الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويمكن القول بأن أسوار الحمراء و
القصور
قد سلمت جميعها من الخراب والتدمير إلى حد كبير أثناء الانهيار المتتابع للمملكة وسقوط الأسرة.
القصور:
إن قصور الحمراء، مثلها فى ذلك مثل كل القصور المغربية الأسبانية، قد رتبت فى مجموعات من المبانى حول أفنية مركزية، وعلى ذلك فإن العنصر الأساسى ليس هو جسم المبنى نفسه وإنما الفناء المركزى سواء كانت مساحته كبيرة أم صغيرة وتحيط به الظلات [السقائف] وتفتح على الفناء حجرات [المعيشة والحكم].
وهذه المجموعات من المبانى تكون غالبا ذات محاور مختلفة ويتصل بمضها ببعض بواسطة ممرات أو حجرات متصلة.
وقد هدمت قصور القرن السابع الهجرى/ (13 م) فى القرن الثامن الهجرى (14 م) لتقوم فى مكانها حجرات القصور الحالية.
وقد خربت المجموعة الأولى من المبانى التى كانت تقع فى الغرب منذ زمن طويل، وقد كشفت الحفائر الأثرية النقاب عنها حديثًا وهى عبارة عن فناء مربع تفتح عليه بعض حجرات صغيرة ومسجد صغير، وكان يتبع هذا المنزل البسيط ساحة كبيرة تعرف بساحة متشوكة [أى المطرقة] وتوجد إلى الشمال منها ظلة [سقيفة] تؤدى إلى قاعة تعلو أحد أبراج السور.
وتتألف القصور الحالية من مجموعتين بنيتا حول فنائين لهما محاور رئيسية عمودية وتضم المجموعة الأولى بهو قمارش ويتقدمه عمر ثم المشور ثم بهو صغير [بهو البركة أو بهو الريحان] وقد بنيت هذه المجموعة بأمر السلطان يوسف الأول (733 - 755 هـ/ 1333 - 1354 م) والمجموعة الثانية وهى مجموعة بهو السباع التى بنيت بأمر السلطان محمد الخامس (755 - 759 هـ/ 1354 - 1358 م ثم من 769 - 794 هـ/ 1368 - 1392 م) فضلا عن بعض الحمامات القديمة، ومسجد يصل
بين هاتين المجموعتين، وقد بنى هذا المسجد فى القرن 8 هـ/ 14 م.
وتوجد مقبرة الأسرة وتعرف بالروضة إلى الجنوب من بهو السباع وقد أمكن التعرف على تخطيطها بفضل الحفائر الأثرية.
ويحيط بكل من الفنائين الكبيرين ظلات [سقائف] أو مبانٍ فى الجوانب الأربعة، ويشتمل الطابق الأرضى دائما على قاعات الاستقبال، أما حجرات المعيشة فنسبها المعمارية أقل وتشغل الطابق الأول.
وعلى ذلك يمكن القول بأن كل مجموعة من مجموعات هذا القصر تشكل عالما صغيرا محصنا حول فنائه المركزى، ولكن الأجزاء العلوية التى فتحت بها الرحاب والممرات التى تعلوها المناظر الرائعة فذات أشكال مختلفة بهيجة.
أما بخصوص التكوين المعمارى فإنه يلاحظ أن تخطيط هذا القصر ليس له محور معلوم أو نظام معين كما أنه لا يتكون من عدة طوابق يعلو بعضها البعض كما يتبادر إلى الذهن ولكنه فريد فى تخطيطه وتصميمه إذ أنه يتألف من مجموعات من القاعات والابهاء رصت بجانب بعضها البعض دون الالتزام بقاعدة ثابتة أو تخطيط منتظم واضح، وربما كان ذلك راجعا إلى طبيعة الأرض الجبلية التى شيد القصر عليها، والتى فرضت على العرفاء [أى المهندسين] عدم الالتزام بالتماثل واتباع الأصول الهندسية المعروفة، ولكنهم استطاعوا أن يتغلبوا على هذه الظروف الطبيعية بل استغلوها أحسن استغلال، وجعلوا للقصر أجنحة متفرعة بصورة لم تؤثر على جمال إخراج المبانى ودقة تنسيقها مع العناية الفائقة بتزيينها وزخرفتها، ومن جهة أخرى فإن من أهم مميزات هذا القصر، أيضا استغلال العرفاء للأبراج التى تتخلل الأسوار الشمالية بصفة خاصة القريبة والبعيدة من أجنحة القصر وقد استغلوها لزيادة عدد قاعاته فزخرفت هذه القاعات وأصبحت من أجمل وأروع مبانى القصر كما هو الحال فى برج قمارش وبرج الأسيرة وبرج الأميرات وغيرها من الأبراج.
ومن أهم وأكبر أبهاء قصر الحمراء بهو الريحان أو بهو البركة وهو البهو الذى يتقدم برج قمارش وقد اكتسب اسمه من البركة الكبيرة التى تتوسطه والتى تحيط بها أشجار الريحان وعلى جانبيه الشمالى والجنوبى رواقان يطل كل منهما على البركة بسبعة عقود ترتكز على أعمدة رخامية رشيقة أكثرها اتساعا وارتفاعا "العقد الأوسط"، ويؤدى الباب الذى يتوسط الرواق الشمالى إلى قاعة قمارش التى تشغل أسفل البرج وهى من أعظم وأفخم قاعات القصر حتى أنه يقال: إنه كان يوجد بها عرش مؤسسها السلطان يوسف الأول أبى الحجاج، وإنه كان يجتمع فيها برجال الدولة وسفراء الدول الأخرى، ولذلك أطلق عليها قاعة السفراء.
وفى الطرف الشرقى يوجد أشهر أبهاء الحمراء وهو البهو المعروف ببهو السباع، وقد اشتق اسمه من الفوارة الكبيرة التى تتوسطه والتى يوجد أسفلها إثنا عشر سبعًا من الرخام تمج المياه من أفواهها، كما يجرى الماء من فوقها وحولها بشكل يثير الإعجاب، ويزيد من جمال هذا البهو وروعة تنسيقه الأروقة الأربعة المحيطة به والتى ترتكز عقود بائكاتها على أعمدة رخامية رشيقة منفردة تارة ومزدوجة تارة أخرى ونصادف هذه الروائع أينما حللنا بأى قاعة من قاعات القصر، فإذا دلفنا مثلا إلى قاعة الأختين [نسبة إلى لوحتين كبيرتين من الرخام متماثلتين] القائمة فى منتصف الجدار الشمالى لبهو السباع فإنها تشعرنا بفخامة البناء وثراء الزخرفة إلى أقصى حد إذ يتدلى من السقف فى كل مكان حلية بهية من المقرنصات ذات الدلايات أحيانا وكأنها أوكار فى الأشجار تتساقط كالأغصان على عمد صغيرة رشيقة ملتصقة بالجدران.
ويقابل قاعة الأختين قاعة أخرى تعرف بقاعة بنى سراج ويتوسطها حوض من الرخام به آثار بقع حمراء [يقال: إنها من دماء بنى سراج بعد أن قضى عليهم بنو نصر]
وتعلو القاعة قبة رائعة الجمال من المقرنصات الدقيقة. ومن القاعات
الأخرى قاعة الملوك وتعرف أيضا بقاعة العدل، أما البرطل فهو يرجع إلى اعمال يوسف الأول، ويقصد بالبرطل فى الأندلس الظلة التى تقوم على مدخل هذا القصر الواقعة بين برج الحريم ومصلى صغير، وتتألف هذه الظلة من خمسة عقود أوسطها أكثرها ارتفاعا، ويطل البرطل على بركة تزودها فوارة أسفل العقد بالماء، ووراء هذا البرطل وفى ركن منه قاعة مربعة تشبه البرج يمكن الصعود منها إلى طابق علوى، ويمتاز البرطل بتصاويره الجدارية وهى عبارة عن مناظر صيد وفرق جنود بملابسهم وسلاحهم فضلا عن الزخارف الهندسية الجميلة.
أما عن زخارف قصر الحمراء فيعجز عنها الوصف حيث تمثل المرحلة الأخيرة التى بلغ فيها الفن الإسلامى فى أسبانيا ذروة تطوره الفنى الذى كان وما يزال وسيظل مثار إعجاب العالم بأسره، وقد نفذت هذه الزخارف على مختلف المواد وقوامها الزخارف النباتية الدقيقة [التوريق أو الأرابيسك] والزخارف الهندسية البسيطة والمركبة والمتداخلة فضلا عن المقرنصات الدقيقة التى تبدو فى كثير من الأحيان كخلايا النحل ويضاف إلى ذلك التصاوير الجدارية بقصر البرطل والنقوش الكتابية المتعددة، وهكذا فإن المرء بقصر الحمراء يتمتع بحياة من الترف فى نطاق طبيعى لا مثيل لجماله وكأن المجال الذى يحيط به يتجاوب وهذا التمتع، ونجح عرفاء بنى نصر فى إحداث تأثير جمالى يصحب فن توزيع الخمائل والجنان، ومزج المنظر الطبيعى بالعمارة، فالحمراء تجلو لنا أروع أمثلة هذا الفن بل هى واحة خضراء فى إقليم قاحل جاف تحرقه الشمس ولا تدع غابة الحمراء التى تحيط بالقصر السلطانى وكثافة الفروع أى مجال لنفاذ أشعة الشمس، كما أن هذه النسمات المنعشة التى تهز الأشجار فترطب الوجوه المحترقة والمياه التى تنساب بين الصخور، والطيور التى تغرد على الأشجار وبين الأغصان والأفنان. . كل ذلك يجعل من قصر الحمراء قصرا أسطوريا أو جنة اللَّه فى أرضه، ويحمل المرء على أن يحيى فى عالم خيالى لا يفكر فيه إلا فى القصور