المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[التقسيم الثالث للمفرد باعتبار الخفاء في الدلالة] - التقرير والتحبير على كتاب التحرير - جـ ١

[ابن أمير حاج]

فهرس الكتاب

- ‌[خِطْبَة الْكتاب]

- ‌[الْمُقَدِّمَةُ أَرْبَعَة أُمُور]

- ‌[الْأَمْرُ الْأَوَّل مَفْهُومُ اسْم هَذَا الْعِلْمِ وَهُوَ لَفْظُ أُصُولِ الْفِقْهِ]

- ‌[الْأَمْر الثَّانِي مَوْضُوع أُصُولِ الْفِقْهِ]

- ‌[الْأَمْر الثَّالِثُ الْمُقَدِّمَاتُ الْمَنْطِقِيَّةُ مَبَاحِثُ النَّظَرِ]

- ‌[الْأَمْرُ الرَّابِعُ اسْتِمْدَاد عِلْم أُصُولُ الْفِقْهِ]

- ‌[الْمَقَالَةُ الْأُولَى فِي الْمَبَادِئِ اللُّغَوِيَّةِ]

- ‌[الْمَقَامُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ مَعْنَى اللُّغَةِ]

- ‌[الْمَقَامُ الثَّانِي فِي بَيَانِ سَبَبِ وَضْعِ لُغَاتِ الْأَنَاسِيِّ]

- ‌[الْمَقَامُ الثَّالِثُ فِي بَيَانِ وَاضِعِ اللُّغَةُ]

- ‌[الْمَقَامُ الرَّابِعُ هَلْ يُحْكَمُ بِاعْتِبَارِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ اللَّفْظِ وَمَعْنَاهُ الْمَوْضُوعِ لَهُ]

- ‌[الْمَقَامُ الْخَامِسُ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعَ لَهُ اللَّفْظُ]

- ‌[الْمَقَامُ السَّادِسُ فِي بَيَانِ طُرُقِ مَعْرِفَةِ اللُّغَاتِ]

- ‌[الْمَقَامُ السَّابِعُ الْقِيَاسَ هَلْ يَجْرِي فِي اللُّغَةِ]

- ‌[الْمَقَامُ الثَّامِنُ فِي تَقْسِيمِ اللَّفْظِ إلَى مهمل ومستعمل]

- ‌[بَيَانِ الْأَقْسَامِ اللَّاحِقَةِ لِلَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ]

- ‌[أَقْسَام الْمُفْرَدِ وَالْمُرَكَّبِ]

- ‌[أَقِسَام اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ]

- ‌[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي انْقِسَامِ اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ]

- ‌[الْفَصْلُ الثَّانِي انْقِسَامِ اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهِ]

- ‌[انْقِسَامِ دَلَالَةُ اللَّفْظ إلَى الْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ]

- ‌[أَقْسَام الْمَفْهُومُ]

- ‌[التَّقْسِيمُ الثَّانِي فِي اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ ظُهُورِ دَلَالَتِهِ]

- ‌[التَّقْسِيمُ الثَّالِثُ لِلْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ الْخَفَاء فِي الدَّلَالَةِ]

- ‌[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ مُقَايَسَتِهِ إلَى مُفْرَدٍ آخَرَ]

- ‌[الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ مَدْلُولِهِ]

- ‌[التَّقْسِيمُ الْأَوَّلُ تَعَدَّى الْمُفْرَدِ إِلَيَّ كُلِّي وجزئي]

- ‌[التَّقْسِيمُ الثَّانِي مَدْلُولُ المفرد إمَّا لَفْظٌ كَالْجُمْلَةِ وَالْخَبَرِ أَوْ غَيْرُهُ]

- ‌[التَّقْسِيمُ الثَّالِثُ تَقْسِيم اللَّفْظَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ وَالصِّيغَةِ]

- ‌[مباحث الْعَامُّ]

- ‌[الْبَحْثُ الْأَوَّلُ هَلْ يُوصَفُ بِالْعُمُومِ الْمَعَانِي الْمُسْتَقِلَّةُ كَالْمُقْتَضَى وَالْمَفْهُومِ]

- ‌[الْبَحْثُ الثَّانِي هَلْ الصِّيَغُ مِنْ أَسْمَاءِ الشَّرْطِ وَالِاسْتِفْهَامِ]

- ‌[الْبَحْثُ الثَّالِثُ لَيْسَ الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ عَامًّا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَيْسَ الْعَامُّ مُجْمَلًا]

- ‌[الْإِجْمَاعِ عَلَى مَنْعِ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ صِيغَةِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ هَلْ يَشْمَلُ النِّسَاءَ وَضْعًا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ هَلْ الْمُشْتَرَكُ عَامٌّ اسْتِغْرَاقِيٌّ فِي مَفَاهِيمِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ خِطَابِ الْوَاحِدِ لَا يَعُمُّ غَيْرَهُ لُغَةً]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْخِطَابِ الَّذِي يَعُمُّ الْعَبِيدَ لُغَةً]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الِاتِّفَاقُ عَلَى عُمُومِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ]

- ‌[الْبَحْثُ الرَّابِعُ الِاتِّفَاقُ عَلَى إطْلَاقِ قَطْعِيِّ الدَّلَالَةِ عَلَى الْخَاصِّ وَعَلَى احْتِمَالِهِ]

- ‌[الْبَحْثُ الْخَامِسُ يَرِدُ عَلَى الْعَامِّ التَّخْصِيصُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرِقُ]

- ‌[مَسْأَلَة شَرْطُ إخْرَاجِهِ أَيْ الْمُسْتَثْنَى مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَقَّبَ الِاسْتِثْنَاءُ جُمَلًا مُتَعَاطِفَةً]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا خُصَّ الْعَامُّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ بِمُجْمَلٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْقَائِلُونَ بِالْمَفْهُومِ الْمُخَالِفِ خَصُّوا بِهِ الْعَامَّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْعَادَةِ وَهِيَ الْأَمْرُ الْمُتَكَرِّرُ مِنْ غَيْرِ عَلَاقَةٍ عَقْلِيَّةٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إفْرَادِ فَرْدٍ مِنْ الْعَامِّ بِحُكْمِهِ أَيْ الْعَامِّ]

- ‌[مَسْأَلَةُ رُجُوعِ الضَّمِيرِ الْوَاقِعِ بَعْدَ الْعَامِّ إلَى الْبَعْضِ مِنْ أَفْرَادِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ تَّخْصِيصُ الْعَامِّ بِالْقِيَاسِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ مُنْتَهَى التَّخْصِيصِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ إذَا اخْتَلَفَ حُكْمُ مُطْلَقٍ وَمُقَيَّدِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ صِيغَةُ الْأَمْرِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْوُجُوبِ لِصِيغَةِ الْأَمْرِ حَقِيقَةً]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تَبَادُرِ كَوْنِ الصِّيغَةِ فِي الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ مَجَازًا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الصِّيغَة أَيْ الْمَادَّة بِاعْتِبَارِ الْهَيْئَة الْخَاصَّةِ لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْفَوْر للأمر ضروري لِلْقَائِلِ بِالتَّكْرَارِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْآمِرُ لِشَخْصٍ بِالْأَمْرِ لِغَيْرِهِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ آمِرًا لِذَلِكَ الْمَأْمُورِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَاقَبَ أَمْرَانِ غَيْرُ مُتَعَاطِفَيْنِ بِمُتَمَاثِلَيْنِ فِي مَأْمُورٍ بِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالنَّفْسِيِّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَلَّقَ النَّهْيُ بِالْفِعْلِ]

الفصل: ‌[التقسيم الثالث للمفرد باعتبار الخفاء في الدلالة]

بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنْ الْإِبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْحِقَّةُ وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إنْ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا» الْحَدِيثَ فَانْتَقَلَ فِي الْقِيمَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ فَعَلِمْنَا أَنْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ خُصُوصَ عَيْنِ السِّنِّ الْمُعَيَّنِ، وَإِلَّا لَسَقَطَ إنْ تَعَذَّرَ أَوْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ فَيَدْفَعَهُ (فَظَهَرَ أَنَّ ذِكْرَ الشَّاةِ وَالْجَذَعَةِ) وَغَيْرِهِمَا (كَانَ لِتَقْدِيرِ الْمَالِيَّةِ، وَلِأَنَّهُ أَخَفُّ عَلَى أَرْبَابِ الْمَوَاشِي) مِنْ غَيْرِهَا (لَا لِتَعَيُّنِهَا: وَقَوْلُهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (فِي الْكَفَّارَةِ مِثْلُهُ فِي الْأَوَّلَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَهُمَا مَسْأَلَتَا إسْلَامِ الرَّجُلِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ وَعَلَى أُخْتَيْنِ، وَهُوَ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْجَهِ، وَإِنَّمَا الْأَوْجَهُ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ إذَا أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا سِتِّينَ يَوْمًا لَا يُجْزِئُهُ لِمَا تَقَدَّمَ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَغَايَةُ مَا يُعْطِيهِ كَلَامُهُمْ أَنَّ بِتَكَرُّرِ الْحَاجَةِ يَتَكَرَّرُ الْمِسْكِينُ حُكْمًا فَكَانَ تَعَدُّدًا حُكْمًا، وَتَمَامُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أَنَّ سِتِّينَ مِسْكِينًا مُرَادٌ بِهِ الْأَعَمُّ مِنْ السِّتِّينَ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مَجَازٌ فَلَا مَصِيرَ إلَيْهِ إلَّا بِمُوجِبِهِ اهـ وَلَا مُوجِبَ لَهُ فِيمَا يَظْهَرُ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ

[التَّقْسِيمُ الثَّالِثُ لِلْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ الْخَفَاء فِي الدَّلَالَةِ]

(التَّقْسِيمُ الثَّالِثُ) لِلْمُفْرَدِ (مُقَابِلُ) التَّقْسِيمِ (الثَّانِي) لَهُ؛ لِأَنَّهُ (بِاعْتِبَارِ الْخَفَاءِ) فِي الدَّلَالَةِ كَمَا أَنَّ الثَّانِيَ بِاعْتِبَارِ الظُّهُورِ فِيهَا (فَمَا كَانَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ خَفَاءِ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي خَفِيَ اللَّفْظُ فِيهِ (يُعَارِضُ غَيْرَ الصِّيغَةِ فَالْخَفِيُّ) أَيْ فَاللَّفْظُ الَّذِي هُوَ مُتَّصِفٌ بِالْخَفَاءِ فِي مَعْنَى خَفِيَ هُوَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْنَى الَّذِي خَفِيَ فِيهِ بِسَبَبٍ عَارِضٍ لَهُ غَيْرِ صِيغَتِهِ هُوَ الْخَفِيُّ اصْطِلَاحًا وَقَيَّدَ بِغَيْرِ الصِّيغَةِ؛ لِأَنَّ الْخَفَاءَ إذَا كَانَ بِنَفْسِ اللَّفْظِ فَاللَّفْظُ أَحَدُ الْأَقْسَامِ الْآتِيَةِ، وَأُورِدَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخَفِيُّ مَا خَفِيَ الْمُرَادُ مِنْهُ بِنَفْسِ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الظَّاهِرِ وَهُوَ مَا ظَهَرَ الْمُرَادُ مِنْهُ بِنَفْسِ اللَّفْظِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْخَفَاءَ بِنَفْسِ اللَّفْظِ فَوْقَ الْخَفَاءِ بِعَارِضٍ فَلَوْ كَانَ الْخَفِيُّ مَا يَكُونُ خَفَاؤُهُ بِنَفْسِ اللَّفْظِ لَمْ يَكُنْ فِي أَوَّلِ مَرَاتِبِ الْخَفَاءِ فَلَمْ يَكُنْ مُقَابِلًا لِلظَّاهِرِ (وَهُوَ) أَيْ الْخَفِيُّ (أَقَلُّهَا) أَيْ أَقْسَامِ هَذَا التَّقْسِيمِ (خَفَاءً كَالظَّاهِرِ فِي الظُّهُورِ) أَيْ كَمَا أَنَّ الظَّاهِرَ فِي التَّقْسِيمِ الثَّانِي أَقَلُّ أَقْسَامِهِ ظُهُورًا (وَحَقِيقَتُهُ) أَيْ الْخَفِيِّ اصْطِلَاحًا (لَفْظٌ) وُضِعَ (لِمَفْهُومٍ عَرَضَ فِيمَا) أَيْ فِي مَحَلٍّ (هُوَ) أَيْ ذَلِكَ الْمَحَلُّ (بِبَادِئِ الرَّأْيِ مِنْ أَفْرَادِهِ) أَيْ الْمَفْهُومِ (مَا) أَيْ عَارِضٌ (يَخْفَى بِهِ) أَيْ بِالْعَارِضِ (كَوْنُهُ) أَيْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ. (مِنْهَا) أَيْ مِنْ أَفْرَادِهِ، وَيُوجِبُ اسْتِمْرَارَ ذَلِكَ الْخَفَاءِ الْعَارِضِ فِيهِ (إلَى قَلِيلِ تَأَمُّلٍ) فَيَزُولُ الْخَفَاءُ حِينَئِذٍ

(وَيَجْتَمِعَانِ) الْخَفِيُّ، وَالظَّاهِرُ (فِي لَفْظٍ) وَاحِدٍ (بِالنِّسْبَةِ) إلَى مَفْهُومِهِ وَبَعْضُ الْمَحَالِّ (كَالسَّارِقِ ظَاهِرٌ فِي مَفْهُومِهِ الشَّرْعِيِّ) وَهُوَ الْعَاقِلُ الْبَالِغُ الْآخِذُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ أَوْ مِقْدَارَهَا خِفْيَةً عَمَّنْ هُوَ مُتَصَدٍّ لِلْحِفْظِ مِمَّا لَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ مِنْ الْمَالِ الْمُتَمَوَّلِ مِنْ حِرْزٍ بِلَا شُبْهَةٍ (خَفِيٌّ فِي النَّبَّاشِ) أَيْ آخِذِ كَفَنِ الْمَيِّتِ مِنْ الْقَبْرِ خُفْيَةً بِنَبْشِهِ بَعْدَ دَفْنِهِ (وَالطَّرَّارِ) وَهُوَ الْآخِذُ لِلْمَالِ الْمَخْصُوصِ مِنْ الْيَقْظَانِ فِي غَفْلَةٍ مِنْهُ بِطُرٍّ أَوْ غَيْرِهِ. وَإِنَّمَا خَفِيَ فِيهِمَا (لِلِاخْتِصَاصِ) أَيْ اخْتِصَاصِ كُلٍّ مِنْهُمَا (بِاسْمٍ) غَيْرِ السَّارِقِ يُعْرَفُ بِهِ فَيَتَوَقَّفُ فِي كَوْنِهِ مِنْ أَفْرَادِ السَّارِقِ (إلَى ظُهُورِ أَنَّهُ) أَيْ إلَى أَنْ يُتَأَمَّلَ قَلِيلًا فِي وَجْهِ الِاخْتِصَاصِ فَيَظْهَرُ أَنَّ الِاخْتِصَاصَ (فِي الطَّرَّارِ لِزِيَادَةٍ) فِي الْمَعْنَى وَهُوَ حِذْقٌ فِي فِعْلِهِ وَفَضْلٌ فِي جِنَايَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يُسَارِقُ الْأَعْيُنَ الْمُسْتَيْقِظَةَ الْمُرْصَدَةَ لِلْحِفْظِ لِغَفْلَةٍ وَالسَّارِقُ يُسَارِقُ النَّائِمَةَ أَوْ الْغَائِبَةَ (فَفِيهِ) أَيْ فَيَكُونُ فِي الطَّرَّارِ (حَدُّهُ) أَيْ السَّارِقِ (دَلَالَةً) أَيْ مِنْ قَبِيلِ الدَّلَالَةِ لِثُبُوتِهِ فِيهِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ سَارِقٌ كَامِلٌ يَأْخُذُ مَعَ حُضُورِ الْمَالِكِ وَيَقَظَتِهِ فَلَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى السَّارِقِ مِمَّنْ انْقَطَعَ حِفْظُهُ بِعَارِضِ نَوْمِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ عَنْهُ (لَا قِيَاسًا) عَلَيْهِ حَتَّى يُورَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْحُدُودَ لَا تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الثُّبُوتَ بِهِ لَا يَعْرَى عَنْ شُبْهَةٍ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِهَا غَيْرَ أَنَّ إطْلَاقَ قَطْعِهِ إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَإِلَّا فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ فِيهِ تَفْصِيلٌ يُعْرَفُ فِي الْفِقْهِ.

(وَالنَّبَّاشُ لِنَقْصٍ فَلَا) أَيْ وَأَنَّ الِاخْتِصَاصَ فِي النَّبَّاشِ لِنَقْصٍ فِي الْمَعْنَى وَهُوَ قُصُورُ مَالِيَّةِ الْمَأْخُوذِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ مَا تَجْرِي فِيهِ الرَّغْبَةُ وَالضِّنَةُ وَالْكَفَنُ

ص: 158

يَنْفِرُ عَنْهُ كُلُّ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ كَفَنٌ بِهِ مَيِّتٌ إلَّا نَادِرًا مِنْ النَّاسِ مَعَ عَدَمِ مَمْلُوكِيَّتِهِ لِأَحَدٍ أَوْ تَحَقُّقِ شُبْهَةٍ فِيهَا وَنُقْصَانِ الْحِرْزِ وَعَدَمِ الْحَافِظِ لَهُ، وَإِنَّمَا يُسَارِقُ مَنْ لَعَلَّهُ يَهْجُمُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَارَّةِ غَيْرَ حَافِظٍ، وَلَا قَاصِدٍ فَلَا يُحَدُّ حَدَّ السَّرِقَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَكَانَ بِالْقِيَاسِ، وَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ لَا يَفِي بِهَذَا فَمَا الظَّنُّ بِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ يَكُونُ تَعَدِّيهِ لِلْحُكْمِ الَّذِي فِي الْأَصْلِ إلَى الْفَرْعِ بِالْمَعْنَى الَّذِي هُوَ فِي الْفَرْعِ دُونَهُ فِي الْأَصْلِ، وَأَمَّا السَّمْعِيُّ فِي ذَلِكَ فَأَكْثَرُهُ ضَعِيفٌ، فَإِنْ صَلَحَ مِنْهُ شَيْءٌ لِلْحُجِّيَّةِ فَمَحْمُولٌ عَلَى وُقُوعِهِ سِيَاسَةً لِمُعْتَادِهِ لَا حَدًّا، وَبِهِ نَقُولُ ثُمَّ عَلَى الصَّحِيحِ لَا فَرْقَ عِنْدَهُمَا بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الْقَبْرُ فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ فِي بَيْتٍ مُقْفَلٍ لِمَا ذَكَرْنَا.

(وَمَا) كَانَ مِنْ خَفَاءِ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي خَفِيَ اللَّفْظُ فِيهِ (لِتَعَدُّدِ الْمَعَانِي الِاسْتِعْمَالِيَّة) لِلَّفْظِ (مَعَ الْعِلْمِ بِالِاشْتِرَاكِ) أَيْ بِكَوْنِ اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهَا (وَلَا مُعَيِّنَ) لِأَحَدِهَا (أَوْ تَجْوِيزِهَا) أَيْ أَوْ مَعَ تَجْوِيزِ الْمَعَانِي الِاسْتِعْمَالِيَّة لِلَّفْظِ (مَجَازِيَّةً) لَهُ (أَوْ بَعْضِهَا) أَيْ أَوْ تَجْوِيزِ بَعْضِ الْمَعَانِي الِاسْتِعْمَالِيَّة لَهُ وَيَسْتَمِرُّ ذَلِكَ (إلَى تَأَمُّلٍ) بَعْدَ الطَّلَبِ فَذَلِكَ اللَّفْظُ (مُشْكِلٌ) اصْطِلَاحًا مِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ إذَا دَخَلَ فِي أَشْكَالِهِ وَأَمْثَالِهِ فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى هَذَا يَصْدُقُ الْمُشْكِلُ عَلَى الْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ.

قُلْنَا: نَعَمْ (وَلَا يُبَالِي بِصِدْقِهِ) أَيْ الْمُشْكِلِ (عَلَى الْمُشْتَرَكِ) فَيَكُونُ أَعَمَّ مِنْهُ لِعَدَمِ التَّنَافِي؛ إذْ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى الشَّيْءُ بِاسْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مِنْ جِهَتَيْنِ (كَ أَنَّى) أَيْ مِثَالِ الْمُشْكِلِ لَفْظُ أَنَّى (فِي أَنَّى شِئْتُمْ) بَعْدَ قَوْله تَعَالَى {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ} [البقرة: 223] فَإِنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ (لِاسْتِعْمَالِهِ كَأَيْنَ) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {أَنَّى لَكِ هَذَا} [آل عمران: 37](وَكَيْفَ) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} [البقرة: 259] فَاشْتَبَهَ الْمَعْنَى الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ عَلَى السَّامِعِ وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ (إلَى أَنْ تُؤُمِّلَ) بَعْدَ الطَّلَبِ لَهُمَا وَالْوُقُوفِ عَلَيْهِمَا فِي مَوْقِعِهَا هَذَا (فَظَهَرَ الثَّانِي) وَهُوَ كَيْفَ دُونَ أَيْنَ (بِقَرِينَةِ الْحَرْثِ، وَتَحْرِيمِ الْأَذَى) أَيْ وَدَلَالَةِ تَحْرِيمِ الْقُرْبَانِ فِي الْأَذَى الْعَارِضِ وَهُوَ الْحَيْضُ فَإِنَّهُ فِي الْأَذَى اللَّازِمِ أَوْلَى فَيَقْتَضِي التَّخْيِيرَ فِي الْأَوْصَافِ أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ قَائِمَةً أَوْ نَائِمَةً أَوْ مُقْبِلَةً أَوْ مُدْبِرَةً بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْمَأْتِيُّ وَاحِدًا وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ الطَّلَبِ وَالتَّأَمُّلِ وَهُوَ أَنَّ الطَّلَبَ النَّظَرُ أَوَّلًا فِي مَعَانِي اللَّفْظِ وَضَبْطِهَا.

وَالتَّأَمُّلُ اسْتِخْرَاجُ الْمُرَادِ مِنْهَا، وَأَنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الطَّلَبَ كَمَا ذَكَرُوهُ لِاسْتِلْزَامِ التَّأَمُّلِ تَقَدُّمَ الطَّلَبِ عَلَيْهِ ثُمَّ غَيْرُ خَافٍ أَنَّ هَذَا أَشَدُّ خَفَاءً مِنْ الْخَفِيِّ، وَسَيَظْهَرُ أَنَّهُ أَقَلُّ خَفَاءً مِنْ الْمُجْمَلِ وَالْمُتَشَابِهِ فَلَا جَرَمَ أَنْ كَانَ مُقَابِلُهُ النَّصَّ (وَمَا) كَانَ مِنْ خَفَاءِ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي خَفِيَ اللَّفْظُ فِيهِ (لِتَعَدُّدٍ) فِي مَعْنَاهُ (لَا يُعْرَفُ) الْمُرَادُ مِنْهُ (إلَّا بِبَيَانٍ) مِنْ الْمُطْلَقِ (كَمُشْتَرَكٍ) لَفْظِيٍّ (تَعَذَّرَ تَرْجِيحُهُ) فِي أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ أَوْ مَعَانِيهِ (كَوَصِيَّةٍ لِمَوَالِيهِ) فَإِنَّ الْمَوْلَى مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمُعْتَقِ وَالْمُعْتِقِ (حَتَّى بَطَلَتْ) الْوَصِيَّةُ لِمَوَالِيهِ (فِيمَنْ لَهُ الْجِهَتَانِ) مَنْ أَعْتَقُوهُ وَمَنْ أَعْتَقَهُمْ إذَا مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِبَقَاءِ الْمُوصَى لَهُ مَجْهُولًا بِنَاءً عَلَى تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ وَعَدَمِ تَرْجِيحِ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ وَإِلَّا فَهُنَا رِوَايَاتٌ مِنْهَا أَنَّ عَنْ مُحَمَّدٍ إلَّا أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَذَلِكَ وَمِنْهَا أَنَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ جَوَازَهَا وَتَكُونُ لِلْفَرِيقَيْنِ (أَوْ إبْهَامُ مُتَكَلِّمٍ) وَالْوَجْهُ الظَّاهِرُ أَوْ مَا أَبْهَمَ الْمُتَكَلِّمُ مُرَادَهُ مِنْهُ (لِوَضْعِهِ) أَيْ ذَلِكَ اللَّفْظِ (لِغَيْرِ مَا عُرِفَ) مُرَادًا مِنْهُ عِنْدَ إطْلَاقِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَصْلِ وَضْعِهِ (كَالْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالرِّبَا) الْمَوْضُوعَةِ لِلْمَعَانِي الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ أَهْلِهَا قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِالْوَضْعِ لَهَا.

وَاللَّفْظُ الْغَرِيبُ قَبْلَ تَفْسِيرِهِ كَالْهَلُوعِ (مُجْمَلٌ) مِنْ أَجْمَلَ الْحِسَابَ رَدَّهُ إلَى الْجُمْلَةِ أَوْ الْأَمْرِ أَبْهَمَهُ ثُمَّ لَمَّا كَانَ هَذَا أَشَدَّ خَفَاءً مِنْ الْمُشْكِلِ لِإِمْكَانِ الْوُقُوفِ عَلَى مَعْنَاهُ بِالِاجْتِهَادِ كَمَا بِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الْمُجْمَلِ فَإِنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ بِالِاجْتِهَادِ كَانَ مُقَابِلُهُ الْمُفَسَّرَ (وَمَا) كَانَ مِنْ خَفَاءِ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي خَفِيَ اللَّفْظُ فِيهِ بِحَيْثُ (لَمْ يُرْجَ مَعْرِفَتُهُ فِي الدُّنْيَا مُتَشَابِهٌ) اصْطِلَاحًا مِنْ التَّشَابُهِ بِمَعْنَى الِالْتِبَاسِ (كَالصِّفَاتِ) الَّتِي وَرَدَ بِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ لِلَّهِ تَعَالَى (فِي نَحْوِ الْيَدِ) وَالْوَجْهِ الظَّاهِرُ

ص: 159

مِنْ نَحْوِ الْيَدِ (وَالْعَيْنِ) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10]{وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39](وَالْأَفْعَالِ كَالنُّزُولِ) الْوَارِدِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى الثُّلُثُ الْأَخِيرُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا دَلَّ السَّمْعِيُّ الْقَاطِعُ عَلَى ثُبُوتِهِ لِلَّهِ - تَعَالَى - مَعَ الْقَطْعِ بِامْتِنَاعِ مَعْنَاهُ الظَّاهِرِ عَلَيْهِ - سُبْحَانَهُ - بِنَاءً عَلَى مَا عَلَيْهِ السَّلَفُ مِنْ تَفْوِيضِ عِلْمِهِ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَالسُّكُوتِ عَنْ التَّأْوِيلِ مَعَ الْجَزْمِ بِالتَّقْدِيسِ وَالتَّنْزِيهِ وَاعْتِقَادِ عَدَمِ إرَادَةِ الظَّوَاهِرِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْحُدُوثِ وَالتَّشْبِيهِ كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْأَسْلَمُ (وَكَالْحُرُوفِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ) ك الم وَص وَحم وَإِطْلَاقُ الْحُرُوفِ عَلَيْهَا مَعَ أَنَّهَا أَسْمَاءٌ مَجَازٍ كَأَنَّهُ لِقَصْدِ رِعَايَةِ الْمُوَافَقَةِ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ مَدْلُولَاتِهَا حُرُوفٌ ائْتِسَاءً بِالسَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْهُمْ أَوْ أُرِيدَ بِهَا الْكَلِمَاتُ مِنْ إطْلَاقِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.

ثُمَّ هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ - تَعَالَى - اسْتَأْثَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - بِعِلْمِهِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ مِنْهُمْ أَصْحَابُنَا وَالشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَوَكِيعٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّهَا أَسْرَارٌ بَيْنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَرُمُوزٌ لَمْ يَقْصِدْ اللَّهُ بِهَا إفْهَامَ غَيْرِهِ؛ إذْ يَبْعُدُ الْخِطَابُ بِمَا لَا يُفِيدُ اهـ.

وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ اسْتِئْثَارَ اللَّهِ - تَعَالَى - بِعِلْمِهَا يَدْفَعُ كَوْنَهَا أَسْرَارًا بَيْنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ عَدَمُ عِلْمِ الْخَلْقِ بِمَعْنَاهَا لَا يُوجِبُ أَنْ لَا تُفِيدَ شَيْئًا وَأَنْ لَا يَكُونَ لِذِكْرِهَا مَعْنًى أَصْلًا؛ إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَائِدَتُهُ طَلَبَ الْإِيمَانِ بِهَا وَأَنْ يَكُونَ التَّحَدِّي وَالتَّنْبِيهُ عَلَى الْإِعْجَازِ ثُمَّ لَمَّا كَانَ هَذَا أَشَدَّهَا خَفَاءً كَانَ مُقَابِلُهُ الْمُحْكَمَ ثُمَّ قِيلَ نَظِيرُ الْخَفِيِّ مِنْ الْحِسِّيَّاتِ مَنْ اخْتَفَى مِنْ طَالِبِهِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرِ زِيِّهِ وَلَا اخْتِلَاطِهِ بَيْنَ أَشْكَالِهِ فَيَعْثُرُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الطَّلَبِ وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّأَمُّلِ، وَنَظِيرُ الْمُشْكِلِ مَنْ اغْتَرَبَ عَنْ وَطَنِهِ وَدَخَلَ بَيْنَ أَشْكَالِهِ فَيَطْلُبُ مَوْضِعَهُ ثُمَّ يَتَأَمَّلُ فِي أَشْكَالِهِ لِيَقِفَ عَلَيْهِ.

وَنَظِيرُ الْمُجْمَلِ مَنْ اغْتَرَبَ عَنْ وَطَنِهِ وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ فَإِنَّهُ لَا يَنَالُ بِالطَّلَبِ وَالتَّأَمُّلِ بِدُونِ الْخَبَرِ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَنَظِيرُ الْمُشَابِهِ الْمَفْقُودُ الَّذِي لَا طَرِيقَ لِدَرْكِهِ أَصْلًا (وَظَهَرَ) مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ (أَنَّ الْأَسْمَاءَ الثَّلَاثَةَ) الْمُشْكِلَ وَالْمُجْمَلَ وَالْمُتَشَابِهَ لَمَّا سُمِّيَتْ بِهِ دَائِرَةٌ (مَعَ الِاسْتِعْمَالِ لَا) مُجَرَّدِ (الْوَضْعِ كَالْمُشْتَرَكِ) أَيْ كَمَا أَنَّ اسْمَ الْمُشْتَرَكِ يَدُورُ مَعَ مُجَرَّدِ وَضْعِهِ لِمَعْنَيَيْنِ فَصَاعِدًا عَلَى الْبَدَلِ (وَالْخَفِيِّ) أَيْ وَاسْمِ الْخَفِيِّ (مَعَ عُرُوضِ التَّسْمِيَةِ وَالشَّافِعِيُّ مَا خَفِيَ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ بِنَفْسِ الصِّيغَةِ أَوْ بِعَارِضٍ عَلَيْهَا (مُجْمَلٌ، وَالْإِجْمَالُ فِي مُفْرَدٍ لِلِاشْتِرَاكِ) كَالْعَيْنِ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ مَعَانِيهِ (أَوْ الْإِعْلَالِ) كَمُخْتَارٍ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِإِعْلَالِهِ بِقَلْبِ يَائِهِ الْمَكْسُورَةِ أَوْ الْمَفْتُوحَةِ أَلِفًا (أَوْ جُمْلَةِ الْمُرَكَّبِ) نَحْوِ قَوْله تَعَالَى {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة: 237] لِتَرَدُّدِ جُمْلَةِ الْمُرَكَّبِ الَّتِي هِيَ الْمَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ بَيْنَ الزَّوْجِ كَمَا حَمَلَهُ أَصْحَابُنَا وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ عَلَيْهِ.

وَمِنْ حُجَّتِهِمْ مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: وَلِيُّ الْعُقْدَةِ الزَّوْجُ وَبَيْنَ الْوَلِيِّ كَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ مَالِكٌ (وَمَرْجِعُ الضَّمِيرِ) مِنْهُ إذَا تَقَدَّمَهُ أَمْرَانِ أَنْ يَصْلُحَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى السَّوَاءِ قِيلَ: كَحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ لِتَرَدُّدِ ضَمِيرِ جِدَارِهِ بَيْنَ عَوْدِهِ إلَى: " أَحَدُكُمْ " كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَحْمَدُ إذَا كَانَ لَا يَضُرُّهُ وَلَا يَجِدُ الْوَاضِعُ بُدًّا مِنْهُ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ لَهُ أَرْبَعَةُ حِيطَانٍ لَهُ مِنْهَا وَاحِدٌ وَالْبَاقِي لِغَيْرِهِ حَتَّى يَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ إنْ امْتَنَعَ وَبَيْنَ عَوْدِهِ إلَى الْجَارِ نَفْسِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ إنْ امْتَنَعَ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ قُلْت: وَالْحَقُّ أَنَّ ظَاهِرَ السِّيَاقِ يُعَيِّنُ رُجُوعَهُ إلَى " أَحَدُ " ثُمَّ هُوَ مُحْتَاجٌ إلَى مُخَصِّصٍ بِمَا قَيَّدَهُ بِهِ وَهُمْ مُحْتَاجُونَ إلَى الْجَوَابِ عَنْهُ مُطْلَقًا، وَالْكَلَامُ فِي ذَلِكَ غَيْرُ هَذَا الْمَوْضِعِ بِهِ أَلْيَقُ فَالْأَوْلَى التَّمْثِيلُ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ.

وَقَدْ سُئِلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ رضي الله عنهما أَيُّهُمَا أَفْضَلُ مَنْ بِنْتُهُ فِي بَيْتِهِ (وَتَقْيِيدُ الْوَصْفِ وَإِطْلَاقُهُ فِي نَحْوِ) زَيْدٌ (طَبِيبٌ مَاهِرٌ) لِتَرَدُّدِ مَاهِرٌ بَيْنَ رُجُوعِهِ إلَى: " طَبِيبٌ " فَيَتَقَيَّدُ الْوَصْفُ بِالْمَهَارَةِ بِكَوْنِهَا فِي الطِّبِّ خَاصَّةً وَبَيْنَ رُجُوعِهِ إلَى زَيْدٍ فَيَكُونُ مَوْصُوفًا بِالْمَهَارَةِ مُطْلَقًا لَا أَنْ تَكُونَ صِفَةً لِصِفَةٍ أُخْرَى كَمَا ذَكَرَ

ص: 160

الْأَصْفَهَانِيُّ (وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكُلَّ) أَيْ إجْمَالَ كُلِّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمِثْلِ (فِي مُفْرَدٍ بِشَرْطِ التَّرْكِيبِ) قُلْت: لَكِنْ مِنْ الظَّاهِرِ أَنَّ الْإِجْمَالَ فِي اللَّفْظِ لِاشْتِرَاكِهِ أَوْ لِإِعْلَالِهِ فِي مُفْرَدٍ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ التَّرْكِيبِ فَالْوَجْهُ اسْتِثْنَاءُ مَا كَانَ هَكَذَا مِنْ اشْتِرَاطِهِ (وَعِنْدَهُمْ) أَيْ الشَّافِعِيَّةِ (الْمُتَشَابِهُ لَكِنْ مُقْتَضَى) كَلَامِ (الْمُحَقِّقِينَ تُسَاوِيهِمَا) أَيْ الْمُجْمَلِ وَالْمُتَشَابِهِ (لِتَعْرِيفِهِمْ الْمُجْمَلَ بِمَا لَمْ تَتَّضِحْ دَلَالَتُهُ) قِيلَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ لِأَنَّ الْإِجْمَالَ يَكُونُ فِيهِمَا وَالدَّلَالَةُ أَعَمُّ مِنْ اللَّفْظِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَدَلَالَةُ الْفِعْلِ عَقْلِيَّةٌ.

وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ مَا وَلَمْ يَقُلْ لَفْظٌ وَخَرَجَ بِلَمْ تَتَّضِحْ دَلَالَتُهُ الْمُهْمَلُ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لَهُ وَالْمُبَيَّنُ لِاتِّضَاحِهَا (وَبِمَا لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ مَعْنًى أَنَّهُ الْمُرَادُ) وَهَذَا لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَعَلَّهُ بِالْعِنَايَةِ مَا فِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَقِيلَ: اللَّفْظُ الَّذِي لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ شَيْءٌ وَحِينَئِذٍ فَلِلْقَائِلِ أَنْ يَقُولَ: إنْ أَرَادَ بِالْمُعْتَرَضِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ (وَعَلَيْهِ اعْتِرَاضَاتٌ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ) مَا فِي الْكِتَابِ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادَ مَا فِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَصَحِيحٌ أَنَّ عَلَيْهِ اعْتِرَاضَاتٍ مِثْلَ أَنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْمُهْمَلِ وَلَفْظِ الْمُسْتَحِيلِ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ بِمُجْمَلٍ، وَغَيْرُ مُنْعَكِسٍ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْ الْمُجْمَلِ أَحَدُ مَحَامِلِهِ لَا بِعَيْنِهِ كَمَا فِي الْمُشْتَرَكِ، وَهُوَ شَيْءٌ فَلَا يَصْدُقُ الْحَدُّ عَلَيْهِ وَالْمُجْمَلُ قَدْ يَكُونُ فِعْلًا كَقِيَامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ غَيْرِ تَشَهُّدٍ فَإِنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِلْجَوَازِ وَالسَّهْوِ وَهُوَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْحَدِّ؛ إذْ لَيْسَ لَفْظًا وَحِينَئِذٍ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَيْءٍ بَلْ هِيَ وَارِدَةٌ ظَاهِرًا.

وَإِنَّمَا يُمْكِنُ أَنْ يُدْفَعَ بِالْعِنَايَةِ كَمَا قَالَ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِثْلُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ الْمَوْضُوعُ وَبِالشَّيْءِ مَا يَصِحُّ إطْلَاقُ لَفْظِ الشَّيْءِ عَلَيْهِ لُغَةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فِي الْخَارِجِ وَبِفَهْمِ الشَّيْءِ فَهْمُهُ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ لَا مُجَرَّدُ الْخُطُورِ بِالْبَالِ، وَالْمَقْصُودُ تَعْرِيفُ الْمُجْمَلِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْمَتْنِ، وَهُوَ لَا مَحَالَةَ لَفْظٌ قُلْت: وَعَلَى هَذَا لَا حَاجَةَ إلَى دَعْوَى أَنَّ الْمُعَرَّفَ الْأَوَّلُ إنَّمَا قَالَ مَا وَلَمْ يَقُلْ لَفْظُ لِيَتَنَاوَلَ الْفِعْلَ الْمُجْمَلَ لِأَنَّ الْإِجْمَالَ يَكُونُ فِيهِ أَيْضًا بَلْ حَيْثُ كَانَ التَّعْرِيفُ لِلْمُجْمَلِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْمَتْنِ يَنْبَغِي الِاحْتِرَازُ مِنْ الْفِعْلِ الْمُجْمَلِ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ

(وَالْمُتَشَابِهُ) أَيْ وَلِتَعْرِيفِهِمْ إيَّاهُ (بِغَيْرِ الْمُتَّضِحِ الْمَعْنَى) فَهَذَا تَسَاوٍ ظَاهِرٌ بَلْ اتِّحَادٌ (وَجَعَلَ الْبَيْضَاوِيُّ إيَّاهُ) أَيْ الْمُتَشَابِهَ (مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمُجْمَلِ وَالْمُؤَوَّلِ) حَيْثُ قَالَ: وَالْمُشْتَرَكُ بَيْنَ النَّصِّ وَالظَّاهِرِ الْمُحْكَمُ وَبَيْنَ الْمُجْمَلِ وَالْمُؤَوَّلِ الْمُتَشَابِهُ، وَفَسَّرَ الشَّارِحُونَ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الْأَوَّلَيْنِ بِالرُّجْحَانِ وَيَمْتَازُ النَّصُّ بِأَنَّهُ رَاجِحٌ مَانِعٌ مِنْ النَّقِيضِ دُونَ الظَّاهِرِ وَبَيْنَ الْأَخِيرَيْنِ بِعَدَمِ الرُّجْحَانِ وَيَمْتَازُ الْمُؤَوَّلُ بِأَنَّهُ مَرْجُوحٌ دُونَ الْمُجْمَلِ فَيَكُونُ الْمُتَشَابِهُ مَا لَيْسَ بِرَاجِحٍ لَا مَا لَمْ يَتَّضِحْ مَعْنَاهُ كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِ غَيْرِهِ (مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الْمُؤَوَّلَ ظَهَرَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَرْجُوحِ بِالْمُوجِبِ) لَهُ فَصَارَ مُتَّضِحُ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ رَاجِحًا (لَا يُقَالُ: يُرِيدُهُ) أَيْ كَوْنُ الْمُؤَوَّلِ غَيْرَ مُتَّضِحِ الْمَعْنَى أَوْ غَيْرَ رَاجِحٍ (فِي نَفْسِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْمُوجِبِ) لَا إرَادَةُ الْمَعْنَى الْمَرْجُوحِ لَهُ.

وَإِنَّمَا لَا يُقَالُ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُؤَوَّلَ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ كَوْنِ الْمُرَادِ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتَّضِحِ الْمَعْنَى أَوْ غَيْرَ رَاجِحٍ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَّضِحِهِ أَوْ غَيْرَ رَاجِحِهِ فِي نَفْسِهِ (ظَاهِرٌ) بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُوجِبِ لِصِدْقِ حَدِّهِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ (لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُتَشَابِهٌ) لِعَدَمِ صِدْقِ حَدِّهِ عَلَيْهِ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ جِنْسٌ لَهُ صَادِقٌ عَلَيْهِ (وَأَيْضًا يَجِيءُ مِثْلُهُ) أَيْ هَذَا (فِي الْمُجْمَلِ) فَيُقَالُ: الْمُرَادُ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتَّضِحِ الْمَعْنَى أَوْ غَيْرَ رَاجِحِهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَّضِحِهِ أَوْ رَاجِحِهِ فِي نَفْسِهِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُجْمَلُ الَّذِي لَحِقَهُ بَيَانٌ مُجْمَلًا؛ لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ وَاضِحِ الْمَعْنَى وَلَا رَاجِحِهِ (لَكِنْ مَا لَحِقَهُ بَيَانٌ خَرَجَ عَنْ الْإِجْمَالِ بِالِاتِّفَاقِ وَسُمِّيَ مُبَيَّنًا عِنْدَهُمْ) أَيْ الشَّافِعِيَّةِ (وَالْحَنَفِيَّةِ) قَالُوا: (إنْ كَانَ) الْبَيَانُ (شَافِيًا بِقَطْعِيٍّ فَمُفَسَّرٌ) أَيْ فَالْمُجْمَلُ حِينَئِذٍ مُفَسَّرٌ كَبَيَانِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ (أَوْ) كَانَ الْبَيَانُ شَافِيًا (بِظَنِّيٍّ فَمُؤَوَّلٌ) أَيْ فَالْمُجْمَلُ حِينَئِذٍ مُؤَوَّلٌ كَبَيَانِ مِقْدَارِ الْمَسْحِ بِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (أَوْ) كَانَ الْبَيَانُ (غَيْرَ شَافٍ خَرَجَ) الْمُجْمَلُ (عَنْ الْإِجْمَالِ إلَى الْإِشْكَالِ) لِأَنَّ خَفَاءَ الْإِشْكَالِ دُونَ الْإِجْمَالِ كَبَيَانِ الرِّبَا بِالْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ

ص: 161

فِي الصَّحِيحَيْنِ (فَجَازَ طَلَبُهُ) أَيْ بَيَانُهُ حِينَئِذٍ (مِنْ غَيْرِ الْمُتَكَلِّمِ) ؛ لِأَنَّ بَيَانَ الْمُشْكِلِ مِمَّا يُكْتَفَى فِيهِ بِالِاجْتِهَادِ بِخِلَافِ الْإِجْمَالِ.

(فَلِذَا) أَيْ لِلِاتِّفَاقِ الْمَذْكُورِ (رُدَّ مَا ظُنَّ مِنْ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ الْمُقْتَرِنَ بِبَيَانٍ) لِلْمُرَادِ مِنْهُ (مُجْمَلٌ بِالنَّظَرِ إلَى نَفْسِهِ مُبَيَّنٌ بِالنَّظَرِ إلَى الْمُقَارِنِ) وَالظَّانُّ الْأَصْفَهَانِيُّ وَالرَّادُّ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ وَلَفْظُهُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ لَمْ يُعْرَفْ اصْطِلَاحٌ عَلَى ذَلِكَ بَلْ كَلَامُ الْقَوْمِ صَرِيحٌ فِي خِلَافِهِ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ أَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى الْمُشْتَرَكِ الْمُبَيَّنِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُبَيَّنٌ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْرَفَ مِنْهُ مُرَادُهُ بَلْ إنَّمَا عُرِفَ بِالْبَيَانِ (وَالْحَاصِلُ أَنَّ لُزُومَ الِاسْمَيْنِ) الْمُبَيَّنِ وَالْمُجْمَلِ (بِاعْتِبَارِ مَا ثَبَتَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِلَّفْظِ مِنْ الْبَيَانِ أَوْ الِاسْتِمْرَارِ عَلَى عَدَمِهِ) أَيْ الْبَيَانِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ لِلتَّنَافِي بَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ، وَإِذَا عُرِفَ هَذَا (فَالْمُجْمَلُ أَعَمُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) مِنْهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ كَوْنَهُ أَعَمَّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (أَنَّ بَعْضَ أَقْسَامِهِ) أَيْ الْمُجْمَلِ (يُدْرَكُ) بَيَانُهُ (عَنْ غَيْرِ الْمُتَكَلِّمِ، وَبَعْضُهُ) أَيْ الْمُجْمَلِ (لَا) يُدْرَكُ بَيَانُهُ (إلَّا مِنْهُ) أَيْ الْمُتَكَلِّمِ (إذْ لَا يُنْكَرُ جَوَازُ وُجُودِ إبْهَامٍ كَذَلِكَ) أَيْ لَا يُدْرَكُ مَعْرِفَتُهُ إلَّا بِبَيَانٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ (وَكَذَا الْمُتَشَابِهُ) بَعْضُ أَقْسَامِهِ يُدْرَكُ عَنْ غَيْرِ الْمُتَكَلِّمِ، وَبَعْضُهَا لَا أَيْضًا لِتُسَاوِيهِمَا (إلَّا أَنَّهُمْ) أَيْ الشَّافِعِيَّةَ (وَالْأَكْثَرَ عَلَى إمْكَانِ دَرْكِهِ) أَيْ الْمُتَشَابِهِ الْمُتَّفَقِ عَلَى أَنَّهُ مُتَشَابِهٌ فِي الدُّنْيَا (خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ) حَيْثُ قَالُوا: لَا يُمْكِنُ دَرْكُهُ فِيهَا أَصْلًا، وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَشْفِ وَالتَّحْقِيقِ وَغَيْرُهُ أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَعَامَّةِ مُتَقَدِّمِي أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي زَيْدٍ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَّا أَنَّ فَخْرَ الْإِسْلَامِ وَشَمْسَ الْأَئِمَّةِ اسْتَثْنَيَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَا أَنَّ الْمُتَشَابِهَ وَضَحَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَى أَنَّ الرَّاسِخَ يَعْلَمُ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ.

(وَحَقِيقَةُ الْخِلَافِ) بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ (فِي وُجُودِ قِسْمٍ) مِنْ أَقْسَامِ اللَّفْظِ بِاعْتِبَارِ خَفَاءِ دَلَالَتِهِ (كَذَلِكَ) أَيْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ انْقِطَاعِ رَجَاءِ مَعْرِفَتِهِ فِي الدُّنْيَا (وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بَحْثٌ عَنْ) وُجُودِ (قِسْمٍ شَرْعِيٍّ) أَيْ مِنْ الْخِطَابَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهُوَ الْخِطَابُ بِمَا لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ إلَّا فِي الْآخِرَةِ هَلْ هُوَ وَاقِعٌ مِنْهُ - تَعَالَى - أَوْ لَا (لَا لُغَوِيٌّ اُسْتُتْبِعَ) أَيْ اُسْتُطْرِدَ فِي هَذَا التَّقْسِيمِ (فَجَازَ عِنْدَهُمْ) أَيْ الشَّافِعِيَّةِ (اتِّبَاعُهُ طَلَبًا لِلتَّأْوِيلِ وَامْتَنَعَ عِنْدَنَا فَلَا يَحِلُّ وَلَا نِزَاعَ فِي عَدَمِ امْتِنَاعِ الْخِطَابِ بِمَا لَا يُفْهَمُ ابْتِلَاءً لِلرَّاسِخِينَ بِإِيجَابِ اعْتِقَادِ الْحَقِّيَّةِ) أَيْ حَقِّيَّةِ مَا أَرَادَ اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْهُ عَلَى الْإِبْهَامِ (وَتَرْكِ الطَّلَبِ) لِلْوُقُوفِ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا (تَسْلِيمًا عَجْزًا) أَيْ اسْتِسْلَامًا لِلَّهِ وَاعْتِرَافًا بِالْقُصُورِ عَنْ دَرْكِ ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا أَنَّ الْحُكْمَ لِلَّهِ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ وَلِأَنَّ الِابْتِلَاءَ فِي الْوَقْفِ مِنْ حَيْثُ التَّسْلِيمُ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَالتَّفْوِيضُ إلَيْهِ وَاعْتِقَادُ حَقِّيَّةِ مَا أَرَادَ اللَّهُ - تَعَالَى - بِدُونِ الْوُقُوفِ عَلَى مُرَادِهِ عُبُودِيَّةً

وَالْإِمْعَانُ فِي الطَّلَبِ ائْتِمَارٌ بِالْأَمْرِ وَهُوَ عِبَادَةٌ وَالْعُبُودِيَّةُ أَقْوَى؛ لِأَنَّهَا الرِّضَا بِمَا يَفْعَلُ الرَّبُّ - سُبْحَانَهُ - وَالْعِبَادَةُ فِعْلُ مَا يُرْضِي الرَّبَّ، وَالْعِبَادَةُ تَسْقُطُ فِي الْعُقْبَى وَالْعُبُودِيَّةُ لَا فَظَهَرَ أَنْ لَا نِزَاعَ فِي عَدَمِ امْتِنَاعِ هَذَا عَقْلًا (بَلْ) إنَّمَا النِّزَاعُ (فِي وُقُوعِهِ) أَيْ الْخِطَابِ بِمَا لَا يُفْهَمُ ابْتِلَاءً لِلرَّاسِخِينَ كَمَا ذَكَرْنَا (فَالْحَنَفِيَّةُ نَعَمْ) هُوَ وَاقِعٌ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] (عَطْفُ جُمْلَةٍ) اسْمِيَّةٍ الْمُبْتَدَأُ مِنْهَا الرَّاسِخُونَ (خَبَرُهُ يَقُولُونَ؛ لِأَنَّهُ - تَعَالَى - ذَكَرَ أَنَّ مِنْ الْكِتَابِ مُتَشَابِهًا يَبْتَغِي تَأْوِيلَهُ قِسْمٌ وَصَفَهُمْ بِالزَّيْغِ فَلَوْ اقْتَصَرَ) عَلَى هَذَا (حُكِمَ بِمُقَابِلِهِمْ قِسْمٌ بِلَا زَيْغٍ لَا يَبْتَغُونَ) تَأْوِيلَهُ (عَلَى وِزَانِ {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ} [النساء: 175] اقْتَضَى مُقَابِلَهُ) وَهُوَ {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 26] فَلَهُمْ كَذَا وَكَذَا (فَتَرَكَهُ) إيجَازُ الدَّلَالَةِ قَسِيمُهُ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ أُسْلُوبٌ مِنْ الْأَسَالِيبِ الْبَلَاغِيَّةِ (فَكَيْفَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَعْنِي " الرَّاسِخُونَ " وَصَحَّتْ جُمْلَةُ التَّسْلِيمِ) وَهِيَ: " يَقُولُونَ آمَنَا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا "(خَبَرًا عَنْهُ) أَيْ عَنْ " الرَّاسِخُونَ (فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ كَذَلِكَ) وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ هَذَا أَبُو حَيَّانَ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ} [آل عمران: 7] " جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ.

(فَإِنْ قِيلَ قِسْمُ الزَّيْغِ الْمُتَّبِعُونَ)

ص: 162

{مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} [آل عمران: 7] وَالتَّأْوِيلِ، فَالْقِسْمُ الْمَحْكُومُ بِمُقَابَلَتِهِ بِنَفْيِ الْأَمْرَيْنِ) ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَالتَّأْوِيلِ جَمِيعًا لَا يَنْفِي أَحَدَهُمَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ ذَمُّ مَنْ اتَّبَعَهُ ابْتِغَاءَ التَّأْوِيلِ فَقَطْ (قُلْنَا قِسْمُ الزَّيْغِ بِابْتِغَاءِ كُلٍّ) مِنْ الْوَصْفَيْنِ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ (لَا الْمَجْمُوعُ؛ إذْ الْأَصْلُ اسْتِقْلَالُ الْأَوْصَافِ) عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَمِّ مَنْ اتَّبَعَهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ فَقَطْ بِأَنْ يُجْرِيَهُ عَلَى الظَّاهِرِ بِلَا تَأْوِيلٍ فَكَذَا مَنْ اتَّبَعَهُ ابْتِغَاءَ التَّأْوِيلِ فَقَطْ (وَلِأَنَّ جُمْلَةَ يَقُولُونَ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ يَكُونُ الرَّاسِخُونَ عَطْفًا عَلَى اللَّهِ لَا قَسِيمًا لِقَوْلِهِ {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} [آل عمران: 7] (حَالٌ) مِنْ الرَّاسِخُونَ (وَمَعْنَى مُتَعَلَّقِهَا) أَيْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ حِينَئِذٍ (يَنْبُو عَنْ مُوجِبِ عَطْفِ الْمُفْرَدِ لِأَنَّ مِثْلَهُ فِي عَادَةِ الِاسْتِعْمَالِ يُقَالُ لِلْعَجْزِ وَالتَّسْلِيمِ) وَهَذَا التَّقْدِيرُ يُنَافِيهِ (وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ وَأَمَّا الرَّاسِخُونَ) فَيَقُولُونَ لِيُوَافِقَ قَسِيمَهُ فَحُذِفَتْ أَمَّا مِنْهُ لِدَلَالَةِ ذِكْرِهَا ثَمَّةَ عَلَيْهَا هُنَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَكَادُ تُوجَدُ مُفَصَّلَةً إلَّا وَتُثَنَّى أَوْ تُثَلَّثُ ثُمَّ حُذِفَتْ الْفَاءُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَحْكَامِهَا وَحِينَئِذٍ يُقَالُ.

(فَإِذَا ظَهَرَ الْمَعْنَى وَجَبَ كَوْنُهُ عَلَى مُقْتَضَى الْحَالِ الْمُخَالِفِ لِمُقْتَضَى الظَّاهِرِ) كَمَا هُوَ شَأْنُ الْبَلَاغَةِ (مَعَ أَنَّ الْحَالَ قَيْدٌ لِلْعَامِلِ، وَلَيْسَ عِلْمُهُمْ) أَيْ الرَّاسِخُونَ بِتَأْوِيلِهِ (مُقَيَّدًا بِحَالِ قَوْلِهِمْ {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِمْ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ فَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يُنَافِي كَوْنَ يَقُولُونَ جُمْلَةً حَالِيَّةً مِنْ الرَّاسِخِينَ ثُمَّ إيضَاحُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْآيَةَ مِنْ بَابِ الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ وَالتَّقْسِيمِ، فَالْجَمْعُ قَوْله تَعَالَى {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} [آل عمران: 7] وَالتَّقْسِيمُ قَوْلُهُ {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] وَالتَّفْرِيقُ قَوْلُهُ {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} [آل عمران: 7] فَلَا بُدَّ مِنْ جَعْلِ قَوْلِهِ: {وَالرَّاسِخُونَ} [آل عمران: 7] قَسِيمًا لَهُ كَأَنَّهُ قِيلَ فَأَمَّا الزَّائِغُونَ فَيَتَّبِعُونَ الْمُتَشَابِهَ.

وَأَمَّا الرَّاسِخُونَ فَيَتَّبِعُونَ الْمُحْكَمَ وَيَرُدُّونَ الْمُتَشَابِهَ إلَى الْمُحْكَمِ إنْ قَدَّرُوا وَإِلَّا فَيَقُولُونَ كُلٌّ مِنْ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ جِيءَ بِقَوْلِهِ {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ} [البقرة: 269] تَذْيِيلًا وَتَعْرِيضًا بِالزَّائِغِينَ وَمَدْحًا لِلرَّاسِخَيْنِ يَعْنِي مَنْ لَمْ يَذَّكَّرْ، وَلَمْ يَتَّعِظْ وَيَتَّبِعْ هَوَاهُ فَلَيْسَ مِنْ أُولِي الْأَلْبَابِ، وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ الرَّاسِخُونَ:{رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8] وَمَا ذَكَرَ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ مِنْ الْجَوَابِ عَنْ هَذَا فِي حَاشِيَةِ الْكَشَّافِ بِمَا يُعْرَفُ ثَمَّةَ لَا يَدْفَعُ ظُهُورَ هَذَا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ أَحَاطَ عِلْمًا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّوْجِيهِ مَعَ الْإِنْصَافِ (وَأَيَّدَ حَمْلَنَا قِرَاءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَإِنْ تَأْوِيلُهُ إلَّا عِنْدَ اللَّهِ) وَقِرَاءَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ آمَنَّا بِهِ كَمَا أَخْرَجَهَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَعُزِيَتْ إلَى أُبَيِّ أَيْضًا.

(فَلَوْ لَمْ تَكُنْ) قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ (حُجَّةً) مُسْتَقِلَّةً (صَلَحَتْ مُؤَيِّدًا) لِمَا قَدَّمْنَاهُ (عَلَى وِزَانِ ضَعِيفِ الْحَدِيثِ) الَّذِي ضَعْفُهُ لَيْسَ بِسَبَبِ فِسْقِ رَاوِيهِ (يَصْلُحُ شَاهِدًا) لِلْحُكْمِ الثَّابِتِ عَلَى وَفْقِهِ بِإِجْمَاعٍ ظَنِّيٍّ أَوْ قِيَاسٍ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُثْبِتًا) لِذَلِكَ الْحُكْمِ لَوْ انْفَرَدَ (فَكَيْفَ وَالْوَجْهُ مُنْتَهِضٌ عَلَى الْحُجِّيَّةِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى) أَيْ حُجِّيَّةِ الْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ إذَا صَحَّتْ عَمَّنْ نُسِبَتْ إلَيْهِ مِنْ الصَّحَابَةِ خُصُوصًا مِثْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ إذْ لَا تَنْزِلُ عَنْ كَوْنِهَا خَبَرًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهُ إنَّمَا يَقْرَؤُهَا رِوَايَةً عَنْهُ صلى الله عليه وسلم وَهَذَا مَعْنَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ كَمَا سَيَأْتِي يَعْنِي فِي مَبَاحِثِ الْكِتَابِ وَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الْآيَةَ {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7] إلَى قَوْلِهِ {أُولُو الأَلْبَابِ} [آل عمران: 7] قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا رَأَيْت الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ» وَمَا أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ فِي قَوْله تَعَالَى {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7] انْتَهَى عِلْمُهُمْ إلَى أَنْ آمَنُوا بِمُتَشَابِهِهِ وَلَمْ يَعْلَمُوا تَأْوِيلَهُ

هَذَا وَقَدْ أُورِدَ عَلَى اسْتِثْنَاءِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وُضُوحُ الْمُتَشَابِهِ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم دُونَ غَيْرِهِ بِأَنَّهُ يَتَرَاءَى مُخَالِفًا لِظَاهِرِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ إنْ وَجَبَ

ص: 163

عَلَى {إِلا اللَّهُ} [آل عمران: 7] كَمَا هُوَ مُخْتَارُهُمَا مُوَافَقَةً لِلسَّلَفِ فَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَعْلَمَهُ الرَّسُولُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادِ وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7] كَمَا هُوَ مُخْتَارُ الْخَلَفِ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ الرَّسُولُ مَخْصُوصًا بِعِلْمِهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ عَلَى تَقْدِيرِ الْوَقْفِ عَلَى إلَّا اللَّهُ وَمَا يَعْلَمُ أَحَدٌ تَأْوِيلَهُ بِدُونِ تَعْلِيمِ اللَّهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ} [النمل: 65] أَيْ لَا يَعْلَمُ بِدُونِ تَعْلِيمِ اللَّهِ إلَّا اللَّهُ فَيَكُونُ إلَّا حِينَئِذٍ بِمَعْنَى غَيْرِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مَخْصُوصًا بِالتَّعْلِيمِ بِدُونِ إذْنٍ بِالْبَيَانِ لِغَيْرِهِ فَيَبْقَى غَيْرَ مَعْلُومٍ فِي حَقِّ غَيْرِهِ

وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْآيَةَ تَقْتَضِي حَصْرَ الْعِلْمِ عَلَى اللَّهِ، وَإِذَا صَارَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم عَالِمًا بِالْمُتَشَابِهَاتِ النَّازِلَةِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ بِالتَّعْلِيمِ لَا يَسْتَقِيمُ الْحَصْرُ وَكَانَ يُقَالُ: تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيمُ حَاصِلًا بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فَلَا يَكُونُ الرَّسُولُ عَالِمًا بِالْمُتَشَابِهِ قَبْلَ نُزُولِهَا فَيَسْتَقِيمُ الْحَصْرُ بِقَوْلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ وَبِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى حَصْرِ الْعِلْمِ عَلَى اللَّهِ عز وجل وَعَلَى مَنْ عَلَّمَهُ اللَّهُ بِالتَّأْوِيلِ الَّذِي ذُكِرَ أَلَا تَرَى أَنَّ تِلْكَ الْآيَةَ تُوجِبُ حَصْرَ عِلْمِ الْغَيْبِ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى، ثُمَّ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَعْلَمَهُ غَيْرُ اللَّهِ بِتَعْلِيمِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} [الجن: 26] {إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن: 27] فَكَذَا هُنَا كَذَا فِي الْكَشْفِ وَلَا يَعْرَى عَنْ بَحْثٍ لِمَنْ تَحَقَّقَ ثُمَّ بَقِيَ مَنْ الرَّاسِخُ فِي الْعِلْمِ؟ فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ فَقَالَ مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ وَصَدَقَ لِسَانُهُ وَاسْتَقَامَ قَلْبُهُ وَمَنْ عَفَّ بَطْنُهُ وَفَرْجُهُ فَذَلِكَ مِنْ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ»

(وَجَرَتْ عَادَةُ الشَّافِعِيَّةِ بِاتِّبَاعِ الْمُجْمَلِ بِخِلَافٍ فِي جُزْئِيَّاتٍ أَنَّهَا مِنْهُ فِي مَسَائِلَ الْأُولَى التَّحْرِيمُ الْمُضَافُ إلَى الْأَعْيَانِ) كَحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] وَالتَّحْلِيلُ الْمُضَافُ إلَيْهَا نَحْوُ {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} [المائدة: 1](عَنْ الْكَرْخِيِّ وَالْبَصْرِيِّ) أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (إجْمَالُهُ وَالْحَقُّ) كَمَا قَالَ الْجُمْهُورُ (ظُهُورُهُ) أَيْ أَنَّهُ ظَاهِرٌ (فِي مُعَيَّنٍ لَنَا الِاسْتِقْرَاءُ فِي مِثْلِهِ) مِنْ إضَافَةِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إلَى الذَّوَاتِ تُفِيدُ عُرْفًا أَنَّ الْمُرَادَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ مِنْهَا حَتَّى إنَّ الْمُرَادَ مِنْ إضَافَةِ التَّحْرِيمِ إلَيْهَا (إرَادَةُ مَنْعِ الْفِعْلِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْأَعْيَانِ (حَتَّى كَانَ) الْمَنْعُ الْمَذْكُورُ (مُتَبَادِرًا) أَيْ سَابِقًا إلَى الْفَهْمِ عُرْفًا (مِنْ: حُرِّمَتْ الْحَرِيرُ وَالْخَمْرُ وَالْأُمَّهَاتُ) وَهُوَ اللُّبْسُ فِي الْحَرِيرِ وَالشُّرْبُ فِي الْخَمْرِ وَالِاسْتِمْتَاعُ بِالْوَطْءِ وَدَوَاعِيهِ فِي الْأُمَّهَاتِ وَالتَّبَادُرُ دَلِيلُ الظُّهُورِ (فَلَا إجْمَالَ قَالُوا لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ فِعْلٍ) يَتَعَلَّقُ بِهَا لِأَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ تَكْلِيفٌ هُوَ بِمَا هُوَ مَقْدُورُ الْعَبْدِ، وَمَقْدُورُهُ الْفِعْلُ لَا الْعَيْنُ فَإِنْ قُدِّرَ جَمِيعُ الْأَفْعَالِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا فَمُحَالٌ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَتِهَا الِامْتِنَاعَ عَنْهَا مَعَ أَنَّ التَّقْدِيرَ لِلضَّرُورَةِ وَهِيَ مُنْدَفِعَةٌ بِالْبَعْضِ فَيُقَدِّرُ هُوَ لَا الْجَمِيعُ لِأَنَّ مَا يُقَدَّرُ لِلضَّرُورَةِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا (وَلَا مُعِينَ) لِلْبَعْضِ فَيَلْزَمُ الْإِجْمَالُ (قُلْنَا تَعَيَّنَ) الْبَعْضُ وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْعَيْنِ (بِمَا ذَكَرْنَا) مِنْ سَبْقِهِ إلَى الْفَهْمِ عُرْفًا وَعَادَةً ثُمَّ هُنَا بَحْثٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ هَذَا الِاسْتِعْمَالَ حَقِيقِيٌّ أَوْ مَجَازِيٌّ فَإِنْ كَانَ ذَاكَ الْفِعْلُ حَرَامًا لِغَيْرِهِ وَهُوَ مَا لَا يَكُونُ مَنْشَأُ حُرْمَتِهِ عَيْنَ ذَلِكَ الْمَحَلِّ كَحُرْمَةِ أَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ لِنَفْسِ الْمَالِ بَلْ لِكَوْنِهِ مِلْكَ الْغَيْرِ فَالْأَكْلُ كُلُّ مُحَرَّمٍ، وَالْمَحَلُّ قَابِلٌ لَهُ حَلَالًا بِأَنْ يَأْكُلَهُ مَالِكُهُ أَوْ يُؤْكِلَهُ غَيْرَهُ فَهُوَ اسْتِعْمَالٌ مَجَازِيٌّ إمَّا مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِ أَوْ مِنْ بَابِ حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ

وَإِنْ كَانَ ذَاكَ الْفِعْلُ حَرَامًا لِعَيْنِهِ وَهُوَ مَا يَكُونُ مَنْشَأُ حُرْمَتِهِ عَيْنَ ذَلِكَ الْمَحَلِّ كَحُرْمَةِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ مَجَازٌ أَيْضًا كَالْأَوَّلِ وَقَالَ شَيْخُنَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَيَنْبَغِي كَوْنُهُ عَلَى قَوْلِهِمْ: مَجَازًا عَقْلِيًّا إذْ لَمْ يَتَجَوَّزْ فِي لَفْظِ حُرِّمَتْ وَلَا فِي لَفْظِ الْخَمْرِ اهـ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَجِيءُ مِثْلُهُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَذَهَبَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَمَنْ وَافَقَهُ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فَالْمَحَلُّ أَصْلٌ، وَالْفِعْلُ تَبَعٌ بِمَعْنَى أَنَّ الْمَحَلَّ أُخْرِجَ أَوَّلًا مِنْ قَبُولِ الْفِعْلِ وَمُنِعَ ثُمَّ صَارَ الْفِعْلُ مُخَرَّجًا وَمَمْنُوعًا مِنْ الِاعْتِبَارِ تَبَعًا فَحَسُنَ نِسْبَةُ الْحُرْمَةِ وَإِضَافَتُهَا إلَى الْمَحَلِّ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ صَالِحٍ لِلْفِعْلِ شَرْعًا حَتَّى كَأَنَّهُ الْحَرَامُ نَفْسُهُ وَيَطْرُقُهُ مَا تَقَدَّمَ

ص: 164

آنِفًا مِنْ أَنَّ التَّحْرِيمَ لَيْسَ إلَّا لِلْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَقْسَامِ الْحُكْمِ، وَالْحُكْمُ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ فَتَعْلِيقُهُ بِالْعَيْنِ تَجَوُّزٌ وَأَنَّهُ يَلْزَمُ مَثَلًا أَنْ تَكُونَ حُرْمَةُ الْخَمْرِ أَقْوَى مِنْ حُرْمَةِ مَالِ الْغَيْرِ لَكِنْ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَنَحْوَهَا يَجِبُ تَنَاوُلُهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَإِنْ أُضِيفَ الْحُرْمَةُ إلَى عَيْنِهَا، وَمَالُ الْغَيْرِ لَا يَجِبُ تَنَاوُلُهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ بَلْ الصَّبْرُ أَوْلَى وَإِنْ مَاتَ نَعَمْ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْبَدِيعِ هَذَا التَّقْرِيرُ إظْهَارُ فَائِدَةِ الْعُدُولِ عَنْ الْحَقِيقَةِ الَّتِي هِيَ النِّسْبَةُ إلَى الْفِعْلِ إلَى الْمَجَازِ الَّذِي هُوَ النِّسْبَةُ إلَى الْعَيْنِ وَهِيَ قَصْدُ الْمُبَالَغَةِ فِي الِانْتِهَاءِ فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَزْدَوِيُّ مَعَ تَوْجِيهٍ مِنْ عِنْدِهِ مُصَحِّحٍ لَهُ إنْ تَمَّ، وَإِلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْبَدِيعِ فَقَالَ:(وَادِّعَاءُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ) كَصَدْرِ الشَّرِيعَةِ (الْحَقِيقَةَ) فِيمَا كَانَ حَرَامًا لِعَيْنِهِ (لِقَصْدِ إخْرَاجِ الْمَحَلِّ عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ تَصْحِيحُهُ بِادِّعَاءِ تَعَارُفِ تَرْكِيبِ مَنْعِ الْعَيْنِ لِإِخْرَاجِهَا عَنْ مَحَلِّيَّةِ الْفِعْلِ الْمُتَبَادِرِ لَا مُطْلَقًا) فَإِنَّ {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] لَا يُفِيدُ إخْرَاجَهَا عَنْ مَحَلِّيَّةِ كُلِّ فِعْلٍ لِلِابْنِ مِنْ تَقْبِيلِ رَأْسِهَا إكْرَامًا وَنَظَرِهِ إلَيْهَا رَحْمَةً وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَفِيهِ) أَيْ وَفِي هَذَا الِادِّعَاءِ (زِيَادَةُ بَيَانِ سَبَبِ الْعُدُولِ عَنْ التَّعْلِيقِ بِالْفِعْلِ إلَى التَّعْلِيقِ بِالْعَيْنِ) كَمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ صَاحِبِ الْبَدِيعِ قَالَ الْمُصَنِّفُ فَإِنْ سَلَّمَ الْعُرْفُ أَوْ اللُّغَةُ ذَلِكَ، وَإِلَّا لَزِمَهُ الْإِشْكَالُ اهـ قُلْت: وَقَدْ نَصَّ الْفَاضِلُ الْكَرْمَانِيُّ عَلَى تَسْلِيمِ كَوْنِهِ مَجَازًا فِي اللُّغَةِ حَقِيقَةً فِي الْعُرْفِ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ الْحَرَامِ لِعَيْنِهِ وَلِغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ

(الثَّانِيَةُ لَا إجْمَالَ فِي {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الشَّأْنَ (إنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِثْلِهِ) أَيْ هَذَا التَّرْكِيبِ (عُرْفٌ يُصَحِّحُ إرَادَةَ الْبَعْضِ كَمَالِكٍ أَفَادَ) هَذَا التَّرْكِيبُ (مَسْحَ مُسَمَّاهُ) أَيْ الرَّأْسَ (وَهُوَ) أَيْ مُسَمَّى الرَّأْسِ (الْكُلُّ أَوْ كَانَ) فِيهِ عُرْفٌ يُصَحِّحُ إرَادَةَ الْبَعْضِ مِنْهُ (أَفَادَ) هَذَا التَّرْكِيبُ (بَعْضًا مُطْلَقًا وَيَحْصُلُ) الْبَعْضُ الْمُطْلَقُ (فِي ضِمْنِ الِاسْتِيعَابِ) أَيْ اسْتِيعَابِ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ (وَغَيْرِهِ) أَيْ الِاسْتِيعَابِ وَهُوَ مَسْحُ بَعْضٍ مِنْهُ أَيِّ بَعْضٍ كَانَ لِصِدْقِ الْبَعْضِ الْمُطْلَقِ عَلَيْهِ (فَلَا إجْمَالَ) لِظُهُورِهِ فِي بَعْضٍ مُطْلَقٍ (ثُمَّ ادَّعَى مَالِكٌ عَدَمَهُ) أَيْ الْعُرْفِ الْمُصَحِّحِ إرَادَةَ الْبَعْضِ (فَلَزِمَ الِاسْتِيعَابُ) لِاتِّضَاحِ دَلَالَتِهِ بِالْمُقْتَضَى السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ كِلَيْهِمَا مَمْنُوعٌ ثُمَّ لَوْ لَمْ يَكُنْ رَادًّا لَهُ إلَّا مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ» لَكَفَى (وَالشَّافِعِيَّةُ ثُبُوتُهُ) أَيْ الْعُرْفِ الْمُصَحِّحِ إرَادَةَ الْبَعْضِ (فِي نَحْوِ مَسَحْت يَدِي بِالْمِنْدِيلِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ بِبَعْضِهِ فَلَزِمَ التَّبْعِيضُ.

(أُجِيبَ) عَنْ هَذَا (بِأَنَّهُ) أَيْ التَّبْعِيضَ فِي مِثْلِهِ هُوَ (الْعُرْفُ فِيمَا هُوَ آلَةٌ لِذَلِكَ) أَيْ فِيمَا كَانَ مَدْخُولُ الْبَاءِ آلَةَ الْفِعْلِ كَالْيَدِ فِي هَذَا وَمَدْخُولُهَا فِي الْآيَةِ الْمَحَلُّ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ) أَيْ التَّبْعِيضَ فِي هَذَا (لَيْسَ لِلْعُرْفِ) الْمَذْكُورِ (بَلْ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ) أَيْ الْمَسْحَ فِيهِ (لِلْحَاجَةِ وَهِيَ) أَيْ الْحَاجَةُ (مُنْدَفِعَةٌ بِبَعْضِهِ) أَيْ الْمِنْدِيلِ عَادَةً (فَتُعْلَمُ إرَادَتُهُ) أَيْ الْبَعْضِ عُرْفًا بِهَذَا السَّبَبِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْعُرْفَ إنَّمَا كَانَ مُفِيدًا لِلتَّبْعِيضِ فِي مِثْلِهِ لِهَذَا الْعِلْمِ فَلَا يَتِمُّ نَفْيُ كَوْنِهِ لِلْعُرْفِ نَعَمْ إسْنَادُهُ إلَيْهِ أَوْلَى لِكَوْنِهِ بِمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ الْقَرِيبَةِ مَعَ الْبَعِيدَةِ (قَالُوا) أَيْ الشَّافِعِيَّةُ (الْبَاءُ لِلتَّبْعِيضِ) وَقَدْ دَخَلْت عَلَى الرَّأْسِ فَتَقَيَّدَ كَوْنُ الْمَفْرُوضِ مَسْحَ بَعْضِهِ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ وَعَلَيْهِ مُعْظَمُهُمْ (أُجِيبَ بِإِنْكَارِهِ) أَيْ التَّبْعِيضِ (كَابْنِ جِنِّي) بِسُكُونِ الْيَاءِ مُعَرَّبُ كُنِّي بَيْنَ الْكَافِ وَالْجِيمِ.

(وَاعْلَمْ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ) النَّحْوِيِّينَ كَالْفَارِسِيِّ وَالْقُتَبِيِّ وَابْنِ مَالِكٍ

(ادَّعَوْهُ فِي نَحْوِ شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ)

مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجٌ

أَيْ شَرِبَ السُّحُبُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ مِنْ لُجَجٍ خُضْرٍ، وَالْحَالُ أَنَّ لَهُنَّ تَصْوِيتًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ (وَابْنُ جِنِّي يَقُولُ فِي سِرِّ الصِّنَاعَةِ: لَا يَعْرِفُهُ أَصْحَابُنَا) وَرُدَّ بِأَنَّهُ شَهَادَةٌ عَلَى النَّفْيِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مَعْلُومَةٍ نَحْوُ الْعَرَبُ لَمْ تَنْصِبْ الْفَاعِلَ وَظَنِّيَّةٍ عَنْ اسْتِقْرَاءٍ صَحِيحٍ نَحْوُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ اسْمٌ مُتَمَكِّنٌ آخِرُهُ وَاوٌ لَازِمَةٌ قَبْلَهَا ضَمَّةٌ وَشَائِعَةٍ

ص: 165

غَيْرِ مُنْحَصِرَةٍ نَحْوُ لَمْ يُطَلِّقْ زَيْدٌ امْرَأَتَهُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَهَذَا هُوَ الْمَرْدُودُ، وَكَلَامُ ابْنِ جِنِّي مِنْ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ شَدِيدُ الِاطِّلَاعِ عَلَى لِسَانِ الْعَرَبِ وَسَيَحْكِي الْمُصَنِّفُ إنْكَارَهُ أَيْضًا عَنْ مُحَقِّقِي الْعَرَبِيَّةِ وَأَنَّ الْبَاءَ فِي هَذَا زَائِدَةٌ، وَأَنَّ زِيَادَتَهَا اسْتِعْمَالٌ كَثِيرُ مُتَحَقِّقٌ.

وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَالْأَجْوَدُ تَضْمِينُ شَرِبْنَ مَعْنَى رَوَيْنَ (وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ) أَيْ كَوْنَهَا لِلتَّبْعِيضِ (ضَعِيفٌ لِلْخِلَافِ الْقَوِيِّ) فِي كَوْنِهَا لَهُ (وَلِأَنَّ الْإِلْصَاقَ مَعْنَاهَا) وَالْأَحْسَنُ وَلِأَنَّ مَعْنَاهَا الْإِلْصَاقُ (الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ لَهَا مُمْكِنٌ) كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ الْمَعْنَى: أَلْصَقُوا الْمَسْحَ بِالرَّأْسِ (فَيَلْزَمُ) كَوْنُهُ الْمُرَادَ بِهَا هُنَا (وَيَثْبُتُ التَّبْعِيضُ اتِّفَاقِيًّا لِعَدَمِ اسْتِيعَابِ الْمُلْصَقِ) الَّذِي هُوَ آلَةُ الْمَسْحِ عَادَةً، وَهِيَ الْيَدُ الْمُلْصَقَ بِهِ وَهُوَ الرَّأْسُ كَمَا يَأْتِي مَزِيدُ إيضَاحِهِ (لَا) أَنَّ التَّبْعِيضَ يَثْبُتُ لَهَا (مَدْلُولًا وَجْهُ الْإِجْمَالِ أَنَّ الْبَاءَ إذَا دَخَلَتْ فِي الْآلَةِ تُعِدِّي الْفِعْلَ إلَى الْمَحَلِّ فَيَسْتَوْعِبُهُ) أَيْ الْفِعْلُ الْمَحَلَّ (كَمَسَحْت يَدِي بِالْمِنْدِيلِ) فَالْيَدُ كُلُّهَا مَمْسُوحَةٌ (وَفِي قَلْبِهِ) أَيْ إذَا دَخَلَتْ فِي الْمَحَلِّ (يَتَعَدَّى) الْفِعْلُ (إلَى الْآلَةِ فَيَسْتَوْعِبُهَا) أَيْ الْفِعْلُ الْآلَةَ (وَخُصُوصُ الْمَحَلِّ هُنَا) وَهُوَ الرَّأْسُ (لَا يُسَاوِيهَا) أَيْ الْآلَةَ الَّتِي هِيَ الْيَدُ (فَلَزِمَ تَبْعِيضُهُ) أَيْ الْمَحَلِّ ضَرُورَةَ نُقْصَانِهَا عَنْهُ فِي الْمِقْدَارِ (ثُمَّ مُطْلَقُهُ) أَيْ التَّبْعِيضِ (لَيْسَ بِمُرَادٍ وَإِلَّا اُجْتُزِئَ) أَيْ: اُكْتُفِيَ (بِالْحَاصِلِ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ عِنْدَ مَنْ لَا يَشْرُطُ التَّرْتِيبَ وَالْكُلُّ) يَعْنِي مَنْ شَرَطَ التَّرْتِيبَ وَمَنْ لَمْ يَشْرُطْهُ (عَلَى نَفْيِهِ) أَيْ الِاجْتِزَاءِ بِذَلِكَ (فَلَزِمَ كَوْنُهُ) أَيْ الْبَعْضِ (مِقْدَارًا، وَلَا مُعَيَّنَ) لِكَمْيَّتِهِ.

(فَكَانَ) الْبَعْضُ (مُجْمَلًا فِي الْكَمْيَّةِ الْخَاصَّةِ، وَقَدْ يُقَالُ: عَدَمُ الِاجْتِزَاءِ لِحُصُولِهِ) أَيْ ذَلِكَ الْبَعْضِ (تَبَعًا لِتَحْقِيقِ غَسْلِ الْوَجْهِ لَا يُوجِبُ نَفْيَ الْإِطْلَاقِ اللَّازِمِ) لِلْإِلْصَاقِ فَلَا إجْمَالَ (وَالْحَقُّ أَنَّ التَّبْعِيضَ اللَّازِمَ) لِلْإِلْصَاقِ (مَا بِقَدْرِ الْآلَةِ) لِلْمَسْحِ الَّتِي هِيَ الْيَدُ (لِأَنَّهُ) أَيْ التَّبْعِيضَ (جَاءَ ضَرُورَةَ اسْتِيعَابِهَا) أَيْ الْآلَةِ (وَهِيَ) أَيْ الْآلَةُ (غَالِبًا كَالرُّبْعِ فَلَزِمَ) الرُّبْعُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لَا الْإِجْمَالُ، وَلَا الْإِطْلَاقُ مُطْلَقًا (وَكَوْنُهُ) أَيْ الرُّبْعِ (النَّاصِيَةَ) وَهِيَ الْمُقَدَّمُ مِنْ الرَّأْسِ (أَفْضَلُ لِفِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم) كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ فِي مَسْأَلَةِ الْبَاءِ

(الثَّالِثَةُ لَا إجْمَالَ فِي نَحْوِ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ» ) الْحَدِيثَ، وَتَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ بِمَعْنَاهُ خِلَافًا لَلْبَصْرِيِّينَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي الْحُسَيْنِ (لِأَنَّ الْعُرْفَ فِي مِثْلِهِ) أَيْ هَذَا التَّرْكِيبِ (قَبْلَ الشَّرْعِ رَفْعُ الْعُقُوبَةِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى إرَادَتِهِ) أَيْ رَفْعَهَا (شَرْعًا) فَإِنْ قِيلَ فَيَجِبُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْعِقَابِ وَقَدْ رُفِعَ قُلْنَا لَا (وَلَيْسَ الضَّمَانُ عُقُوبَةً) إذْ يُفْهَمُ مِنْ الْعِقَابِ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْإِيذَاءُ وَالزَّجْرُ، وَالضَّمَانُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ ذَلِكَ (بَلْ) يَجِبُ (جَبْرُ الْحَالِ الْمَغْبُونِ) الْمُتْلَفِ عَلَيْهِ (قَالُوا) أَيْ الْمُجْمِلُونَ الْمَفْهُومُونَ مِمَّا تَقَدَّمَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَقَدْ كَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَهُمْ فِي هَذِهِ أَوَّلًا وَلَوْ عَلَى سَبِيلِ الْإِبْهَامِ كَمَا فِي غَيْرِهَا (الْإِضْمَارُ) لِمُتَعَلِّقِ الرَّفْعِ (مُتَعَيِّنٌ) كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ مُتَعَدِّدٌ وَلَا مُوجِبَ لِجَمِيعِهِ (وَلَا مُعَيَّنَ) لِبَعْضٍ بِخُصُوصِهِ فَلَزِمَ الْإِجْمَالُ (أُجِيبَ عَيَّنَهُ) أَيْ الْبَعْضَ بِخُصُوصِهِ وَهُوَ رَفْعُ الْعُقُوبَةِ (الْعُرْفُ الْمَذْكُورُ)

(الرَّابِعَةُ لَا إجْمَالَ فِيمَا يُنْفَى مِنْ الْأَفْعَالِ الشَّرْعِيَّةِ مَحْذُوفَةَ الْخَبَرِ كَ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» ) فَمَا زَادَ أَخْرَجَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْحَاكِمُ وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ (إلَّا بِطَهُورٍ) وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَاَلَّذِي فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ لِابْنِ السَّكَنِ «أَلَا لَا صَلَاةَ إلَّا بِوُضُوءٍ» (خِلَافًا لِلْقَاضِي) أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ (لَنَا أَنْ ثَبَتَ) أَنَّ الصِّحَّةَ جُزْءٌ مَفْهُومٌ (الِاسْمُ الشَّرْعِيُّ) وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ (وَلَا عُرْفَ) لِلشَّارِعِ (يَصْرِفُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ كَوْنِ الْمُرَادِ الْمَفْهُومَ الشَّرْعِيَّ (لَزِمَ تَقْدِيرُ الْوُجُودِ) لِأَنَّ عَدَمَ الْوُجُودِ الشَّرْعِيِّ هُوَ عَدَمُ الصِّحَّةِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا فِي «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُ الصِّحَّةِ جُزْءَ مَفْهُومِ الِاسْمِ الشَّرْعِيِّ (فَإِنْ تُعُورِفَ صَرْفُهُ) أَيْ النَّفْيِ شَرْعًا فِي مِثْلِ ذَلِكَ (إلَى الْكَمَالِ لَزِمَ) تَقْدِيرُهُ كَمَا فِي «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَسَكَتَ عَنْهُ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: هُوَ صَحِيحٌ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُتَعَارَفْ صَرْفُهُ شَرْعًا فِي مِثْلِ ذَلِكَ إلَى الْكَمَالِ (لَزِمَ تَقْدِيرُ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ)

ص: 166

أَيْ تَقْدِيرَهَا (أَقْرَبُ إلَى نَفْيِ الذَّاتِ) الَّتِي هِيَ الْحَقِيقَةُ الْمُتَعَذِّرَةُ مِنْ تَقْدِيرِ الْكَمَالِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَصِحُّ كَالْعَدَمِ فِي عَدَمِ الْجَدْوَى بِخِلَافِ مَا لَمْ يَكْمُلْ كَمَا فِي «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَلَا يَضُرُّ هَذَا الْحَنَفِيَّةَ؛ لِأَنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ فَقَضَوْا حَقَّهُ بِقَوْلِهِمْ بِوُجُوبِهَا (وَهَذَا) أَيْ: لُزُومُ تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ (تَرْجِيحٌ لِإِرَادَةِ بَعْضِ الْمَجَازَاتِ الْمُحْتَمَلَةِ) عَلَى بَعْضٍ بِالْمُقْتَضَى لَهُ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ (لَا إثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالتَّرْجِيحِ) السَّالِفِ فِي بَحْثِ الْمَفْهُومِ عَدَمُ جَوَازِهِ (قَالُوا) : أَيْ الْمُجْمِلُونَ (الْعُرْفُ) شَرْعًا فِيهِ (مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ) بِشَهَادَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَمْثِلَةِ (فَلَزِمَ الْإِجْمَالُ قُلْنَا: مَمْنُوعٌ) ذَلِكَ وَلَا شَهَادَةَ لِمَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ (بَلْ) الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَاخْتِلَافُ التَّقْدِيرِ (لِاقْتِضَاءِ الدَّلِيلِ فِي خُصُوصِيَّاتِ الْمَوَارِدِ)

(الْخَامِسَةُ لَا إجْمَالَ فِي الْقَطْعِ وَالْيَدِ فَلَا إجْمَالَ فِي {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] وَشِرْذِمَةٌ نَعَمْ) أَيْ فِي الْقَطْعِ، وَالْيَدِ إجْمَالٌ (فَنَعَمْ) أَيْ فَالْآيَةُ الشَّرِيفَةُ مُجْمَلَةٌ فِيهِمَا (لَنَا أَنَّهُمَا) أَيْ الْقَطْعَ وَالْيَدَ (لُغَةً لِجُمْلَتِهَا) أَيْ الْيَدِ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ (إلَى الْمَنْكِبِ) وَهُوَ مُجْتَمَعُ رَأْسِ الْكَتِفِ وَالْعَضُدِ (وَالْإِبَانَةُ) أَيْ لِفَصْلِ الْمُتَّصِلِ (قَالُوا) أَيْ الْمُجْمِلُونَ (يُقَالُ) الْيَدُ (لِلْكُلِّ) أَيْ لِمَا مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْمَنْكِبِ وَيُقَالُ أَيْضًا لِمَا مِنْهَا إلَى الْمِرْفَقِ (وَإِلَى الْكُوعِ) أَيْ وَيُقَالُ لِمَا مِنْهَا إلَى طَرَفِ الزَّنْدِ الَّذِي يَلِي الْإِبْهَامَ (وَالْقَطْعُ لِلْإِبَانَةِ وَالْجَرْحِ) أَيْ شَقُّ الْعُضْوِ مِنْ غَيْرِ إبَانَةٍ لَهُ بِالْكُلِّيَّةِ (وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ) وَلَا مُرَجِّحَ فَكَانَا مُجْمَلَيْنِ.

(وَالْجَوَابُ) الْمَنْعُ (بَلْ) كُلٌّ مِنْ الْيَدِ وَالْقَطْعِ (مَجَازٌ فِي) الْمَعْنَى (الثَّانِي) لَهُمَا وَهُوَ مَا مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْكُوعِ فِي الْيَدِ وَكَذَا فِيمَا مِنْهَا إلَى الْمِرْفَقِ، وَالْجَرْحِ فِي الْقَطْعِ (لِلظُّهُورِ) أَيْ لِظُهُورِ لَفْظِ الْيَدِ وَلَفْظِ الْقَطْعِ (فِي الْأَوَّلَيْنِ) وَهُوَ مَا مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْمَنْكِبِ فِي الْيَدِ وَالْإِبَانَةِ فِي الْقَطْعِ (فَلَا إجْمَالَ وَاسْتَدَلَّ) بِمُزَيَّفٍ عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ عَدَمِ الْإِجْمَالِ فِي الْيَدِ وَالْقَطْعِ وَهُوَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا (يَحْتَمِلُ الِاشْتِرَاكَ) اللَّفْظِيَّ فِيمَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ الْمَعَانِي (وَالتَّوَاطُؤُ) أَيْ وَأَنْ يَكُونَ مُتَوَاطِئًا فِيهَا لِوَضْعِ لَفْظِهِ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا (وَالْمَجَازُ) أَيْ وَأَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً لِأَحَدِهَا مَجَازًا لِلْبَاقِي (وَالْإِجْمَالُ عَلَى أَحَدِهَا) أَيْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ وَهُوَ الِاشْتِرَاكُ اللَّفْظِيُّ (وَعَدَمُهُ) أَيْ الْإِجْمَالِ (عَلَى اثْنَيْنِ) مِنْهَا وَهُمَا التَّوَاطُؤُ لِحَمْلِهِ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَالْمَجَازُ لِحَمْلِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ (وَهُوَ) أَيْ عَدَمُ الْإِجْمَالِ (أَوْلَى) لِأَنَّ وُقُوعَ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ مِنْ اثْنَيْنِ أَقْرَبُ مِنْ وُقُوعِ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ فَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ الْأَقْرَبُ؛ لِأَنَّهُ الْأَغْلَبُ فَيُظَنُّ عَدَمُ الْإِجْمَالِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.

(وَدُفِعَ) هَذَا الِاسْتِدْلَال (بِأَنَّهُ إثْبَاتُ اللُّغَةِ بِتَعْيِينِ مَا وُضِعَ لَهُ الْيَدُ بِالتَّرْجِيحِ بِعَدَمِ الْإِجْمَالِ عَلَى أَنَّ نَفْيَ الْإِجْمَالِ فِي الْآيَةِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّوَاطُؤِ مَمْنُوعٌ إذْ الْحَمْلُ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ لَا يُتَصَوَّرُ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ إضَافَةُ الْقَطْعِ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ (إلَّا عَلَى إرَادَةِ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ) أَيْ الْإِطْلَاقُ (مُنْتَفٍ إجْمَاعًا) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْأَمْرَ بِقَطْعِ مَا شَاءَ الْإِمَامُ مِنْ بَعْضِهَا أَوْ كُلِّهَا كَمَا هُوَ اللَّازِمُ مِنْ إرَادَةِ الْإِطْلَاقِ (فَكَانَ) مَحَلُّ الْقَطْعِ (مَحَلًّا مُعَيَّنًا مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْيَدِ (وَلَا مُعَيَّنَ، وَالْحَقُّ لَا تَوَاطُؤَ، وَإِلَّا نَاقَضَ كَوْنَهُ لِلْكُلِّ) فَإِنَّهُ إذَا كَانَ مُتَوَاطِئًا كَانَ كُلِّيًّا يَصْدُقُ عَلَى كَثِيرِينَ فَتَكُونُ تِلْكَ الْأَجْزَاءُ مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى الْمَنْكِبِ مَا صَدَقَاتِ لَفْظِ الْيَدِ فَيَصْدُقُ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ بِخُصُوصِهِ اسْمُ الْيَدِ حَقِيقَةً كَالْأُصْبُعِ، وَهَذَا يُنَافِي كَوْنَهُ لِلْكُلِّ الْمُعَيَّنِ الَّذِي أَوَّلُهُ رُءُوسُ الْأَصَابِعِ وَآخِرُهُ الْمَنْكِبُ فَإِنَّ مَا بَيْنَ ذَلِكَ يَكُونُ أَجْزَاءَ الْمُسَمَّى، وَعَلَى التَّوَاطُؤِ جُزْئِيَّاتُهُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُخْتَارُ، وَقَدْ أُضِيفَ إلَيْهِ الْقَطْعُ (لَكِنْ نَعْلَمُ إرَادَةَ الْقَطْعِ فِي خُصُوصٍ مِنْهُ) أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْكُلِّ لَا إرَادَةُ الْقَطْعِ مِنْ الْمَنْكِبِ، وَلَا الْإِطْلَاقُ لِلْحَاكِمِ بِأَنْ يَقْطَعَ مِنْ أَيِّ مَحَلٍّ شَاءَ (وَلَا مُعَيَّنَ) لِذَلِكَ الْخُصُوصِ (فَإِجْمَالُهُ فِيهِ) أَيْ فَكَانَ الْقَطْعُ مُجْمَلًا فِي حَقِّ الْمَحِلِّ كَذَا أَفَادَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَأَمَّا إلْزَامُ أَنْ لَا مُجْمَلَ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ يَتِمُّ هَذَا التَّوْجِيهُ لِلْإِجْمَالِ فِي الْيَدِ وَالْقَطْعِ فَإِنَّهُ مَا مِنْ مُجْمَلٍ إلَّا يَجْرِي فِيهِ هَذَا بِعَيْنِهِ (فَدُفِعَ) هَذَا الْإِلْزَامُ (بِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ جَرَيَانَ هَذَا التَّوْجِيهِ فِي كُلِّ مُجْمَلٍ (إذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ) الْإِجْمَالُ بِدَلِيلِهِ (لَكِنْ تَعَيُّنُهُ) أَيْ الْإِجْمَالِ (ثَابِتٌ بِالْعِلْمِ بِالِاشْتِرَاكِ

ص: 167

وَالْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ) وَهِيَ كُلُّهَا مُجْمَلَةٌ لِصِدْقِ الْمُجْمَلِ عَلَيْهَا

(السَّادِسَةُ لَا إجْمَالَ فِيمَا لَهُ مُسَمَّيَانِ لُغَوِيٌّ وَشَرْعِيٌّ بَلْ) ذَلِكَ اللَّفْظُ إذَا صَدَرَ عَنْ الشَّرْعِ (ظَاهِرٌ فِي الشَّرْعِيِّ) فِي الْإِثْبَاتِ وَالنَّهْيِ وَهَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَثَانِيهَا لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ مُجْمَلٌ فِيهِمَا (وَثَالِثُهَا لِلْغَزَالِيِّ فِي النَّهْيِ مُجْمَلٌ) وَفِي الْإِثْبَاتِ لِلشَّرْعِيِّ (وَرَابِعُهَا) لِقَوْمٍ مِنْهُمْ الْآمِدِيُّ هُوَ (فِيهِ) أَيْ فِي النَّهْيِ (لِلُّغَوِيِّ) وَفِي الْإِثْبَاتِ لِلشَّرْعِيِّ (لَنَا عُرْفُهُ) أَيْ الشَّرْعِ (يَقْضِي بِظُهُورِهِ) أَيْ اللَّفْظِ (فِيهِ) أَيْ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ لِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِ (الْإِجْمَالُ) فِيهِمَا (يَصْلُحُ لِكُلٍّ) مِنْهُمَا وَلَمْ يَظْهَرْ لِأَحَدِهِمَا، وَأُجِيبَ بِظُهُورِهِ فِي الشَّرْعِيِّ بِمَا ذَكَرْنَا (الْغَزَالِيُّ الشَّرْعِيُّ مَا وَافَقَ أَمْرَهُ) أَيْ الشَّرْعِ (وَهُوَ) أَيْ مَا وَافَقَ أَمْرَهُ (الصَّحِيحُ) فَالشَّرْعِيُّ هُوَ الصَّحِيحُ وَهَذَا يَتَأَتَّى فِي الْإِثْبَاتِ (وَيَمْتَنِعُ فِي النَّهْيِ) ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ (أُجِيبَ لَيْسَ الشَّرْعِيُّ الصَّحِيحَ بَلْ) إنَّمَا هُوَ (الْهَيْئَةُ) أَيْ مَا يُسَمِّيهِ الشَّرْعُ بِذَلِكَ الِاسْمِ مِنْ الْهَيْئَاتِ الْمَخْصُوصَةِ صَحَّتْ أَوْ لَمْ تَصِحَّ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ «قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِفَاطِمَةَ بِنْتِ حُبَيْشٍ فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ» كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مُجْمَلًا فِي الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ وَالدُّعَاءِ، وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي مَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الْحَائِضَ غَيْرُ مَنْهِيَّةٍ عَنْ الصَّلَاةِ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ

قُلْت عَلَى أَنَّ امْتِنَاعَ الشَّرْعِيِّ فِي النَّهْيِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا فِي اللُّغَوِيِّ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي تَوْجِيهِ الرَّابِعِ لَا مُجْمَلًا (وَالرَّابِعُ مِثْلُهُ) أَيْ وَتَوْجِيهُ الْقَوْلِ الرَّابِعِ كَتَوْجِيهِ الثَّالِثِ (غَيْرَ) أَنَّهُ يُقَالُ (إنَّهُ) أَيْ اللَّفْظَ (فِي النَّهْيِ لِلُّغَوِيِّ؛ إذْ لَا ثَالِثَ) لِلُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ (وَقَدْ تَعَذَّرَ الشَّرْعِيُّ) لِلُزُومِ صِحَّتِهِ وَأَنَّهُ بَاطِلٌ كَبَيْعِ الْحُرِّ فَتَعَيَّنَ اللُّغَوِيُّ فَلَا إجْمَالَ (وَجَوَابُهُ مَا تَقَدَّمَ) مِنْ أَنَّ الشَّرْعِيَّ لَيْسَ الصَّحِيحَ، وَبِأَنَّهُ يَلْزَمُ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَكُونَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ اللُّغَوِيَّ وَهُوَ الدُّعَاءُ، وَبُطْلَانُهُ ظَاهِرٌ هَذَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ (فَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَاعْتَبَرُوا وَصْفَ الصِّحَّةِ فِي الِاسْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى مَا يُعْرَفُ) فِي النَّهْيِ (فَالصِّحَّةُ فِي الْمُعَامَلَةِ تَرَتُّبُ الْآثَارِ مَعَ عَدَمِ وُجُوبِ الْفَسْخِ، وَالْفَسَادُ عِنْدَهُمْ) تَرَتُّبُ الْآثَارِ (مَعَهُ) أَيْ مَعَ وُجُوبِ الْفَسْخِ (وَإِنْ كَانَ) الصَّحِيحُ (عِبَادَةً فَالتَّرَتُّبُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْمُرَادُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ اعْتَبَرُوا فِي الِاسْمِ الشَّرْعِيِّ الصِّحَّةَ عَلَى قَوْلِ الْمُخَالِفِينَ لَهُمْ، وَهِيَ تَرَتُّبُ الْآثَارِ وَاسْتِتْبَاعُ الْغَايَةِ وَهَذَا الْقَدْرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَيْسَ تَمَامَ مَعْنَى الصِّحَّةِ مُطْلَقًا بَلْ فِي الْعِبَادَاتِ

أَمَّا الْمُعَامَلَاتُ فَالصِّحَّةُ عِنْدَهُمْ ذَلِكَ مَعَ قَيْدِ كَوْنِهِ غَيْرَ مَطْلُوبِ التَّفَاسُخِ فَأَمَّا تَرَتُّبُ الْآثَارِ فَقَطْ فِيهِمَا فَهُوَ الْفَسَادُ عِنْدَهُمْ لِفَرْقِهِمْ فِي الْمُعَامَلَاتِ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ، وَالْبَاطِلُ وَهُوَ مَا لَا تَرَتُّبَ فِيهِ أَصْلًا فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّهُمْ اعْتَبَرُوا فِي الِاسْمِ تَرَتُّبَ الْأَثَرِ الْمَطْلُوبِ الَّذِي هُوَ الصِّحَّةُ تَارَةً وَتَارَةً بَعْضُ الصِّحَّةِ (فَيُرَادُ) بِالِاسْمِ الشَّرْعِيِّ (فِي النَّفْيِ الصُّورَةُ مَعَ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَةِ وَيَكُونُ مَجَازًا شَرْعِيًّا فِي جُزْءِ الْمَفْهُومِ) حَتَّى يَكُونَ اسْمُ الصَّلَاةِ فِي لَا صَلَاةَ لِلْأَفْعَالِ الْمَعْلُومَةِ مَعَ النِّيَّةِ لَا غَيْرُ

(السَّابِعَةُ إذَا حَمَلَ الشَّارِعُ لَفْظًا شَرْعِيًّا عَلَى آخَرَ وَأَمْكَنَ فِي وَجْهِ التَّشْبِيهِ مُجْمَلَانِ شَرْعِيٌّ وَلُغَوِيٌّ لَزِمَ الشَّرْعِيُّ كَ «الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إلَّا أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّ لَكُمْ فِيهِ الْكَلَامَ فَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِخَيْرٍ» كَمَا هُوَ حَدِيثٌ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ (يَصِحُّ ثَوَابًا أَوْ لِاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ) فِيهِ (وَهُوَ) أَيْ وَكُلٌّ مِنْ الثَّوَابِ وَاشْتِرَاطِهَا هُوَ الْمَعْنَى (الشَّرْعِيُّ أَوْ لِوُقُوعِ الدُّعَاءِ فِيهِ) أَيْ فِي الطَّوَافِ (وَهُوَ) أَيْ وُقُوعُ الدُّعَاءِ فِيهِ هُوَ الْمَعْنَى (اللُّغَوِيُّ وَالِاثْنَانِ جَمَاعَةٌ) كَمَا هُوَ حَدِيثٌ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ مِنْهُمْ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ «اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ (فِي ثَوَابِهَا) أَيْ الْجَمَاعَةِ (وَسُنَّةُ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ) عَلَيْهِمْ (وَالْمِيرَاثُ) حَتَّى يَحْجُبَ الِاثْنَانِ مِنْ الْإِخْوَةِ الْأُمَّ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ كَالثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا وَهَذَا هُوَ الشَّرْعِيُّ (أَوْ يَصْدُقُ عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الِاثْنَيْنِ أَنَّهُمَا جَمَاعَةٌ (لُغَةً) .

وَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ الْغَزَالِيُّ إلَى أَنَّهُ مُجْمَلٌ (لَنَا عُرْفُهُ) أَيْ الشَّارِعِ (تَعْرِيفُ الْأَحْكَامِ) الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ بُعِثَ لِبَيَانِهَا (وَأَيْضًا لَمْ يُبْعَثْ لِتَعْرِيفِ

ص: 168