المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ اللزوم والاعتبار: - منهج علماء الحديث والسنة في أصول الدين

[مصطفى حلمي]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الأول

- ‌الفصل الأول:عصر الصحابة رضي الله عنهم

- ‌أصول الدين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة:

- ‌رد الرسول صلى الله عليه وسلم على وفد نجران:

- ‌القرآن كلام الله تعالى:

- ‌الإيمان بالقدر وفهمه على الوجه الصحيح:

- ‌الملائكة:

- ‌الفصل الثاني:مكانة الصحابة رضي الله عنهم في الأمة

- ‌منهج الصحابة في النظر والتدبر:

- ‌أولا: الأدلة النقلية:

- ‌ثانيًا الدليل العقلي:

- ‌الباب الثانيأحداث الردة والفتن

- ‌الافتراق عن مذهب الصحابة في أصول الدين:

- ‌موقف التابعين إزاء المخالفين:

- ‌أحوال أهل الجنة:

- ‌ظهور الجدل في أصول الدين

- ‌مذهب أهل السنة والجماعة:

- ‌الباب الثالثنشأة الكلام في الدين وعوامل ظهوره

- ‌الفصل الأول:

- ‌مراحل ظهور الكلام في الدين:

- ‌ عوامل نشأة المشكلات الكلامية

- ‌ذم السلف للكلام المبتدع:

- ‌ أسباب ذم علم الكلام

- ‌علم الكلام بين الأصالة والابتداع:

- ‌الفصل الثاني:علم الكلام:

- ‌أهم موضوعات علم الكلام:

- ‌حجج المتكلمين في الدفاع عن منهجهم:

- ‌رأي علماء الحديث في هذه الحجج:

- ‌الباب الرابعموقف أهل الحديث والسنة من المعتزلة

- ‌الفصل الأول:

- ‌التعريف بعلماء الحديث ومنهجهم:

- ‌سلاسل الإسناد:

- ‌منهج علماء الحديث في أصول الدين:

- ‌موقف أهل الحديث والسنة من المعتزلة

- ‌الأصول الخمسة عند المعتزلة:

- ‌كلمة عن الصفات الإلهية وأثر الإيمان بها:

- ‌ الإيمان بالقدر وعلاقته بالإرادة الإنسانية:

- ‌دوافع علماء الحديث لمجابهة المتكلمين:

- ‌علم الكلام لدى علماء الحديث والسنة:

- ‌الفصل الثاني:

- ‌محاورات علماء أهل الحديث والسنة مع المعتزلة:

- ‌1 - الإمام أحمد بن حنبل وابن أبي دؤاد

- ‌حياته وعصره:

- ‌منهجه مع المتكلمين:

- ‌المحنة:

- ‌2- عبد العزيز المكي. وبشر المريسي:

- ‌المنهج:

- ‌صفات الله عز وجل:

- ‌إثبات أن كلام الله تعالى ليس مخلوقًا

- ‌الفرق بين الجعل والخلق

- ‌إقامة الحجة بالتنزيل

- ‌إقامة الحجة بالنظر والقياس

- ‌إثبات علم الله - تعالى - بنص التنزيل:

- ‌إثبات الفعل والقدرة بالنظر والقياس

- ‌أولا: بالنظر والمعقول:

- ‌ثانيًا: إثبات أن القرآن كلام الله بمنهج القياس:

- ‌الاستواء على العرش:

- ‌الفصل الثالث:

- ‌صلة العقل بالشرع

- ‌تعريف الشرع:

- ‌تعريف العقل بين فلاسفة اليونان ولغة عدنان:

- ‌أدلة الشرع عقلية:

- ‌تعقيب:

- ‌الباب الخامس

- ‌علم الكلام على مفترق الطرق

- ‌السلف والأشاعرة:

- ‌محنة خلق القرآن ونتائجها المنهجية:

- ‌التعريف بابن كلاب:

- ‌إثبات صفة العلو لله تعالى شرعًا وعقلاً:

- ‌الإمام أبو الحسن الأشعري والمنهج السلفي:

- ‌ مدى التمايز بين المنهجين

- ‌ صفات الله سبحانه وتعالى:

- ‌ نظرية الكسب الأشعرية وتفسير أفعال الإنسان:

- ‌عدل الله تعالى وحكمته:

- ‌نظرية الجوهر الفرد وتفسير الخلق والبعث:

- ‌توافق أدلة الكتاب والسنة مع الواقع المشاهد:

- ‌صعوبات أمام النظرية في تفسير البعث:

- ‌تحول أئمة الأشعرية إلى طريقة السلف:

- ‌تقييم ابن تيمية لشيوخ الأشاعرة:

- ‌طريقة السلف أعلم وأحكم:

- ‌الباب السادس

- ‌موقف ابن تيمية من القضايا الكلامية:

- ‌مقدمة:

- ‌حياته وعصره:

- ‌خلقه:

- ‌منهجه:

- ‌هدم المنطق الأرسططاليسي وإعلاء الميزان القرآني:

- ‌الفطرة الإنسانية وطرق المعرفة:

- ‌الهدى والبينات:

- ‌مواقفه إزاء القضايا الكلامية

- ‌الصفات الإلهية:

- ‌إثبات صفات الله تعالى وأفعاله بالأدلة العقلية:

- ‌ طرق البراهين القرآنية

- ‌ الميزان القرآني:

- ‌ قياس الأولى:

- ‌ اللزوم والاعتبار:

- ‌الباب السابع

- ‌القضايا الكلامية في العصر االحاضر

- ‌المشكلات الكلامية في ضوء التفسير التاريخي:

- ‌مسائل الإجماع في العقيدة والعبادات:

- ‌الالتقاء بالغرب وآثاره على القضايا الكلامية:

- ‌ما هي الحضارة

- ‌صلة العلم بالدين في العصر الحديث:

- ‌المشكلات الكلامية الطارئة في العصر الحديث:

- ‌ملامح الفكر الإسلامي المعاصر:

- ‌الباب الثامندراسة في الفكر الإسلامي المعاصر

- ‌حياته وعصره

- ‌موقف محمد إقبال من الحضارة الغربية:

- ‌إقبال بين الغرب والشرق:

- ‌أهم آرائه:

- ‌الإنسان في القرآن:

- ‌الحقيقة بين التجربة العلمية والتجربة الدينية:

- ‌المراجع

الفصل: ‌ اللزوم والاعتبار:

والأجساد؟ ولذلك أعثر الله تعالى هؤلاء على أهل الكهف، وعلموا أنهم بقوا نيامًا لا يأكلون ولا يشربون ثلاثمائة سنة شمسية وهي ثلاثمائة وتسع هلالية، فأعلمهم الله بذلك إمكان إعادة الأبدان (1) .

(ب) وتارة يستدل القرآن الحكيم على البعث بالنشأة الأولى، وأن الإعادة أهون من الابتداء، كقوله تعالى:(وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) [يس: 78 - 79] وقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)[الروم: 27] .

(جـ) وتارة يستدل على إمكان ذلك بخلق السموات والأرض، فإن خلقها أعظم من إعادة الإنسان، كقوله تعالى:(أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ)[يس: 81] وقوله سبحانه: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[الأحقاف: 33] .

(د) وتارة يستدل على إمكانه بخلق النبات، كقوله تعالى:(وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[الأعراف: 57] وقوله سبحانه: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ)[فاطر: 9] .

ومن طرق الميزان القرآني:‌

‌ اللزوم والاعتبار:

نقد ابن تيمية كما تقدم القياس المنطقي الأرسططاليسي للوصول إلى إثبات أنه لا يفيد العلم، ولا يدعي شيخ الإسلام أن النقد نقده، ولكن يرجعه إلى نظار المسلمين فمع كثرة التعب، ليس فيه فائدة علمية بل كثيرًا ما يمكن علمه بدونه، ففيه تطويل كثير متعب فإنه متعب للأذهان مضيع للزمان، ويضرب مثالاً على ذلك

(1) ابن تيمية - الرد على المنطقيين ص 318 - 320.

ص: 237

بمن يريد مثلاً الوصول إلى مكة أو غيرها من البلاد فإذا سلك الطريق المستقيم المعروف وصل في مدة قريبة بسعي معتدل، ولكن إذا قيض له من يدور به طرقًا دائرية - ويسلك به مسالك منحرفة يتعب تعبًا كثيرًا حتى يصل إلى الطريق المستقيمة إن وصل. وإلا فقد يصل إلى غير المطلوب، فيعتقد اعتقادات فاسدة. وقد يعجز بسبب ما يحصل له من التعب والإعياء، فلا هو نال مطلوبه، ولا هو استراح.

ويرى ويشارك ابن تيمية نظار المسلمين في وصف هذا القياس بأنه استعمال لطرق غير فطرية ويعذب النفوس بلا منفعة، كما أن القياس الأرسطي لا يفيد إلا بأمور كلية، لا يفيد العلم بشيء معين من الموجودات، بل الأيسر والأبين العلم بالمعينات لا الكليات (1) .

هذا القياس الذي لا يتضمن إلا شكل الدليل وصورته لأن الكليات تقع في النفوس بعد معرفة الجزئيات المعينة، أي أن النظريات العلمية العامة لا يتوصل إليها إلا بعد معرفة الجزئيات في العلوم المختلفة والتوصل منها إلى استنباط القانون العام الذي ينتظمها جميعًا (ومن تدبر جميع ما يتكلم فيه الناس من الكليات المعلومة في الطب والحساب والطبيعيات والتجارات وغير ذلك وجد الأمر كذلك)(2) .

ويستنتج من ذلك أن قياس التمثيل أقوى وأكثر يقينًا من قياس الشمول لأنه بالأول يصل إلى المفردات المعينة للقضية الكلية، ومن أعظم صفات العقل معرفة التماثل والاختلاف، أي قياس الطرد وقياس العكس، وهو ما استخدمه القرآن الكريم بهدف الاعتبار.

الاعتبار (3) :

ويمضي ابن تيمية في الاستشهاد بالآيات القرآنية الدالة على ذلك، فإن ما أمر

(1) ابن تيمية: الرد على المنطقيين ص 248 - 252.

(2)

السيوطي: صون المنطق ج 2. ص 155.

(3)

ومعنى الاعتبار (العبور) بالفكر في المخلوقات إلى قدرة الخالق، فيسبّح عند ذلك ويقدّس ويعظّم، وتصير حركاته باليدين والرجلين كلها لله تعالى، ولا يمشي فيما لا يعنيه ولا يفعل بيده شيئاً عبثاً، بل تكون حركاته وسكناته لله تعالى، فيثاب على ذلك في حركاته وسكناته وفي سائر أفعاله. (شرح الأربعين النووية - الحديث الثامن والثلاثون) من عادى لي وليًا

ص: 238

الله به من الاعتبار في كتابه يتناول قياس الطرد وقياس العكس، قال تعالى:(كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ)[الشعراء، الآية: 105] وقال سبحانه: (كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ)[الشعراء، الآية: 123] فإنه لما أهلك المكذبين للرسل بتكذيبهم، كان من الاعتبار أن يعلم أن من فعل مثل ما فعلوا أصابه مثل ما أصابهم فيبقى تكذيب الرسل سببًا للعقوبة، وهذا قياس الطرد. كما يعلم أن من لم يكذب الرسل لا يصيبه ذلك، وهذا قياس العكس، وهو المقصود من الاعتبار بالمكذبين والاعتبار يكون بهذا وبهذا، قال تعالى:(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ)[يوسف: 111] وقال: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا) إلى قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ)[آل عمران: 13](1) .

ولهذا المدلول يرى ابن تيمية أن كثرة الإشارة إلى قصة موسى عليه السلام وفرعون في القرآن الكريم يرجع إلى الاعتبار في كل مرة تذكر فيها. إنه ينكر فكرة (التكرار) في القرآن. لأن المقصود من إعادة القصة في سور وآيات متعددة هو توضيح عبرة جديدة لم يشر إليها في موضع آخر من الكتاب.

ومن هنا فليس في القرآن تكرار أصلا.

أما أهمية قصة موسى وفرعون فترجع إلى أنهما في طرفي نقيض في الحق والباطل فإن موسى عليه السلام بلغ الغاية القصوى من الإيمان وكلمه الله سبحانه تكليمًا بلا حجاب، بينما كفر فرعون بالربوبية وبالرسالة، وكان موقفه أشد إنكارًا من باقي المخالفين للرسل لأن أكثرهم لا يجحدون وجود الله (وربما يقصد هنا أنهم يشركون) كذلك لم يكن للرسل من التكليم لرب العالمين.

فصارت قصة موسى وفرعون أعظم القصص وأعظمها اعتباراً لأصل الإيمان ولأصل الكفر، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقص على - أمته عامة - عن بني إسرائيل، وكان يتأسى بموسى في أمور كثيرة، ولما بشر بقتل أبي جهل يوم بدر قال:(هذا فرعون هذه الأمة)(2) .

(1) صون المنطق. ج 2 ص 156.

(2)

فتاوى ابن تيمية: ج 12. ص 9.

ص: 239

اللزوم:

ويرى ابن تيمية أن الحقيقة المعتبرة في كل دليل هو (اللزوم)، فمن عرف أن هذا لازم لهذا استدل بالملزوم على اللازم بغير ذكر لفظ اللازم ولا تصور معنى هذا اللفظ لأن الإنسان بفطرته السوية يعرف أن كل شيء مصنوع لا بد له من صانع وكثيرًا ما يستخدم الناس أمثال هذه القضية بقولهم:(إن كذا لابد له من كذا أو إنه إذا كان كذا كان كذا) وبغير استخدام لفظ (اللزوم) فإن الصياغة نفسها تتضمن العلم باللزوم باعتباره حقيقة معتبرة.

كذلك الأمر في المخلوقات، فان كل ما في الوجود فهو آية لله تعالى، مفتقر إليه محتاج إليه، لا بد له منه، فيلزم من وجوده وجود الصانع.

والآية القرآنية الآتية واضحة الدلالة على معنى اللزوم قال تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)[الطور: 35] وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم أنه لما قدم في فداء الأسرى عام بدر سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بسورة الطور قال فلما سمعت قوله تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) أحسست بفؤادي يتصدع.

ولا شك أن للآية تقسيمًا حاصرًا بين أمرين لا ثالث لهما، فهل خلقوا من غير خالق خلقهم؟ فهذا ممتنع بالبداهة، أم خلقوا أنفسهم؟ فهذا أشد امتناعًا. فعلموا أن لهم خالقًا خلقهم، وهو سبحانه وتعالى.

ويمضى ابن تيمية في شرح الاستدلال العقلي في هذه الآية بقوله: (ذكر الدليل بصيغة استفهام الإنكاري ليبين أن هذه القضية التي استدل بها فطرية، بديهية، مستقرة في النفوس، لا يمكن إنكارها. فلا يمكن لصحيح الفطرة أن يدعي وجود حادث بدون محدث أحدثه، ولا يمكنه أن يقول هو أحدث نفسه)(1) .

النبوة:

استوعب ابن تيمية آراء السابقين عليه في موضوع النبوة والبرهنة عليها، وقد

(1) ابن تيمية - الرد على المنطقيين ص 252، والسيوطي - صون المنطق ب 2 ص 130 - 131.

ص: 240

تدخل في المواد التي قرأها فأضاف إليها وعدل بعضها، لأنه لم يوافق على ما كتبه الرازي - وهو أقرب المتكلمين إليه زمنًا.

ويقوم برهانه على إثبات النبوة بعامة ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم ومجيئه بالقرآن عند أهل الأرض وتواتر معجزاته وأخباره. ويستدل أيضًا على نبوته بنسبه المنتمي إلى سلالة إبراهيم الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، فلم يأت نبي من بعد إبراهيم إلا من ذريته، وجعل له ابنين إسماعيل وإسحاق، وذكر في التوراة هذا وهذا وهو من قريش صفوة بني إبراهيم.

وأيضًا يستند إلى سيرته وآياته وأخلاقه وشريعته من حين ولد إلى أن بعث ومن حيث بعث إلى أن مات وبتدبر نسبه وبلده وأصله.

فإذا قارن بين تواتر أخبار الفلاسفة وأخبار الأنبياء، رجح أخبار الأنبياء كموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم لأن أنباءهم معلومة عند الناس من تواتر وجود أولئك فضلاً عن تواتر ما يخبرون به، ولهذا صار ظهور الأنبياء مما تؤرخ به الحوادث في العالم لظهور أمرهم عند الخاصة والعامة، فإن التاريخ يكون بالحادث المشهور الذي يشترك الناس فيه ليعرفوا به كم مضى قبله وبعده.

كما يفضلون من حيث أساليبهم في الإقناع والدعوة، فيأمرون البشر بما فيه صلاحهم وينهونهم عما فيه فسادهم، ولا يشغلونهم بالكلام في أسباب الكائنات كما يفعل الفلاسفة، فإن هذا الأسلوب كثير التعب قليل الفائدة أو موجب للضرر. ويضرب مثلاً على النبي بالطبيب الذي يأمر مريضه بتناول الدواء المفضي إلى علاجه، فيسترد صحته إذا استمع لنصحه، ولكن الفيلسوف يتجه باهتمامه إلى الحديث عن أسباب المرض وصفته وذمه وذم ما أوجبه ولو سأله المريض عن الدواء الشافي لعجز عن الإجابة.

وقد يثار التساؤل حول من لم تبلغهم الرسالات السماوية، أو من لم تقم عليه الحجة في الدنيا بالرسالة كالأطفال والمجانين وأهل الفترات الخالية من الأنبياء والرسل. وهنا، يختار من الأقوال أرجحها، وخلاصتها أن هؤلاء يمتحنون يوم القيامة فيبعث إليهم من يأمرهم بطاعته، فإن أطاعوه استحقوا الثواب وإن عصوه استحقوا العقاب، أما الحجة بالقرآن فقد قامت على من بلغه كما قال تعالى:(لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)

ص: 241

[الأنعام: 19] فمن بلغه بعض القرآن دون بعض قامت عليه الحجة فيما بلغه دون ما لم يبلغه.

كما تظهر وظيفة الأنبياء - أو دورهم، ومهامهم - في كونهم وسائط بين الله وبين عباده في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده، وما أخبر به عن نفسه وملائكته وغير ذلك مما كان ويكون.

وتفصح الآيات القرآنية عن الرسول بأنه لا يعلم الغيب وأنه ليس ملكًا يملك الخزائن، وإنما هو بشر لا يستغني عن المأكل والمشرب.

ولابن تيمية كتاب (النبوات) عالج فيه الموضوع باستفاضة، كما أشار في كتب كثيرة ربما أكثرها استفاضة (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) إذ عرض فيه دلالة وبراهين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها الأدلة العقلية التي استخدمها هرقل ملك الروم، إذ سأل أبا سفيان قبل إسلامه (كيف نسبه فيكم؟ قال هو فينا ذو نسب قال فهل قال هذا القول منكم أحد قبله قط؟ قال: لا قال فهل كان من آبائه من ملك؟ قال: لا قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم فقال أيزيدون أم ينقصون؟ قال: بل يزيدون قال: فهل يرتد منهم أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا قال فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا، قال فهل يغدر؟ قال: لا، قال فهل قاتلتموه؟ قال: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا، وننال منه قال: فبماذا يأمركم؟ قال: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة) .

ومن هذه الإجابات كلها تأكد هرقل من نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم وفسر إجابات أبي سفيان بالآتي (أن الرسل تبعث في أحساب قومها ولو كان من آبائه ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه والضعفاء هم أتباع الرسل، وأنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يكذب على الله) واستدل من عدم ارتداد أتباعه عن دينه بسبب الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب وأنهم يزيدون - فكذلك الإيمان حتى يتم ومن الحرب الدائرة بينه وبين قومه وأنها سجال ينالون منه وينال منهم دلت على أن الرسل يبتلون ثم تكون لهم العاقبة إلى جانب أنه لا يغدر ولم يسبقه أحد قبله بقوله وكذلك أوامره بعبادة الله

ص: 242

تعالى أي الصلاة والزكاة والعفاف.

قال هرقل في النهاية: (إن يكن ما تقول فيه حقًا إنه لنبي وكنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظنه منكم ولو أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه وليبلغن ملكه ما تحت قدمي)(1) .

ونرى بعد ذلك استكمال الحديث عن معالم المنهج الذي عاش ابن تيمية من أجل توضيحه ولفت الأنظار إليه وحث المسلمين - خاصتهم وعامتهم - إلى اتباعه والاستضاءة به إذ إن العلاقة بين اجتهادات شيخ الإسلام وبين قضايا أصول الدين لم تنقطع بموته، فهي تمتد لكل الأعصار لأن محورها يتمثل في أهم قضية للإنسان يترتب عليها النتيجة الحاسمة في مصيره، أي قضية الإيمان بالله تعالى وعبادته والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث والحساب والعقاب والملائكة وغيرها من كائنات عالم الغيب وحقائقه حيث لا تكتمل المعرفة الإنسانية الحقة إلا بعد الإحاطة بها مقترنة بالعبادة والاستسلام لله تعالى وحده.

ولهذا فإن دراسة اجتهادات شيخنا تصبح متجددة أبدًا لأنها تتصل بأهم ما ينبغي أن يشغل الإنسان إذا ما تطلع إلى مبدئه ومعاده وسبل تحقيق سعادته.

وكان من دواعي اطمئنان ابن تيمية ويقينه - بل تفاؤله رغم العوامل التي عاشها وكانت مثبطة للهمم - أن الإسلام يتميز بعناية الله تعالى وحفظه وظهوره إلى قيام الساعة، قال الشيخ:(وذلك أن الله تبارك وتعالى أكمل الدين بمحمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وبينه وبلغه البلاغ المبين، فلا تحتاج أمته إلى أحد بعده يغير شيئًا من دينه، وإنما تحتاج إلى معرفة دينه الذي بعث به فقط، وأمته لا تجتمع على ضلالة، بل لا يزال في أمته طائفة قائمة بالحق حتى تقوم الساعة فإن الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله فأظهره بالحجة والبيان وأظهره باليد واللسان، ولا يزال في أمته أمة ظاهرة وهذا حتى تقوم الساعة)(2) .

(1) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح جـ 1 ص 93-94 وجـ 4 ص 316.

(2)

ابن تيمية - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح جـ 1 ص 124، مطبعة المدني.

ص: 243

وكل ما تحتاجه الأمة إذن، هو معرفة الدين بالمنهج الذي وضعه الله - تعالى - في كتابه وبالهدى النبوي الحق، وصحة المنهج ليست مرتبطة بعصر من العصور أو بمصر من الأمصار، بل صحته ثمرة أصوله ويقينية براهينه، وما على المسلمين إلا اتباعه.

وسننظر في الباب القادم، كيف وقف هذا المنهج شامخًا ثابتًا؛ لمواجهة التحديات حتى عصرنا الحاضر.

ص: 244