمن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبار التابعين فيروى عنهم فيها أثر منصوص، ولو كانوا بين أظهرهم مظهرين آراءهم لقتلوا، كما همَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقتل صبيغ إذ تكلف في السؤال عن
(1) ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث ص 17.
المتشابه أو كما قتل علي رضي الله عنه الزنادقة، التي ظهرت في عصره، ولقتلوا كما قتل أهل الردة) (1) .
ويرى الدارمي أن آراء جهم والمريسي بمثابة الردة، لأن القول بأن القرآن مخلوق يضاهي ما قاله الوليد بن المغيرة المخزومي (إن هذا إلا قول البشر) والنضر ابن الحارث قال:(لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين) أي كما قال جهم والمريسي سواء، لا فرق بينهما في اللفظ والمعنى، إن هذا إلا مخلوق، فأنكر عليهم قولهم، وكأن نور النبوة قد بدد ظلام العصر الجاهلي وعقائده الباطلة، ولكن أقوال الجاهلية عادت للظهور مرة أخرى في عصر جهم ثم المريسي ونظرائهم (2) .
وأمام هذه الموجة التي بدأت تهب على عقائد المسلمين، رأى علماء الحديث أن واجباتهم تقتضي الوقوف في وجهها وحماية المسلمين منها، واندفعوا بنية أداء ما أوجبه الله عليهم. يقول ابن قتيبة (كما رأيت إعراض أهل النظر عن الكلام في هذا الشأن منذ وقع، وتركهم تلقيه بالدواء حين بدأ.. إلى أن استحكم أساسه
…
لم أر لنفسي عذرًا في ترك ما أوجبه الله علي بما وهب من فضل المعرفة في أمر استفحل بأن قصر مقصر، فتكلفت بمبلغ علمي ومقدار طاقتي ما رجوت أن يقضي بعض الحق عني، لعل الله ينفع به، فإنه بما شاء نفع) (3) ، ولكنه كان حريصًا في منهج رده على المخالفين توضيح الأسرار اللغوية التي جهلوها فحادت بهم عن التفسير الصحيح للكلمات والآيات فأخذ يذكر ما تأولته الجهمية في الكتاب والحديث ليعلم المسلمون أن الحق مستغن عن الحيل، ولهذا لم يتعد في أكثر الرد عليهم طريق التفسير والشرح.
وقال بعد توضيح منهجه هذا: (فأما الكلام فليس من شأننا ولا أرى أكثر من
(1) نقض الدارمي على المريسي ص 349.
(2)
نفس المصدر ص 465، 469.
(3)
ابن قتيبة: الاختلاف في اللفظ ص 225.