الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أسفرت المحنة إذن - كما تبين آنفًا - عن التمييز بين منهجين معارضين للمعتزلة.
أحدهما: منهج علماء الحديث المتصل بسلسلة طويلة من الأئمة، بادئة بعصر الصحابة والتابعين، ولكن أصبح الإمام ابن حنبل علمًا له واشتهر باسمه بسبب ما لاقاه وحده في المحنة من عذاب وابتلاء، بينما كان موقفه في الحقيقة معبرًا عن طريقة العلماء من معاصريه والسابقين عليه السائرين على طريق السنة.
الثاني: موقف جديد معارض للمعتزلة أيضًا، لكن استخدم طريقة علماء الكلام مع محاولة التوفيق - في رأيهم - بين المنقول والمعقول وقد بدأه أبو الحسن الأشعري، موافقًا مذهب السنة والحديث في أصولهم العامة فأثبت صفات الله تعالى خلافًا للنفاة وإثبات القدر وأن أعمال الناس وغيرهم بمشيئة الله وقدرته، خلافًا لنفاة القدر، وإثباته لفضائل الصحابة لا سيما الخلفاء الأربعة، وموافقته لأهل السنة في عقائدهم في الشفاعة والصراط والميزان. كما قام بالرد على المعتزلة والشيعة والجهمية مبينًا تناقضهم (1) .
ولما كان الأشعري بعد رجوعه عن الاعتزال قد سلك طريقة ابن كلاب، فإننا سنعرض أولاً لعقيدة ابن كلاب، قبل الحديث عن الشيخ الأشعري لمعرفة الصلة بينهما، لا سيما في موقفهما من موضوع كلام الله تعالى.
التعريف بابن كلاب:
تروي كتب الفرق أن أبا الحسن الأشعري لما رجع عن الاعتزال سلك طريقة أبي محمد بن كلاب، الذي قام مدافعًا عن عقيدة أهل السنة في مواجهة المعتزلة مبينًا
=
ويرى الكرجي أنه يلزم كل من يتبع أحدًا من الأئمة في الفروع أن يتبعه فى الأصول أيضًا، فانتحال مذهبه، مع مخالفته له في العقيدة، مستنكر شرعا وطبعًا. فمن قال: أنا شافعي الشرع، أشعري الاعتقاد، قلنا له: هذا من الأضداد، لا بل من الارتداد إذ لم يكن الشافعي أشعري الاعتقاد ومن قال: أنا حنبلي فى الفروع معتزلي في الأصول، قلنا: قد ضللت إذاً عن سواء السبيل عما تزعمه، إذ لم يكن أحمد معتزلي الدين والاجتهاد.
(1)
ابن تيمية: مجموع فتاوى ج 4 ص 13 ط الرياض 1381 هـ وفي موضع آخر يدافع عن الأشعري بحرارة مقررًا أنه بين من تناقض أقوال المعتزلة وفسادها ما لم يبينه غيره حتى جعلهم في قمع السمسمة (شرح حديث النزول ص 172) .
فساد قولهم بنفي علو الله تعالى، ونفي صفاته وصنف كتبًا كثيرة في أصل التوحيد والصفات، وبين بأدلة كثيرة عقلية على فساد قول الجهمية، وبين فيها أن علو الله على خلقه، ومباينته لهم من المعلوم بالفطرة والأدلة العقلية القياسية، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، إذْ كان الجهمية النفاة المعطلة للصفات في عصره يقولون: إن الله لا يرى ولا له علم ولا قدرة وأنه ليس فوق العرش رب، ولا على السموات إله، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم يعرج به إلى ربه. وقد أنصفه ابن تيمية فأقر بما كان له من فضل وعلم ودين ودافع عنه إزاء من يتهمونه بأنه ابتدع ما ابتدعه ليظهر دين النصارى في المسلمين ورأى أنه كذب عليه (1) ، وإنما افترى هذا عليه المعتزلة والجهمية الذين رد عليهم، لأنهم يزعمون أن من أثبت الصفات فقد قال بقول النصارى، بينما كان ابن كلاب أقرب إلى السنة من الجهمية والمعتزلة (2) .
ولكن وجه الخطأ في تأويل ابن كلاب ومن وافقه ظنه أنه لا يمكن رد قول الجهمية في القرآن إلا إذا قيل: إن الله تعالى لم يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا كلم موسى حين أتاه، ولا قال للملائكة: اسجدوا لآدم بعد أن خلقه، ولا يغضب على أحد بعد أن يكفر به، ولا يرضى عنه بعد أن يطيعه، ولا يحبه بعد أن يتقرب إليه بالنوافل، ولا يتكلم بكلام بعد كلام، فتكون كلماته لا نهاية لها.
(1) شرح حديث النزول ص 171.
(2)
وبذلك طعن ابن تيمية في الرواية التي يحكيها خصوم ابن كلاب، وتتلخص فى الادعاء بأنه كان نصرانيا فأسلم وفارق قومه، وكانت له أخت أكبر منه عالمة بدين النصرانية، لها عندهم قدر عظيم فهجرته حين أسلم وأبعدته من المحلة، لأنها كانت راهبة للنصارى مقبولة القول عندهم، يصدرون عن رأيها، فتحيل عليها كل أحد من المسلمين والنصارى من الجيران، في أن تمكنه من الدخول إليها فلم تفعل فاحتال حتى تسلق عليها من بعض بيوت الجيران، فلما رأته صاحت فقال لها: يا سيدتي اسمعي مني كلمة واحدة، ثم افعلي ما بدا لك. فقالت: هات. فقال: اعلمي أني وجدت هذا الإسلام ينشر ويزداد كل يوم ظهورًا، والنصرانية تضمحل آثارها، فوضعت فصولا وعلمت مسائل - ذكرها لها - أودعتها معنى النصرانية وأسسها في الإسلام، وشوشت عليهم أصولهم - فلما سمعت بذلك طابت نفسها. (عباس بن منصور السكسكي الحنبلي (متوفى 683 هـ) البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص 19 تحقيق خليل أحمد إبراهيم الحاج، دار التراث العربي 1400 هـ - 1980 م) .
وكانت هذه العقيدة التي اتخذها ابن كلاب وأتباعه بمثابة رد فعل لما زعمه الجهمية بأن القرآن مخلوق، فظنوا أن دفع هذا القول والرد عليه يقتضي الاعتقاد بأن كلام الله تعالى معنى واحد قائم بذاته، وبذلك خالفوا سلف الأمة وجمهورها القائلين بأن كلام الله بعضه أفضل من بعض، كما بين ذلك الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين من غير خلاف يعرف في ذلك عنهم (1) .
لذلك أنكر بعض أصحاب مالك والشافعي على ابن كلاب هذا الأصل وأمر أحمد بن حنبل وغيره بهجر الكلابية حتى هجر الحارث المحاسبي لأنه كان صاحب ابن كلاب، وكان قد وافقه على هذا الأصل، ثم روي عنه أنه رجع عن ذلك، وكان الإمام أحمد يحذر من الكلابية (2) .
والصحيح في رأي ابن تيمية أن القرآن الكريم - وإن كان كله كلام الله تعالى وكذلك التوراة والإنجيل والأحاديث القدسية (أو الإلهية) التي يحكيها الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله تبارك وتعالى كقوله: (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا) وكقوله: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي) وأمثال ذلك، فهي وإن اشتركت في كونها كلاماً إلا أن بعضها أفضل من بعض، وشرح ذلك يحتاج إلى بيان.
إن الكلام له نسبتان: نسبة إلى المتكلم به، ونسبة إلى المتكلم فيه. فهو يتفاضل باعتبار النسبتين وباعتبار نفسه أيضًا، فإن (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) كلاهما كلام الله تعالى، وهما مشتركان من هذه الجهة، لكنهما متفاضلان من جهة المتكلم فيه، المخبر عنه، فالآيات الأولى كلام الله وخبره الذي يخبر به عن نفسه، وصفته التي يصف بها نفسه، وكلامه الذي يتكلم به عن نفسه تعالى، والآيات الثانية كلام الله الذي يتكلم به عن بعض خلقه، ويخبر به ويصف به حاله، وهما في هذه الجهة متفاضلان بحسب تفاضل المعنى المقصود بالكلامين (3) .
(1) ابن تيمية: جواب أهل العلم والإيمان ص 52 - 53.
(2)
نفس المصدر ص 55.
(3)
ابن تيمية: جواب أهل العلم والإيمان ص 57.