الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شبَّب ويستخدم التشبيب كمرادف للغزل والنسيب إلّا أنَّ هذا المصطلح الأخير -فيما يقول ابن دُرَيد- هو الأكثر استخداما.
والتشبيب يقينا مشتق من الفعل شبَّبَ (شبَّ يشبُّ شبابًا وشبيبة. . والشبيبة خلاف الشيب. .)، ومع أن مصطلح النسيب هو الأكثر استخدامًا إلا أنَّ أصله اللغوى غامض لكنَّ ذلك لا يمنعنا من إيجاد صلة بينه وبين النَّصب، وفى لسان العرب (النَّصب أن يسير القوم يومهم وهو سير ليِّن، ومنه قول الشاعر:
كأن راكبها يهْوى بمنخرقٍ
…
من الجنوبِ إذا ما ركْبُها نَصَبُوا
والنَّصب نوع من تفجّع راكب الجمل يشبه الحداء.
الغزل فى الشعر العربى:
لا يمكن أن تكون قصيدة الغزل العربية موضوعا لدراسة تاريخية ونقدية إلّا منذ الربع الأخير من القرن السادس الميلادى من خلال ما وصلنا من قصائد امرئ القيس وطرفة وغيرهما، وتشير الأدلة إلى أن كثيرا من شعر الغزل قبل هذه الفترة -مثله مثل الحداء- كان مرتجلا وابن لحظته لذا لم يصلنا منه شئ. لكن متى وأين وفى ظل أية ظروف ظهر تقليد بدء القصيدة العربية باستهلال غزلى، ذلك التقليد الذى أصبح عرفًا فى القرن السابع للميلاد وأطلق عليه اسم النَّسيب؟ إن إجابتنا عن هذا السؤال المتشعب لا تعدو أن تكون تخمينا، وربما كان سبب هذا التقليد أن القصيدة قد تحولت من مجرد شكل إلى حركة غنائية مفعمة بالتعبير عن الذات بشكل صارخ كما يتجلى ذلك فى الفخر والتعبير المشبع بالغرور، ففى هذا الجو النفسى دخل النَّسيب ليكون جزءا من القصيدة يعبر فيه الشاعر عن شهواته ووجده فى آن معا، والحقيقة أننا نجد عند الطوارق الشئ نفسه مقترنا بالفخر، فليس الأمر إذن قاصرًا على العرب، ويبدو أن إدراج النسيب فى قصائد بدْو وسط شبه الجزيرة العربية وشرقها كان فى المرحلة الأولى بتأثير شعراء من سهوب الفرات وهو ما يقول به الباحثون العراقيون إلّا أنَّ هناك
افتراضا أن ذلك يُعزى إلى شعراء بعينهم كابن حزم وامرئ القيس. وثمة دلالات تجعلنا نكتشف تأثيرات لمناطق أخرى قريبة قربا وثيقا من أسلوب الحياة البدوية كتيماء ومكة (المكرمة) والطائف.
ودراسة القصائد الغزلية التى تطورت فى الحجاز حوالى سنة 50 هـ/ 670 م وأواخر الربع الأول من القرن الثانى الهجرى (الثامن الميلادى) يحول دون تمامها أن جزءا كبيرا من هذا الشعر قد اختفى وبعضه منحول أو لحقه تنقيح فى وقت لاحق كما فى حالة قصائد كثيِّر ونصيْب، حتى فى حالة ديوان مهم كديوان عمر ابن أبى ربيعة تُثار قضايا مهمة
وقد ظلت الصلة بين الشعر والموسيقى حيَّة دائمًا وتجلَّى ذلك فى استخدام شعراء الحجاز لبحور من الشعر غير معروفة لشعراء الصحراء كبحور الخفيف والهزج والرمل كما كانت ألفاظهم أقل حوشية وغرابة من شعراء الصحراء، وهذا لا يمنع من أن شعراء الحجاز نحوا نحو شعراء الصحراء بحديثهم عن الأطلال والرحيل ولوعة الفراق.
ويشكل الشعر العذرى مرحلة مهمة فى تطور الشعر الغزلى لكن هناك صعوبة فى معرفة بداية هذه المرحلة ففى النصوص الشعرية الغزلية المنسوبة للشعراء الحجازيين يجد القارئ كثيرا من المشاعر الرقيقة والأحاسيس السامية ويمكن للمرء أن يعزو ظهور هذا النوع العذرى إلى تأثيرات أتت من خارج بلاد العرب البدائية وقد يكون ذلك من العراق أو نتيجة اتصال بين مراكز حضرية فى كليهما. حقيقة أنه عندما حدث فى الربع الأول من القرن الثانى للهجرة (الثامن للميلاد) أن غادر المدينة (المنورة) مؤلفو الأشعار المغّناة ليستقروا فى العراق حاملين معهم تلك الروح التى أدت لانتعاش الحركة الأدبية فى الحجاز دون أن يكونوا هم مبدعوها، فإن كل ما حدث -نتيجة هذه الهجرة- أن تحركت مشاعر العامة من أهل العراق نظرا لما كانوا يسمعونه من حكايات عن الشعراء الغزليين فى مكة والمدينة. ومنذ نهاية
القرن الثانى للهجرة (الثامن للميلاد) ظهر فى بغداد أدب ذو طابع رومانسى إلى حد كبير، بالإضافة للأدب ذى الطابع التقليدى، وقد أورد لنا ابن النديم فى كتابه الفهرست عددا من المؤلفين الذين نحوا هذا المنحى مثل ابن الكلبى والمدائنى أو الهيثم بن عَدِىّ وقد استشهد أبو الفرج الأصفهانى فى كتابه الأغانى بكتاباتهم وقد أظهرت استشهاداته تلك أن الشعراء المحبِّين يقاسون أحيانا من تغيُّر حقيقى يعترى أبدانهم وأرواحهم ليصبحوا -مثل جميل- عشاقا حقيقيّين، لذا فنحن لا نستطيع من خلال الأعمال الشعرية التى صحت نسبتها أو التى نسبت خطأ لغير مبدعيها إلّا أن نقول إنها تعكس الحالة النفسية لهؤلاء الأبطال العاشقين الذين يظهرون فى القصص أو تراجم العاشقين، أيمكن لمجموعة قبلية بعينها فى غريب شبه الجزيرة العربية أن تشيع فى تراثها الشعبى منذ القرن الأول للهجرة (السابع للميلاد) أو حتى قبل ذلك قصص حب تتحلّق حول شخوص أسطوريين أو خرافيين على نحو أو آخر؟ إن هذا ممكن جدًا فقبيلة عُذرة الصغيرة التى كانت فى القرن الأول للهجرة (السابع للميلاد) تمتد مضاربها من واحة تَيْماء إلى وادى القرى تفخر بأنها أنجبت واحدا من هؤلاء الأبطال ذلك هو الشاعر المشهور جميل. وعلى آية، فلم تكن قبيلة عذرة وحدها التى ادعت مثل هذا الادعاء، فقد فخرت قبيلة نهد التى تمتد مضاربها فى المنطقة نفسها بأنه قد ولد فيها السيد ابن عَجْلان الذى أصبح أخيرا بطلا لقصة حب زاخرة بالأعمال البطولية وبسبب رغبة كل قبيلة فى التفرد والمفاخرة فقد ابتدعت أبطالا من النوع نفسه مثل عامر بن صَعْصعة، والمجنون الذى حقق شهرة كبيرة بسبب ولعه وهيامه بليلى.
وقد لعب بشار بن برد المولود حوالى 95 هـ/ 714 م والمتوفى حوالى 167 هـ/ 784 م دورا مهما فى نشر مجالات شعرية بعينها فى البصرة، ففى ديوانه غير المكتمل يسهل ملاحظة مخاطبته لعبدة وغيرها من نسوة البصرة حيث يبدو حبه يائسًا لا أمل فيه، وقد كان مجتمع البصرة زمن
بشار مجتمعا متحرر الفكر متسامحا بل منغمسًا فى المسرات والمتع مما زاد التعطش لمسرات أكثر نقاء وأبعد عن الفحش، ولقد عانى بشار خيبة الأمل مثل معاصره الكوفى مطيع بن إياس (المتوفى سنة 170 هـ/ 787 م) ويعزى هذا الهروب من حياة الفحش والانغماس فى اللذة المادية إلى شاعر آخر من البصرة أيضا هو العباس بن الأحنف (الذى ولد حوالى 133 هـ/ 750 م ومات حوالى 193 هـ/ 808 م) وتحتل أشعار هذا الشاعر مكانًا فريدًا فى تاريخ الشعر العربى فهى أشعار حب عذرى حقا.
وكان ظهور أبى نواس (ولد بين 130/ 145 هـ - 747/ 762 م وتوفى فى بغداد حوالى 200 هـ/ 815 م) علامة تمثل مرحلة جديدة فى تطور شعر الغزل، وكان أبو نواس ابنا لأم إيرانية وأب نصف عربى، إلّا أن الوجد الروحى والشفافية التى تمثلت فى شعر العباس بن الأحنف وبشار أقل وضوحا فى شعر أبى نواس وربما كان لبيئته البغدادية أثر فى هذا.
لقد شهد القرن الثالث للهجرة (التاسع للميلاد) تأثيرا متعاظما للأفلاطونية الجديدة فتأثرت العقائد بالفلسفة وظهر ذلك فى كتاب الموشّى للوشاء وكتابات محمد بن داود ألأصفهانى وقد انعكست هذه الأفكار حتى فى أشعار الكلاسيكية الجديدة فى المشرق الإسلامى متمثلة فى أبى تمام والبحترى والمتنبى، ولقد خف الطابع البدوى كثيرًا فى أشعار هؤلاء.
وقدم لنا الشاعر القرطبى ابن زيدون (المولود منه 394 هـ/ 1003 م والمتوفى فى أشبيلية 463 هـ/ 1701 م) أشعارا غزلية ذات طعم خاص باستخدام ألفاظ جديدة عذبة وصور بيانية أكثر سلاسة. وقدمت الأندلس شكلا جديدا عُرف بالموشحات وإنتقل هذا الفن إلى الشرق الإسلامى حيث كان لابن سناء الملك فى مصر وصلى الدين الحلّى فى العراق دور بارز فى هذا المضمار.
وفى العصر الحديث نشهد فى الشرق الأوسط جهودا لإحداث ثورة شعرية بتأثير من السريالية والرمزية وهى جهود تستحق الاهتمام لكن