الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مولانا الخليفة القائم بأمر اللَّه، أطال اللَّه عهده، يقول إنه لم يعد هناك لقب يمنح لمن يستحق.
كما لاحظ البيرونى، الذى عاصر هلالا أنه عندما بدأ العباسيون فى مكافأة خواصهم بألقاب "الدولة" التى لا معنى لها والتى وصلت إلى ثلاثة ألقاب فى بعض الحالات انهارت دولتهم وهكذا صار الأمر منافيا للعقل وثقيل الظل إلى أقصى درجة، فمن أراد ذكر هذه الألقاب يتعب قبل أن يبدأ ومن أراد أن يكتبها يضيع وقته وكتابته، ومن أراد أن يخاطبهم بها ربما ضاعت عليه الصلاة. وفى نهاية القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى، كان انخفاض قيمة الألقاب قد سار إلى مدى أبعد فى الشرق الإسلامى، حتى أن الوزير السلجوقى نظام الملك اعترض على ذلك فى الباب الذى كتبه عن الألقاب فى كتابه سياسة نامة حيث قال: لقد كثرت الألقاب، وما زاد عدده نقصت قيمته ومنزلته" ويقول "فى أيامنا، يغضب أصغر رجل من رجال الدولة ويسخط إذا لم يمنح سبعة ألقاب أو عشرة". ويشجب بصفة خاصة الخلط بين ألقاب "الدولة" التى كانت مخصصة للقادة العسكريين والأتراك وألقاب "الملك" والألقاب الأخرى التى كانت تمنح للوزراء والنواب وباقى رجال الدولة المدنيين والدينيين، حتى وصل الحال إلى منح لقب تاج الدين أو معين الدين لضابط تركى أمى طاغية وجاهل بالشريعة جهلا تاما. ويقول أن الفترة التى فتحت فيها المملكة السلجوقية الباب على مصراعيه لمنح الألقاب المتنافرة بغير تمييز كانت بعد وفاة ألب أرسلان (أى بعد عام 465 هـ/ 1072 م).
3 - الغرب الإسلامى:
كان ما ذكرناه حتى الآن يتعلق بالبلاد الإسلامية الوسطى والشرقية. أى مصر والبلاد التى تقع شرقها. أما فى الغرب الإسلامى فقد اتخذت الألقاب مسارًا مختلفًا فكان استخدامها أقل حيث كان ينظر إلى استخدام الأسماء والألقاب المعقدة والمنمقة على أنه من المظهريات
الفارسية العقيمة، لهذا كان التعبير "ألقاب مشرقية" يتردد كتعبير عن الازدراء، لهذه الألقاب فى كتابات المؤلفين المغربيين أمثال المقرى والرحالة على بن ميمون الإدريسى الذى زار مصر وسوريا قبل الغزو العثمانى مباشرة، وكان عنيفا فى مقالته: بيان غربة الإسلام بواسطة صنفى المتفقهة والمتفقرة من أهل مصر والشام وما يليها من بلاد العجم، (كتبه عام 916 هـ/ 1510 م) فى هجومه على العلماء لحملهم ألقابا مثل شمس الدين وزين الدين مفضلينها على الأسماء السنية مثل محمد وعمر، ولإصرارهم على استخدامها فى التخاطب معهم، ووصف ذلك بأنه بدعة.
أطلق الأشراف الأدارسة من أهل مراكش الذين يدعون أنهم من ذرية على (كرم اللَّه وجهه) على أنفسهم لقب "الإمام"، أما الخوارج الرُّستميين من أهل تاهرت فلم يكتفوا بلقب الإمام على بل أضافوا إليه لقب الخليفة وأمير المؤمنين، ومن الواضح أن هاتين الطائفتين قد رفضتا الاعتراف بالحكم العباسى، أما أغلبية أهل أفريقية، الذى كانوا على صلة ببغداد من الناحية النظرية على الأقل، فإنهم لم يعطوا لأنفسهم هذه الحرية فى أمر الألقاب، إلا أن ظهور الدعوة الفاطمية فى شمال إفريقيا فى بداية القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى صاحبها ظهور ألقاب ذات طابع دينى تختلف تمامًا فى تركيبها ومعانيها عن الاتجاه العباسى، ولاشك أن هذا الاتجاه الجديد كان له وقعه فى الأندلس، إذ لم يكن أمام الحكم الأموى فى الأندلس، الذى كان يدافع عن وجوده على المستويين الثقافى والفكرى ضد العباسيين فى بغداد والشيعة الفاطميين الذين يظهرون له العداء، إلا أن يهتم بالقيمة الدعائية السياسية والدينية للألقاب. فأطلق عبد الرحمن الثالث، أعظم ملوك الأمويين الأندلسيين، على نفسه لقب الناصر لدين اللَّه بعد انتصاره على ابن حفصون عام 315 هـ/ 927 م بالإضافة إلى لقبى الخليفة وأمير المؤمنين، وبذلك وضع نفسه فى المسار التقليدى العباسى فى
اتخاذ الخلفاء لألقاب ذات طابع دينى. وسار خلفاؤه على نهجه حتى نهاية الأسرة عام 422 هـ - 1031 م، فأطلق هشام الثانى على نفسه لقب المؤيد وأطلق سليمان على نفسه لقب المستعين. . . إلخ، وكذلك فعل بنو حماد، كما سار أيضًا ملوك الطوائف الذين حكموا فى فترة الاضطراب والتفكك فى منتصف القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى على نفس المنوال ولكن مع الفارق الكبير بين واقع حالهم وفخامة ألقابهم مما دعا معاصريهم إلى هجائهم والسخرية منهم، ويذكر ابن خلدون فى موضعين من مقدمته بيتين لابن رشيق يسخر فيهما من هذه الحال.
إلا أن ديوان الإنشاء المملوكى فى مصر كان يخاطبهم فى المراسلات الرسمية بلقب "صاحب حمراء غرناطة" إلا أن بعض الحكام من بنى نصر أطلقوا على أنفسهم ألقابًا من النمط الدينى المعتاد، فأطلق محمد الأول مؤسس الأسرة على نفسه لقب الغالب باللَّه، كما أطلق محمد الخامس على نفسه لقب الغنى باللَّه بعد عودته منصور، من حملة على قشتالة.
وكان الحكام المسلمون فى الأندلس أكثر حرصًا فى منحهم الألقاب لمعاونيهم ووزرائهم وقادة الجيوش من نظرائهم فى الشرق، فنجد أن ابن أبى عامر منح لقب المنصور بعد عودته من معركته مع ليون Leon عام 371 هـ/ 981 م كما لقب ابنه عبد الملك بالمظفر. كما أن هناك عدة حالات فردية نذكر منها لقب ذى السيفين الذى أطلقه الحكم الثانى عام 363 هـ/ 974 م على القائد غالب بعد عودته من حملته المنصورة فى المغرب، ولقب بذى الوزارتين الذى منح عام 367 هـ/ 978 م لكل من غالب وابن أبى عامر ولم يحمله قبل ذلك إلا القائد الذى تولى الدفاع عن حدود الأندلس ضد المسيحيين. وبعد ثلاثة قرون، تمتع ابن الخطيب. الوزير العظيم لبنى نصر فى غرناطة بحمل لقبى لسان الدين وذى الوزارتين.
ظل شمال إفريقيا لزمن أطول مخلصا لمثاليات المساواة المتشددة التى هى الصورة الأولى للإسلام فى رفضه للألقاب الفخمة، وذلك بعد انتهاء دولة الفاطميين الإسماعيليين وسيطرة المذهب المالكى المعتدل على يد المرابطين، وكان المرابطون، فى البداية يعترفون بالحكم العباسى، ولكنهم تأكيدا لسلطتهم على شمال إفريقيا، أطلقوا على أنفسهم لقب أمير المسلمين، ولا يعرف أحد إن كان من تلقاء أنفسهم أو بموافقة بغداد، وهكذا نشأ من سماه فان برشم Van Berchem " بالخلافة الفرعية"، حيث يعترف حكامها بسلطة أعلى من سلطتهم وبالتالى لم يتخذوا ألقابًا تدل على استقلالهم الكامل وعدم اعترافهم بسلطة أعلى. ثم جاء الموحدون إلى الحكم فى منتصف القرن السادس الهجرى/ الثانى عشر الميلادى على موجة من الحماس الدينى وتحت قيادة قائد عظيم هو المهدى محمد بن تومرت الذى أعاد استخدام الألقاب التى سبق أن استخدمها الفاطميون فى المغرب قبل ذلك بقرنين من الزمان. وفى حياة ابن تومرت، لقّب نائبه عبد المؤمن خليفة المهدى وأمير المؤمنين بمعنى المؤمنين من أتباع المهدى، وعندما توفى ابن تومرت صار عبد المؤمن إمام الجماعة وتلقب بالقائم بأمر اللَّه، ومنذ عهد أبى يوسف يعقوب المنصور (580 - 595 هـ/ 1184 - 1199 م) حمل سلاطين الموحدين ألقابا تحمل الطابع الدينى المألوف.
هكذا كان نمط الألقاب فى الدول الثلاث التى خلفت الوحدين فى المغرب والأندلس وهى دولة بنى نصر فى غرناطة والمرينيين فى مراكش والحفصيين فى إفريقيا. وينتسب الحفصيون إلى الشيخ أبى حفص عمر، صديق المهدى بن تومرت ونصيره المشهور، وأطلق الحفصيون على أنفسهم لقب الموحدين (وقد اعترف ديوان الإنشاء المملوكى فى القاهرة بهذا اللقب فكان يخاطبهم بلقب زعيم الوحدين وقدوة الوحدين) وكان إعلان أبى عبد اللَّه محمد (647 - 675 هـ/ 1249 - 1277 م) ثانى حكام الحفصيين للخلافة عام
650 هـ/ 1253 م أهم عامل فى اختيار نمط الألقاب لديهم فى القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى فقد دعم أنصارهم دعوى الخلافة بنسبتهم إلى عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه (وكنيته أبو حفص) حتى أنهم كانوا يطلقون على أنفسهم أبناء الخلفاء الأمراء الراشدين، بالإضافة إلى اعتراف شريف مكة والمماليك فى مصر بهم وذلك فى الفترة التى انقضت بين القضاء على الخلافة العباسية فى بغداد على أيدى التتار وإحيائها مرة أخرى فى القاهرة. ومن ثم كان اتخاذ الحفصيين للقب أمير المؤمنين الخاص بالخلافة "بالرغم من أن أندادهم المماليك لم يسمحوا لهم إلا بلقب الخلافة الفرعية" أمير المسلمين، وكذلك الألقاب الدينية التى كان العباسيون يستخدمونها، (كان المستنصر والمتوكل بصفة خاصة من الألقاب المحبوبة عندهم) لإثبات دعوى الخلافة لهم واستمرار الألقاب العباسية فيهم.
ونلاحظ أيضا أن الحفصيين، الذين كانوا يخوضون صراعات عنيفة مع القوى المسيحية مثل اسبانيا وفرنسا، كما كانوا يبحثون عن موضع قدم فى شمال إفريقيا، اختاروا ألقابا تعكس دورهم كقادة جهاد، مثل المجاهد فى سبيل اللَّه كما سمحوا بمخاطبتهم بألقاب تدل على الاحترام مثل المقام العالى أو الأعلى والحضرة العلية، (ظل هذا اللقب يطلق على باى تونس كبديل لصاحب الجلالة المستخدم فى أوروبا حتى إعلان الجمهورية).
ظل المرينيون لزمن طويل معترفين بسيادة دولة الحفصيين التى كانت قد سبقتهم فى الوجود، لهذا اكتفوا (هم وجيرانهم بنو عبد الواد أو الزيانيون فى تلمسان) باستخدام لقب أمير المسلمين بدلا من أمير المؤمنين، وكذلك حمل كثير من السلاطين المرينيين ألقابا دينية مثل الحفصيين، إلا أن هناك سلاطين حملوا اللقب الأعلى أمير المؤمنين لفترات قصيرة، ففى عام 708 هـ/ 1308 م، ولمدة تسعة شهور، سك أبو الربيع سليمان هذا اللقب على العملة التى أصدرها بالإضافة إلى اسم حليفه محمد الثالث كنوع من التحدى
للحفصيين. كذلك استخدم أبو عنان فارس المتوكل (749 - 759 هـ/ 1348 - 1359 م) هذا اللقب كوسيلة لتثبيت عزل والده على الذى كان يلقب نفسه فى الوثائق الرسمية أمير المؤمنين وقائد الموحدين (وأيضا بقية السلف الكريم فى تلميح إلى ادعاء المرينيين البربر لنسب عربى).
فى الوقت الذى ضعف فيه المرينيون وأقرباؤهم الوطاسيون، وصل الأشراف السعديون فى جنوب مراكش إلى الحكم فى العقود الأولى من القرن العاشر الهجرى/ السادس عشر الميلادى على موجة من الحماس للتخلص من النفوذ التركى الجزائرى وإشعال الروح الفدائية الإسلامية للجهاد ضد البرتغاليين الذين اعتدوا على الأراضى الساحلية لمراكش، لهذا لم يكن غريبا فى مثل هذا الجو الملئ بالحماس الدينى وانتظار الناس لمن يدافع عن المسلمين أن يتخذ محمد (المتوفى عام 924 هـ/ 1517 - 1518 م) أول حكام الأشراف فى سوس لقبى المهدى والقائم بأمر اللَّه، وكذلك اتخذ عدد من خلفائه ألقابا ذات طابع دينى مشابه مثل محمد المتوكل واحمد المنصور. . الخ. وجدير بالملاحظة أن صيغتى الخطاب المميزتين اللتين استخدمهما السلاطين السعديون وخلفاؤهم العلويون وهما مولاى وسيدى، كما استخدمهما أيضا فى المغرب أكابر القوم من الأمراء والعلماء، وكان بنونصر يستخدمون كلمة مولاى فى القرن الثامن الهجرى/ الرابع عشر الميلادى وكان المسيحيون فى الأندلس يشيرون إلى حاكم غرناطة بكلمة مُولِى Muley فى القرن التاسع الهجرى/ الخامس عشر الميلادى، فى حين استخدم الحفصيون مولانا وسيدنا فى وثائقهم الرسمية. وقد ظهر تعبير مولاى بين الحفصيين خلال القرن الثامن الهجرى/ الرابع عشر الميلادى ولكنه لم يظهر فى المصادر المسيحية إلا فى عام 1391 م فى وثيقة باللاتينية حيث ذكر فيها مولى بولابس Muley Bolabes وهو أبو العباس أحمد الثانى المستنصر.