الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السنة ودعم أصولها، ويذهب إلى أبعد من ذلك فيذكر أن الإسلام، إذا كان يبغي المحافظة على جوهره وطابعه، ليظل إسلامًا، فما من سبيل يبلغ به هذه الغاية أفضل من سبيل المحافظة على السنة والاستمساك بعراها (1) .
ومما يوضح لنا منهجه، ما نقل لنا من كلامه المأثور في قوله (أصول الإسلام أربعة دال ودليل ومبين ومستدل، الدال: هو الله تعالى، والدليل هو القرآن، والمبين وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، والمستدل: أولو العلم وأولو الألباب الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم)(2) .
وظل الإمام أحمد معظمًا عند أهل السنة والجماعة.
يقول شارح عقيدة السفاريني في نسبة المذهب السلفي إلى الإمام أحمد: (وإنما نسب لإمامنا الإمام أحمد؛ لأنه انتهى إليه من السنة.
قال بعض شيوخ المغاربة: المذهب لمالك والشافعى وغيرهما من الأئمة والظهور للإمام أحمد بن حنبل) (3) .
منهجه مع المتكلمين:
ضمن الإمام أحمد كتابه (الرد على الزنادقة والجهمية) آراءه في الرد على المتكلمين فيرميهم بأنهم يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم. ومضى في كتابه سالكًا طريق تفسير الكتاب بالكتاب فيما أثاروه من شبهات، ففندها جميعًا، مبينًا التفسير الصحيح.
وسنعتمد على هذا الكتاب في إيراد المسائل التي خاض فيها المعتزلة بخاصة. من ذلك إنكارهم رؤية الله تعالى في الآخرة، بين ابن حنبل أن تفسير الآية (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ)[القيامة، الآية: 22] يعني الحسن والبياض (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)[القيامة، الآية: 23] يعني: تعاين ربها في الجنة. ومضى شارحًا تفسير الآية الأخرى (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ)[الأنعام، الآية: 103] بأنها تعني في الدنيا والأخرة، وذلك أن
(1) ولتر باتون: ابن حنبل والمحنة ص 35.
(2)
ابن تيمية: النبوّات ص 42.
(3)
شرح عقيدة السفاريني ص 64 ط المنار سنة 1323هـ.
اليهود قالوا لموسى: (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ)[النساء، الآية: 153] وقد سألت مشركو قريش النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: (أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا)، فنزل قوله تعالى:(أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ)[البقرة، الآية: 108] وأوحى الله إلى رسوله أنه لا تدركه الأبصار، أي: لا يراه أحد في الدنيا، دون الآخرة.
ولا تعارض بين الآية الأولى التي تخبر برؤية المؤمنين لربهم عز وجل في الجنة، والآية الثانية التي تعني استحالة رؤية الله سبحانه وتعالى في الدنيا (1) .
ويفند الإمام أحمد دعوى الجهمية في نفي الصفات عن الله تعالى، ويوضح لنا جذور المسألة، وعلة اتخاذهم لهذا الموقف، يذكر لنا ما بلغه من أمر الجهم وينسب نفيه الصفات الإلهية، فقد كان الجهم من أهل خراسان، صاحب خصومات وكلام، فلقي أناسًا من المشركين يقال لهم: السمنية (نسبة إلى سومنات بلدة بالهند وهم البوذية) فعرفوا الجهم، فناقشوه، مطالبين إياه بتقديم الحجة على صحة دينه. وسألوه:
ألست تزعم أن لك إلهًا؟ قال الجهم: نعم، فقالوا له فهل رأيت إلهك؟ قال، لا، قالوا - فهل سمعت كلامه؟
سألوه - هل رأى ربه أو سمعه، أو وجد له حسًا؟ ومضوا في هذه الأسئلة المشبهة لله عز وجل بصفات المخلوقين، فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يومًا، ثم استدرك حجة مثل حجة النصارى في زعمهم أن الروح الذي في عيسى هو روح الله، فاستدرك حجة مثل هذة الحجة فقال للسمني:
ألست تزعم أن فيك روحًا؟ قال: نعم، فقال هل رأيت روحك؟ واستمر في توجيه نفس الأسئلة وكان جواب السمني بالنفي، فظن أن هذا إفحام، إذ ختم أسئلته، بقوله:(فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا يشم له رائحة، وهو غائب عن الأبصار، ولا يكون في مكان دون مكان) .
ويرى الإمام أحمد أن الجهم يعتمد في حججه على ثلاث آيات من المتشابه. فيقول (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ)[الأنعام، الآية: 3]
(1) ابن حنبل: الرد على الزنادقة والجهمية ص 59.
و (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ)[الأنعام، الآية: 103] ، فتأول القرآن على غير تأويله، وكذب أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله، كان كافرًا، وكان من المشبهة، وتبعه قوم منهم أصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة سألهم الناس عن قول الله:(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) أجابوا ليس كمثله شيء من الأشياء، وهو تحت الأرضين السبع، وكما هو على العرش، ولا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، ولم يتكلم ولا يكلم، ولا ينظر إليه أحد في الدنيا، ولا في الآخرة، ولا يوصف، ولا يعرف، ولا يدرك بعقل، وهو وجه كله، وهو علم كله، وهو سمع كله، وهو بصر كله، وهو نور كله، وهو قدرة كله..
ويرى الإمام أحمد أن إلزامات مذهبهم تؤدي إلى أنهم لا يؤمنون بشيء - ويوجه إليهم بدوره الأسئلة لاستدراجهم للإقرار.
ويسألهم: من تعبدون؟ فإذا قالوا: إنهم يعبدون من يدبر أمر هذا الخلق، قيل لهم (هذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة. قالوا: نعم فقلنا: قد عرف المسلمون أنكم لا تؤمنون بشيء، لأن هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى. قالوا: لا يتكلم ولا يكلم، لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة والجوارح عن الله منفية. وهكذا يوهمون البعض بأنهم من أشد الناس تعظيمًا لله، بينما يعود قولهم إلى ضلالة وكفرا (1) .
ويمضي الإمام في بيان تفصيل ما جحدته الجهمية، شارحًا معاني الآيات القرآنية التي يستندون إليها، في الرؤية، وصفة الاستواء، وعلو الله تعالى على خلقه:
قالوا في تفسير الآية: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة، الآية: 22، 23] ، إنما تنظر الثواب من ربها وصحتها أنها مع ما تنتظر الثواب ترى ربها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنكم سترون ربكم" ويؤيد ذلك في تفسير قوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)[يونس، الآية: 26] أن الزيادة هي النظر إلى وجه
(1) ابن حنبل: الرد على الزنادقة 7: 69.
الله تعالى. وعلى عكس ذلك فإن الكفار سيحجبون عن الله في قوله تعالى: (إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ)[المطففين، الآية: 15] فإذا كان الكافر يحجب عن الله، والمؤمن يحجب عن الله، فما فضل المؤمن على الكافر؟
ويستند ابن حنبل إلى الآيات القرآنية المثبتة بأن الله تعالى على العرش كقوله (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)[طه، الآية: 5] و (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)[الحديد، الآية: 4] بينما يزعم الجهمية أنه سبحانه على العرش وفي السموات وفي الأرض وفي كل مكان ولا يخلو منه مكان استنادًا إلى الآية (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ)[الأنعام، الآية: 3] فيتساءل قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظم الرب شيء. ويضرب الأمثلة على ذلك: أجسام البشر وأجوافهم وأجواف الخنازير والأماكن القذرة، بينما أخبرنا الله أنه في السماء فقال:(ءَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ)[الملك، الآية: 16]، (أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا) [الملك: 17] وقال: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ)[فاطر، الآية: 10] وقال: (مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)[آل عمران، الآية: 55](بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ)[النساء، الآية: 158] وغيرها من الآيات، بينما وجدنا كل شيء أسفل منه مذمومًا، كقوله جل ثناؤه (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) ، (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ)[فصلت، الآية: 29]
أما معنى الآية (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ)[الأنعام، الآية: 3] التي أخطأ في تفسيرها الجهمية، فهي تعني: أنه إله من في السموات وإله من في الأرض وهو على العرش أحاط علمه بما دون العرش، ولا يخلو من علم الله مكان ولا يكون علم الله في مكان دون مكان، فذلك قوله:(لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)[الطلاق، الآية: 12] .
وواضح من منهج الإمام أحمد أنه يقرن الدليل الشرعي بالنظر العقلي: فيقدم الآية القرآنية، مقترنة بالتفسير الصحيح للناظر إلى القرآن بتدبر في شموله (في هذا دلالة وبيان لمن عقل عن الله. فرحم الله من فكر، ورجع عن القول الذي يخالف
الكتاب والسنة) (1) .
ويلجأ إلى الحجة العقلية لإثبات الصفة الإلهية مع توحيد الله عز وجل، فإذا قلنا إن الله لم يزل بصفاته كلها، أليس أننا نصف إلهًا واحدًا بجميع صفاته؟ ومثال ذلك النخلة، لها جذع وكرب وليف وسعف وخوص واسمها اسم شيء واحد وسميت نخلة بجميع صفاتها، فذلك الله وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد (2) .
وما أوقع الجهمية في الخطأ، تفسيرهم لآيات المعية الإلهية، فرأوا أن الله سبحانه وتعالى بذاته معهم في كل مكان، مؤيدين ذلك بمثل قوله تعالى:(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)[المجادلة، الآية: 7] .
ولكن ابن حنبل يسلك معهم طريقين لإثبات خطأ تفسيرهم، الأول: لفت نظرهم إلى أن الآيات السالفة الذكر بدأت بعلم الله وختمت بعلمه، المعية إذن مع العباد ليست بالذات ولكن بالعلم، فالله تعالى مع عباده بعلمه أينما كانوا. هذا هو التفسير الصحيح.
ويسلك الطريق الثاني بالحجاج العقلي، فيفحم الخصم بوضع الأسئلة المتعددة التي تضطره إلى اختيار إحدى الإجابات، فيلزمه بالخطأ أو يفحمه فيغير رأيه.
ونترك الإمام يتكلم هنا بأسلوبه الجدلي في نقاشه مع أحد الجهمية:
إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أن الله في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان فقل: أليس الله كان ولا شيء؟ فيقول: نعم. فقل له: حين خلق الشيء خلق في نفسه أو خارجًا من نفسه فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال لابد له من واحد منها، إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه كفر، حين زعم أن الجن والإنس والشياطين في نفسه.
وإن قال: خلقهم خارجًا عن نفسه ثم دخل فيهم، كان هذا كفرًا أيضًا حين
(1) الرد على الزنادقة ص 77.
(2)
نفس المصدر ص 91.