الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وُجُودِ اللَّفْظِ) أَيْ إرَادَةِ إحْدَاثِ الصِّيغَةِ، لِأَنَّ الْآمِرَ هُوَ الْمُوجِدُ لِلْكَلَامِ عِنْدَهُمْ وَالْأَمْرَ مِنْ بَابِ الْكَلَامِ (وَدَلَالَتِهِ عَلَى الْأَمْرِ) أَيْ وَإِرَادَةِ كَوْنِ هَذِهِ الصِّيغَةِ أَمْرًا فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمَ قَدْ يُرِيدُ بِهَا التَّهْدِيدَ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي لَيْسَتْ بِأَمْرٍ (وَالِامْتِثَالِ) أَيْ وَإِرَادَةِ وُجُودِ الْمَأْمُورِ بِهِ (وَيُحْتَرَزُ بِالْأَخِيرِ) أَيْ الِامْتِثَالِ (عَنْهَا) أَيْ الصِّيغَةِ صَادِرَةً (مِنْ نَائِمٍ وَمُبَلِّغٍ وَمَا سِوَى الْوُجُوبِ) وَمِنْ تَهْدِيدٍ وَغَيْرِهِ (وَمَا قَبْلَهُ) أَيْ الْأَخِيرِ (تَنْصِيصٌ عَلَى الذَّاتِيِّ) كَمَا قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ: إنَّهُ الْأَوْلَى. (وَأُورِدَ: إنْ أُرِيدَ بِالْأَمْرِ الْمَحْدُودِ اللَّفْظُ أَفْسَدَهُ إرَادَةُ دَلَالَتِهَا عَلَى الْأَمْرِ) لِأَنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ مَدْلُولٍ عَلَيْهِ (أَوْ) أُرِيدَ بِالْأَمْرِ الْمَحْدُودِ (الْمَعْنَى أَفْسَدَهُ جِنْسُهُ) أَيْ صِيغَتُهُ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَيْسَ صِيغَةً (وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ) أَيْ الْمُرَادَ بِالْمَحْدُودِ (اللَّفْظُ) وَبِمَا فِي الْحَدِّ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ الطَّلَبُ (وَاسْتُعْمِلَ الْمُشْتَرَكُ) الَّذِي هُوَ الْأَمْرُ (فِي مَعْنَيَيْهِ بِالْقَرِينَةِ) الْعَقْلِيَّةِ. (وَقَالَ قَوْمٌ) آخَرُونَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ (إرَادَةُ الْفِعْلِ، وَأُورِدَ غَيْرُ جَامِعٍ لِثُبُوتِ الْأَمْرِ وَلَا إرَادَةَ فِي أَمْرِ عَبْدِهِ بِحَضْرَةِ مَنْ تَوَعَّدَهُ) أَيْ السَّيِّدَ بِالْإِهْلَاكِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ (عَلَى ضَرْبِهِ) أَيْ بِسَبَبِ ضَرْبِهِ (فَاعْتَذَرَ) عَنْ ضَرْبِهِ (بِمُخَالَفَتِهِ) أَيْ الْعَبْدِ لَهُ فَإِنَّ فِي هَذَا أَمْرَهُ، وَإِلَّا لَمْ يَظْهَرْ عُذْرُهُ وَهُوَ مُخَالَفَةُ أَمْرِهِ، وَلَمْ يُرِدْ مِنْهُ الْفِعْلَ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ مَا يُفْضِي إلَى هَلَاكِ نَفْسِهِ وَإِلَّا لَكَانَ مَرِيدًا لِهَلَاكِ نَفْسِهِ، وَإِرَادَةُ الْعَاقِلِ ذَلِكَ مُحَالٌ (وَأَلْزَمَ تَعْرِيفَهُ) أَيْ الْأَمْرِ (بِالطَّلَبِ النَّفْسِيِّ لَهُ) أَيْ هَذَا الْإِيرَادِ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ الْأَمْرُ، وَلَا طَلَبَ فَإِنَّ الْعَاقِلَ كَمَا لَا يُرِيدُ هَلَاكَ نَفْسِهِ لَا يَطْلُبُهُ (وَدَفْعُهُ) أَيْ هَذَا الْإِلْزَامِ كَمَا قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ (بِتَجْوِيزِ طَلَبِهِ) أَيْ الْعَاقِلِ الْهَلَاكَ لِغَرَضٍ (إذَا عَلِمَ عَدَمَ وُقُوعِهِ) أَيْ الْهَلَاكِ (إنَّمَا يَصِحُّ فِي اللَّفْظِيِّ، أَمَّا النَّفْسِيُّ فَكَالْإِرَادَةِ لَا يَطْلُبُهُ أَيْ سَبَبَ هَلَاكِهِ بِقَلْبِهِ كَمَا لَا يُرِيدُهُ) وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ مِنْ الْعَاقِلِ طَلَبُ هَلَاكِهِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ، وَلَا يَجُوزُ إرَادَتُهُ أَصْلًا مَمْنُوعٌ (وَمَا قِيلَ) أَيْ وَمَا ذَكَرَ الْآمِدِيُّ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ إنَّهُ الْأَوْلَى
(لَوْ كَانَ) الْأَمْرُ (إرَادَةً لَوَقَعَتْ الْمَأْمُورَاتُ بِمُجَرَّدِهِ) أَيْ الْأَمْرِ (لِأَنَّهَا) أَيْ الْإِرَادَةَ (صِفَةٌ تُخَصِّصُ الْمَقْدُورَ بِوَقْتِ وُجُودِهِ) أَيْ الْمَقْدُورِ (فَوُجُودُهَا) أَيْ الْإِرَادَةِ (فَرْعٌ مُخَصِّصٌ) وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَإِنَّ الْكَافِرَ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ مَوْتَهُ عَلَى الْكُفْرِ كَفِرْعَوْنَ مَأْمُورٌ بِالْإِيمَانِ اتِّفَاقًا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ (لَا يَلْزَمُهُمْ) أَيْ الْمُعْتَزِلَةَ (لِأَنَّهَا) أَيْ الْإِرَادَةَ (عِنْدَهُمْ) أَيْ الْمُعْتَزِلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعِبَادِ (مَيْلٌ يَتْبَعُ اعْتِقَادَ النَّفْعِ أَوْ دَفْعِ الضَّرَرِ وَبِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ - سُبْحَانَهُ - الْعِلْمُ بِمَا فِي الْفِعْلِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ) وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى مُحَقِّقِيهِمْ ثُمَّ كَمَا لَا يَلْزَمُهُمْ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى تَفْسِيرِهِمْ الْإِرَادَةَ بِهَذَا لَا يَلْزَمُهُمْ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَاقِي تَفَاسِيرِهِمْ إيَّاهَا أَيْضًا، وَاسْتِيفَاءُ الْكَلَامِ فِي هَذَا فِي الْكَلَامِ.
[مَسْأَلَةُ صِيغَةُ الْأَمْرِ]
(مَسْأَلَةٌ: صِيغَةُ الْأَمْرِ خَاصٌّ) أَيْ حَقِيقَةٌ عَلَى الْخُصُوصِ (فِي الْوُجُوبِ) فَقَطْ (عِنْدَ الْجُمْهُورِ) وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْبَيْضَاوِيُّ، وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ إنَّهُ الْحَقُّ، وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْآمِدِيُّ أَنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَقِيلَ وَهُوَ الَّذِي أَمْلَاهُ الْأَشْعَرِيُّ عَلَى أَصْحَابِ الْإسْفَرايِينِيّ (أَبُو هَاشِمٍ) فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ وَعَامَّةُ الْمُعْتَزِلَةِ حَقِيقَةٌ (فِي النَّدْبِ) فَقَطْ وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ - مِنْ الْمَالِكِيَّةِ -: أَمْرُهُ تَعَالَى وَأَمْرُ رَسُولِهِ الْمُوَافِقُ لَهُ أَوْ الْمُبَيِّنُ لَهُ لِلْوُجُوبِ وَالْمُبْتَدَأُ مِنْهُ لِلنَّدْبِ (وَتَوَقَّفَ الْأَشْعَرِيُّ وَالْقَاضِي فِي أَنَّهُ) مَوْضُوعٌ (لِأَيِّهِمَا) أَيْ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ (وَقِيلَ) تَوَقَّفَا فِيهِ (بِمَعْنًى لَا يُدْرَى مَفْهُومُهُ) أَصْلًا قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِكَلَامِ الْآمِدِيِّ انْتَهَى.
قُلْت: وَلَا يُنَافِي هَذَا نَقْلَ ابْنِ بَرْهَانٍ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ
مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الطَّلَبِ وَالتَّهْدِيدِ وَالتَّكْوِينِ وَالتَّعْجِيزِ، وَنَقْلِ غَيْرِهِ كَصَاحِبِ التَّحْقِيقِ - عَنْهُ فِي رِوَايَةٍ وَابْنِ سُرَيْجٍ اشْتِرَاكَهُ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَالتَّهْدِيدِ نَعَمْ يُخَالِفُ كِلَيْهِمَا تَقْرِيرُ غَيْرِ وَاحِدٍ تَوَقُّفَهُمَا بِمَعْنَى أَنَّ الصِّيغَةَ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْوُجُوبِ فَقَطْ أَوْ النَّدْبِ فَقَطْ أَوْ فِيهِمَا بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ لَكِنْ لَا يُدْرَى مَا هُوَ، وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى، قَالَ السُّبْكِيُّ وَالْآمِدِيُّ: لَكِنْ ذَكَرَ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّ الَّذِي صَحَّحَهُ فِي الْأَحْكَامِ التَّوَقُّفُ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِرْشَادِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (وَقِيلَ مُشْتَرَكٌ) لَفْظِيٌّ (بَيْنَهُمَا) أَيْ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ (وَقِيلَ) مُشْتَرَكٌ لَفْظِيٌّ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ (وَالْإِبَاحَةِ وَقِيلَ) مَوْضُوعٌ (لِلْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْأَوَّلَيْنِ) أَيْ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَهُوَ الطَّلَبُ أَيْ تَرْجِيحُ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ وَعَزَاهُ فِي الْمِيزَانِ إلَى مَشَايِخِ سَمَرْقَنْدَ (وَقِيلَ) مَوْضُوعٌ (لِمَا) أَيْ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ (بَيْنَ الثَّلَاثَةِ) أَيْ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ (مِنْ الْإِذْنِ) وَهُوَ رَفْعُ الْحَرَجِ عَنْ الْفِعْلِ وَفِي التَّحْقِيقِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُرْتَضَى مِنْ الشِّيعَةِ وَقَالَ (الشِّيعَةُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ) أَيْ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ (وَالتَّهْدِيدِ) وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ (لَنَا) عَلَى الْمُخْتَارِ وَهُوَ الْأَوَّلُ أَنَّهُ (تَكَرَّرَ اسْتِدْلَالُ السَّلَفِ بِهَا) أَيْ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ مُجَرَّدَةً عَنْ الْقَرَائِنِ (عَلَى الْوُجُوبِ) اسْتِدْلَالًا (شَائِعًا بِلَا نَكِيرٍ فَأَوْجَبَ الْعِلْمَ الْعَادِيَّ بِاتِّفَاقِهِمْ) عَلَى أَنَّهَا لَهُ (كَالْقَوْلِ) أَيْ كَإِجْمَاعِهِمْ الْقَوْلِيِّ عَلَى ذَلِكَ.
(وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ) أَيْ الْوُجُوبَ فِي اسْتِدْلَالِ السَّلَفِ بِهَا عَلَيْهِ (كَانَ بِأَوَامِرَ مُحَقَّقَةٍ بِقَرَائِنِ الْوُجُوبِ بِدَلِيلِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِكَثِيرٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ صِيَغِ الْأَمْرِ (عَلَى النَّدْبِ قُلْنَا تِلْكَ) أَيْ صِيَغُ الْأَمْرِ الْمَنْسُوبُ إلَيْهَا النَّدْبُ ثُبُوتُهُ لَهَا (بِقَرَائِنَ) مُفِيدَةٍ لَهُ بِخِلَافِ الصِّيَغِ الْمَنْسُوبِ إلَيْهَا الْوُجُوبُ (بِاسْتِقْرَاءِ الْوَاقِعِ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الصِّيَغِ الْمَنْسُوبِ إلَيْهَا الْوُجُوبُ وَالصِّيَغِ الْمَنْسُوبِ إلَيْهَا النَّدْبُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْعُرْفِ (قَالُوا) مَا يُفِيدُهُ هَذَا الدَّلِيلُ (ظَنٌّ فِي الْأُصُولِ لِأَنَّهُ) أَيْ الْإِجْمَاعَ الْمَذْكُورَ (سُكُوتِيٌّ وَلِمَا قُلْنَا مِنْ الِاحْتِمَالِ) أَيْ احْتِمَالِ كَوْنِهِ بِقَرَائِنَ تُفِيدُ الْوُجُوبَ، وَالظَّنُّ فِيهَا لَا يَكْفِي لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِيهَا الْعِلْمُ (قُلْنَا لَوْ سُلِّمَ) أَنَّهُ ظَنٌّ (كَفَى وَإِلَّا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِأَكْثَرِ الظَّوَاهِرِ) لِأَنَّ الْمَقْدُورَ فِيهَا إنَّمَا هُوَ تَحْصِيلُ الظَّنِّ بِهَا، وَأَمَّا الْقَطْعُ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ، ثُمَّ فِي الْمَحْصُولِيَّاتِ الْمَسْأَلَةُ وَسِيلَةٌ إلَى الْعِلْمِ فَيَكْفِي الظَّنُّ (لَكِنَّا نَمْنَعُهُ) أَيْ الظَّنَّ هُنَا (لِذَلِكَ الْعِلْمِ) الْعَادِيِّ بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهَا لِلْوُجُوبِ (وَلِقَطْعِنَا بِتَبَادُرِ الْوُجُوبِ مِنْ) الْأَوَامِرِ (الْمُجَرَّدَةِ) عَنْ الْقَرَائِنِ (فَأَوْجَبَ) الْقَطْعُ بِتَبَادُرِ الْوُجُوبِ مِنْهَا (الْقَطْعَ بِهِ) أَيْ الْوُجُوبِ أَيْضًا (مِنْ اللُّغَةِ وَأَيْضًا) قَوْله تَعَالَى - لِإِبْلِيسَ {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12] يَعْنِي {اسْجُدُوا لآدَمَ} [البقرة: 34] الْمُجَرَّدُ) عَنْ الْقَرَائِنِ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْوُجُوبِ أَيْضًا وَإِلَّا لَمَا لَزِمَهُ اللَّوْمُ، وَلَقَالَ: أَمَرْتنِي وَمُقْتَضَى الْأَمْرِ النَّدْبُ أَوْ مَا يُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى، فَإِنَّهُ قَدْ نَاظَرَ بِأَشَدَّ مِنْ هَذَا حَيْثُ قَالَ:{خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12]
وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْوُجُوبَ لَعَلَّهُ فُهِمَ مِنْ قَرِينَةٍ حَالِيَّةٍ أَوْ مَقَالِيَّةٍ لَمْ يَحْكِهَا الْقُرْآنُ أَوْ مِنْ خُصُوصِيَّةِ تِلْكَ اللُّغَةِ الَّتِي وَقَعَ الْأَمْرُ بِهَا، إذْ الْقَرِينَةُ لَمْ تَكُنْ حِينَئِذٍ وَإِنَّمَا حَكَى الْقُرْآنُ مَا وَقَعَ بِغَيْرِهَا احْتِمَالٌ مَرْجُوحٌ غَيْرُ قَادِحٍ فِي الظُّهُورِ وقَوْله تَعَالَى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ} [المرسلات: 48] ذَمَّهُمْ عَلَى مُخَالَفَةِ ارْكَعُوا) بِقَوْلِهِ لَا يَرْكَعُونَ حَيْثُ رَتَّبَهُ عَلَى مُجَرَّدِ مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ بِالرُّكُوعِ (وَأَمَّا) الِاسْتِدْلَال لِلْوُجُوبِ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِنَا (تَارِكُ الْأَمْرِ عَاصٍ)
لِقَوْلِهِ تَعَالَى - حِكَايَةً عَنْ خِطَابِ مُوسَى لِهَارُونَ عليهما السلام {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه: 93] أَيْ تَرَكْت مُقْتَضَاهُ (وَهُوَ) وَالْوَجْهُ وَكُلُّ عَاصٍ (مُتَوَعَّدٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} [الجن: 23] فَتَارِكُ الْأَمْرِ مُتَوَعَّدٌ وَهُوَ دَلِيلُ الْوُجُوبِ فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى مَنْعِ صُغْرَاهُ بِقَوْلِهِ (فَنَمْنَعُ كَوْنَهُ) أَيْ الْعَاصِي (تَارِكَ) الْأَمْرِ (الْمُجَرَّدِ) عَنْ الْقَرَائِنِ الْمُفِيدَةِ لِلْوُجُوبِ لِصِدْقِهِ عَلَى مَا هُوَ لِلنَّدَبِ وَلَيْسَ تَارِكُهُ بِعَاصٍ اتِّفَاقًا (بَلْ) الْعَاصِي (تَارِكُ مَا) هُوَ مُحْتَفٌّ مِنْ الْأَوَامِرِ (بِقَرِينَةِ الْوُجُوبِ فَإِذَا اسْتَدَلَّ) لِكَوْنِ تَارِكِ الْأَمْرِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ الْمُفِيدَةِ لِلْوُجُوبِ عَاصِيًا (بِ {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه: 93] أَيْ: اُخْلُفْنِي مَنَعْنَا تَجَرُّدَهُ) أَيْ هَذَا الْأَمْرِ عَنْ الْقَرَائِنِ الْمُفِيدَةِ لِوُجُوبِ مُقْتَضَاهُ، وَكَيْفَ لَا، وَقَدْ قَرَنَهُ بِقَوْلِهِ {وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 142] (فَأَمَّا) الِاسْتِدْلَال لِلْوُجُوبِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ كَثِيرٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63] أَيْ يُخَالِفُونَ أَمْرَهُ أَوْ يُعْرِضُونَ عَنْ أَمْرِهِ بِتَرْكِ مُقْتَضَاهُ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَيْ مِحْنَةٌ فِي الدُّنْيَا أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّهُ رَتَّبَ عَلَى تَرْكِ مُقْتَضَى أَمْرِهِ أَحَدَ الْعَذَابَيْنِ (فَصَحِيحٌ لِأَنَّ عُمُومَهُ) أَيْ أَمْرِهِ (بِإِضَافَةِ الْجِنْسِ الْمُقْتَضِي كَوْنَ لَفْظِ أَمْرٍ لِمَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ خَاصَّةً يُوجِبُهُ) أَيْ الْوُجُوبَ (لِلْمُجَرَّدَةِ) أَيْ لِصِيغَةِ الْأَمْرِ الْمُجَرَّدَةِ مِنْ قَرَائِنِ الْوُجُوبِ لِأَنَّهَا مِنْ أَفْرَادِهِ، ثُمَّ تَلْخِيصُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ مُخَالَفَةَ أَمْرِهِ مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهَا، وَكُلُّ مُتَوَعَّدٍ عَلَيْهِ حَرَامٌ، فَمُخَالَفَةُ أَمْرِهِ حَرَامٌ وَامْتِثَالُهُ وَاجِبٌ (وَالِاسْتِدْلَالُ) لِلْوُجُوبِ أَيْضًا (بِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ خِلَافُ الْأَصْلِ) لِإِخْلَالِهِ بِالْفَهْمِ (فَيَكُونُ) الْأَمْرُ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ (لِأَحَدِ الْأَرْبَعَةِ) مِنْ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَالتَّهْدِيدِ حَقِيقَةً وَفِي الْبَاقِي مَجَازًا.
وَقَالُوا وَإِنَّمَا خُصَّتْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ مَجَازٌ فِيمَا سِوَاهَا مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِيهِ.
قُلْت: وَهُوَ مُشْكِلٌ بِمَا فِي الْمِيزَانِ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْوَاقِفِيَّةِ بِأَنَّهُ لَا صِيغَةَ لِلْأَمْرِ بِطَرِيقِ التَّعَيُّنِ بَلْ هِيَ صِيغَةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ مَعْنَى الْأَمْرِ وَبَيْنَ الْمَعَانِي الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِيهَا، فَهِيَ مَوْضُوعَةٌ لِكُلِّ حَقِيقَةٍ بِطَرِيقِ الِاشْتِرَاكِ وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ الْبَعْضُ بِالْقَرِينَةِ، وَهُمْ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ.
(وَالْإِبَاحَةُ وَالتَّهْدِيدُ بَعِيدٌ لِلْقَطْعِ بِفَهْمِ تَرْجِيحِ الْوُجُودِ) وَهُوَ مُنْتَفٍ فِيهِمَا (وَانْتِفَاءُ النَّدْبِ) أَيْضًا ثَابِتٌ (لِلْفَرْقِ بَيْنَ اسْقِنِي وَنَدَبْتُكَ) إلَى أَنْ تَسْقِيَنِي وَلَا فَرْقَ إلَّا الذَّمُّ عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْكِ فِي اسْقِنِي، وَعَدَمُهُ عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْكِ فِي نَدَبْتُكَ إلَى أَنْ تَسْقِيَنِي وَلَوْ كَانَ لِلنَّدَبِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ فَتَعَيَّنَ كَوْنُهُ لِلْوُجُوبِ، اسْتِدْلَالٌ (ضَعِيفٌ لِمَنْعِهِمْ) أَيْ النَّادِبِينَ (الْفَرْقَ) بَيْنَهُمَا (وَلَوْ سُلِّمَ) أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا (فَيَكُونُ نَدَبْتُكَ نَصًّا) فِي النَّدْبِ (وَاسْقِنِي) لَيْسَ بِنَصٍّ فِيهِ بَلْ (يَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ) وَالنَّدْبَ لَكِنْ قِيلَ عَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْ الْفَرْقِ بِالنُّصُوصِيَّةِ وَالظُّهُورِ عَدَمُ الْفَرْقِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى (وَأَيْضًا لَا يَنْتَهِضُ) هَذَا (عَلَى الْمَعْنَوِيِّ، إذْ نَفْيُ اللَّفْظِيِّ لَا يُوجِبُ تَخْصِيصَ الْحَقِيقَةِ بِأَحَدِهَا) أَيْ الْأَرْبَعَةِ الَّذِي هُوَ الْوُجُوبُ (وَلَوْ أَرَادَ) الْمُسْتَدِلُّ بِالِاشْتِرَاكِ خِلَافَ الْأَصْلِ (مُطْلَقَ الِاشْتِرَاكِ) لِيَشْمَلَ اللَّفْظِيَّ وَالْمَعْنَوِيَّ (مَنَعْنَا كَوْنَ الْمَعْنَوِيِّ خِلَافَ الْأَصْلِ وَلَوْ قَالَ) الْمُسْتَدِلُّ (الْمَعْنَوِيُّ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَعْنَوِيٍّ أَخَصَّ مِنْهُ خِلَافُ الْأَصْلِ، إذْ الْإِفْهَامُ بِاللَّفْظِ) وَالْأَصْلُ فِيهِ الْخُصُوصُ لِإِفَادَتِهِ الْمَقْصُودَ مِنْ غَيْرِ مُزَاحِمٍ لَهُ فِيهِ وَحِينَئِذٍ كُلَّمَا كَانَ أَخَصَّ كَانَ فِي إفْهَامِهِ الْمُرَادَ أَسْرَعَ وَلِتَوَهُّمِ مُزَاحَمَةِ غَيْرِهِ أَدْفَعَ (اُتُّجِهَ) قَوْلُهُ هَذَا (كَالْمَعْنَوِيِّ الَّذِي هُوَ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ) وَهُوَ الطَّلَبُ (بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْنَوِيِّ الَّذِي هُوَ وُجُوبٌ فَإِنَّهُ) أَيْ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ (جِنْسٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى
الْوُجُوبِ إذْ هُوَ) أَيْ الْوُجُوبُ (نَوْعٌ) بِالنِّسْبَةِ إلَى الطَّلَبِ.
(فَدَارَ) مَعْنَى الْأَمْرِ (بَيْنَ خُصُوصِ الْجِنْسِ وَخُصُوصِ النَّوْعِ) وَخُصُوصُ النَّوْعِ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ الِاشْتِرَاكِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَوْجِيهِ اتِّجَاهِهِ.
وَأَقُولُ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ أَوَّلًا: إنَّ هَذَا إنَّمَا يُتَّجَهُ عَلَى مِنْوَالِ الْقَوْلِ بِتَقْدِيمِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ وَالْخَاصِّ مِنْ وَجْهٍ عَلَى الْعَامِّ مُطْلَقًا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ لَا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَرَى ذَلِكَ إلَّا بِمُرَجِّحٍ مِنْ خَارِجٍ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ.
وَثَانِيًا إنَّ هَذَا إثْبَاتُ اللُّغَةِ بِلَازِمِ الْمَاهِيَّةِ لِأَنَّكُمْ جَعَلْتُمْ الْأَخَصِّيَّةَ لَازِمًا لِلْوُجُوبِ وَجَعَلْتُمْ صِيغَةَ الْأَمْرِ بِاعْتِبَارِهَا لِلْوُجُوبِ وَهُوَ بَاطِلٌ.
وَثَالِثًا أَنَّهُ إذَا كَانَ خُصُوصُ النَّوْعِ أَوْلَى مِنْ خُصُوصِ الْجِنْسِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْوُجُوبَ كَمَا هُوَ خُصُوصُ النَّوْعِ كَذَلِكَ النَّدْبُ فَلَا تَتِمُّ الْأَخَصِّيَّةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ مُرَجِّحَةٌ لِلْوُجُوبِ عَلَى النَّدْبِ لِتَسَاوِيهِمَا فِيهَا، فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَاسْتَدَلَّ (النَّادِبُ) بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: وَ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ) لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَدَّ الْأَمْرَ إلَى مَشِيئَتِنَا وَهُوَ مَعْنَى النَّدْبِ (قُلْنَا) مَمْنُوعٌ بَلْ رَدَّهُ إلَى اسْتِطَاعَتِنَا وَحِينَئِذٍ (هُوَ دَلِيلُ الْوُجُوبِ) لِأَنَّ السَّاقِطَ عَنَّا حِينَئِذٍ مَا لَا اسْتِطَاعَةَ لَنَا فِيهِ عَلَى أَنَّ تَقْرِيرَهُمْ لَا يَدُلُّ عَلَى مُدَّعَاهُمْ أَيْضًا لِأَنَّ الْمُبَاحَ أَيْضًا بِمَشِيئَتِهِمْ، ثُمَّ لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ قَوْلَهُمْ رَدَّهُ إلَى مَشِيئَتِنَا مَعَ رِوَايَتِهِمْ لِلْحَدِيثِ بِلَفْظِ مَا اسْتَطَعْتُمْ ذُهُولٌ عَظِيمٌ وَاسْتَدَلَّ (الْقَائِلُ بِالطَّلَبِ) بِأَنَّهُ (ثَبَتَ رُجْحَانُ الْوُجُودِ) الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ بِالضَّرُورَةِ مِنْ اللُّغَةِ (وَلَا مُخَصِّصَ) لَهُ بِأَحَدِهِمَا (فَوَجَبَ كَوْنُهُ) أَيْ رُجْحَانِ الْوُجُودِ (الْمَطْلُوبَ مُطْلَقًا دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ) عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا (وَالْمَجَازِ) عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِأَحَدِهِمَا لَا غَيْرُ فَإِنَّ التَّوَاطُؤَ خَيْرٌ مِنْهُمَا (قُلْنَا) بَلْ هُوَ لِأَحَدِهِمَا وَهُوَ الْوُجُوبُ (بِمُخَصِّصٍ وَهِيَ) أَيْ الْمُخَصِّصُ - وَأَنَّثَهُ بِاعْتِبَارِ الْخَبَرِ وَهُوَ - (أَدِلَّتُنَا عَلَى الْوُجُوبِ مَعَ أَنَّهُ) أَيْ جَعْلَهُ لِلطَّلَبِ (إثْبَاتُ اللُّغَةِ بِلَازِمِ الْمَاهِيَّةِ) وَهُوَ الرُّجْحَانُ لِجَعْلِ الرُّجْحَانِ لَازِمًا لِلْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَجَعْلِ صِيغَةِ الْأَمْرِ لَهُمَا بِاعْتِبَارِ هَذَا اللَّازِمِ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِلْمُقَيَّدِ بِأَحَدِهِمَا أَوْ لِلْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ بَاطِلٌ (الِاشْتِرَاكُ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ وَالِاثْنَيْنِ) وَالثَّلَاثَةِ أَيْضًا (ثَبَتَ الْإِطْلَاقُ) عَلَى الْأَرْبَعَةِ وَعَلَى الِاثْنَيْنِ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ (وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ قُلْنَا الْمَجَازُ خَيْرٌ) مِنْ الِاشْتِرَاكِ (وَتَعْيِينُ الْحَقِيقِيِّ) الَّذِي هُوَ الْوُجُوبُ (بِمَا تَقَدَّمَ) مِنْ أَدِلَّتِهِ (وَالْوَاقِفُ كَوْنُهَا) أَيْ الصِّيغَةِ (لِلْوُجُوبِ أَوْ غَيْرِهِ بِالدَّلِيلِ) لِاسْتِعْمَالِهَا فِي كُلٍّ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ (وَهُوَ) أَيْ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي أَحَدِهَا دُونَ الْبَاقِي (مُنْتَفٍ إذْ الْآحَادُ لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ) وَهُوَ الْمَطْلُوبُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (وَلَوْ تَوَاتَرَ لَمْ يُخْتَلَفْ) فِيهِ لِإِيجَابِهِ اسْتِوَاءَ طَبَقَاتِ الْبَاحِثِينَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْكُلِّ مِنْ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ لِبَذْلِهِمْ جُهْدَهُمْ فِي طَلَبِهِ لَكِنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ ثَابِتٌ فَلَمْ يَتَوَاتَرْ وَالْعَقْلُ الصِّرْفُ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ (قُلْنَا) لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَتَوَاتَرُ إذْ (تَوَاتُرُ اسْتِدْلَالَاتِ عَدَدِ التَّوَاتُرِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ اللِّسَانِ تَوَاتُرُ أَنَّهَا) أَيْ الصِّيغَةَ (لَهُ) أَيْ لِلْوُجُوبِ وَعَلَى هَذَا فَإِمَّا الْمُلَازَمَةُ مَمْنُوعَةُ الْإِطْلَاقِ لِجَوَازِ أَنْ لَا يُفْرِغَ بَعْضُ الْبَاحِثِينَ جُهْدَهُ فِي ذَلِكَ لِعَارِضٍ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّوَاتُرُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى قَوْمٍ دُونَ آخَرِينَ، وَكِلَاهُمَا مَحَلُّ تَأَمُّلٍ (وَلَوْ سُلِّمَ) أَنَّهُ لَمْ يَتَوَاتَرْ (كَفَى الظَّنُّ) الْمُسْتَفَادُ مِنْ تَتَبُّعِ مَوَارِدِ اسْتِعْمَالِ هَذِهِ الصِّيغَةِ فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ هُوَ الْوَاجِبُ وَتَقَدَّمَ مَا فِي الْمَحْصُولِيَّاتِ (الْقَائِلُ بِالْإِذْنِ كَالْقَائِلِ بِالطَّلَبِ) وَهُوَ أَنَّهُ ثَبَتَ الْإِذْنُ بِالضَّرُورَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَلَمْ يُوجَدْ مُخَصِّصٌ لَهُ بِأَحَدِ