المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الأمر الثالث المقدمات المنطقية مباحث النظر] - التقرير والتحبير على كتاب التحرير - جـ ١

[ابن أمير حاج]

فهرس الكتاب

- ‌[خِطْبَة الْكتاب]

- ‌[الْمُقَدِّمَةُ أَرْبَعَة أُمُور]

- ‌[الْأَمْرُ الْأَوَّل مَفْهُومُ اسْم هَذَا الْعِلْمِ وَهُوَ لَفْظُ أُصُولِ الْفِقْهِ]

- ‌[الْأَمْر الثَّانِي مَوْضُوع أُصُولِ الْفِقْهِ]

- ‌[الْأَمْر الثَّالِثُ الْمُقَدِّمَاتُ الْمَنْطِقِيَّةُ مَبَاحِثُ النَّظَرِ]

- ‌[الْأَمْرُ الرَّابِعُ اسْتِمْدَاد عِلْم أُصُولُ الْفِقْهِ]

- ‌[الْمَقَالَةُ الْأُولَى فِي الْمَبَادِئِ اللُّغَوِيَّةِ]

- ‌[الْمَقَامُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ مَعْنَى اللُّغَةِ]

- ‌[الْمَقَامُ الثَّانِي فِي بَيَانِ سَبَبِ وَضْعِ لُغَاتِ الْأَنَاسِيِّ]

- ‌[الْمَقَامُ الثَّالِثُ فِي بَيَانِ وَاضِعِ اللُّغَةُ]

- ‌[الْمَقَامُ الرَّابِعُ هَلْ يُحْكَمُ بِاعْتِبَارِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ اللَّفْظِ وَمَعْنَاهُ الْمَوْضُوعِ لَهُ]

- ‌[الْمَقَامُ الْخَامِسُ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعَ لَهُ اللَّفْظُ]

- ‌[الْمَقَامُ السَّادِسُ فِي بَيَانِ طُرُقِ مَعْرِفَةِ اللُّغَاتِ]

- ‌[الْمَقَامُ السَّابِعُ الْقِيَاسَ هَلْ يَجْرِي فِي اللُّغَةِ]

- ‌[الْمَقَامُ الثَّامِنُ فِي تَقْسِيمِ اللَّفْظِ إلَى مهمل ومستعمل]

- ‌[بَيَانِ الْأَقْسَامِ اللَّاحِقَةِ لِلَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ]

- ‌[أَقْسَام الْمُفْرَدِ وَالْمُرَكَّبِ]

- ‌[أَقِسَام اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ]

- ‌[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي انْقِسَامِ اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ]

- ‌[الْفَصْلُ الثَّانِي انْقِسَامِ اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهِ]

- ‌[انْقِسَامِ دَلَالَةُ اللَّفْظ إلَى الْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ]

- ‌[أَقْسَام الْمَفْهُومُ]

- ‌[التَّقْسِيمُ الثَّانِي فِي اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ ظُهُورِ دَلَالَتِهِ]

- ‌[التَّقْسِيمُ الثَّالِثُ لِلْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ الْخَفَاء فِي الدَّلَالَةِ]

- ‌[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ مُقَايَسَتِهِ إلَى مُفْرَدٍ آخَرَ]

- ‌[الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ مَدْلُولِهِ]

- ‌[التَّقْسِيمُ الْأَوَّلُ تَعَدَّى الْمُفْرَدِ إِلَيَّ كُلِّي وجزئي]

- ‌[التَّقْسِيمُ الثَّانِي مَدْلُولُ المفرد إمَّا لَفْظٌ كَالْجُمْلَةِ وَالْخَبَرِ أَوْ غَيْرُهُ]

- ‌[التَّقْسِيمُ الثَّالِثُ تَقْسِيم اللَّفْظَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ وَالصِّيغَةِ]

- ‌[مباحث الْعَامُّ]

- ‌[الْبَحْثُ الْأَوَّلُ هَلْ يُوصَفُ بِالْعُمُومِ الْمَعَانِي الْمُسْتَقِلَّةُ كَالْمُقْتَضَى وَالْمَفْهُومِ]

- ‌[الْبَحْثُ الثَّانِي هَلْ الصِّيَغُ مِنْ أَسْمَاءِ الشَّرْطِ وَالِاسْتِفْهَامِ]

- ‌[الْبَحْثُ الثَّالِثُ لَيْسَ الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ عَامًّا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَيْسَ الْعَامُّ مُجْمَلًا]

- ‌[الْإِجْمَاعِ عَلَى مَنْعِ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ صِيغَةِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ هَلْ يَشْمَلُ النِّسَاءَ وَضْعًا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ هَلْ الْمُشْتَرَكُ عَامٌّ اسْتِغْرَاقِيٌّ فِي مَفَاهِيمِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ خِطَابِ الْوَاحِدِ لَا يَعُمُّ غَيْرَهُ لُغَةً]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْخِطَابِ الَّذِي يَعُمُّ الْعَبِيدَ لُغَةً]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الِاتِّفَاقُ عَلَى عُمُومِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ]

- ‌[الْبَحْثُ الرَّابِعُ الِاتِّفَاقُ عَلَى إطْلَاقِ قَطْعِيِّ الدَّلَالَةِ عَلَى الْخَاصِّ وَعَلَى احْتِمَالِهِ]

- ‌[الْبَحْثُ الْخَامِسُ يَرِدُ عَلَى الْعَامِّ التَّخْصِيصُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرِقُ]

- ‌[مَسْأَلَة شَرْطُ إخْرَاجِهِ أَيْ الْمُسْتَثْنَى مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَقَّبَ الِاسْتِثْنَاءُ جُمَلًا مُتَعَاطِفَةً]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا خُصَّ الْعَامُّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ بِمُجْمَلٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْقَائِلُونَ بِالْمَفْهُومِ الْمُخَالِفِ خَصُّوا بِهِ الْعَامَّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْعَادَةِ وَهِيَ الْأَمْرُ الْمُتَكَرِّرُ مِنْ غَيْرِ عَلَاقَةٍ عَقْلِيَّةٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إفْرَادِ فَرْدٍ مِنْ الْعَامِّ بِحُكْمِهِ أَيْ الْعَامِّ]

- ‌[مَسْأَلَةُ رُجُوعِ الضَّمِيرِ الْوَاقِعِ بَعْدَ الْعَامِّ إلَى الْبَعْضِ مِنْ أَفْرَادِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ تَّخْصِيصُ الْعَامِّ بِالْقِيَاسِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ مُنْتَهَى التَّخْصِيصِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ إذَا اخْتَلَفَ حُكْمُ مُطْلَقٍ وَمُقَيَّدِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ صِيغَةُ الْأَمْرِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْوُجُوبِ لِصِيغَةِ الْأَمْرِ حَقِيقَةً]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تَبَادُرِ كَوْنِ الصِّيغَةِ فِي الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ مَجَازًا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الصِّيغَة أَيْ الْمَادَّة بِاعْتِبَارِ الْهَيْئَة الْخَاصَّةِ لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْفَوْر للأمر ضروري لِلْقَائِلِ بِالتَّكْرَارِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْآمِرُ لِشَخْصٍ بِالْأَمْرِ لِغَيْرِهِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ آمِرًا لِذَلِكَ الْمَأْمُورِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَاقَبَ أَمْرَانِ غَيْرُ مُتَعَاطِفَيْنِ بِمُتَمَاثِلَيْنِ فِي مَأْمُورٍ بِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالنَّفْسِيِّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَلَّقَ النَّهْيُ بِالْفِعْلِ]

الفصل: ‌[الأمر الثالث المقدمات المنطقية مباحث النظر]

الْمُوسِيقَى وَالْحِسَابِ فَإِنَّ مَوْضُوعَ الْمُوسِيقَى النَّغَمُ مِنْ حَيْثُ يَعْرِضُ لَهَا نِسَبٌ عَدَدِيَّةٌ مُقْتَضِيَةٌ لِلتَّأْلِيفِ أَيْ لِتَأْلِيفِ النِّسَبِ وَالنَّغَمِ مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ الْمَسْمُوعَةِ فَلَوْلَا هَذِهِ الْحَيْثِيَّةُ لَكَانَ جُزْءًا مِنْ الطَّبِيعِيِّ لَكِنْ النِّسَبُ الْعَدَدِيَّةُ أَعْرَاضٌ خَاصَّةٌ لِلْعَدَدِ الَّذِي هُوَ مَوْضُوعُ عِلْمِ الْحِسَابِ فَيَكُونُ عِلْمُ الْمُوسِيقَى تَحْتَ عِلْمِ الْحِسَابِ مَعَ تَبَايُنِ مَوْضُوعَيْهِمَا؛ لِأَنَّ النَّغَمَ إذَا بُحِثَ فِيهَا عَنْ النِّسَبِ الْعَدَدِيَّةِ فَلَا بُدَّ، وَأَنْ يُعْتَبَرَ فِيهَا ضَرْبٌ مِنْ التَّعَدُّدِ فَكَأَنَّهَا فَرَضَتْ عَدَدًا مَخْصُوصًا فَتَنْدَرِجُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ تَحْتَ الْعَدَدِ الَّذِي هُوَ مَوْضُوعُ عِلْمِ الْحِسَابِ فَظَهَرَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمَذْكُورَ مِنْ قَوْلِهِ كَانَتْ مُتَبَايِنَةً، وَأَنَّهُ لَوْ أَخَّرَهُ عَنْ مُتَدَاخِلَةٍ لِيَتَّصِلَ الِاسْتِثْنَاءُ بِهِ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَأَنَّ قَوْلَهُ لِلْآخَرِ مُتَعَلِّقٌ بِعُرُوضٍ لَا بِالْمُبَايِنِ.

ثُمَّ جُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ الْعُلُومَ إمَّا مُتَدَاخِلَةٌ أَوْ مُتَنَاسِبَةٌ أَوْ مُتَبَايِنَةٌ، وَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِتَدَاخُلِ مَوْضُوعَاتِهَا وَتَنَاسُبِهَا وَتَبَايُنِهَا فَإِنْ كَانَتْ مَوْضُوعَاتُهَا مُتَدَاخِلَةً بِأَنْ يَكُونَ مَوْضُوعُ أَحَدِ الْعِلْمَيْنِ أَعَمَّ مِنْ مَوْضُوعِ الْعِلْمِ الْآخَرِ أَوْ مَوْضُوعُ أَحَدِهِمَا مِنْ حَيْثُ يُقَارِنُ أَعْرَاضًا خَاصَّةً بِمَوْضُوعِ الْآخَرِ سُمِّيَتْ الْعُلُومُ مُتَدَاخِلَةٌ وَسُمِّيَ الْعِلْمُ الْخَاصُّ مَوْضُوعًا تَحْتَ الْعِلْمِ الْعَامِّ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْمَوْضُوعَاتُ مُتَدَاخِلَةً فَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً لَكِنْ تَتَعَدَّدُ بِالِاعْتِبَارِ أَوْ كَانَتْ أَشْيَاءَ لَكِنَّهَا تَشْتَرِكُ فِي الْبَحْثِ أَوْ تَنْدَرِجُ تَحْتَ جِنْسٍ وَاحِدٍ سُمِّيَتْ مُتَنَاسِبَةٌ، وَإِلَّا فَمُتَبَايِنَةٌ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. ثُمَّ مِنْ الْخَوَاصِّ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ الْمُصَنِّفِ تَعَقُّبًا لِكَثِيرٍ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَاعْلَمْ أَنَّ إيرَادَهُمْ) فِي أَوَائِلِ الْكُتُبِ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْعُلُومِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا (كُلًّا مِنْ الْحَدِّ وَالْمَوْضُوعِ وَالْغَايَةِ لِتَحْصِيلِ الْبَصِيرَةِ لَا يَخْلُو عَنْ اسْتِدْرَاكٍ إلَّا مِنْ حَيْثُ التَّسْمِيَةُ بِاسْمٍ خَاصٍّ وَلَمْ يُورِدْهُ لِذَلِكَ) ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِيمَا كَتَبْنَاهُ عَنْهُ مِنْ الْحَوَاشِي فَقَالَ اعْلَمْ أَنَّ ذِكْرَهُمْ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةِ أَعْنِي التَّعْرِيفَ وَالتَّصْدِيقَ بِالْمَوْضُوعِ وَالْغَايَةِ لَا يَخْلُو عَنْ اسْتِدْرَاكٍ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ إنْ أُخِذَ فِيهِ الْمَوْضُوعُ نَحْوَ بَاحِثٍ عَنْ أَحْوَالِ كَذَا أَعْنِي عَنْ إفْرَادِ التَّصْدِيقِ بِالْمَوْضُوعِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُهُ إذْ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ كَذَا لِذَلِكَ الْمَذْكُورِ بِاسْمِهِ هُوَ الْمَبْحُوثُ عَنْ أَحْوَالِهِ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الْعِلْمِ بِأَنَّ مَوْضُوعَهُ مَاذَا نَعَمْ لَا يَعْلَمُهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُسَمَّى لَفْظِ الْمَوْضُوعِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُخِلّ بِالْمَقْصُودِ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْضُوعِ فِي أَوَائِلِ الْعُلُومِ، وَهُوَ حُصُولُ الْبَصِيرَةِ أَوْ مَزِيدُهَا؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَرَتَّبَتْ عَلَى مَعْرِفَةِ خُصُوصِ مَا يُبْحَثُ فِي هَذَا الْعِلْمِ عَنْ أَحْوَالِهِ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ مُسَمًّى بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ فَإِنَّا لَوْ لَمْ نُسَمِّهِ بِخُصُوصِ اسْمٍ سِوَى أَنَّ كَذَا هُوَ الْمَبْحُوثُ عَنْ أَحْوَالِهِ فِي الْعِلْمِ حَصَلَ الْمَقْصُودُ.

وَإِنْ لَمْ يُؤْخَذْ فِي التَّعْرِيفِ الْمَوْضُوعُ اسْتَلْزَمَ مَعْرِفَةَ غَايَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْمُمَيِّزِ، وَهُوَ فِي رَسْمِ مَفْهُومِ الْعِلْمِ لَيْسَ إلَّا حَيْثِيَّةُ الْغَايَةِ كَتَعْرِيفِ الْمَوَاقِفِ عِلْمٌ يُقْتَدَرُ مَعَهُ عَلَى إثْبَاتِ الْعَقَائِدِ فَإِنَّ مَلَكَةَ إثْبَاتِهَا هِيَ الْغَايَةُ الْمَقْصُودَةُ أَوَّلًا، وَإِنْ كَانَ يُقَالُ غَايَتُهُ التَّرَقِّي مِنْ التَّقْلِيدِ إلَى الْإِيقَانِ بِالْعَقَائِدِ، وَقَمْعُ الْمُبْطِلِينَ وَالدَّرَجَاتِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَهِيَ غَايَةُ الْغَايَةِ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ غَايَةُ أُصُولِ الْفِقْهِ حُصُولُ أَهْلِيَّةِ الِاجْتِهَادِ مَعَ أَنَّهُ يَتَأَتَّى فِيهِ جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا هُوَ الْغَايَةُ ابْتِدَاءً فَالْعِلْمُ بِهِ لَازِمُ الْعِلْمِ بِالْغَايَةِ الْأُولَى إذْ يَلْزَمُ كَوْنُهُ ذَا مَلَكَةٍ إثْبَاتَ الْعَقَائِدِ فَتَحَصَّلَ أَنَّ تَعْرِيفَ الْعِلْمِ مِنْ جِهَةِ الْمَوْضُوعِ، وَهُوَ حَدُّهُ لَا حَاجَةَ مَعَهُ فِي تَحْصِيلِ الْبَصِيرَةِ الْكَائِنَةِ فِي تَصَوُّرِ الْمَوْضُوعِ إلَى إفْرَادِ تَصْدِيقٍ بِهِ، وَمَعَ رَسْمِهِ لَا حَاجَةَ فِي تَحْصِيلِ الْبَصِيرَةِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ مَعْرِفَةِ غَايَتِهِ إلَى إفْرَادِ تَصْدِيقٍ بِهَا نَعَمْ يَحْتَاجُ إلَيْهِمَا فِي إفَادَةِ لَفْظٍ اصْطِلَاحِيٍّ هُوَ اسْمُ الْمَوْضُوعِ وَالْغَايَةِ لَكِنَّهُمْ لَمْ يُقَدِّمُوا ذِكْرَهُ لِهَذَا الْغَرَضِ بَلْ لِمَا ذَكَرْنَا وَلِيَزْدَادَ جِدُّ الطَّالِبِ فِي الْغَايَةِ اهـ. نَعَمْ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ لِلْمُحَقِّقِ الشَّرِيفِ وَاعْلَمْ أَنَّ الِامْتِيَازَ الْحَاصِلَ لِلطَّالِبِ بِالْمَوْضُوعِ إنَّمَا هُوَ لِلْمَعْلُومَاتِ بِالْأَصَالَةِ وَلِلْعُلُومِ بِالتَّبَعِ وَالْحَاصِلُ بِالتَّعْرِيفِ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ إنْ كَانَ تَعْرِيفًا لِلْعِلْمِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ تَعْرِيفًا لِلْمَعْلُومِ فَالْفَرْقُ أَنَّهُ قَدْ يُلَاحَظُ الْمَوْضُوعُ فِي التَّعْرِيفِ كَمَا فِي تَعْرِيفِ الْكَلَامِ إنْ جُعِلَ تَعْرِيفًا لِمَعْلُومِهِ، وَهُوَ غَيْرُ قَادِحٍ أَيْضًا فِي هَذَا الَّذِي أَفَادَهُ الْمُصَنِّفُ رحمه الله.

[الْأَمْر الثَّالِثُ الْمُقَدِّمَاتُ الْمَنْطِقِيَّةُ مَبَاحِثُ النَّظَرِ]

الْأَمْرُ

ص: 38

(الثَّالِثُ) مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي مُقَدِّمَةُ هَذَا الْكِتَابِ عِبَارَةٌ عَنْهَا (الْمُقَدِّمَاتُ الْمَنْطِقِيَّةُ) وَنَسَبَهَا إلَى الْمَنْطِقِ؛ لِأَنَّهَا مِنْهُ، وَقَوْلُهُ (مَبَاحِثُ النَّظَرِ) عَطْفُ بَيَانٍ أَوْ بَدَلٌ مِنْهَا (وَتَسْمِيَةُ جَمْعٍ) مِنْ الْأُصُولِيِّينَ كَالْآمِدِيِّ، وَمَنْ تَابَعَهُ (لَهَا) أَيْ لِهَذِهِ الْمَبَاحِثِ (مَبَادِئُ كَلَامِيَّةٌ بَعِيدٌ) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ النِّسْبَةَ تُفِيدُ الِاخْتِصَاصَ ظَاهِرًا، وَعِلْمُ الْكَلَامِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهَا (بَلْ الْكَلَامُ فِيهَا) أَيْ فِي هَذِهِ الْمَبَاحِثِ (كَغَيْرِهِ) مِنْ الْعُلُومُ الْكَسْبِيَّةِ فِي الْحَاجَةِ إلَيْهَا (لِاسْتِوَاءِ نِسْبَتِهَا) أَيْ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ (إلَى كُلِّ الْعُلُومِ) الْكَسْبِيَّةِ فِي كَوْنِهَا آلَةً لَهَا (وَهُوَ) أَيْ بَيَانُ الِاسْتِوَاءِ الْمَذْكُورِ (أَنَّهُ) أَيْ الشَّأْنَ (لَمَّا كَانَ الْبَحْثُ) عَرَضًا (ذَاتِيًّا لِلْعُلُومِ) لِعُرُوضِهِ لَهَا بِلَا وَسَطٍ فِي الثُّبُوتِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (وَهُوَ) أَيْ الْبَحْثُ (الْحَمْلُ بِالدَّلِيلِ) ، وَهَذَا أَوْجَزُ مَا قِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ مَعَ الْجَمْعِ وَالْمَنْعِ (وَصِحَّتُهُ) أَيْ الدَّلِيلُ (بِصِحَّةِ النَّظَرِ، وَفَسَادُهُ بِهِ) أَيْ، وَفَسَادُ الدَّلِيلِ بِفَسَادِ النَّظَرِ كَمَا سَيَظْهَرُ (وَجَبَ التَّمْيِيزُ) بَيْنَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ وَالنَّظَرِ الْفَاسِدِ (لِيَعْلَمَ) بِمَعْرِفَتِهِمَا (خَطَأَ الْمَطَالِبِ وَصَوَابَهَا) فَإِنَّ خَطَأَهَا مِنْ فَسَادِ دَلِيلِهَا النَّاشِئِ عَنْ فَسَادِ النَّظَرِ وَصَوَابَهَا عَنْ صِحَّةِ دَلِيلِهَا النَّاشِئِ عَنْ صِحَّةِ النَّظَرِ.

فَإِذَا عُرِفَ حَالُ النَّظَرِ عُرِفَ حَالُ الدَّلِيلِ، وَإِذَا عُرِفَ حَالُ الدَّلِيلِ عُرِفَ حَالُ مَا أَدَّى إلَيْهِ فَإِذًا لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ كُلٍّ مِنْ النَّظَرِ، وَقِسْمَيْهِ وَالدَّلِيلِ وَمَا يُفِيدُهُ مِنْ الْعِلْمِ وَالظَّنِّ لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ حَالِ الْمَطْلُوبِ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَطْلُوبُ مِنْ الْمَطَالِبِ الْأَصْلِيَّةِ أَوْ الْكَلَامِيَّةِ أَوْ غَيْرِهِمَا فَجَعْلُ هَذِهِ الْأُمُورِ مَبَادِئَ كَلَامِيَّةً لِلْأُصُولِ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ مَثَلًا، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى حَيْثُ قَالَ: إنَّ الْمُقَدِّمَةَ الْمُشْتَمِلَةَ عَلَى هَذِهِ الْمَبَاحِثِ لَيْسَتْ مِنْ جُمْلَةِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَلَا مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ الْخَاصَّةِ بَلْ هِيَ مُقَدِّمَةُ الْعُلُومِ كُلِّهَا، وَحَاجَةُ جَمِيعِ الْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ إلَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ كَحَاجَةِ أُصُولِ الْفِقْهِ اهـ. نَعَمْ لَا بَأْسَ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ الشَّرِيفُ مِنْ أَنَّ الْحَقَّ أَنَّ إثْبَاتَ مَسَائِلِ الْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ مُحْتَاجٌ إلَى دَلَائِلَ وَتَعْرِيفَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، وَالْعِلْمُ بِكَوْنِهَا مُوصِلَةً إلَى الْمَقْصُودِ لَا يَحْصُلُ إلَّا مِنْ الْمَبَاحِثِ الْمَنْطِقِيَّةِ أَوْ يَتَقَوَّى بِهَا فَهِيَ تَحْتَاجُ إلَيْهَا تِلْكَ الْعُلُومِ وَلَيْسَتْ جُزْءًا مِنْهَا بَلْ هِيَ عِلْمٌ عَلَى حِيَالِهَا، وَعِلْمُ الْكَلَامِ لَمَّا كَانَ رَئِيسَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَمُقَدَّمًا عَلَيْهَا انْتَسَبَتْ إلَيْهِ هَذِهِ الْقَوَاعِدُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهَا فَعُدَّتْ مَبَادِئَ كَلَامِيَّةٍ لِلْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ اهـ.

فَإِنَّ حَاصِلَ هَذَا أَنَّ هَذِهِ الْإِضَافَةِ لَيْسَتْ لِلتَّخْصِيصِ بَلْ لِاتِّفَاقِ سَبْقِ وُقُوعِهَا مَبَادِئَ لِلْكَلَامِ لِتَقَدُّمِهِ فِي الِاعْتِبَارِ وَالشَّرَفِ عَلَى مَا سِوَاهُ وَالشَّيْءُ يُضَافُ إلَى غَيْرِهِ بِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَالسَّبْقُ مِنْ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ، وَحَيْثُ يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ هَذَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ثُمَّ نَقُولُ اسْتِطْرَادًا (وَلَيْسَ فِي الْأُصُولِ مِنْ الْكَلَامِ إلَّا مَسْأَلَةُ الْحَاكِمِ) فَإِنَّهَا مِنْ الْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ (وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ) مَبَاحِثِ (الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ) لِكَوْنِ ذَلِكَ وَسِيلَةً إلَى مَا هُوَ مِنْ الْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ فَتُلْحَقُ بِهَا فِي كَوْنِهَا مِنْ مَسَائِلِ الْكَلَامِ (وَنَحْوِهِ) أَيْ هَذَا الْمَذْكُورِ كَمَسْأَلَةِ الْمُجْتَهِدِ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَمَسْأَلَةِ يَجُوزُ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ، وَمَا ضَاهَاهُمَا.

(وَهَذِهِ) الْمَذْكُورَاتُ (مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ) لِهَذَا الْعِلْمِ لَا مِنْهُ (يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى مَعْرِفَتِهَا (زِيَادَةُ بَصِيرَةٍ) لِمَعْرِفَةِ بَعْضِ مَقَاصِدِ هَذَا الْعِلْمِ تُذْكَرُ فِيهِ لِهَذَا الْغَرَضِ وَلَيْسَ ذِكْرُهَا فِي أَثْنَاءِ الْمَقَاصِدِ لِمُنَاسَبَةٍ حَسَّنَتْهُ ثَمَّةَ كَمَا هُوَ غَيْرُ خَافٍ عَلَى الْمُتَأَمِّلِ بِمَانِعٍ مِنْ كَوْنِهَا مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ مُقَدِّمَةَ الْعِلْمِ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ فِي حَدِّهِ وَغَايَتِهِ وَالتَّصْدِيقِ بِمَوْضُوعِهِ بَلْ إذَا وُجِدَ لِهَذِهِ الْأُمُورِ مُشَارِكٌ فِي إفَادَةِ الْبَصِيرَةِ كَانَ مِنْهَا وَسَاغَ ذِكْرُهُ مَعَ هَذِهِ الْأُمُورِ فِيهَا ثُمَّ لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ مِنْ مَبَادِئِ هَذَا الْعِلْمِ عَلَى اصْطِلَاحِ الْمَنْطِقِيِّينَ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُمْ مَا يُبْدَأُ بِهِ قَبْلَ الْمَسَائِلِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَيْهِ، وَهِيَ مَعْدُودَةٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْعِلْمِ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَهَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ. (وَتَصِحُّ) أَنْ تَكُونَ (مَبَادِئَ) لَهُ (عَلَى) اصْطِلَاحِ (الْأُصُولِيِّينَ) ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَبَادِئَ عِنْدَهُمْ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَسَائِلُ الْعِلْمِ أَوْ الشُّرُوعُ فِيهِ عَلَى بَصِيرَةٍ فَمِنْهَا مَا هُوَ مِنْ أَجْزَائِهِ، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ مِنْ أَجْزَائِهِ كَهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ فَهِيَ عِنْدَهُمْ أَعَمُّ مِنْهَا

ص: 39

عِنْدَ الْمَنْطِقِيِّينَ وَحِينَئِذٍ فَجَعْلُ هَذِهِ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ لَا مِنْ الْمَبَادِئِ عَلَى اصْطِلَاحِ الْمَنْطِقِيِّينَ، وَجَعْلُهَا مِنْ الْمَبَادِئِ عَلَى اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ اخْتِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْسِيرِ الْمَبَادِئِ لَيْسَ إلَّا.

(وَلَمَّا انْقَسَمَ) الدَّلِيلُ (إلَى مَا يُفِيدُ عِلْمًا) قَطْعِيًّا وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِدَلَالَةِ قَسِيمِهِ عَلَيْهِ أَعْنِي قَوْلَهُ (وَظَنًّا مُيِّزَا) أَيْ الْعِلْمُ وَالظَّنُّ بِمَا يُفِيدُ تَصَوُّرَ كُلٍّ عَلَى حِدَةٍ ثُمَّ إذْ وَجَبَ التَّمْيِيزُ (وَتَمَامُهُ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ تَمَامَ تَمْيِيزِ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِهِ عَلَى مَا يَنْبَغِي قَدْ يَكُونُ أَيْضًا (بِالْمُقَابِلَاتِ) أَيْ بِذِكْرِ الْمُقَابِلَاتِ لِلشَّيْءِ وَذِكْرِ مَعْنَاهَا مَعَ ذِكْرِ ذَلِكَ الْمُمَيِّزِ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ أَمَانًا مِنْ وَهْمِ الِاشْتِبَاهِ وَزِيَادَةَ جَلَاءٍ لِبَيَانِ الْمُقَابِلَاتِ وَالْأَشْبَاهِ، وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ فَلَا عَلَيْنَا أَنْ نَأْتِيَ بِمُمَيِّزِ كُلٍّ ثُمَّ بِالْمُقَابِلَاتِ وَبَيَانِ مَعْنَاهَا، وَمَا لَهُ مُنَاسَبَةٌ بِالْمَقَامِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَلَى بَيَانِ الدَّلِيلِ، وَمَا يَتْبَعُهُ لِكَوْنِ الْعِلْمِ وَالظَّنِّ هُمَا الْمَقْصُودَيْنِ بِالذَّاتِ مِنْ الدَّلِيلِ، وَإِنْ كَانَ سَائِغًا تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِمَا، وَمِنْ ثَمَّةَ قَدَّمَهُ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِمَا لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إلَيْهِمَا، وَالْوَسَائِلُ قَدْ تُقَدَّمُ عَلَى الْمَطَالِبِ.

(فَالْعِلْمُ حُكْمٌ لَا يَحْتَمِلُ طَرَفَاهُ نَقِيضَهُ عِنْدَ مَنْ قَامَ بِهِ لِمُوجِبٍ) أَيْ إدْرَاكِ نِسْبَةٍ مُوجَبَةٍ أَوْ سَالِبَةٍ بَيْنَ مَحْكُومٍ وَمَحْكُومٍ عَلَيْهِ لَا يَحْتَمِلَانِ نَقِيضَ ذَلِكَ الْإِدْرَاكِ عِنْدَ الْمُدْرِكِ كَائِنٌ لِمُوجِبٍ فَحُكْمٌ شَامِلٌ لِلْعِلْمِ الْقَطْعِيِّ وَالظَّنِّ وَالْجَهْلِ، وَمَا كَانَ مِنْ اعْتِقَادِ الْمُقَلِّدِ حُكْمًا وَلَا يَحْتَمِلُ طَرَفَاهُ نَقِيضَهُ عِنْدَ مَنْ قَامَ بِهِ أَيْ لَا يُجَوِّزُ الْحَاكِمُ بِهِ تَعَلُّقَ نَقِيضِ ذَلِكَ بِطَرَفَيْهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُخْرِجٌ لِلظَّنِّ سَوَاءٌ كَانَ عَنْ دَلِيلٍ ظَنِّيٍّ أَوْ تَقْلِيدًا أَوْ جَهْلًا مُرَكَّبًا؛ لِأَنَّ الظَّنَّ حُكْمٌ يَحْتَمِلُ طَرَفَاهُ نَقِيضَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فِي الْحَالِ أَوْ فِيهِ، وَفِي الْمَآلِ عِنْدَ الظَّانِّ وَلِمُوجِبٍ بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ مِنْ حِسٍّ أَوْ عَقْلٍ أَوْ بُرْهَانٍ أَوْ عَادَةٍ مُخْرِجٌ لِلْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ مُطْلَقًا وَلِاعْتِقَادِ الْمُقَلِّدِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَيْسَ بِمُسْتَنَدِ لِمُوجِبٍ (فَدَخَلَ) تَحْتَ هَذَا الْحَدِّ الْعِلْمُ (الْعَادِيُّ) ، وَهُوَ مَا مُوجِبُهُ الْعَادَةُ، وَهُوَ فِعْلُ الْمُخْتَارِ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَامِ كَعِلْمِنَا بِأَنَّ الْجَبَلَ الَّذِي شَاهَدْنَاهُ فِيمَا مَضَى حَجَرٌ أَنَّهُ فِي حَالِ غَيْبَتِنَا عَنْهُ حَجَرٌ أَيْضًا لَمْ يَنْقَلِبْ ذَهَبًا؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى هَذَا الْعِلْمِ أَنَّهُ حُكْمٌ لَا يَحْتَمِلُ طَرَفَاهُ نَقِيضَهُ، وَهُوَ الْحُكْمُ بِكَوْنِهِ ذَهَبًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عِنْدَنَا لِمُوجِبٍ، وَهُوَ الْعَادَةُ الْمُسْتَمِرَّةُ بِأَنَّ مَا شُوهِدَ حَجَرًا فِي وَقْتٍ فَهُوَ كَذَلِكَ دَائِمًا، وَإِنْ كَانَ كَوْنُ الْجَبَلِ ذَهَبًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُمْكِنًا لِذَاتِهِ (لِأَنَّ إمْكَانَ كَوْنِ الْجَبَلِ ذَهَبًا) فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (لَا يَمْنَعُ الْجَزْمَ بِنَقِيضِهِ) أَيْ كَوْنَ الْجَبَلِ ذَهَبًا، وَهُوَ الْحُكْمُ بِكَوْنِهِ حَجَرًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (عَنْ مُوجِبِهِ) أَيْ هَذَا الْجَزْمِ الْمَذْكُورِ اتِّفَاقًا فَإِنَّ الْإِمْكَانَ الذَّاتِيَّ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ بِالْغَيْرِ فَلَا يُظَنُّ أَنَّ الْحَدَّ غَيْرُ مُنْطَبِقٍ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ جَامِعًا. وَاعْلَمْ أَنَّ جَعْلَ نَقِيضِ كَوْنِ الْجَبَلِ حَجَرًا كَوْنُهُ ذَهَبًا وَبِالْعَكْسِ تَسَامُحٌ مَشْهُورٌ وَافَقْنَاهُمْ فِي التَّقْرِيرِ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْخَلَلِ فِي الْمَقْصُودِ، وَإِلَّا فَنَقِيضُ كَوْنِ الْجَبَلِ حَجَرًا إنَّمَا هُوَ كَوْنُهُ غَيْرَ حَجَرٍ وَكَوْنُهُ ذَهَبًا أَخَصُّ مِنْ نَقِيضِهِ وَنَقِيضُ كَوْنِهِ ذَهَبًا كَوْنُهُ غَيْرَ ذَهَبٍ وَكَوْنُهُ حَجَرًا أَخَصُّ مِنْ نَقِيضِهِ هَذَا (وَالْحَقُّ أَنَّ إمْكَانَ خَرْقِ الْعَادَةِ) الْمُوجِبَةِ لِكَوْنِ الْجَبَلِ السَّابِقِ مُشَاهَدَةً حَجَرِيَّتُهُ حَجَرًا بِأَنْ يَصِيرَ ذَهَبًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (الْآنَ) أَيْ فِي حَالِ الْغَيْبَةِ عَنْهُ (وَهُوَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْإِمْكَانَ الْمَذْكُورَ (ثَابِتٌ) فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِي حَقِّ الْجَبَلِ، وَمِنْ ثَمَّةَ كَانَتْ الْعَادَةُ قَابِلَةً لِلِانْخِرَاقِ بِكَرَامَةِ وَلِيٍّ كَمَا تَقْبَلُهُ بِمُعْجِزَةِ نَبِيٍّ، وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْلِبَنَّ هَذَا الْحَجَرَ ذَهَبًا انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ (يَسْتَلْزِمُ تَجْوِيزَ النَّقِيضَ) ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ذَهَبًا (الْآنَ) أَيْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (إذَا لُوحِظَ) النَّقِيضُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِلْإِمْكَانِ وَشُمُولِ قُدْرَةِ الْقَادِرِ الْمُخْتَارِ، وَإِلَّا كَانَ مُمْتَنِعًا امْتِنَاعًا ذَاتِيًّا لَكِنَّهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُمْكِنٌ إمْكَانًا ذَاتِيًّا وَالْإِمْكَانُ الذَّاتِيُّ، وَإِنْ كَانَ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ بِالْغَيْرِ لَكِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ مُنَافَاتِهِ لِلْوُجُوبِ بِالْغَيْرِ عَدَمُ تَجْوِيزِ النَّقِيضِ إذْ لَيْسَ كُلُّ جَائِزٍ وَاقِعًا فَلَا يَصْدُقُ التَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ عَلَى الْعِلْمِ الْعَادِي، وَإِنَّمَا قَيَّدَ كَوْنَ إمْكَانِ خَرْقِ الْعَادَةِ حِينَئِذٍ مُسْتَلْزِمًا لِتَجْوِيزِ النَّقِيضِ حِينَئِذٍ بِمُلَاحَظَةِ النَّقِيضِ، وَقْتَئِذٍ لِتَوَقُّفِ اسْتِلْزَامِ تَجْوِيزِهِ عَلَى مُلَاحَظَتِهِ؛ لِأَنَّ التَّجْوِيزَ فَرْعُ الْمُلَاحَظَةِ حَتَّى يَكُونَ مَذْهُولًا عَنْهُ عِنْدَ عَدَمِهَا ثُمَّ حِينَ آلَ الْأَمْرُ إلَى خُرُوجِ الْعِلْمِ

ص: 40

الْعَادِي مِنْ هَذَا التَّعْرِيفِ لِلْعِلْمِ الْقَطْعِيِّ بِوَاسِطَةِ أَنَّهُ يَتَأَتَّى فِيهِ تَجْوِيزُ النَّقِيضِ كَمَا اقْتَضَاهُ هَذَا التَّحْقِيقُ، وَقَدْ فُرِضَ أَنَّ الْقَطْعِيَّ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ (فَالْحَقُّ أَنَّ الْعِلْمَ كَذَلِكَ) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ تَجْوِيزُ النَّقِيضِ أَنْ يُقَالَ (هُوَ مَا) أَيْ حُكْمُ (مُوجِبِهِ لَا يَحْتَمِلُ التَّبَدُّلَ كَالْعَقْلِ وَالْخَبَرِ الصَّادِقِ) وَالْحِسِّ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ هَذِهِ الْمُوجِبَاتِ لَا يَحْتَمِلُ التَّبَدُّلَ أَصْلًا لِاسْتِحَالَتِهِ عَلَيْهَا. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مَا مُوجِبُهُ لَا يَحْتَمِلُ الْخُرُوجَ عَنْ كَوْنِهِ مُوجِبًا لَهُ فَخَرَجَ الْعَادِيُّ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَحْتَمِلُ التَّبَدُّلَ بِخَرْقِهَا كَمَا ذَكَرْنَا هَذَا غَايَةُ مَا ظَهَرَ لِي فِي تَقْرِيرِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ مَا قَالُوا أَنَّ مَعْنَى احْتِمَالِ الْعَادِيَاتِ تَجْوِيزُ النَّقِيضِ أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ وُقُوعُ ذَلِكَ النَّقِيضِ بَدَلَهَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ مُحَالٌ لِذَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ الْعَادِيَةَ مُمْكِنَةٌ فِي حَدِّ ذَاتِهَا وَالْمُمْكِنُ لَا يَسْتَلْزِمُ شَيْءٌ مِنْ طَرَفَيْهِ مُحَالًا لِذَاتِهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا جَارٍ فِي جَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ الْوَاقِعَةِ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِالْعَادِيَةِ، وَأَنَّ مَعْنَى عَدَمِ احْتِمَالِ الْعِلْمِ لِلنَّقِيضِ هُوَ أَنَّ الْعَقْلَ لَا يُجَوِّزُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ كَوْنَ الْوَاقِعِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ نَقِيضَ ذَلِكَ الْحُكْمِ حِينَئِذٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأُمُورِ الْمُمْكِنَةِ لِامْتِنَاعِ إمْكَانِ اجْتِمَاعِ النَّقِيضَيْنِ، وَهَذَا مَمْنُوعٌ ثُبُوتُهُ فِي الْعُلُومِ الْعَادِيَةِ كَمَا فِي الْعُلُومِ الْمُسْتَنِدَةِ إلَى الْحِسِّ وَغَيْرِهَا فَكَمَا أَنَّهُ إذَا شَاهَدَ حَرَكَةَ زَيْدٍ وَبَيَاضَ جِسْمٍ لَا يُجَوِّزُ الْعَقْلُ أَلْبَتَّةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَوْنَ زَيْدٍ سَاكِنًا وَالْجِسْمِ أَسْوَدَ بَلْ يَقْطَعُ بِأَنَّ الْوَاقِعَ هُوَ هَذِهِ النِّسْبَةُ لَا غَيْرُ فَالْعِلْمُ الْعَادِي كَذَلِكَ وَيُوَافِقُهُ مَا قَالَ شَيْخُنَا الْمُصَنِّفُ رحمه الله فِي تَقْرِيرِ دَلِيلِ التَّمَانُعِ مِنْ كِتَابِهِ الْمُسَايَرَةِ: أَنَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ فِي مَفْهُومِ الْعِلْمِ الْقَطْعِيِّ اسْتِحَالَةُ النَّقِيضِ بَلْ مُجَرَّدُ الْجَزْمِ عَنْ مُوجِبٍ بِأَنَّ الْآخَرَ هُوَ الْوَاقِعُ، وَإِنْ كَانَ نَقِيضُهُ لَمْ يَسْتَحِلْ وُقُوعُهُ اهـ. فَإِذَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ نَعْلَمَ كَوْنَ الْجَبَلِ حَجَرًا مُشَاهَدَةً وَبَيْنَ أَنْ نَعْلَمَ ذَلِكَ عَادَةً فِي التَّجْوِيزِ الْعَقْلِيِّ وَنَفْيُ الِاحْتِمَالِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَلَا يَكُونُ الْحَقُّ أَنْ يُقَالَ مَا مُوجِبُهُ لَا يَحْتَمِلُ التَّبَدُّلَ نَعَمْ الْعِلْمُ بِالْأُمُورِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ النَّسْخَ لِذَاتِهَا كَالْعِلْمِ بِوُجُوبِ وُجُودِ الْوَاجِبِ لِذَاتِهِ وَبِامْتِنَاعِ شَرِيكِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ لَا يَتَأَتَّى فِيهَا التَّجْوِيزُ الْعَقْلِيُّ لِلنَّقِيضِ لَكِنَّ التَّعْرِيفَ الْمَذْكُورَ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ نَفْيُ كِلَيْهِمَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ فِي الْقَطْعِيِّ نَفْيُ كِلَيْهِمَا لَأَدَّى إلَى انْحِصَارِ الْقَطْعِيِّ اصْطِلَاحًا فِي الْعِلْمِ بِالْوَاجِبِ وَالْمُمْتَنِعِ لِذَاتَيْهِمَا لَا غَيْرُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا كَمَا يُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْمُصَنِّفِ آنِفًا بَلْ قَدْ ذَكَرَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ يَسْتَعْمِلُونَ الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ فِي مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا يَقْطَعُ الِاحْتِمَالَ أَصْلًا كَالْمُحْكَمِ وَالْمُتَوَاتِرِ وَالثَّانِي مَا يَقْطَعُ الِاحْتِمَالَ النَّاشِئَ عَنْ دَلِيلٍ كَالظَّاهِرِ وَالنَّصِّ وَالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ مَثَلًا، وَالْأَوَّلُ يُسَمُّونَهُ عِلْمَ الْيَقِينِ وَالثَّانِي عِلْمَ الطُّمَأْنِينَةِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

(وَالظَّنُّ حُكْمٌ يَحْتَمِلُهُ) أَيْ يَحْتَمِلُ مُتَعَلَّقُهُ الَّذِي هُوَ طَرَفَاهُ نَقِيضَهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ احْتِمَالًا (مَرْجُوحًا) بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ خَطَرَ بِالْبَالِ لَحَكَمَ بِإِمْكَانِهِ ثُمَّ إنْ كَانَ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ فَهُوَ صَادِقٌ، وَإِلَّا فَهُوَ كَاذِبٌ، وَهُوَ صِنْفٌ مِنْ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ عَلَى مَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ قَرِيبًا وَنُوَافِقُهُ عَلَيْهِ بَعْدَ تَقْيِيدِهِ بِمَا يَجِبُ تَقْيِيدُهُ بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ قِيلَ إنَّمَا يُسَمَّى الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ ظَنَّا إذَا لَمْ يَأْخُذْ الْقَلْبُ بِالرَّاجِحِ وَلَمْ يَطْرَحْ الْآخَرَ أَمَّا إذَا عَقَدَ الْقَلْبُ عَلَى الرَّاجِحِ وَتَرَكَ الْمَرْجُوحَ يُسَمَّى الرَّاجِحُ أَكْبَرَ الظَّنِّ وَغَالِبَ الرَّأْيِ، وَهُوَ غَرِيبٌ بَلْ الْمَعْرُوفُ أَنَّ الظَّنَّ هُوَ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ أَخَذَ الْقَلْبُ بِهِ وَطَرَحَ الْمَرْجُوحَ أَوْ لَمْ يَأْخُذْهُ وَلَمْ يَطْرَحْ الْآخَرُونَ، وَأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ زِيَادَةٌ عَلَى أَصْلِ الرُّجْحَانِ لَا يَبْلُغُ بِهِ الْجَزْمُ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ (وَهُوَ) أَيْ وَالِاحْتِمَالُ الْمَرْجُوحُ أَيْ مُلَاحَظَتُهُ هُوَ (الْوَهْمُ) . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ حَافِظَ الدِّينِ النَّسَفِيَّ ذَكَرَ فِي أَوَائِلِ كَشْفِ الْأَسْرَارِ تَقْسِيمًا يَخْرُجُ مِنْهُ تَفْسِيرُ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى تَعَقُّبِ أُمُورٍ مِنْهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ نَسُوقَهُ لِيُعْلَمَ مَا هُوَ مَحَلُّ التَّعَقُّبِ مِنْهُ عِنْدَ تَعَرُّضِ الْمُصَنِّفِ لَهُ، وَإِذَا أَحَلْنَا عَلَيْهِ تَقَعُ حَوَالَتُنَا عَلَيْهِ رَائِجَةً.

قَالَ رحمه الله: اعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ الذِّهْنِ بِأَمْرٍ عَلَى آخَرَ إنْ كَانَ جَازِمًا فَجَهْلٌ إنْ لَمْ يُطَابِقْ وَتَقْلِيدٌ إنْ طَابَقَ وَلَمْ يَكُنْ لِمُوجِبٍ، وَعِلْمٌ لَوْ كَانَ لِمُوجِبٍ عَقْلِيٍّ أَوْ حِسِّيٍّ أَوْ مُرَكَّبٍ مِنْهُمَا فَالْأَوَّلُ بَدِيهِيٌّ

ص: 41

إنْ كَفَى تَصَوُّرُ طَرَفَيْهِ لِحُصُولِهِ، وَإِلَّا فِكْرِيٌّ وَالثَّانِي عِلْمٌ بِالْمَحْسُوسَاتِ وَالثَّالِثُ بِالْمُتَوَاتِرَاتِ وَالْحَدْسِيَّاتِ وَالْمُجَرَّبَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَازِمًا فَشَكٌّ إنْ تَسَاوَى طَرَفَاهُ، وَإِلَّا فَالرَّاجِحُ ظَنٌّ، وَالْمَرْجُوحُ وَهْمٌ اهـ. فَصَرَّحَ بِأَنَّ كُلًّا مِنْ الشَّكِّ وَالْوَهْمِ حُكْمٌ كَمَا ذَكَرَهُ جَمْعٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ مُعَرِّضًا بِهِ (وَلَا حُكْمَ فِيهِ) أَيْ الْوَهْمِ (لِاسْتِحَالَتِهِ) أَيْ الْحُكْمِ (بِالنَّقِيضِينَ) لِلشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى الْحُكْمِ بِالطَّرَفِ الرَّاجِحِ مَعَ الْحُكْمِ بِالطَّرَفِ الْمَرْجُوحِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّصَوُّرَاتِ السَّاذَجَةِ (وَالشَّكُّ عَدَمُ الْحُكْمِ بِشَيْءٍ) نَفْيًا، وَإِثْبَاتًا لِشَيْءٍ (بَعْدَ الشُّعُورِ) بِذَلِكَ الْحُكْمِ الَّذِي بِحَيْثُ يَعْرِضُ لِنِسْبَةِ ذَيْنِك الطَّرَفَيْنِ بَعْدَ تَصَوُّرِهِمَا، وَتَصَوُّرُهَا التَّصَوُّرُ السَّاذَجُ وَالشُّعُورُ أَوَّلُ مَرَاتِبِ وُصُولِ النَّفْسِ إلَى الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ وُقُوفٍ عَلَى تَمَامِهِ، وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ (لِلتَّسَاوِي) أَيْ لِكَوْنِ مُتَعَلَّقِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ عِنْدَ مَنْ بِحَيْثُ يَحْكُمُ، وَهُوَ الْمُتَصَوِّرُ الْمَذْكُورُ.

وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ بَعْدَ الشُّعُورِ مِنْ بَابِ التَّصْرِيحِ بِاللَّازِمِ إيضَاحًا، وَمِنْ ثَمَّةَ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ (فَيَخْرُجُ) عَنْ الشَّكِّ بِوَاسِطَةِ لُزُومِ الشُّعُورِ الْمَذْكُورِ لَهُ (أَحَدُ قِسْمَيْ الْجَهْلِ الْبَسِيطِ) ، وَهُوَ عَدَمُ الْحُكْمِ بِشَيْءٍ مَعَ عَدَمِ الشُّعُورِ بِذَلِكَ الْحُكْمِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ حَاكِمًا فَإِنَّ مِنْ الْجَهْلِ الْبَسِيطِ مَا يَكُونُ كَذَلِكَ كَمَا فِي خَالِي الذِّهْنِ، وَأَمَّا الْقِسْمُ الْآخَرُ الَّذِي هُوَ قَسِيمُ هَذَا فَهُوَ عَدَمُ الْحُكْمِ بِالشَّيْءِ مَعَ الشُّعُورِ بِالْحُكْمِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ حَاكِمًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَاصَدَقَاتِهِ إنَّمَا هِيَ الشَّكُّ وَالْوَهْمُ لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْحُكْمِ بِالشَّيْءِ مَعَ الشُّعُورِ بِذَلِكَ الْحُكْمِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ الْمَشْعُورُ بِهِ طَرَفَاهُ سَوَاءٌ أَوْ مَرْجُوحًا بِالنِّسْبَةِ إلَى طَرَفِهِ الْآخَرِ فَيَخْرُجُ حِينَئِذٍ بِاشْتِرَاطِ التَّسَاوِي أَحَدُ فَرْدَيْ هَذَا الْقِسْمِ أَيْضًا، وَهُوَ الْوَهْمُ. هَذَا وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذِهِ الْعِبَارَةُ تُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا قَسِيمَ لِلْجَهْلِ الْبَسِيطِ وَرَاءَ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ، وَهُوَ خِلَافُ صَرِيحِهِمْ وَإِشَارَتِهِمْ، فَقَدْ عَرَّفُوهُ كَمَا فِي الْمَوَاقِفِ وَغَيْرِهِ بِعَدَمِ الْعِلْمِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا، وَقَالَ الْآمِدِيُّ: وَالْجَهْلُ الْبَسِيطُ يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُهُ مَعَ الْعِلْمِ لِذَاتَيْهِمَا فَيَكُونُ ضِدًّا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صِفَةَ إثْبَاتٍ وَلَيْسَ الْجَهْلُ الْبَسِيطُ ضِدَّ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ وَلَا لِلشَّكِّ وَلَا لِلظَّنِّ وَلَا النَّظَرِ بَلْ يُجَامِعُ كُلًّا مِنْهُمَا لَكِنَّهُ يُضَادُّ النَّوْمَ وَالْغَفْلَةَ وَالْمَوْتَ؛ لِأَنَّهُ عَدَمُ الْعِلْمِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَقُومَ بِهِ الْعِلْمُ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي حَالَةِ النَّوْمِ وَأَخَوَاتِهِ. وَأَمَّا الْعِلْمُ فَإِنَّهُ يُضَادُّ جَمِيعَ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ الْجَهْلِ الْبَسِيطِ قِسْمَانِ يَتَنَاوَلُهُمَا جِنْسُ الشَّكِّ أَعْنِي الْحُكْمَ بِشَيْءٍ ثُمَّ مِنْهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ مَا لَا يَنْطَبِقُ تَعْرِيفُ الشَّكِّ عَلَيْهِ أَصْلًا، وَمِنْهُمَا مَا يَنْطَبِقُ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ، وَقِسْمَانِ لَا يَتَنَاوَلُهُمَا جِنْسُ الشَّكِّ أَصْلًا، وَهُمَا كُلٌّ مِنْ الْحُكْمِ الْجَازِمِ الْغَيْرِ الْمُطَابِقِ وَالْحُكْمِ الرَّاجِحِ الْغَيْرِ الْمُطَابِقِ إذَا لَمْ يَقْتَرِنَا بِاعْتِقَادِ كَوْنِهِمَا فِي الْوَاقِعِ كَذَلِكَ تَوَفَّرَتْ الْعِنَايَةُ عَلَى التَّنْبِيهِ عَلَى خُرُوجِ ذَلِكَ الْقِسْمِ الْمُشَارِكِ لَهُ فِي الْجِنْسِ الْمُرْتَفِعِ عَنْ انْطِبَاقِ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِ أَصْلًا، وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى خُرُوجِ الْقِسْمَيْنِ الْأَخِيرِينَ لِلْعِلْمِ بِخُرُوجِهِمَا بِمَعْنَى عَدَمِ دُخُولِهِمَا أَصْلًا عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ فَخَرَجَ بَعْضُ أَقْسَامِ الْجَهْلِ الْبَسِيطِ لِيَتَنَاوَلَ الْوَهْمَ كَمَا ذَكَرْنَا.

(وَالْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ الْحُكْمُ غَيْرُ الْمُطَابِقِ) لِلْوَاقِعِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ مَعَ اعْتِقَادِ مُطَابَقَتِهِ، وَإِلَّا لَكَانَ غَيْرَ مَانِعٍ لِصِدْقِهِ عَلَى الْبَسِيطِ فَإِنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ الْمُطَابِقِ إذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِاعْتِقَادِ مُطَابَقَتِهِ جَهْلٌ بَسِيطٌ لِصِدْقِ تَعْرِيفِهِمْ إيَّاهُ بِعَدَمِ الْعِلْمِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا عَلَيْهِ. فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ الْجَازِمِ الثَّابِتُ الْمُطَابِقُ وَكَمَا يَصْدُقُ عَدَمُ الْعِلْمِ بِهَذَا الْمَعْنَى بِانْتِفَاءِ جَمِيعِ هَذِهِ الْأُمُورِ يَصْدُقُ بِانْتِفَاءِ بَعْضِهَا. وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ دَعْوَى الْآمِدِيِّ أَنَّ الْبَسِيطَ يُجَامِعُ الْمُرَكَّبَ مَمْنُوعَةٌ لِلْمُعَانَدَةِ بَيْنَهُمَا فِي جُزْءِ الْمَفْهُومِ (وَلَمْ نَشْرِطْ) نَحْنُ فِي الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ جِنْسُ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ (جَزْمًا) كَمَا شَرَطَهُ فِي الْمَوَاقِفِ حَيْثُ قَالَ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ اعْتِقَادِ جَازِمٍ غَيْرِ مُطَابِقٍ، وَمَشَى

ص: 42

عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ (لِأَنَّ الظَّنَّ الْمُطَابِقَ لَيْسَ سِوَاهُ) أَيْ الْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ وَالْجَزْمُ مُخْرِجٌ لَهُ فَلَا يَكُونُ التَّعْرِيفُ جَامِعًا لَكِنْ قَدْ عَرَفْت أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ الظَّنُّ غَيْرُ الْمُطَابِقِ جَهْلًا مُرَكَّبًا إذَا اعْتَقَدَ مُطَابَقَتَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ بَسِيطٌ وَبِهَذَا تَعْرِفُ أَنَّ مَا فِي الْكَشْفِ مِنْ أَنَّ حُكْمَ الذِّهْنِ بِأَمْرٍ عَلَى أَمْرٍ إنْ كَانَ جَازِمًا فَجَهْلٌ إنْ لَمْ يُطَابِقْ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ بَعْضِ مَاصَدَقَاتِ الْجَهْلِ الْبَسِيطِ ثُمَّ قَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ اللَّائِقَ أَنْ يَكُونَ مَا فِي الْمَوَاقِفِ تَعْرِيفًا لِلْجَهْلِ الْبَسِيطِ تَعْرِيفًا لِمُطْلَقِ الْجَهْلِ الصَّادِقِ عَلَى الْبَسِيطِ وَالْمُرَكَّبِ، وَأَمَّا هُمَا فَمَا ذَكَرْنَا فَلَا جَرَمَ أَنَّ فِي التَّلْوِيحِ، وَهُوَ أَيْ الْجَهْلُ عَدَمُ الْعِلْمِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ فَإِنْ قَارَنَ اعْتِقَادَ النَّقِيضِ فَمُرَكَّبٌ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالشُّعُورِ بِالشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ، وَإِلَّا فَبَسِيطٌ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِعَدَمِ الشُّعُورِ اهـ. ثُمَّ إنَّمَا سُمِّيَ الْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ مُرَكَّبًا؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ اعْتِقَادَ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ جَهْلٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ وَاعْتِقَادُهُ أَنَّهُ اعْتِقَادُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ جَهْلٌ آخَرُ فَقَدْ تَرَكَّبَا مَعًا، وَقَدْ يَتَرَكَّبُ مِنْ ثَلَاثَةٍ كَقَوْلِ أَبِي الطَّيِّبِ

وَمِنْ جَاهِلٍ بِي وَهُوَ يَجْهَلُ جَهْلَهُ

وَيَجْهَلُ عِلْمِي أَنَّهُ بِي جَاهِلُ

(وَأَمَّا التَّقْلِيدُ فَلَيْسَ مِنْ حَقِيقَتِهِ ظَنٌّ فَضْلًا عَنْ الْجَزْمِ كَمَا قِيلَ) ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ قَائِلَهُ صَاحِبُ الْكَشْفِ؛ لِأَنَّ التَّقْلِيدَ كَمَا سَيَأْتِي هُوَ الْعَمَلُ بِقَوْلِ مَنْ لَيْسَ قَوْلُهُ إحْدَى الْحُجَجِ بِلَا حُجَّةٍ مِنْهَا فَأَيْنَ الظَّنُّ فَضْلًا عَنْ الْجَزْمِ (بَلْ قَدْ يَقْدِرُ) الْمُقَلِّدُ (عَلَيْهِ) أَيْ ظَنِّ مَا قَلَّدَ فِيهِ أَيْ عَلَى اكْتِسَابِ ظَنٍّ بِهِ (إذَا كَانَ الْمُقَلِّدُ قَرِيبًا) مِنْ مَرْتَبَةِ الِاجْتِهَادِ لِوُجُودِ أَهْلِيَّتِهِ فِي الْجُمْلَةِ لِاكْتِسَابِ ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّةِ فَإِنَّهُ بَعْدَ فَرْضِ أَنَّهُ قَلَّدَ غَيْرَهُ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ لَا تُخْرِجُهُ هَذِهِ الْحَالَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذِهِ الْوَاقِعَةِ عَنْ كَوْنِهِ مُقَلِّدًا كَمَا فِي غَيْرِهَا مِمَّا يَقْدِرُ فِيهِ عَلَى ظَنِّ حُكْمِ مَا قَلَّدَ فِيهِ غَيْرَهُ (وَقَدْ لَا) يَقْدِرُ الْمُقَلِّدُ مُطْلَقًا عَلَى اكْتِسَابِ ذَلِكَ أَمَّا الْقَرِيبُ فَلِتَعَارُضِ الْأَمَارَاتِ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْبَعِيدُ فَلِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ لِاكْتِسَابِهِ مِنْ الدَّلِيلِ (وَغَايَتُهُ إذَا) أَيْ وَغَايَةُ الْمُقَلِّدِ إذَا قَلَّدَ الْمُجْتَهِدَ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ حَالَةَ كَوْنِهِ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى اكْتِسَابِ جَزْمٍ أَوْ ظَنٍّ بِذَلِكَ الْحُكْمِ مِنْ الدَّلِيلِ (حَسَّنَ ظَنَّهُ) أَيْ الْمُقَلِّدُ (بِمُقَلَّدِهِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ عَنْ هَوًى، وَإِنَّمَا هُوَ الْحُكْمُ الَّذِي أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ بَعْدَ إفْرَاغِ الْوُسْعِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ وَلَا بِدْعَ فِي ذَلِكَ بَلْ هُوَ مُتَعَيِّنٌ. (وَقَدْ يَكُونُ) أَيْ يُوجَدُ التَّقْلِيدُ لِمَنْ هُوَ أَهْلٌ لَهُ (وَلَا ظَنَّ) أَيْ وَالْحَالُ أَنْ لَا ظَنَّ عِنْدَ الْمُقَلِّدِ لِلْحُكْمِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مُقَلَّدُهُ أَصْلًا بَلْ قَدْ يُقَلِّدُهُ (مَعَ عِلْمِهِ) أَيْ الْمُقَلِّدُ (أَنَّهُ) أَيْ مُقَلَّدَهُ (مَفْضُولٌ) فِيمَا قَلَّدَهُ فِيهِ وَيَقْدُمُ عَلَى تَقْلِيدِهِ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ لِكَوْنِهِ مُسْقِطًا لِلْوَاجِبِ؛ لِأَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ كَمَا سَيَأْتِي ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ شَيْءٌ، وَقَعَ فِي الْبَيْنِ فَلْنُرْجِعْ النَّظَرَ إلَى تَعْرِيفَيْ الْعِلْمِ وَالظَّنِّ الْمَذْكُورَيْنِ فَنَقُولُ (وَخَرَجَ التَّصَوُّرُ مِنْ الْعِلْمِ وَالظَّنِّ) بِوَاسِطَةِ جَعْلِ الْجِنْسِ فِيهِمَا الْحُكْمُ، وَهَذَا يُفِيدُك أَنَّ الْمُرَادَ لَمْ يَدْخُلْ التَّصَوُّرُ بِأَقْسَامِهِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْخُرُوجِ بِالدُّخُولِ وَلَمْ يُوجَدْ وَلَا ضَيْرَ فِي كَوْنِ الْخُرُوجِ مُرَادًا بِهِ الْمَنْعُ مِنْ الدُّخُولِ فَإِنَّهُ بِهَذَا الْمَعْنَى مَجَازٌ مَشْهُورٌ ثُمَّ هَذَا الْخُرُوجُ (عَلَى الْأَكْثَرِ) أَيْ عَلَى قَوْلِهِمْ إنَّ الْعِلْمَ وَالظَّنَّ مِنْ بَابِ التَّصْدِيقِ (اصْطِلَاحًا) مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ (لَا لِاعْتِبَارِ الْمُوجِبِ) أَيْ لَا أَنَّهُ إنَّمَا خَرَجَ التَّصَوُّرُ عَنْ الْعِلْمِ وَالظَّنِّ لِذِكْرِ الْمُوجِبِ فِي التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُقْتَضٍ لِذَلِكَ.

(وَيُقَالُ) فِي تَعْرِيفِ الْعِلْمِ أَيْضًا (صِفَةٌ تُوجِبُ تَمْيِيزًا لَا يَحْتَمِلُ) النَّقِيضَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ مَعَ شُهْرَتِهِ، وَهَذَا مَعْزُوٌّ إلَى الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورِ الْمَاتُرِيدِيِّ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ أَصَحُّ الْحُدُودِ، وَفِي الْمَوَاقِفِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ فَصِفَةٌ أَيْ مَعْنًى قَائِمٌ بِغَيْرِهِ يَتَنَاوَلُ الْعِلْمَ وَغَيْرَهُ وَتُوجِبُ أَيْ تَسْتَعْقِبُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى عَادَةً لِمَحَلِّهَا الَّذِي يَتَّصِفُ بِهَا، وَهُوَ النَّفْسُ تَمْيِيزًا بَيْنَ الْأُمُورِ يُخْرِجُ الصِّفَاتِ الَّتِي تُوجِبُ لِمَحَلِّهَا تَمْيِيزًا عَلَى الْغَيْرِ لَا تَمْيِيزًا، وَهُوَ مَا عَدَا الْإِدْرَاكَاتِ مِنْ الصِّفَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ كَالشَّجَاعَةِ وَغَيْرِ النَّفْسَانِيَّةِ كَالسَّوَادِ مَثَلًا فَإِنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ تُوجِبُ لِمَحَالِّهَا تَمْيِيزًا عَنْ غَيْرِهَا ضَرُورَةَ أَنَّ الشُّجَاعَ بِشَجَاعَتِهِ مُمْتَازٌ عَنْ

ص: 43

الْجَبَانِ، وَالْأَسْوَدُ بِسَوَادِهِ مُمْتَازٌ عَنْ الْأَبْيَضِ، وَأَمَّا الْإِدْرَاكَاتُ فَإِنَّهَا تُوجِبُ لِمَحَالِّهَا تَمَيُّزًا عَنْ غَيْرِهَا عَلَى قِيَاسِ مَا مَرَّ، وَتُوجِبُ لَهَا أَيْضًا تَمْيِيزًا لِمُدْرَكَاتِهَا عَمَّا عَدَاهَا أَيْ تَجْعَلُهَا بِحَيْثُ تُلَاحَظُ مُدْرَكَاتُهَا وَتَمَيُّزُهَا عَمَّا سِوَاهَا فَظَهَرَ أَنَّ مَعْنَى الْإِيجَابِ مَا يُصَحِّحُ قَوْلَنَا إذَا وُجِدَ وُجِدَ وَلَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ أَيْ لَا يَحْتَمِلُ مُتَعَلَّقُ التَّمْيِيزِ نَقِيضَ ذَلِكَ التَّمْيِيزِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لِطُرُوِّ نَقِيضِ هَذَا التَّمْيِيزِ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ يُطَابِقُ الْوَاقِعَ يُخْرِجُ الصِّفَاتِ الْإِدْرَاكِيَّةِ الَّتِي تُوجِبُ لِمَحَلِّهَا تَمْيِيزًا يَحْتَمِلُ مُتَعَلَّقُهُ نَقِيضَهُ كَالظَّنِّ وَالشَّكِّ وَالْوَهْمِ فَإِنَّ مُتَعَلَّقَ التَّمْيِيزِ الْحَاصِلِ فِيهَا يَحْتَمِلُ نَقِيضَهُ بِلَا خَفَاءٍ، وَالْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَطَّلِعَ صَاحِبُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى مَا فِي الْوَاقِعِ فَيَزُولُ عَنْهُ مَا حُكِمَ بِهِ مِنْ الْإِيجَابِ وَالسَّلْبِ إلَى نَقِيضِهِ، وَفِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْجَهْلَ الْمُرَكَّبَ لَيْسَ بِتَمْيِيزٍ اهـ.

وَالتَّقْلِيدُ؛ لِأَنَّهُ يَزُولُ بِالتَّشْكِيكِ، وَفِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ بَلْ رُبَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّقِيضِ جَزْمًا، وَمُحَصَّلُ هَذَا كَمَا قَالَ الْمُحَقِّقُ الشَّرِيفُ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ أَنَّ الْعِلْمَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِمَحَلِّ مُتَعَلَّقِهِ بِشَيْءٍ تُوجِبُ تِلْكَ الصِّفَةُ إيجَابًا عَادِيًا كَوْنُ مَحَلِّهَا مُمَيِّزًا لِلْمُتَعَلَّقِ تَمْيِيزًا لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ الْمُتَعَلَّقِ نَقِيضَ ذَلِكَ التَّمْيِيزِ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْمَحَلِّ الَّذِي هُوَ الْعَالِمُ؛ لِأَنَّ التَّمْيِيزَ الْمُتَفَرِّعَ عَلَى الصِّفَةِ إنَّمَا هُوَ لَهُ لَا لِلصِّفَةِ وَلَا شَكَّ أَنْ تَمْيِيزَهُ إنَّمَا هُوَ لِشَيْءٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ تِلْكَ الصِّفَةُ وَالتَّمْيِيزُ وَذَلِكَ الشَّيْءِ هُوَ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ اهـ. لَكِنْ عَلَى هَذَا لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّجَوُّزِ بِالتَّمْيِيزِ عَنْ مُتَعَلَّقِهِ وَلَا إلَى تَقْدِيرِ مُتَعَلَّقِهِ مُسْنَدًا إلَيْهِ لَا يَحْتَمِلُ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْحَاصِلِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلَى مُتَعَلَّقِهِ مُرَادًا بِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ أَوْ إلَيْهِ نَفْسُهُ حَقِيقَةً بِمَعْنَى أَنَّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لِطُرُوِّ نَقِيضِهِ بَدَلَهُ عَلَى وَجْهٍ يُطَابِقُ الْوَاقِعَ قَالَ الْفَاضِلُ سَيْفُ الدِّينِ الْأَبْهَرِيُّ: وَهَذَا كَمَا يَقُولُ الْمُتَكَلِّمُونَ تَارَةً مَاهِيَّةُ الْمُمْكِنِ قَابِلَةٌ لِوُجُودِهَا وَتَارَةً وُجُودُ الْمُمْكِنِ قَابِلٌ لِعَدَمِهِ، وَمَآلُ الْعِبَارَتَيْنِ وَاحِدٌ ثُمَّ هَذَا الْحَدُّ يَتَنَاوَلُ التَّصْدِيقَ الْيَقِينِيَّ وَالتَّصَوُّرَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَيَدْخُلُ) أَيْ التَّصَوُّرُ فِي حَدِّ الْعِلْمِ إذْ لَا نَقِيضَ لِلتَّصَوُّرِ عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّقِيضِينَ هُمَا الْمَفْهُومَانِ الْمُتَمَانِعَانِ لِذَاتَيْهِمَا، وَلَا تَمَانُعَ بَيْنَ التَّصَوُّرَاتِ فَمَفْهُومَا الْإِنْسَانِ وَاللَّا إنْسَانِ مَثَلًا لَا تَمَانُعَ بَيْنَهُمَا إلَّا إذَا اعْتَبَرَ ثُبُوتَهُمَا لِشَيْءٍ فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ هُنَاكَ قَضِيَّتَانِ مُتَنَافِيَتَانِ صِدْقًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلتَّصَوُّرِ نَقِيضٌ صَدَقَ أَنَّ مُتَعَلَّقَهُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ بِوَجْهٍ أَيْضًا فَإِذَا تَصَوَّرْنَا مَاهِيَّةَ الْإِنْسَانِ وَحَصَلَ فِي ذِهْنِنَا صُورَةً مُطَابِقَةً لَهَا فَالتَّمْيِيزُ هُنَا هُوَ تِلْكَ الصُّورَةُ إذْ بِهَا تَمْتَازُ وَتَنْكَشِفُ الْمَاهِيَّةُ وَلَا تَحْتَمِلُ نَقِيضَ ذَلِكَ التَّمْيِيزِ إذْ لَا نَقِيضَ لَهُ.

وَعَلَى هَذَا فَالْعِلْمُ بِالْإِنْسَانِ لَيْسَ تِلْكَ الصُّورَةَ بَلْ صِفَةٌ تُوجِبُهَا وَلَا يُقَالُ فَعَلَى هَذَا جَمِيعُ التَّصَوُّرَاتِ عُلُومٌ مَعَ أَنَّ بَعْضَهَا غَيْرُ مُطَابِقٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا يُوصَفُ التَّصَوُّرُ بِعَدَمِ الْمُطَابَقَةِ أَصْلًا فَإِنَّا إذَا رَأَيْنَا مِنْ بَعِيدٍ شَبَحًا هُوَ حَجَرٌ مَثَلًا وَحَصَلَ مِنْهُ فِي أَذْهَانِنَا صُورَةُ إنْسَانٍ فَتِلْكَ الصُّورَةُ صُورَةُ الْإِنْسَانِ وَالْعِلْمُ بِهِ تَصَوُّرِيٌّ وَالْخَطَأُ إنَّمَا هُوَ فِي حُكْمِ الْعَقْلِ بِأَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لِلشَّبَحِ الْمَرْئِيِّ فَالتَّصَوُّرَاتُ كُلُّهَا مُطَابِقَةٌ لِمَا هِيَ تَصَوُّرَاتٌ لَهُ مَوْجُودًا كَانَ أَوْ مَعْدُومًا مُمْكِنًا كَانَ أَوْ مُمْتَنِعًا، وَعَدَمُ الْمُطَابَقَةِ فِي أَحْكَامِ الْعَقْلِ الْمُقَارَنَةُ لِتِلْكَ التَّصَوُّرَاتِ فَلَا إشْكَالَ، وَإِلَى مَعْنَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ:(وَعَدَمُ الْمُطَابَقَةِ) لِلْوَاقِعِ (فِي تَصَوُّرِ الْإِنْسَانِ) حَيَوَانًا (صَهَّالًا) ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي الْوَاقِعِ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ لَا صَهَّالٌ إنَّمَا هُوَ (لِلْحُكْمِ) الْعَقْلِيِّ (الْمُقَارِنِ) لِتَصَوُّرِ الْإِنْسَانَ حَيَوَانًا صَهَّالًا بِأَنَّ الصُّورَةَ الْمُتَصَوَّرَةَ لِلْإِنْسَانِ حَيَوَانٌ صَهَّالٌ لَا غَيْرُ (أَمَّا الصُّورَةُ) الْحَاصِلَةُ فِي الذِّهْنِ الَّتِي الْعِلْمُ بِهَا تَصَوُّرِيٌّ (فَلَا تَحْتَمِلُ غَيْرَهَا) أَيْ غَيْرَ نَفْسِهَا، وَفِي هَذَا تَعْرِيضٌ بِرَدِّ مَا فِي حَاشِيَةِ الْمُحَقِّقِ التَّفْتَازَانِيِّ عَلَى شَرْحِ الْقَاضِي عَضُدِ الدِّينِ مُخْتَصَرَ ابْنِ الْحَاجِبِ تَعَقُّبًا لِلْقَوْلِ بِأَنَّ مَعْنَى لَا نَقِيضَ لِلتَّصَوُّرِ أَنَّهُ لَا نَقِيضَ لِمُتَعَلَّقِهِ؛ لِأَنَّ نَقِيضَ الشَّيْءِ رَفْعُهُ وَسَلْبُهُ فَفِيهِ شَائِبَةُ الْحُكْمِ وَالتَّصْدِيقِ مِنْ أَنَّ هَذَا يُبْطِلُ كَثِيرًا مِنْ قَوَاعِدِ الْمَنْطِقِ وَيُوجِبُ شُمُولَ التَّعْرِيفِ لِجَمِيعِ التَّصَوُّرَاتِ الْغَيْرِ الْمُطَابَقَةِ كَمَا إذَا تَعَقَّلَ الْإِنْسَانُ حَيَوَانًا صَهَّالًا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَيْسَ بِتَمْيِيزٍ اهـ.

نَعَمْ إنْ قِيلَ الْمُتَنَاقِضَانِ

ص: 44

هُمَا الْمَفْهُومَانِ الْمُتَنَافِيَانِ لِذَاتَيْهِمَا وَالتَّنَافِي إمَّا فِي التَّحَقُّقِ وَالِانْتِفَاءِ كَمَا فِي الْقَضَايَا، وَإِمَّا فِي الْمَفْهُومِ بِأَنَّهُ إذَا قِيسَ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ كَانَ أَشَدَّ بُعْدًا مِمَّا سِوَاهُ فَيُوجَدُ فِي التَّصَوُّرَاتِ أَيْضًا كَمَفْهُومَيْ الْفَرَسِ وَاللَّا فَرَسِ وَبِهَذَا الْمَعْنَى قِيلَ رَفَعَ كُلُّ شَيْءٍ نَقِيضَهُ سَوَاءٌ كَانَ رَفَعَهُ فِي نَفْسِهِ أَوْ رَفَعَهُ عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ أَيًّا مَا كَانَ فَالْمُرَادُ بِالتَّصَوُّرِ الدَّاخِلِ فِي الْحَدِّ الْمَذْكُورِ مَا لَيْسَ مُتَعَلَّقُهُ مُحْتَمِلًا لِلنَّقِيضِ فَلَا يَضُرُّ مَا هُوَ الْوَاجِبُ مِنْ خُرُوجِ الْوَهْمِ وَالشَّكِّ مِنْ الْعِلْمِ كَمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ إدْرَاكَ الْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ مِنْ قَبِيلِ الْعِلْمِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ، وَهُمْ جُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ فَيُقَيِّدُ التَّمْيِيزَ بِقَوْلِهِ بَيْنَ الْمَعَانِي أَيْ مَا لَيْسَ مِنْ الْأَعْيَانِ الْمَحْسُوسَةِ بِالْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ، وَهِيَ الْأُمُورُ الْعَقْلِيَّةُ كُلِّيَّةً كَانَتْ أَوْ جُزْئِيَّةً بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعَانِي مَا يُقَابِلُ الْعَيْنِيَّةَ الْخَارِجِيَّةَ فَيَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْعِلْمِ إدْرَاكُ الْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ فَإِنَّهَا تُفِيدُ تَمْيِيزًا فِي الْأُمُورِ الْعَيْنِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ الْمَعَانِيَ بِالْكُلِّيَّةِ مَيْلًا إلَى تَخْصِيصِ الْعِلْمِ بِالْكُلِّيَّاتِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْجُزْئِيَّاتِ.

هَذَا وَقَدْ تَعَقَّبَ الْمُحَقِّقُ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْمَلْوِيُّ هَذَا التَّعْرِيفَ بِأَنَّهُ تَفْسِيرُ الْقُوَّةِ الْعِلْمِيَّةِ، وَإِلَّا فَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ إمَّا تَصَوُّرٌ، وَإِمَّا تَصْدِيقٌ ضَرُورِيٌّ وَمَطْلُوبٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ نَفْسَ الصِّفَةِ بَلْ أَثَرُهَا فَعَرَضْته عَلَى شَيْخِنَا الْمُصَنِّفِ رحمه الله فَدَافَعَهُ بَعْضَ الْمُدَافَعَةِ ثُمَّ اسْتَحْسَنَهُ، وَأَلْحَقَهُ بِالْكِتَابِ قَائِلًا.

(وَالْوَجْهُ) فِي حَدِّ الْعِلْمِ عَلَى وَجْهٍ يَشْمَلُ التَّصَوُّرَ أَنْ يُقَالَ (إنَّهُ تَمْيِيزٌ) لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ (وَإِلَّا فَإِنَّمَا يَصْدُقُ عَلَى الْقُوَّةِ الْعَاقِلَةِ) الْمُفِيدَةِ لِلتَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ لَا عَلَيْهِمَا لِمَا ذَكَرْنَا لَكِنِّي أَقُولُ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْعِلْمَ عِبَارَةٌ عَنْ صِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ ذَاتِ تَعَلُّقٍ بِالْمَعْلُومِ أَمَّا إذَا كَانَ ثَمَّةَ مَنْ يَقُولُ بِهَذَا حَتَّى إنَّ الْعِلْمَ عِنْدَهُ مِنْ مَقُولَةِ الْكَيْفِ بِالذَّاتِ، وَمِنْ مَقُولَةِ الْمُضَافِ بِالْعَرَضِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ سِينَا وَغَيْرُهُ فَالْقُوَّةُ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا ذَلِكَ هِيَ نَفْسُ الْعِلْمِ عِنْدَهُ فَلَا يَتِمُّ نَفْيُ كَوْنِ هَذَا تَفْسِيرًا لِلْعِلْمِ عِنْدَهُ فَلَا جَرَمَ أَنْ صَرَّحَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ فِي الْمَوَاقِفِ بِأَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهَذَا الْقَوْلِ. ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ قَالَ إنَّهُ نَفْسُ التَّعَلُّقِ يَعْنِي الْمَخْصُوصَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْمَعْلُومِ حَدَّهُ بِأَنَّهُ تَمَيُّزُ مَعْنًى عِنْدَ النَّفْسِ تَمَيُّزًا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ اهـ. حَتَّى يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الْإِضَافَاتِ، وَمَبْدَؤُهُ مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ الصَّحَائِفِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ الِانْفِعَالِ نَعَمْ يَكُونُ تَقْسِيمُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ إلَى التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مُتَعَلَّقِهِ بِخِلَافِهِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي ثُمَّ ظَاهِرُ قَوْلِ شَيْخِنَا أَنَّهُ تَمْيِيزٌ يُخَالِفُ كُلًّا مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ التَّمْيِيزَ فِعْلٌ فَلْيُتَأَمَّلْ.

ثُمَّ لَمَّا وَقَعَ التَّعَرُّضُ لِشُمُولِ هَذَا التَّعْرِيفِ لِلتَّصَوُّرِ فِي الْجُمْلَةِ، وَمِنْهُ الْحَدُّ، وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ التَّصَوُّرَ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا يُكْتَسَبُ بِبُرْهَانٍ وَلَا يُطْلَبُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَلَا يَقْبَلُ الْمَنْعَ وَلَا يُعَارَضُ سَوَاءٌ كَانَ حَدًّا حَقِيقِيًّا أَوْ اسْمِيًّا أَوْ غَيْرَهُمَا وَصَرَّحُوا أَيْضًا بِأَنَّ الْحَدَّ بِاعْتِبَارِ عَارِضٍ لَهُ قَدْ يُطْلَبُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ وَيُعَارَضُ وَيُمْنَعُ أَشَارَ إلَى مَا يُفِيدُ الْمَنَاطُ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ ثُبُوتًا وَانْتِفَاءً فَقَالَ (وَلَا دَلِيلَ) يُطْلَبُ وَيُقَامُ (إلَّا عَلَى نِسْبَةٍ) أَيْ حُكْمِ نِسْبَةٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ ثُبُوتًا أَوْ نَفْيًا لِمَا سَيُعْرَفُ مِنْ مَعْرِفَةِ الدَّلِيلِ. (وَكَذَا الْمُعَارَضَةُ) لَا تَكُونُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ بِحَيْثُ يَكُونُ أَحَدُهُمَا مُعَارِضًا لِلْآخَرِ إلَّا إذَا كَانَا حُكْمَيْنِ وَتَحَقَّقَ فِيهِمَا بَاقِي الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي وُجُودِ التَّدَافُعِ بَيْنَهُمَا (وَذَلِكَ) أَيْ قِيَامُ الدَّلِيلِ وَالْمُعَارَضَةِ إنَّمَا يَقَعُ فِي صُوَرِ الْمُتَصَوَّرَاتِ (عِنْدَ ادِّعَائِهَا) أَيْ صُوَرِ الْمُتَصَوَّرَاتِ الْحَاصِلَةِ فِي الذِّهْنِ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي الصُّوَرُ الْمَذْكُورَةُ عِبَارَةٌ عَنْ تَصَوُّرِهَا (صُورَةُ كَذَا كَصُوَرِ الْحُدُودِ) بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَحْدُودَاتِ أَيْ كَادِّعَاءِ أَنَّ الصُّورَةَ الْحَاصِلَةَ مِنْ الْأَمْرِ الْفُلَانِيِّ الْمُسَمَّى بِالْحَدِّ هِيَ الْأَمْرُ الْفُلَانِيُّ الْمُسَمَّى بِالْحُدُودِ.

(وَحِينَئِذٍ) أَيْ وَحِينَ يُقْصَدُ الْحُكْمُ بِالْحَدِّ عَلَى الْمَحْدُودِ كَمَا ذَكَرْنَا (تَقْبَلُ) صُوَر الْحُدُودِ (الْمَنْعَ) لِوُجُودِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوضًا لِذَلِكَ حِينَئِذٍ، وَهُوَ الْحُكْمُ وَكَشْفُ الْقِنَاعِ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ التَّعْرِيفَ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ تَحْصِيلُ مَا لَيْسَ بِحَاصِلٍ مِنْ التَّصَوُّرَاتِ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا مَا يُقْصَدُ بِهِ تَصَوُّرُ مَفْهُومَاتٍ غَيْرِ مَعْلُومَةِ الْوُجُودِ فِي الْخَارِجِ، وَيُسَمَّى

ص: 45

تَعْرِيفًا بِحَسَبِ الِاسْمِ فَإِذَا عُلِمَ مَثَلًا مَفْهُومُ الْجِنْسِ إجْمَالًا، وَأُرِيدَ تَصَوُّرُهُ بِوَجْهٍ أَكْمَلَ فَإِنْ فَصَلَ نَفْسَ مَفْهُومِهِ بِأَجْزَاءٍ كَانَ ذَلِكَ حَدًّا لَهُ اسْمِيًّا، وَإِنْ ذَكَرَ فِي تَعْرِيفِهِ عَوَارِضَهُ كَانَ لَهُ رَسْمًا اسْمِيًّا. ثَانِيهِمَا مَا يُقْصَدُ بِهِ تَصَوُّرُ حَقَائِقَ مَوْجُودَةٍ وَيُسَمَّى تَعْرِيفًا بِحَسَبِ الْحَقِيقَةِ إمَّا حَدًّا أَوْ رَسْمًا وَكِلَا هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ لَا يَتَّجِهُ عَلَيْهِ مَنْعٌ؛ لِأَنَّ التَّحْدِيدَ تَصْوِيرٌ وَنَقْشٌ لِصُورَةِ الْمَحْدُودِ فِي الذِّهْنِ وَلَا حُكْمَ فِيهِ أَصْلًا.

وَالْحَادُّ إنَّمَا ذَكَرَ الْمَحْدُودَ لِيَتَوَجَّهَ الذِّهْنُ إلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ بِوَجْهٍ مَا ثُمَّ يَرْسِمُ فِيهِ صُورَةً أَتَمَّ مِنْ الْأُولَى لَا لِيَحْكُمَ بِالْحَدِّ عَلَيْهِ إذْ لَيْسَ هُوَ بِصَدَدِ التَّصْدِيقِ بِثُبُوتِهِ لَهُ. مَثَلًا إذَا قَالَ الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى الْإِنْسَانِ بِكَوْنِهِ حَيَوَانًا نَاطِقًا، وَإِلَّا لَكَانَ مُصَدِّقًا لَا مُصَوِّرًا بَلْ إنَّمَا أَرَادَ بِذِكْرِ الْإِنْسَانِ أَنْ يَتَوَجَّهَ ذِهْنُك إلَى مَا عَرَفْته بِوَجْهٍ مَا ثُمَّ شَرَعَ فِي تَصْوِيرِهِ بِوَجْهٍ أَكْمَلَ فَمَا مِثْلُهُ إلَّا كَمِثْلِ النَّقَّاشِ إلَّا أَنَّ الْحَادَّ يَنْقُشُ فِي الذِّهْنِ صُورَةً مَعْقُولَةً، وَهَذَا يَنْقُشُ فِي اللَّوْحِ صُورَةً مَحْسُوسَةً فَكَمَا أَنَّهُ إذَا أَخَذَ يَرْسِمُ فِيهِ نَقْشًا لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ مَنْعٌ فَلَا يُقَالُ مَثَلًا لَا نُسَلِّمُ كِتَابَتَك كَذَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِنْسَانَ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ؛ لِأَنَّهُ جَارٍ مَجْرَاهُ فَاتَّضَحَ أَنَّ الْحَدَّ مَعَ الْمَحْدُودِ لَيْسَ قَضِيَّةً فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى صُورَتِهَا.

وَأَمَّا مَا اُشْتُهِرَ فِي أَلْسِنَةِ الْعُلَمَاءِ أَنْ لَا نُسَلِّمَ أَنَّهُ حَدٌّ لِمَا حَدَّدْتُمُوهُ بِهِ فَهَذَا مَنْعٌ عَلَيْهِ فَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَدَّ لَهُ مَفْهُومٌ، وَمَا صَدَقَ عَلَيْهِ وَالْمَنْعُ بِتَوَجُّهٍ عَلَى الثَّانِي لَا الْأَوَّلِ فَفِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ نَاطِقًا بَلْ يَمْنَعُ كَوْنَهُ جَدًّا لِلْإِنْسَانِ أَوْ أَنَّ الْحَيَوَانَ جِنْسٌ لَهُ أَوْ النَّاطِقُ فَصْلٌ لَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الدَّعَاوَى صَادِرَةٌ عَنْهُ ضِمْنًا، وَقَابِلَةٌ لِلْمَنْعِ بِاعْتِبَارِ مَا لَزِمَ عَنْهَا مِنْ الْحُكْمِ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَتَّجِهُ أَيْضًا عَلَى الْحَدِّ النَّقْضُ وَالْمُعَارَضَةُ فَإِذَا قِيلَ مَثَلًا الْعِلْمُ مَا يَصِحُّ مِنْ الْمَوْصُوفِ بِهِ إحْكَامُ الْفِعْلِ يُقَالُ هَذَا مَنْقُوضٌ بِالْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحِيلَات فَإِنْ سَلَّمَ الْحَادُّ وُجُودَ الْعِلْمِ الْمُتَعَلَّقِ بِهِمَا فَقَدْ اعْتَرَفَ بِبُطْلَانِ حَدِّهِ، وَفَسَادِ نَقْشِهِ وَإِلَّا فَلَا، وَيُقَالُ أَيْضًا هَذَا مُعَارَضٌ بِأَنَّهُ الِاعْتِقَادُ الْمُقْتَضِي لِسُكُونِ النَّفْسِ فَإِنْ سَلَّمَ الْحَدُّ الثَّانِي بَطَلَ حَدُّهُ، وَإِلَّا فَلَا إذْ لَا تَعَانُدَ بَيْنَ مَفْهُومَيْ هَذَيْنِ الْحَدَّيْنِ بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا مَفْهُومٌ عَلَى حِدَةٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

ثُمَّ أَفَادَ مَا يَكُونُ لِلْحَادِّ إذَا مَنَعَ حَدَّهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَتَوَجَّهُ لَهُ دَفْعُهُ فَقَالَ (وَيُدْفَعُ) الْمَنْعُ (فِي الِاسْمِيِّ بِالنَّقْلِ) عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ إنْ كَانَ لُغَوِيًّا، وَعَنْ أَهْلِ الشَّرْعِ إنْ كَانَ شَرْعِيًّا، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ فَإِذَا أَتَى الْحَادُّ بِهِ فَقَدْ تَمَّ مَطْلُوبُهُ (وَفِي) مَنْعِ الْحَدِّ (الْحَقِيقِيِّ الْعَجْزُ لَازِمٌ) لِلْحَادِّ لَكِنْ (لَا لِمَا قِيلَ لَا يُكْتَسَبُ الْحَدُّ) الْحَقِيقِيُّ (بِبُرْهَانٍ) أَيْ بِالْحَدِّ الْأَوْسَطِ مَعَ مَا تَقَيَّدَ بِهِ وَيُقَالُ فِي تَوْجِيهِهِ (لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ) أَيْ لِاسْتِغْنَاءِ الْحَدِّ عَنْ الْبُرْهَانِ (إذْ ثُبُوتُ أَجْزَاءِ الشَّيْءِ لَهُ) أَيْ لِلشَّيْءِ (لَا يَتَوَقَّفُ) ثُبُوتُهَا (إلَّا عَلَى تَصَوُّرِهِ) أَيْ ذَلِكَ الشَّيْءِ لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّ الذَّاتِيَّ لِلشَّيْءِ لَا يُعَلَّلُ ثُبُوتُهُ لِلذَّاتِ بِشَيْءٍ فَيَكْفِي فِي ثُبُوتِ أَجْزَاءِ الشَّيْءِ لَهُ تَصَوُّرُهُ وَحَقِيقَةُ الْحَدِّ هِيَ حَقِيقَةُ الْمَحْدُودِ، وَأَجْزَاؤُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ فَيَكْفِي فِي ثُبُوتِ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ تَصَوُّرُ الْمَحْدُودِ، وَإِنَّمَا مَنَعَ الْمُصَنِّفُ التَّعْلِيلَ بِهَذَا (لِأَنَّ الْفَرْضَ جَهَالَةُ كَوْنِهَا) أَيْ أَجْزَاءِ الشَّيْءِ الَّتِي هِيَ الْحَدُّ (أَجْزَاءَ الصُّورَةِ الْإِجْمَالِيَّةِ) الَّتِي هِيَ الْمَحْدُودُ، وَإِلَّا لَوْ كَانَ مَعْلُومًا كَوْنُهَا إيَّاهَا مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى نَظَرٍ وَكَسْبٍ لَكَانَتْ الصُّورَةُ الْإِجْمَالِيَّةُ مِنْ قَبِيلِ الْبَدِيهَاتِ الْمُسْتَغْنِيَةِ عَنْ الْحُدُودِ لَا النَّظَرِيَّاتِ فَكَيْفَ يَكْفِي فِي مَعْرِفَةِ الْحَدِّ مَعْرِفَةُ الْمَحْدُودِ فَإِنْ قِيلَ نِسْبَةُ مَا يُقَالُ أَنَّهُ أَجْزَاءُ الصُّورَةِ الْإِجْمَالِيَّةِ إلَيْهَا بِالْجُزْئِيَّةِ لَهَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ تَصَوُّرُ الصُّورَةِ الْإِجْمَالِيَّةِ كَافِيًا فِي ثُبُوتِ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ لَهَا فَالْجَوَابُ الْمَنْعُ.

(وَنِسْبَتُهَا) أَيْ وَنِسْبَةُ مَا يُقَالُ أَنَّهُ أَجْزَاءُ الصُّورَةِ الْإِجْمَالِيَّةِ (إلَيْهَا) أَيْ الصُّورَةِ الْإِجْمَالِيَّةِ (بِالْجُزْئِيَّةِ) أَيْ بِأَنَّهَا أَجْزَاؤُهَا (مُجَرَّدُ دَعْوَى) يَتَسَلَّطُ عَلَيْهَا الْمَنْعُ وَيَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ يُثْبِتُهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ (فَلَا يُوجِبُهُ) أَيْ ثُبُوتَ أَجْزَاءِ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ (إلَّا دَلِيلٌ) يُوجِبُهُ، وَالْمَفْرُوضُ خِلَافَهُ (أَوْ لِلدَّوْرِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِلِاسْتِغْنَاءِ أَيْ وَلَا لِمَا قِيلَ لَا يُكْتَسَبُ الْحَدُّ بِبُرْهَانٍ دَفْعًا لِلدَّوْرِ اللَّازِمِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مُكْتَسَبًا بِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى ثُبُوتِ شَيْءٍ لِشَيْءٍ

ص: 46

يَتَوَقَّفُ عَلَى تَعَقُّلِهِمَا فَالدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَعَقُّلِهِمَا ثُمَّ تَعَقُّلُ الْمَحْدُودِ مُسْتَفَادٌ مِنْ ثُبُوتِ الْحَدِّ لَهُ فَلَوْ تَوَقَّفَ ثُبُوتُ الْحَدِّ لَهُ عَلَى الدَّلِيلِ يَلْزَمُ الدَّوْرُ.

وَإِنَّمَا مَنَعَ الْمُصَنِّفُ التَّعْلِيلَ بِهَذَا أَيْضًا (لِأَنَّ تَوَقُّفَ الدَّلِيلِ) عَلَى تَعَقُّلِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَحْدُودُ هُنَا إنَّمَا هُوَ (عَلَى تَعَقُّلِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ) مَا؛ لِأَنَّهُ يَكْفِي فِي الِاسْتِدْلَالِ تَصَوُّرُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مَا (وَهُوَ) أَيْ تَعَقُّلُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ إنَّمَا يَتَوَقَّفُ (عَلَيْهِ) أَيْ الدَّلِيلِ (بِوَاسِطَةِ تَوَقُّفِهِ) أَيْ تَوَقُّفِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ (عَلَى الْحَدِّ بِحَقِيقَتِهِ) الْمُتَوَقِّفِ عَلَيْهِ الدَّلِيلِ فَلَا دَوْرَ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّ الدَّلِيلَ إنَّمَا تَوَقَّفَ عَلَى تَصَوُّرِ الْمَحْدُودِ بِوَجْهٍ وَالْمَحْدُودُ إنَّمَا تَوَقَّفَ عَلَى الدَّلِيلِ مِنْ حَيْثُ تَصَوُّرُهُ بِحَقِيقَتِهِ بِوَاسِطَةِ اسْتِدْعَاءِ الدَّلِيلِ عَلَى ثُبُوتِ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ تَصَوُّرًا بِالْحَدِّ بِحَقِيقَتِهِ الْمُسْتَلْزِمِ لِتَصَوُّرِ الْمَحْدُودِ بِحَقِيقَتِهِ.

فَيَتَلَخَّصُ أَنَّ الدَّلِيلَ تَوَقَّفَ عَلَى تَصَوُّرِ الْمَحْدُودِ بِوَجْهٍ وَتَصَوُّرُ الْمَحْدُودِ بِحَقِيقَتِهِ تَوَقَّفَ عَلَى الدَّلِيلِ لَكِنْ يَطْرُقُ هَذَا أَنَّ الدَّلِيلَ يَجِبُ فِيهِ تَعَقُّلُ الْمُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ مَا يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ فَلَوْ أُقِيمَ الْبُرْهَانُ عَلَى ثُبُوتِ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعَقُّلِ الْحَدِّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ حَدٌّ، وَفِيهِ تَعَقُّلُ الْمَحْدُودِ بِحَقِيقَتِهِ فَيَكُونُ تَعَقُّلُ حَقِيقَةِ الْمَحْدُودِ بِالْحَدِّ حَاصِلًا قَبْلَ الدَّلِيلِ عَلَى ثُبُوتِهِ لَهُ فَلَوْ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ لِيُجْعَلَ ذَرِيعَةً إلَى تَصَوُّرِهِ بِالْحَدِّ لَزِمَ الدَّوْرُ (أَوْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُوجِبُ أَمْرًا فِي الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَوْ لِلدَّوْرِ أَيْ وَلَا لِمَا قِيلَ لَا يُكْتَسَبُ الْحَدُّ بِبُرْهَانٍ؛ لِأَنَّ الْبُرْهَانَ يَسْتَلْزِمُ حُصُولَ أَمْرٍ، وَهُوَ الْمَحْكُومُ بِهِ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ وَسَطٌ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ (وَبِتَقْدِيرِهِ يَسْتَلْزِمُ عَيْنَهُ) أَيْ وَلَوْ قُدِّرَ فِي الْحَدِّ وَسَطٌ يَسْتَلْزِمُ حُصُولَهُ لِلْمَحْدُودِ لَكَانَ الْوَسَطُ مُسْتَلْزِمًا لِحُصُولِ عَيْنِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ الْحَقِيقِيَّ التَّامَّ لَيْسَ أَمْرًا غَيْرَ حَقِيقَةِ الْمَحْدُودِ تَفْصِيلًا، وَفِيهِ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الشَّيْءِ لِنَفْسِهِ بَيِّنٌ فَإِذَا تَصَوَّرَ النِّسْبَةَ بَيْنَهُمَا حَصَلَ الْجَزْمُ بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا وَلَا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْبُرْهَانِ إلَّا بَعْدَ تَصَوُّرِهَا الْمُسْتَلْزِمِ لِلْحُكْمِ فَهُوَ حَاصِلٌ قَبْلَ الْبُرْهَانِ فَيَلْزَمُ الْمَحْذُورُ، وَإِنَّمَا مَنَعَ الْمُصَنِّفُ التَّعْلِيلَ بِهَذَا أَيْضًا (لِأَنَّهُ) أَيْ التَّعْلِيلُ بِهِ (غَيْرُ ضَائِرٍ) لِدَعْوَى إثْبَاتِ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ بِالْبُرْهَانِ وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَحْذُورَ إنَّمَا لَزِمَ مِنْ دَعْوَى أَنَّ الْحَدَّ عَيْنُ الْمَحْدُودِ، وَهِيَ مِمَّا تُمْنَعُ فَإِنَّ الْحَدَّ يُغَايِرُ الْمَحْدُودَ فِي الْجُمْلَةِ وَلَوْ بِالْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إثْبَاتِ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ بِالْبُرْهَانِ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَا يَحْصُلُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ الْبُرْهَانِ مُطْلَقًا.

(فَإِنْ قَالَ) الْمُعَلِّلُ بِهَذَا: وَكَيْفَ يَتَّجِهُ دَعْوَى اكْتِسَابِ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ بِالْبُرْهَانِ (وَتَعَقُّلُهَا) أَيْ عَيْنِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ الْمَحْدُودُ (يَحْصُلُ بِالْحَدِّ) أَيْ بِتَعَقُّلِهِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ أَجْزَاءُ الْمَحْدُودِ وَحَيْثُ تَوَقَّفَ ثُبُوتُهُ لِلْمَحْدُودِ عَلَى تَصَوُّرِهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فَإِذَا تَعَقَّلَ مِنْ حَيْثُ هُوَ حَدٌّ فَقَدْ حَصَلَ الْمَحْدُودُ قَبْلَ إقَامَةِ الْبُرْهَانِ عَلَى ثُبُوتِهِ لَهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى إقَامَةِ الْبُرْهَانِ عَلَيْهِ (فَكَالْأَوَّلِ) أَيْ فَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا التَّوْجِيهِ لِنَفْيِ اكْتِسَابِ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ بِالْبُرْهَانِ كَالْجَوَابِ عَنْ التَّوْجِيهِ لِنَفْيِهِ بِاسْتِغْنَاءِ ثُبُوتِ الْحَدِّ لَهُ عَنْ الْبُرْهَانِ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ إذَا كَانَتْ أَجْزَاءُ الْحَدِّ مَعْلُومَةَ الِانْتِسَابِ بِالْجُزْئِيَّةِ إلَى الْمَحْدُودِ بِحَيْثُ يُعْلَمُ قَطْعًا مِنْ الْعِلْمِ بِالْمَحْدُودِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلَا كَسْبٍ لَكِنَّ الْمَفْرُوضَ جَهَالَةُ انْتِسَابِهَا إلَيْهِ، وَإِلَّا لَكَانَ الْمَحْدُودُ بَدِيهِيَّ التَّصَوُّرِ لَا يَحْتَاجُ إلَى كَسْبٍ وَنَظَرٍ، وَالْوَاقِعُ خِلَافُهُ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ التَّعْلِيلَ الْأَوَّلَ وَجَوَابَهُ مُغْنِيَانِ عَنْ هَذَا الْإِيرَادِ وَالْإِشَارَةُ إلَى جَوَابِهِ ثُمَّ ذَكَرَ مَا هُوَ التَّعْلِيلَ الْمُتَّجَهُ عِنْدَهُ لِهَذِهِ الدَّعْوَى مُضْرِبًا عَنْ هَذِهِ التَّعَالِيلِ كُلِّهَا فَقَالَ:(بَلْ لِعَدَمِهِ) أَيْ بَلْ الْعَجْزُ لَازِمٌ لِلْحَادِّ فِي مَنْعِ الْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ لِعَدَمِ وُجُودِ بُرْهَانٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّصَوُّرَاتِ الْمَحْضَةِ، وَهِيَ لَا تُسْتَفَادُ مِنْ الْبُرْهَانِ فَالِاقْتِصَارُ فِي تَعْلِيلِهِ عَلَى ذِكْرِ عَدَمِ وُجُودِ الْبُرْهَانِ لَهُ أَوْلَى لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مَعَ قَصْرِ الْمَسَافَةِ وَالسَّلَامَةِ مِنْ هَذِهِ الْمُنَاقَشَاتِ.

(فَإِنْ قِيلَ الْمُتَعَجِّبُ يُفِيدُهُ) أَيْ إثْبَاتُ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ بِالْبُرْهَانِ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى إثْبَاتِ الْحَيَوَانِيَّةِ النَّاطِقَةِ حَدًّا لِلْإِنْسَانِ (كَنَاطِقٍ) أَيْ مِثْلِ أَنْ يُقَالَ الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ

ص: 47

نَاطِقٌ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْإِنْسَانَ (مُتَعَجِّبٌ وَكُلُّ مُتَعَجِّبٍ) حَيَوَانٌ نَاطِقٌ فَالْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ (قُلْنَا) هَذَا الدَّلِيلُ (يُفِيدُ مُجَرَّدَ ثُبُوتِهِ) أَيْ الْحَدُّ الَّذِي هُوَ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ لِلْمَحْدُودِ الَّذِي هُوَ الْإِنْسَانُ لِلْمُسَاوَاةِ الْكَائِنَةِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْمُتَعَجَّبِ (وَالْمَطْلُوبُ) لِلْقَائِلِ بِأَنَّ الْحَدَّ يُكْتَسَبُ بِالْبُرْهَانِ (أَخَصُّ مِنْهُ) أَيْ مِنْ مُجَرَّدِ ثُبُوتِ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ بِالْبُرْهَانِ، وَهُوَ (كَوْنُهُ عَلَى وَجْهِ الْجُزْئِيَّةِ) أَيْ كَوْنِ كُلٍّ مِنْ أَجْزَاءِ الْحَدِّ ثَابِتًا لِلْمَحْدُودِ عَلَى أَنَّهُ جُزْءٌ مَعْلُومٌ مِنْهُ بِالْبُرْهَانِ، وَهَذَا الدَّلِيلُ لَا يُثْبِتُهُ كَذَلِكَ (فَالْحَقُّ حُكْمُ الْإِشْرَاقِيِّينَ) ، وَهُمْ قَوْمٌ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ يُؤْثِرُونَ طَرِيقَةَ أَفْلَاطُونَ، وَمَا لَهُ مِنْ الْكَشْفِ وَالْعِيَانِ عَلَى طَرِيقَةِ أَرِسْطُو، وَمَا لَهُ مِنْ الْبَحْثِ وَالْبُرْهَانِ.

(لَا يُكْسِبُ الْحَقِيقَةَ إلَّا الْكَشْفُ) وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ تُدْرَكُ بِهِ حَقَائِقُ الْأَشْيَاءِ كَإِدْرَاكِ الْحَقَائِقِ الْمَحْسُوسَةِ بِالْحِسِّ السَّلِيمِ غَيْرِ مَقْدُورٍ لِلْمَخْلُوقِ تَحْصِيلُهُ (وَهُوَ مَعْنَى الضَّرُورَةِ) أَيْ مَا ثَبَتَ بِهَا، وَهُوَ الضَّرُورِيُّ، وَمِنْ ثَمَّةَ فُسِّرَ بِمَا لَا يَكُونُ مَقْدُورًا لِلْمَخْلُوقِ تَحْصِيلُهُ، وَإِلَّا فَالضَّرُورَةُ هُنَا مُفَسَّرَةٌ بِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَهُوَ لَا يَصْدُقُ ظَاهِرًا عَلَى الْكَشْفِ لَا أَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَى الْحَقَائِقِ الْعَيْنِيَّةِ مِمَّا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ بِالْحُدُودِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمَشَّاءُونَ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ الْمُؤْثِرُونَ طَرِيقَةَ أَرِسْطُو؛ لِأَنَّهُمْ سَلَّمُوا أَنَّ الشَّيْءَ يُذْكَرُ فِي تَعْرِيفِهِ الذَّاتِيِّ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَسَلَّمُوا أَنَّ الْمَجْهُولَ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا مِنْ الْمَعْلُومِ، وَالذَّاتِيُّ الْخَاصُّ لَيْسَ بِمَعْهُودٍ لِمَنْ يُعْرَفُ بِهِ فِي مَكَان آخَرَ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ خَاصًّا، وَقَدْ فُرِضَ خَاصًّا هَذَا خَلَفٌ ثُمَّ حَيْثُ يَكُونُ الْحَقُّ فِي بَابِ إحَاطَةِ الْعِلْمِ بِالْمُتَصَوِّرَاتِ بِالْحَقَائِقِ الْعَيْنِيَّةِ مَا سَلَكَهُ الْإِشْرَاقِيُّونَ فَمَنْ هُوَ بِصَدَدِ الْمُعَارَضَةِ لِغَيْرِهِ فِي هَذَا الْبَابِ إمَّا مُوَافِقٌ لَهُ عَلَى أَنَّهُ يُدْرِكَ حَقِيقَةَ مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ بِالْعِبَارَةِ الْمُوَافَقَةِ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَدْرَكَهُ وَحِينَئِذٍ فَبَابُ الْمَنْعِ مَسْدُودٌ لِلتَّسْجِيلِ عَلَى الْمَانِعِ حِينَئِذٍ بِالْمُكَابَرَةِ وَالسَّفْسَطَةِ فِي ضَرُورِيٍّ، وَإِمَّا عَارٍ عَنْ ذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ فَكُلٌّ مِنْهُمَا مَعْذُورٌ وَلَا حُجَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ثُمَّ لَعَلَّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيّ مِنْ امْتِنَاعِ الْكَسْبِ فِي التَّصَوُّرَاتِ، وَإِنَّمَا هِيَ بِأَسْرِهَا مِنْ قَبِيلِ الضَّرُورِيَّاتِ اخْتِيَارٌ لِطَرِيقَةِ الْإِشْرَاقِيِّينَ، وَبَسْطُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ بِهِ أَلِيقُ.

(وَكَذَا مَنْعُ التَّمَامِ) أَيْ وَكَذَا الْعَجْزُ لَازِمٌ لِلْحَادِّ إذَا مَنَعَ مَانِعٌ كَوْنَ الْحَدِّ الَّذِي ذَكَرَهُ لِأَمْرٍ حَقِيقِيٍّ حَدًّا تَامًّا لَهُ بِأَنْ مَنَعَ كَوْنَ الْمَذْكُورِ فِيهِ جَمِيعُ ذَاتِيَّاتِ الْمَحْدُودِ فَإِنَّ الْحَادَّ لَا يَسْتَطِيعُ حِينَئِذٍ دَفْعَهُ بِالْبُرْهَانِ (فَلَوْ قَالَ) الْحَادُّ فِي دَفْعِ هَذَا الْمَنْعِ هَذَا الْمَنْعُ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ (لَوْ كَانَ) هَذَا الْحَدُّ غَيْرَ تَامٍّ لِإِخْلَالِهِ بِبَعْضِ ذَاتِيَّاتِ الْمَحْدُودِ (لَمْ نَعْقِلْهَا) أَيْ حَقِيقَةَ الْمَحْدُودِ بِالْكُنْهِ ضَرُورَةَ تَوَقُّفِ تَعَقُّلِهَا بِالْكُنْهِ عَلَى تَعَقُّلِ جَمِيعِ ذَاتِيَّاتِهَا لَكِنَّا عَقَلْنَاهَا بِالْكُنْهِ فَالْمَذْكُورُ فِي حَدِّهَا جَمِيعُ ذَاتِيَّاتِهَا (مَنَعَ نَفْيَ التَّالِي) أَيْ كَانَ لِلْمَانِعِ أَنْ يَمْنَعَ نَفْيَ التَّالِي بِأَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّك عَقَلَتْهَا بِالْكُنْهِ فَتَقَرَّرَ الْعَجْزُ (فَالِاعْتِرَاضُ) عَلَى الْحَدِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ حَدٌّ (بِبُطْلَانِ الطَّرْدِ) أَيْ طَرْدِهِ بِأَنْ وُجِدَ وَلَمْ يُوجَدْ الْمَحْدُودُ كَمَا لَوْ قِيلَ مَثَلًا حَدًّا لِكَلِمَةٍ بِدَالٍّ عَلَى مَعْنَى مُفْرَدٍ غَيْرِ مُطَّرِدٍ لِصِدْقِهِ عَلَى الْخَطِّ، وَعَدَمِ صِدْقِ الْكَلِمَةِ عَلَيْهِ.

(وَالْعَكْسُ) أَيْ وَبِبُطْلَانِ عَكْسِهِ بِأَنْ وُجِدَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْمَحْدُودِ وَلَمْ يَصْدُقْ الْحَدُّ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ قِيلَ مَثَلًا حَدُّ الْإِنْسَانِ بِحَيَوَانٍ ضَاحِكٍ بِالْفِعْلِ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ لِعَدَمِ صِدْقِهِ عَلَى إنْسَانٍ لَمْ يَضْحَكْ قَطُّ (بِنَاءً عَلَى الِاعْتِبَارِ فِي الْمَفْهُومِ، وَعَدَمِهِ) فَيَتَوَجَّهُ الْأَوَّلُ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ الْمُعْتَرِضِ هُنَاكَ شَيْئًا آخَرَ لَمْ يَذْكُرْهُ الْحَادُّ فِي الْحَدِّ، وَقَدْ وُضِعَ الِاسْمُ لِذَلِكَ الْمَذْكُورِ وَالْمَتْرُوكِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْمُسَمَّى فَحَيْثُ لَمْ يَذْكُرْهُ لَزِمَ عَدَمُ الِاطِّرَادِ وَيَتَوَجَّهُ الثَّانِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا آخَرَ ذَكَرَهُ الْحَادُّ فِي الْحَدِّ، وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ الْمَحْدُودِ لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِيمَا وُضِعَ الِاسْمُ لَهُ فَلَزِمَ مِنْ ذِكْرِهِ فِيهِ عَدَمُ الِانْعِكَاسِ وَحِينَئِذٍ يُطَالَبُ الْحَادُّ لِلْمُعْتَرِضِ بِذَلِكَ الْحَدِّ عَلَى رَأْيِهِ لِيُقَابِلَ أَحَدَ الْحَدَّيْنِ بِالْآخَرِ وَيُعَرِّفَ الْأَمْرَ الَّذِي فِيهِ يَتَفَاوَتَانِ مِنْ زِيَادَةِ أَوْ نُقْصَانٍ وَيُجَرِّدَ النَّظَرَ إلَيْهِ فَيُبْطِلَهُ بِطَرِيقِهِ أَوْ يُثْبِتَهُ بِطَرِيقِهِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا (فَإِنَّمَا يُورِدُ) الِاعْتِرَاضَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا (عَلَيْهِ) أَيْ

ص: 48

الْحَدِّ (مِنْ حَيْثُ هُوَ اسْمِيٌّ) ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَأَتَّى فِيهِ الِاعْتِبَارُ الْمَذْكُورُ، وَعَدَمُهُ حَتَّى يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ لِلْحَادِّ قَدْ أَخْرَجْت عَنْ مُسَمَّى اللَّفْظِ كَذَا، وَهُوَ دَاخِلٌ فِيهِ أَوْ أَدْخَلْته فِيهِ، وَهُوَ خَارِجٌ عَنْهُ لَا مِنْ حَيْثُ هُوَ حَدٌّ حَقِيقِيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ حَدًّا حَقِيقِيًّا حَتَّى يَكُونَ مُشْتَمِلًا عَلَى جَمِيعِ ذَاتِيَّاتِ الْمَحْدُودِ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ.

ثُمَّ لَمَّا كَانَ النَّظَرُ مَأْخُوذًا فِي تَعْرِيفِ الدَّلِيلِ قَدَّمَ تَفْسِيرَهُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَى رُجُوعِ النَّظَرِ إلَيْهِ فَقَالَ (وَالنَّظَرُ حَرَكَةُ النَّفْسِ مِنْ الْمَطَالِبِ أَيْ فِي الْكَيْفِ طَالِبَةٌ لِلْمَبَادِئِ بِاسْتِعْرَاضِ الصُّوَرِ أَيْ تَكَيُّفُهَا بِصُورَةٍ صُورَةٍ لِتَجِدَ الْمُنَاسِبَ، وَهُوَ الْوَسَطُ فَتَرَتُّبُهُ مَعَ الْمَطْلُوبِ عَلَى وَجْهٍ مُسْتَلْزِمٍ) . اعْلَمْ أَنَّ النَّظَرَ يُسْتَعْمَلُ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا بِمَعَانٍ وَاَلَّذِي يَهُمُّنَا شَرْحُهُ هُنَا الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ وَيُرَادِفُ الْفِكْرَ فِي الْمَشْهُورِ، وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ نَفْسُ الِانْتِقَالِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْفِكْرَ فِعْلٌ إرَادِيٍّ صَادِرٍ عَنْ النَّفْسِ لِاسْتِحْصَالِ الْمَجْهُولَاتِ بِالْمَعْلُومَاتِ ثُمَّ كَمَا أَنَّ الْإِدْرَاكَ بِالْبَصَرِ يَتَوَقَّفُ عَلَى أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ مُوَاجِهَةٍ الْمُبْصِرِ وَتَقْلِيبِ الْحَدَقَةِ نَحْوِهِ طَلَبًا لِرُؤْيَتِهِ، وَإِزَالَةِ الْغِشَاوَةِ الْمَانِعَةِ مِنْ الْإِبْصَارِ، كَذَلِكَ الْإِدْرَاكُ بِالْبَصِيرَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ التَّوَجُّهِ نَحْوَ الْمَطْلُوبِ وَتَحْدِيقِ الْعَقْلِ نَحْوِهِ طَلَبًا لِإِدْرَاكِهِ وَتَجْرِيدِ الْعَقْلِ عَنْ الْغَفَلَاتِ الَّتِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْغِشَاوَةِ. ثُمَّ حَيْثُ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّ النَّظَرَ اكْتِسَابُ الْمَجْهُولَاتِ مِنْ الْمَعْلُومَاتِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِ التَّعَالِيمِ وَلَا شُبْهَةَ فِي أَنَّ كُلَّ مَجْهُولٍ لَا يُمْكِنُ اكْتِسَابُهُ مِنْ أَيِّ مَعْلُومٍ اُتُّفِقَ بَلْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَعْلُومَاتٍ مُنَاسَبَةٍ لَهُ وَلَا فِي أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ مِنْ تِلْكَ الْمَعْلُومَاتِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَتْ بَلْ لَا بُدَّ هُنَاكَ مِنْ تَرْتِيبٍ مُعَيَّنٍ فِيمَا بَيْنَهَا، وَمِنْ هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ عَارِضَةٍ لَهَا بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّرْتِيبِ فَنَقُولُ إذَا أَرَدْنَا تَحْصِيلَ مَجْهُولٍ تَصْدِيقِيٍّ مَشْعُورٍ بِهِ مِنْ وَجْهٍ عَلَى وَجْهٍ أَكْمَلَ انْتَقَلَتْ النَّفْسُ مِنْهُ وَتَحَرَّكَتْ فِي الْمَعْقُولَاتِ حَرَكَةً مِنْ بَابِ الْكَيْفِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَيْفِيَّةِ النَّفْسَانِيَّةِ الَّتِي هِيَ الصُّوَرُ الْمَعْقُولَةُ عَلَى قِيَاسِ الْحَرَكَةِ فِي الْكَيْفِيَّاتِ الْمَحْسُوسَةِ طَالِبَةَ الْمَبَادِئِ لِهَذَا الْمَطْلُوبِ أَعْنِي تَكَيَّفَتْ النَّفْسُ بِوَاحِدٍ مِنْ الْمَعَانِي الْمَخْزُونَةِ عِنْدَهَا بَعْدَ وَاحِدٍ بِوَاسِطَةِ اسْتِعْرَاضِهَا، وَمُلَاحَظَتِهَا لِتِلْكَ الْمَعَانِي أَيْ اتَّصَفَتْ بِالْحَالَاتِ الْعَارِضَةِ لَهَا عِنْدَ مُلَاحَظَتِهَا لِلْمَعَانِي الْمَخْزُونَةِ عِنْدَهَا فَإِنَّهَا إذَا لَاحَظَتْ مَعْنًى تَحْصُلُ لَهَا حَالَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهَا مُغَايِرَةٌ لِمَا يَعْرِضُ لَهَا عِنْدَ مُلَاحَظَةِ مَعْنًى آخَرَ وَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ طَالِبَةً لِمَبَادِئِ هَذَا الْمَطْلُوبِ إلَى أَنْ تَظْفَرَ بِمُبَادِيهِ أَعْنِي الْأَمْرَ الْمُنَاسِبَ لَهُ الْمُفْضِيَ إلَى الْعِلْمِ أَوْ الظَّنِّ بِهِ، وَهَذَا الْأَمْرُ الْمُنَاسِبُ هُوَ الْحَدُّ الْوَسَطُ بَيْنَ طَرَفَيْ الْمَطْلُوبِ فَتَتَحَرَّك فِيهِ مُرَتَّبَةُ لَهُ مَعَ طَرَفَيِّ الْمَطْلُوبِ عَلَى وَجْهٍ مُسْتَلْزَمٍ لَهُ اسْتِلْزَامًا قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا

كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ مُفَصَّلًا وَتَنْتَقِلُ مِنْهُ إلَى الْمَطْلُوبِ مَثَلًا إذَا كَانَ مَطْلُوبُ النَّفْسِ كَوْنَ الْعَالَمِ حَادِثًا انْتَقَلَتْ مِنْهُ وَتَرَدَّدَتْ فِي الْمَعَانِي الْحَاضِرَةِ عِنْدَهَا فَوَجَدَتْ الْمُتَغَيِّرَ مُنَاسِبًا لِكَوْنِهِ مَحْمُولًا عَلَى الْعَالَمِ، وَمَوْضُوعًا لِلْحَادِثِ فَرَتَّبْته فَحَصَلَ الْعَالَمُ مُتَغَيِّرٌ وَكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حَادِثٌ ثُمَّ رَجَعْت إلَى أَنَّ الْعَالَمَ حَادِثٌ فَظَهَرَ أَنَّ هُنَا حَرَكَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، وَأَنَّ مَا مِنْهُ الْحَرَكَةَ الْأُولَى هُوَ الْمَطْلُوبُ الْمَشْعُورُ بِهِ مِنْ وَجْهٍ، وَمَا هِيَ فِيهِ هِيَ الصُّوَرُ الْعَقْلِيَّةُ الْمَخْزُونَةُ عِنْدَ الْعَقْلِ، وَمَا هِيَ إلَيْهِ هُوَ الْحَدُّ الْأَوْسَطُ، وَمَا مِنْهُ الْحَرَكَةُ الثَّانِيَةُ هُوَ الْوَسَطُ أَيْضًا، وَمَا هِيَ فِيهِ هِيَ الْحُدُودُ، وَمَا هِيَ إلَيْهِ هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْمَطْلُوبِ، وَأَنَّ الْحَرَكَةَ الْأُولَى تَحْصُلُ مَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَادَّةِ أَعْنِي مَبَادِئَ الْمَطْلُوبِ الَّتِي يُوجَدُ مَعَهَا الْفِكْرَةُ بِالْقُوَّةِ وَالثَّانِيَةُ تَحْصُلُ مَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الصُّورَةِ أَعْنِي التَّرْتِيبَ الَّذِي يُوجَدُ مَعَهُ الْفِكْرُ بِالْفِعْلِ وَحِينَئِذٍ يَتِمُّ الْفِكْرُ بِجُزْأَيْهِ مَعًا، وَإِلَّا فَالْفِكْرُ عَرَضٌ لَا مَادَّةٌ لَهُ ثُمَّ هَذَا عَلَى مَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُتَوَسِّطَ بَيْنَ الْمَعْلُومَاتِ وَالْمَجْهُولَاتِ فِي الِاسْتِحْصَالِ هُوَ مَجْمُوعُ الِانْتِقَالَيْنِ إذْ بِهِ يُتَوَصَّلُ مِنْ الْمَعْلُومِ إلَى الْمَجْهُولِ تَوَصُّلًا اخْتِيَارِيًّا، وَأَمَّا التَّرْتِيبُ الْمَذْكُورُ فَهُوَ لَازِمٌ لَهُ بِوَاسِطَةِ الْجُزْءِ الثَّانِي، وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ فَعَلَى إنَّ الْفِكْرَ هُوَ ذَلِكَ التَّرْتِيبُ الْحَاصِلُ مِنْ الِانْتِقَالِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ حُصُولَ الْمَجْهُولِ مِنْ مُبَادِيهِ يَدُورُ عَلَيْهِ

ص: 49

وُجُودًا وَعَدَمًا.

وَأَمَّا الِانْتِقَالَانِ فَخَارِجَانِ عَنْ الْفِكْرِ إلَّا أَنَّ الثَّانِيَ لَازِمٌ لَهُ لَا يُوجَدُ بِدُونِهِ قَطْعًا، وَالْأَوَّلُ لَا بَلْ هُوَ أَكْثَرِيُّ الْوُقُوعِ مَعَهُ، وَهَلْ هَذَا النِّزَاعُ بِحَسَبِ الْمَعْنَى أَوْ إنَّمَا هُوَ فِي إطْلَاقِ لَفْظِ الْفِكْرِ لَا غَيْرُ؟ . جَزَمَ الْمُحَقِّقُ الشَّرِيفُ بِالثَّانِي وَظَهَرَ أَيْضًا خُرُوجُ الْحَدْسِ، وَمَا يَتَوَارَدُ عَلَى النَّفْسِ مِنْ الْمَعَانِي بِلَا قَصْدٍ عَنْ حَدِّ النَّظَرِ ثُمَّ بَقِيَ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ هَلْ هُوَ خَاصٌّ بِالصَّحِيحِ، وَهُوَ الْمُشْتَمِلُ عَلَى شَرَائِطِهِ مَادَّةً وَصُورَةً أَوْ شَامِلٌ لَهُ وَلِلْفَاسِدِ، وَهُوَ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَذَكَرَ شَيْخُنَا الْمُصَنِّفُ رحمه الله أَنَّهُ شَامِلٌ لَهُمَا، وَأَنَّ التَّرْتِيبَ عَلَى وَجْهٍ مُسْتَلْزِمٍ لَا يَسْتَلْزِمُ صِحَّةَ النَّظَرِ؛ لِأَنَّهُ سَيَظْهَرُ أَنَّ فَسَادَ النَّظَرِ قَدْ يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْمَادَّةِ فَلَوْ رَتَّبَ مَادَّةً فَاسِدَةً تَرْتِيبًا مُسْتَلْزِمًا كَأَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْعَالَمَ مُسْتَغْنٍ عَنْ الْمُؤَثِّرِ، وَكُلُّ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ قَدِيمٌ حَتَّى أَنْتَجَ أَنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ كَانَ هَذَا نَظَرًا فَاسِدًا، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِوُجُودِ الْأَمْرِ الْمُنَاسِبِ بِحَسَبِ الِاعْتِقَادِ سَوَاءٌ كَانَ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ أَوْ لَا كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ فِي الْمَطْلُوبِ نَعَمْ هُوَ خَاصٌّ بِالْمَطَالِبِ التَّصْدِيقِيَّةِ يَقِينِيَّةً كَانَتْ أَوْ ظَنِّيَّةً كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ لِتَجِدَ الْمُنَاسِبَ إلَخْ لَا مَا يَعُمُّهَا وَيَعُمُّ التَّصَوُّرَاتِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

(وَالدَّلِيلُ) لُغَةً فَعِيلُ بِمَعْنَى فَاعِلٍ مِنْ الدَّلَالَةِ ثُمَّ ظَاهِرُ الصِّحَاحِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ وَالْهُدَى وَالرَّشَادُ مُتَرَادِفَاتٌ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: لَكِنَّ مُقْتَضَى قَوْلِ صَاحِبِ الْكَشَّافِ فِيهِ أَنَّ الْهُدَى أَخَصُّ مِنْ الدَّلَالَةِ، وَقَوْلِ صَاحِبِ الْمَصَادِرِ أَنَّ الْإِرْشَادَ أَخُصُّ مِنْهَا قَالُوا وَلِلدَّلِيلِ لُغَةً ثَلَاثَةُ مَعَانٍ (الْمُوصِلُ بِنَفْسِهِ) إلَى الْمَقْصُودِ، وَعَبَّرَ عَنْهُ الْآمِدِيُّ بِالنَّاصِبِ لِلدَّلِيلِ (وَالذَّاكِرِ لِمَا فِيهِ إرْشَادٌ) إلَى الْمَطْلُوبِ كَاَلَّذِي يَعْرِفُ الطَّرِيقَ بِذِكْرِ مَا يُفِيدُ ذَلِكَ (وَمَا فِيهِ إرْشَادٌ) كَالْعَلَامَةِ الْمَنْصُوبَةِ مِنْ الْأَحْجَارِ أَوْ غَيْرِهَا لِتَعْرِيفِ الطَّرِيقِ فَيُقَالُ عَلَى الْأَوَّلِ الدَّلِيلُ عَلَى اللَّهِ هُوَ اللَّهُ كَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعَارِفُونَ، وَعَلَى الثَّانِي هُوَ الْعَالِمُ بِكَسْرِ اللَّامِ الذَّاكِرُ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعَالَى. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مِمَّا يَصِحُّ أَيْضًا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ لِعِبَادِهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا: إنَّ الدَّلِيلَ عَلَى اللَّهِ هُوَ اللَّهُ لَكِنْ لَا عَلَى قَصْدِ الْحَصْرِ بِخِلَافِهِ عَلَى الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ. وَعَلَى الثَّالِثِ الْعَالَمُ بِفَتْحِ اللَّامِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إرْشَادًا إلَيْهِ وَدَلَالَةً عَلَيْهِ قَالُوا: وَإِطْلَاقُ الدَّلِيلِ عَلَى الدَّالِّ وَالذَّاكِرِ لِلدَّلِيلِ حَقِيقَةٌ، وَعَلَى مَا فِيهِ إرْشَادٌ مَجَازٌ إذْ الْفِعْلُ قَدْ يُنْسَبُ إلَى الْآلَةِ كَمَا يُقَالُ السِّكِّينُ قَاطِعٌ.

(وَفِي الِاصْطِلَاحِ) الْخَاصِّ لِأَهْلِ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ لَا الْفُقَهَاءِ لَا غَيْرُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ الْبَدِيعِ (مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِذَلِكَ النَّظَرِ فِيهِ إلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ) فَمَا أَيُّ شَيْءٍ جِنْسٍ شَامِلٍ لِلدَّلِيلِ وَغَيْرِهِ، وَمَا عَدَاهُ فَصْلٌ أَخْرَجَ مَا سِوَاهُ ثُمَّ قَوْلُهُ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ دُونَ مَا يَتَوَصَّلُ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الدَّلِيلَ مِنْ حَيْثُ هُوَ دَلِيلٌ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّوَصُّلُ بِالْفِعْلِ بَلْ يَكْفِي إمْكَانُهُ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ دَلِيلًا بِعَدَمِ النَّظَرِ فِيهِ أَصْلًا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ فِيهِ هَذِهِ الصَّلَاحِيَّةُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ مَعْرُوضُ الدَّلَالَةِ، وَهِيَ كَوْنُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يُفِيدُ الْعِلْمَ أَوْ الظَّنَّ إذَا نَظَرَ فِيهِ، وَهَذَا حَاصِلٌ، نَظَرَ فِيهِ أَوْ لَمْ يَنْظُرْ. وَقَوْلُهُ بِذَلِكَ النَّظَرِ يَعْنِي مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ يَشْمَلُ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ فَهَذَا التَّعْرِيفُ لِلدَّلِيلِ يَشْمَلُ الدَّلِيلَ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ أَيْضًا لَكِنْ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا الْمُصَنِّفُ رحمه الله هَذَا عَلَى الْمَنْطِقِيِّينَ أَمَّا عَلَى الْأُصُولِيِّينَ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ الدَّلِيلُ فَاسِدًا إلَّا بِنَوْعٍ مِنْ التَّجَوُّزِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فِي الْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ فَسَادٌ اهـ. نَعَمْ الْمَذْكُورُ فِي غَيْرِ مَا كِتَابٍ مِنْ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ تَقْيِيدُ النَّظَرِ بِالصَّحِيحِ قَالُوا، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ لَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِهِ إلَى الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ فِي نَفْسِهِ سَبَبًا لِلْوُصُولِ وَلَا آلَةً لَهُ، وَإِنْ كَانَ يُفْضِي إلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ فَذَلِكَ إفْضَاءٌ اتِّفَاقِيٌّ، وَأَوْرَدَ الْإِفْضَاءُ إلَى الْمَطْلُوبِ يَسْتَلْزِمُ إمْكَانَ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ لَا مَحَالَةَ وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ فَإِنَّ مَعْنَى التَّوَصُّلِ يَقْتَضِي وَجْهَ الدَّلَالَةِ بِخِلَافِ الْإِفْضَاءِ يَعْنِي التَّوَصُّلَ إلَى الْعِلْمِ أَوْ الظَّنِّ بِالْمَطْلُوبِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالنَّظَرِ فِيمَا هُوَ مَعْرُوضُ الدَّلَالَةِ مِنْ الْجِهَةِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يَنْتَقِلَ الذِّهْنُ بِهَا إلَى الْمَطْلُوبِ الْمُسَمَّاةِ وَجْهَ الدَّلَالَةِ، وَهَذِهِ الْجِهَةُ مُنْتَفِيَةٌ فِي النَّظَرِ الْفَاسِدِ، وَإِنَّمَا غَايَتُهُ أَنَّهُ قَدْ يُؤَدِّي إلَى الْمَطْلُوبِ بِوَاسِطَةِ اعْتِقَادٍ أَوْ ظَنٍّ كَمَا إذَا نَظَرَ

ص: 50

فِي الْعَالَمِ مِنْ حَيْثُ الْبَسَاطَةُ أَوْ فِي النَّارِ مِنْ حَيْثُ التَّسْخِينُ فَإِنَّ الْبَسَاطَةَ وَالتَّسْخِينَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِمَا أَنْ يُنْتَقَلَ بِهِمَا إلَى وُجُودِ الصَّانِعِ وَالدُّخَانِ وَلَكِنْ يُؤَدِّي إلَى وُجُودِهِمَا مِمَّنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْعَالَمَ بَسِيطٌ وَكُلُّ بَسِيطٍ لَهُ صَانِعٌ، وَمِمَّنْ ظَنَّ أَنَّ كُلَّ مُسَخَّنٍ لَهُ دُخَانٌ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّ الْفَاسِدَ قَدْ يُمْكِنُ بِهِ التَّوَصُّلُ إلَى الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ الْمُحَقِّقُ الشَّرِيفُ: وَالْحُكْمُ بِكَوْنِ الْإِفْضَاءِ فِي الْفَاسِدِ اتِّفَاقِيًّا إنَّمَا يَصِحُّ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْكَوَاذِبِ ارْتِبَاطٌ عَقْلِيٌّ يَصِيرُ بِهِ بَعْضُهَا وَسِيلَةً إلَى الْبَعْضِ أَوْ يَخُصُّ بِفَسَادِ الصُّورَةِ أَوْ بِوَضْعِ مَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ مَكَانَهُ وَأُرِيدَ بِالنَّظَرِ فِيهِ مَا يَتَنَاوَلُ النَّظَرَ فِيهِ نَفْسُهُ، وَفِي صِفَاتِهِ، وَأَحْوَالِهِ فَيَشْمَلُ الْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي هِيَ بِحَيْثُ إذَا رُتِّبَتْ أَدَّتْ إلَى الْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ وَالْمُفْرَدِ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنَّهُ إذَا نُظِرَ فِي أَحْوَالِهِ أَوْصَلَ إلَيْهِ كَالْعَالَمِ وَحَيْثُ أُرِيدَ بِالْإِمْكَانِ الْمَعْنَى الْعَامَّ الْمُجَامِعَ لِلْفِعْلِ وَالْوُجُوبَ انْدَرَجَ فِي الْحَدِّ الْمُقَدِّمَاتُ الْمُتَرَتِّبَةُ وَحْدَهَا. وَأَمَّا إذَا أُخِذَتْ مَعَ التَّرْتِيبِ فَيَسْتَحِيلُ النَّظَرُ فِيهَا إذْ لَا مَعْنَى لِلنَّظَرِ وَحَرَكَةِ النَّفْسِ فِي الْأُمُورِ الْحَاضِرَةِ الْمُرَتَّبَةِ، وَقَوْلُهُ إلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ الْمُحْتَمِلُ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ احْتِرَازٌ مِمَّا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِهِ إلَى مَطْلُوبٍ تَصَوُّرِيٍّ، وَهُوَ الْقَوْلُ الشَّارِحُ حَدًّا وَرَسْمًا تَامَّيْنِ وَنَاقِصَيْنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ اصْطِلَاحًا ثُمَّ حَيْثُ أَطْلَقَ التَّوَصُّلَ إلَى الْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ شَمَلَ مَا كَانَ بِطَرِيقِ الْعِلْمِ، وَمَا كَانَ بِطَرِيقِ الظَّنِّ وَانْطَبَقَ التَّعْرِيفُ عَلَى الْقَطْعِيِّ وَالظَّنِّيِّ كَالْعَالَمِ الْمُوصِلِ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِي أَحْوَالِهِ إلَى الْعِلْمِ بِوُجُودِ الصَّانِعِ وَالْغَيْمِ الرَّطْبِ الْمُوصِلِ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِي حَالِهِ إلَى ظَنِّ وُقُوعِ الْمَطَرِ، وَقَدْ يَخُصُّ الدَّلِيلَ بِالْقَطْعِيِّ فَيُقَالُ إلَى الْعِلْمِ بِمَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ وَيُسَمَّى الظَّنُّ حِينَئِذٍ أَمَارَةُ هَذَا، وَقَدْ تَعَقَّبَ شَارِحُ الْعَقَائِدِ هَذَا التَّعْرِيفَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِصِدْقِهِ عَلَى نَفْسِ الْمَدْلُولِ؛ وَلِأَنَّ اسْتِعْمَالَ " يُمْكِنُ " مُفْسِدٌ إذْ الْمُرَادُ بِالْإِمْكَانِ إمَّا عَامٌّ فَيَكُونُ مَفْهُومُ التَّعْرِيفِ حِينَئِذٍ الدَّلِيلَ هُوَ الَّذِي بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ سَلْبُ التَّوَصُّلَ إلَى الْعِلْمِ بِمَطْلُوبٍ لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ أَوْ خَاصٍّ فَيَكُونُ مَفْهُومُهُ سَلْبَ التَّوَصُّلِ عَنْهُ وَإِثْبَاتَهُ لَهُ لَيْسَا بِضَرُورِيِّينَ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ شَيْءٍ دَلِيلًا عَلَى أَيِّ شَيْءٍ شِئْت لِصِدْقِ هَذَا الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ لَكِنْ خَفِيَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمَنْسُوبِينَ إلَى التَّحْقِيقِ ثُمَّ قَالَ وَنَحْنُ نَقُولُ بِعَوْنِ اللَّهِ وَإِلْهَامِهِ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِي حَدِّ الدَّلِيلِ هُنَا هُوَ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ النَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيهِ التَّصْدِيقُ اهـ. وَالْعَبْدُ الضَّعِيفُ - غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ - يَقُولُ التَّعَقُّبُ لِلتَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ بِصِدْقِهِ عَلَى الْمَدْلُولِ وَارِدٌ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَصْدُقُ عَلَى الْمَدْلُولِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ النَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيهِ التَّصْدِيقُ فَمَا هُوَ جَوَابُهُ عَنْ هَذَا فَهُوَ جَوَابُهُمْ ثُمَّ الْحَقُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَّجَهٍ عَلَيْهِمْ وَلَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ وَالْمَدْلُولَ مِنْ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ وَالتَّعْرِيفِ لَهَا إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ هِيَ كَذَلِكَ، وَإِذَنْ لَا نُسَلِّمُ صِدْقَ التَّعْرِيفِ لِلدَّلِيلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْمَدْلُولِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَدْلُولٌ نَعَمْ الْوَجْهُ ذِكْرُ اللُّزُومِ لَا الْإِمْكَانِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِمْكَانَ الْخَاصَّ أَوْ الْعَامَّ، وَإِنْ أَمْكَنَ التَّمَحُّلُ لِتَوْجِيهِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَاَلَّتِي عُدُولًا عَمَّا هُوَ كَالْفَصْلِ الْقَرِيبِ إلَى مَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَرَضِ الْعَامِّ، وَأَمَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الْإِمْكَانِ بِالْمَعْنَى الْخَاصِّ أَنْ يَكُونَ كُلُّ شَيْءٍ دَلِيلًا عَلَى مَا أَرَادَ النَّاظِرُ فَغَيْرُ لَازِمٍ قَطْعًا بَلْ هُوَ إسْرَافٌ ظَاهِرٌ وَغُلُوٌّ مَرْدُودٌ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

(فَهُوَ) أَيْ الدَّلِيلُ اصْطِلَاحًا شَرْعِيًّا (مُفْرَدٌ) بِالْمَعْنَى الَّذِي يُقَابِلُ الْجُمْلَةَ (قَدْ يَكُونُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فِي الْمَطْلُوبِ كَالْعَالَمِ) فِي الْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ الَّذِي هُوَ قَوْلُنَا الْعَالَمُ حَادِثٌ حَتَّى أَنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِالنَّظَرِ فِي أَحْوَالِهِ إلَى هَذَا الْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ بِقَوْلِنَا الْعَالَمُ مُتَغَيِّرٌ، وَكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حَادِثٌ (أَوْ الْوَسَطُ وَلَوْ مَعْنَى فِي السَّمْعِيَّاتِ) أَيْ، وَقَدْ يَكُونُ الْحَدُّ الْأَوْسَطُ فِي إثْبَاتِ الْمَطَالِبِ الْخَبَرِيَّةِ السَّمْعِيَّةِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ وَلَوْ كَانَ كَوْنُهُ الْحَدَّ الْأَوْسَطَ فِيهِ دَلِيلًا إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَقَطْ. (وَمِنْهُ) أَيْ الدَّلِيلُ الْمُفْرَدُ (نَحْوَ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ) فَإِنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِالنَّظَرِ فِيهِ إلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ هُوَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ بِأَنْ يُقَالَ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ أَمْرٌ بِإِقَامَتِهَا وَالْأَمْرُ بِإِقَامَتِهَا يُفِيدُ وُجُوبَهَا فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ يُفِيدُ وُجُوبَهَا، وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِنْ آتَوْا الزَّكَاةَ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا كَمَا

ص: 51

يُشِيرُ إلَيْهِ لَفْظُ نَحْوَ مِمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ كَوْنُ الدَّلِيلِ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ مُفْرَدًا مَحْكُومًا عَلَيْهِ فِي الْمَطْلُوبِ وَبِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى مُفْرَدًا حَدًّا وَسَطًا بَيْنَ طَرَفَيْ الْمَطْلُوبِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ إلَّا مُفْرَدًا لَفْظًا وَمَعْنًى أَوْ لَفْظًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ لَيْسَ بِمُفْرَدٍ مَعْنًى فَهُوَ مُفْرَدٌ لَفْظًا، وَإِنْ كَانَ جُمْلَةً فِي الصُّورَةِ؛ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ إذَا أُرِيدَ بِهَا اللَّفْظُ كَانَتْ مُفْرَدًا كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْعَرَبِيَّةِ.

وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِإِقَامَتِهَا عِبَارَةٌ عَنْ مَعْنَى أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ بِإِقَامَتِهَا لَيْسَ بِجُمْلَةٍ، وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ الْأَبْهَرِيِّ الدَّلِيلُ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ مَا يُجْعَلُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ فِي صُغْرَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْأَصْغَرُ (ذِكْرُ كُلٍّ) مِنْ هَذَيْنِ أَنَّهُ دَلِيلٌ فِي الِاصْطِلَاحِ، وَقَدَّمْنَا أَيْضًا عَنْ الْمُحَقِّقِ الشَّرِيفِ أَنَّ الدَّلِيلَ اصْطِلَاحًا يَشْمَلُ الْمُفْرَدَ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنَّهُ إذَا نُظِرَ فِي أَحْوَالِهِ أَوْصَلَ إلَى الْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ وَالْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي بِحَيْثُ إذَا رُتِّبَتْ أَدَّتْ إلَى الْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ وَالْمُقَدِّمَاتِ الْمُرَتَّبَةِ وَحْدَهَا (إلَّا أَنَّ مَنْ أَفْرَدَ) أَيْ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الدَّلِيلَ مُفْرَدٌ (وَأَدْخَلَ الِاسْتِدْلَالَ فِي مُسَمَّى الدَّلِيلِ) كَالْآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ فَإِنَّهُمَا ذَكَرَا مِنْ أَقْسَامِ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ الِاسْتِدْلَالَ زِيَادَةً عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ فَهُوَ (ذَاهِلٌ) ؛ لِأَنَّ التَّرْكِيبَ لَازِمٌ فِي التَّلَازُمِ، وَهُوَ مِنْ أَقْسَامِ الِاسْتِدْلَالِ فَإِنَّ حَاصِلَهُ عَلَى مَا سَتَعْلَمُ تَرْكِيبٌ اقْتِرَانِيٌّ أَوْ اسْتِثْنَائِيٌّ، وَأَيًّا مَا كَانَ فَهُوَ مُرَكَّبٌ فَبَعْضُ الدَّلِيلِ حِينَئِذٍ مُرَكَّبٌ، وَقَدْ كَانَ كُلُّهُ مُفْرَدًا.

(وَعِنْدَ الْمَنْطِقِيِّينَ) الدَّلِيلُ (مَجْمُوعُ الْمَادَّةِ وَالنَّظَرِ فَهُوَ الْأَقْوَالُ الْمُسْتَلْزِمَةُ) قَوْلًا آخَرَ وَحَذَفَهُ لِلِاعْتِمَادِ عَلَى شُهْرَتِهِ وَالْمُرَادُ بِالْأَقْوَالِ مَا فَوْقَ قَوْلٍ وَاحِدٍ وَبِالْقَوْلِ الْمُرَكَّبِ التَّامُّ الْمُحْتَمِلُ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ الْمَعْقُولُ إنْ كَانَ الدَّلِيلُ مَعْقُولًا وَالْمَلْفُوظُ إنْ كَانَ الدَّلِيلُ مَلْفُوظًا؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ عِنْدَهُمْ كَالْقَوْلِ، وَالْقَضِيَّةُ تُطْلَقُ عَلَى الْمَعْقُولِ وَالْمَسْمُوعِ اشْتِرَاكًا أَوْ حَقِيقَةً وَمَجَازًا، وَبِالِاسْتِلْزَامِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَيْنًا أَوْ غَيْرَ بَيْنٍ ذَاتِيًّا أَوْ غَيْرَهُ وَبِالْقَوْلِ الْآخَرِ الْمَعْقُولُ؛ لِأَنَّ الْمَسْمُوعَ أَعْنِي التَّلَفُّظَ بِالنَّتِيجَةِ غَيْرُ لَازِمٍ لَا لِلْمَعْقُولِ وَلَا لِلْمَسْمُوعِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُغَايِرُ كُلًّا مِنْ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ تَكُونَ كُلُّ قَضِيَّتَيْنِ وَلَوْ مُتَبَايِنَتَيْنِ دَلِيلًا لِاسْتِلْزَامِ مَجْمُوعِهِمَا كُلًّا مِنْهُمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَتَخْرُجُ الْقَضِيَّةُ الْوَاحِدَةُ الْمُسْتَلْزِمَةُ لِذَاتِهَا عَكْسَهَا الْمُسْتَوِي، وَعَكْسَ نَقِيضِهَا وَالْقَوْلَانِ فَصَاعِدًا مِنْ الْمُرَكَّبَاتِ التَّقْيِيدِيَّةِ أَوْ مِنْهَا وَمِنْ التَّامَّةِ، وَقَوْلَانِ مِنْ التَّامَّةِ إذَا لَمْ يَشْتَرِكَا فِي حَدٍّ أَوْسَطَ وَيَدْخُلُ الْقِيَاسُ الْكَامِلُ وَغَيْرُهُ وَالْبَسِيطُ وَالْمُرَكَّبُ وَالْقَطْعِيُّ وَالظَّنِّيُّ الَّذِي هُوَ الْإِمَارَةُ (وَلَا تَخْرُجُ الْأَمَارَةُ وَلَوْ يُزَادُ لِنَفْسِهَا) بَعْدَ الْمُسْتَلْزِمَةِ قَالَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي أَنَّ الْأَمَارَةَ وَإِنْ لَمْ تَسْتَلْزِمْ ثُبُوتَ الْمَدْلُولِ لَا تَخْرُجُ بِقَيْدِ الِاسْتِلْزَامِ إذْ لَا شَكَّ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُقَدِّمَتَانِ. فَوُجُودُ الْقَاضِي فِي الْمَنْزِلِ مَثَلًا، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ قِيَامِ بَغْلَتِهِ مَشْدُودَةً عَلَى بَابِهِ لَكِنْ يَلْزَمُ ظَنُّهُ مِنْ ذَلِكَ فَإِذَا قُلْت إنْ كَانَتْ بَغْلَةُ الْقَاضِي عَلَى بَابِهِ فَهُوَ فِي الْمَنْزِلِ لَكِنَّهَا عَلَى بَابِهِ يَلْزَمُ قَطْعًا فَهُوَ فِي الْمَنْزِلِ لَكِنْ عَلَى سَبِيلِ الظَّنِّ؛ لِأَنَّ الشَّرْطِيَّةَ الَّتِي هِيَ الدَّلِيلُ ظَنٌّ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَلْزَمُ الظَّنُّ قَطْعًا بِالظَّنِّ بِالْمَطْلُوبِ.

ثُمَّ مَنْ زَادَ لِنَفْسِهَا لَمْ يَزِدْهُ لِإِخْرَاجِهَا (بَلْ لِيُخْرِجَ قِيَاسَ الْمُسَاوَاةِ) ، وَهُوَ مَا يَتَرَكَّبُ مِنْ قَضِيَّتَيْنِ مُتَعَلَّقٌ مَحْمُولٌ أَوَّلَاهُمَا مَوْضُوعُ الْأُخْرَى كَ (ا) مُسَاوٍ لِ (ج) وَ (ج) مُسَاوٍ لِ (ب) فَإِنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ (ا) مُسَاوٍ لِ (بِ) لَكِنْ لَا لِذَاتِهِ بَلْ كَمَا قَالَ (لِأَنَّهُ لِلْأَجْنَبِيَّةِ) أَيْ؛ لِأَنَّ الِاسْتِلْزَامَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا هُوَ بِوَاسِطَةِ مُقَدِّمَةٍ أَجَنِيبَةٍ، وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مُسَاوٍ لَلْمُسَاوِي لِلشَّيْءِ مُسَاوٍ لِذَلِكَ الشَّيْءِ؛ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ الِاسْتِلْزَامُ حَيْثُ تَصْدُقُ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ كَمَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَا يَتَحَقَّقُ حَيْثُ لَا تَصْدُقُ كَمَا فِي (ا) مُبَايِنٌ لِ (ب) وَ (ب) مُبَايِنٌ لِ (ج) فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ (ا) مُبَايِنٌ لِ (ج) ؛ لِأَنَّ مُبَايِنَ الْمُبَايِنِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُبَايِنًا (وَلَا حَاجَةَ) إلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ لِإِخْرَاجِ هَذَا الْقِيَاسِ مِنْ الدَّلِيلِ (لِأَعَمِّيَّتِهِ) أَيْ الْمُسْتَلْزِمِ مَا كَانَ بِنَفْسِهِ، وَمَا كَانَ بِوَاسِطَةِ مُقَدِّمَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ (فَيَدْخُلُ) قِيَاسُ الْمُسَاوَاةِ فِي الدَّلِيلِ قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله فَتَكُونُ الْمُقَدِّمَةُ الْأَجْنَبِيَّةُ جُزْءَ الدَّلِيلِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ جُزْءَ قِيَاسٍ

ص: 52

وَيُجْعَلُ الدَّلِيلُ أَعَمَّ مِنْ الْقِيَاسِ وَكَشَفَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا شَكَّ فِي مَلْزُومِيَّةِ الْعِلْمِ الثَّالِثِ عِنْدَ ثُبُوتِ الْمُقَدِّمَاتِ الثَّلَاثِ الْمُقَدِّمَتَانِ اللَّتَانِ هُمَا صُورَةُ الشَّكْلِ وَالْأَجْنَبِيَّةُ فَحِينَئِذٍ الدَّلِيلُ تَارَةً يَقُومُ بِمُقَدِّمَتَيْنِ وَتَارَةً بِثَلَاثٍ وَتَارَةً بِأَكْثَرَ كَمَا فِي الْأَقْيِسَةِ الْمُرَكَّبَةِ.

ثُمَّ وَقَعَ فِي عِبَارَةِ كَثِيرٍ مَتَى سَلِمَتْ لَزِمَ عَنْهَا قَوْلٌ آخَرُ فَتَعَقَّبَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَلَا) حَاجَةَ (لِقَيْدِ التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ قَيْدَ التَّسْلِيمِ (لِدَفْعِ الْمَنْعِ) عَنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ الَّتِي هِيَ الْقِيَاسُ (لَا) ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ (لِلِاسْتِلْزَامِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ اسْتِلْزَامَ الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ لَازِمٌ (لِلصُّورَةِ) أَلْبَتَّةَ ثُمَّ إذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا (فَتَسْتَلْزِمُ) الصُّورَةُ الْقَوْلَ الْآخَرَ (دَائِمًا عَلَى نَحْوِهَا) مِنْ قَطْعٍ أَوْ ظَنٍّ فَإِنْ كَانَتْ الْأَقْوَالُ قَطْعِيَّةَ الثُّبُوتِ اسْتَلْزَمَتْ قَطْعِيًّا، وَإِنْ كَانَتْ ظَنِّيَّةً اسْتَلْزَمَتْ ظَنِّيًّا، وَإِنْ كَانَتْ صَادِقَةً أَنْتَجَتْ صَادِقًا، وَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً أُنْتِجَتْ كَاذِبًا، وَمِنْ ثَمَّةَ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْقَيْدَ الْمُتَقَدِّمُونَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مُعْتَرِفِينَ بِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الِاسْتِلْزَامِ فَإِنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ تَحَقُّقَ اللُّزُومِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَحَقُّقِ الْمَلْزُومِ وَلَا اللَّازِمِ، أَوْ لَا يَرَى أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ الْعَالَمُ قَدِيمٌ وَكُلُّ قَدِيمٍ مُسْتَغْنٍ عَنْ الْمُؤَثِّرِ يَسْتَلْزِمُ الْعَالَمَ مُسْتَغْنٍ عَنْ الْمُؤَثِّرِ إذْ لَوْ تَحَقَّقَ الْأَوَّلُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ تَحَقَّقَ الثَّانِي قَطْعًا، وَهُوَ مَعْنَى الِاسْتِلْزَامِ وَلَا تَحَقُّقَ لِشَيْءٍ مِنْهُمَا، وَأَنَّ التَّصْرِيحَ بِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْقِيَاسَ مِنْ حَيْثُ هُوَ قِيَاسٌ لَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُقَدِّمَاتُهُ صَادِقَةً مُسَلَّمَةً فَلَا يُتَوَهَّمُ مِنْ عَدَمِ ذِكْرِهِ خُرُوجُ الْقِيَاسِ الَّذِي مُقَدِّمَاتُهُ كَاذِبَةٌ وَلَا أَنَّ تِلْكَ الْقَضَايَا مُتَحَقِّقَةٌ فِي الْوَاقِعِ، وَأَنَّ اللَّازِمَ مُتَحَقِّقٌ فِيهِ أَيْضًا (وَلَزِمَ) مِنْ الْعِلْمِ بِحَقِيقَةِ النَّظَرِ (سَبْقُ الشُّعُورِ بِالْمَطْلُوبِ) التَّصْدِيقِيِّ النَّظَرِيِّ لِلنَّاظِرِ قَبْلَ النَّظَرِ الْمُسْتَلْزِمِ لِحُصُولِهِ ضَرُورَةَ اسْتِحَالَةِ طَلَبِ الْمَجْهُولِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَذَلِكَ (كَطَرَفَيْ الْقَضِيَّةِ وَكَيْفِيَّتَيْ الْحُكْمِ) أَيْ كَتَصَوُّرِ طَرَفَيْ الْمَطْلُوبِ اللَّذَيْنِ هُمَا الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَالْمَحْكُومُ بِهِ وَالنِّسْبَةُ الَّتِي بَيْنَهُمَا الصَّالِحَةُ مَوْرِدًا لِلْحُكْمِ وَصِفَتِهِ مِنْ الْإِيجَابِ وَالسَّلْبِ تَصَوُّرًا سَاذَجًا. (وَالتَّرَدُّدُ فِي ثُبُوتِ أَحَدِهِمَا) أَيْ وَتَرَدُّدُ النَّاظِرِ إنَّمَا هُوَ كَائِنٌ فِي ثُبُوتِ الْمَحْكُومِ بِهِ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ (عَلَى أَيِّ كَيْفِيَّتَيْهِ) مِنْ الْإِيقَاعِ وَالِانْتِزَاعِ بِعَيْنِهَا فَهُوَ سَاعٍ فِي تَحْصِيلِ ذَلِكَ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ التَّصْدِيقِيَّ مَعْلُومٌ بِاعْتِبَارِ التَّصَوُّرِ الَّذِي بِهِ يَتَمَيَّزُ عَمَّا عَدَاهُ مَجْهُولٌ بِاعْتِبَارِ التَّصْدِيقِ الَّذِي هُوَ الْمَطْلُوبُ بِحَسَبِهِ فَلَمْ يَلْزَمْ طَلَبُ مَا لَا شُعُورَ بِهِ أَصْلًا وَلَا طَلَبُ مَا هُوَ حَاصِلُ وَلَا عَدَمُ مَعْرِفَةِ أَنَّهُ الْمَطْلُوبُ إذَا حَصَلَ وَلَمَّا أَوْرَدَ عَلَى التَّصَوُّرِ مِثْلَ هَذَا كَمَا هُوَ أَحَدُ وَجْهَيْ اخْتِيَارِ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيّ امْتِنَاعُ اكْتِسَابِ التَّطَوُّرَاتِ، وَهُوَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ التَّصَوُّرَيَّ يَمْتَنِعُ طَلَبُهُ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مَشْعُورٌ بِهِ مُطْلَقًا فَهُوَ حَاصِلٌ وَتَحْصِيلُ الْحَاصِلِ مُحَالٌ أَوْ لَيْسَ بِمَشْعُورٍ بِهِ مُطْلَقًا فَطَلَبُهُ مُحَالٌ أَيْضًا لِاسْتِحَالَةِ طَلَبِ مَا هُوَ كَذَلِكَ بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِ الْعَلَّامَةِ قُطْبِ الدِّينِ شَارِحِ الْمَطَالِعِ أَنَّ هَذَا لَا يُرَادُ إنَّمَا وَقَعَ أَوَّلًا عَلَى الْمَطَالِبِ التَّصَوُّرِيَّةِ، وَأَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَوْرَدَهُ مَاتِنُ مُخَاطِبًا بِهِ سُقْرَاطَ، وَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ التَّقْسِيمَ غَيْرُ حَاصِرٍ بَلْ هُنَا قِسْمٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ وَجْهٍ مَجْهُولٌ مِنْ وَجْهٍ فَيَطْلُبُ مِنْ الْوَجْهِ الْمَعْلُومِ الْوَجْهَ الْمَجْهُولَ أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ اسْتِطْرَادًا فَقَالَ (وَالْمَحْدُودُ مَعْلُومٌ) لِلطَّالِبِ (مِنْ حَيْثُ هُوَ مُسَمًّى) لِلَفْظٍ مُعَيَّنٍ عِنْدَهُ مَجْهُولٍ لَهُ مِنْ حَيْثُ الذَّاتُ وَالْحَقِيقَةُ (فَيَطْلُبُ) مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ الَّتِي هُوَ بِهَا مَعْلُومٌ حَقِيقَتَهُ الْمَجْهُولَةِ، وَهِيَ (أَنَّهُ أَيْ مَادَّةٌ مُرَكَّبَةٌ) مِنْ الْمَوَادِّ الْمُرَكَّبَةِ لِيَتَصَوَّرَ أَجْزَاءَهُ مُتَمَيِّزَةً عَنْ غَيْرِهَا وَيُرَتِّبُهَا عَلَى مَا يَنْبَغِي فَيَتَّضِحُ الْمَحْدُودُ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يُمَيِّزُ أَجْزَاءَ الْمَحْدُودِ أَوْ الْمَحْدُودُ مَعْلُومٌ لِلطَّالِبِ بِسَبَبِ الْعِلْمِ بِبَعْضِ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ أَوْ الْعَرَضِيَّةِ مَجْهُولٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ الذَّاتُ وَالْحَقِيقَةُ فَيَطْلُبُ مَا هُوَ مَجْهُولٌ لَهُ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ مَعْلُومٌ لَهُ لِيَصِيرَ الْمَجْهُولُ لَهُ مَعْلُومًا أَيْضًا فَالْوَجْهُ الْمَجْهُولُ، وَهُوَ الذَّاتُ هُوَ الْمَطْلُوبُ وَالْوَجْهُ الْمَعْلُومُ، وَهُوَ بَعْضُ الصِّفَاتِ أَوْ الِاعْتِبَارَاتِ، وَلَوْ مُجَرَّدَ كَوْنِهِ مُسَمَّى لَفْظٍ مُعَيَّنٍ لَيْسَ بِمَطْلُوبٍ فَلَمْ يَلْزَمْ طَلَبُ الْمَجْهُولِ مُطْلَقًا وَلَا تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ.

وَإِنَّمَا قَالَ أَيُّ مَادَّةٍ مُرَكَّبَةٍ؛ لِأَنَّ الْبَسِيطَ لَا يُكْتَسَبُ بِالْحَدِّ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ كَمَا عَرَفْت يُمَيِّزُ أَجْزَاءَ الْمَحْدُودِ؛ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى مَعْنَاهُ لَا تَعَدُّدَ فِيهَا

ص: 53

وَالْبَسِيطُ لَا أَجْزَاءَ لَهُ فَيَنْتَفِي تَمَيُّزُهَا.

فَإِنْ قِيلَ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكْتَسِبَ حَقِيقَةَ الْبَسِيطِ الْمَجْهُولَةِ التَّصَوُّرِيَّةِ بِالنَّظَرِ بِأَنْ يَكُونَ هُنَاكَ حَرَكَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ الْمَطْلُوبِ إلَى الْمَبْدَأِ الَّذِي هُوَ مَعْنًى بَسِيطٌ يَسْتَلْزِمُ الِانْتِقَالَ إلَى الْمَطْلُوبِ فَقَدْ أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِالْمَنْعِ قَائِلًا (وَتَجْوِيزُ الِانْتِقَالِ إلَى بَسِيطٍ يَلْزَمُهُ الْمَطْلُوبُ لَيْسَ بِهِ) أَيْ بِالنَّظَرِ الْمُعْتَبَرِ فِي الْعُلُومِ (وَلَوْ كَانَ) الِانْتِقَالُ الْمَذْكُورُ (بِالْقَصْدِ إذْ لَيْسَ النَّظَرُ) بِالْمَعْنَى الْمُعْتَبَرِ فِي الْعُلُومِ (الْحَرَكَةَ الْأُولَى) يَعْنِي الْحَرَكَةَ مِنْ الْمَطَالِبِ إلَى الْمَبَادِئِ، وَإِنْ كَانَ النَّظَرُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهَا أَيْضًا بَلْ النَّظَرُ الْمُعْتَبَرُ فِي الْعُلُومِ حَرَكَةُ النَّفْسِ مِنْ الْمَطَالِبِ إلَى الْمَبَادِئِ، وَالرُّجُوعُ عَنْهَا إلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ غَايَتُهُ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ تَعْرِيفٌ لِلنَّظَرِ الْخَاصِّ بِالتَّصْدِيقِ، وَهَذَا يَعُمُّ النَّظَرَ فِيهِ، وَفِي التَّصَوُّرِ فَهُوَ مَجْمُوعُ الْحَرَكَتَيْنِ ثُمَّ كَانَ الْأَوْلَى تَرْكَ تَعْلِيلِ نَفْيِ كَوْنِ النَّظَرِ الْحَرَكَةَ الْأُولَى بِقَوْلِهِ (إذْ لَا تَسْتَلْزِمُ) الْحَرَكَةُ الْأُولَى الْحَرَكَةَ (الثَّانِيَةَ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ) يَعْنِي فَإِنَّهَا تَسْتَلْزِمُ الْأُولَى (وَلِذَا) أَيْ وَلِكَوْنِ الثَّانِيَةِ تَسْتَلْزِمُ الْأُولَى فَيُسْتَغْنَى بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهَا عَنْ ذِكْرِ الْأُولَى مَعَهَا (وَقَعَ التَّعْرِيفُ بِهَا) أَيْ بِالثَّانِيَةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْأُولَى مَعَهَا بِنَاءً عَلَى اسْتِلْزَامِهَا إيَّاهَا (كَتَرْتِيبِ أُمُورٍ إلَخْ) أَيْ مَعْلُومَةٍ عَلَى وَجْهٍ يُؤَدِّي إلَى اسْتِعْلَامِ مَا لَيْسَ بِمَعْلُومٍ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الطَّوَالِعِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْحَرَكَتَيْنِ يَسْتَلْزِمُ الْأُخْرَى حَتَّى قَالَ الْمُحَقِّقُ سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ: وَكَثِيرًا مَا يُقْتَصَرُ فِي تَفْسِيرِ النَّظَرِ عَلَى بَعْضِ أَجْزَائِهِ أَوْ لَوَازِمِهِ اكْتِفَاءً بِمَا يُفِيدُ امْتِيَازُهُ أَوْ اصْطِلَاحًا عَلَى ذَلِكَ فَيُقَالُ هُوَ حَرَكَةُ الذِّهْنِ إلَى مَبَادِئِ الْمَطْلُوبِ أَوْ حَرَكَتُهُ عَنْ الْمَبَادِئِ إلَى الْمَطَالِبِ أَوْ تَرْتِيبِ الْمَعْلُومَاتِ لِلتَّأَدِّي إلَى مَجْهُولٍ اهـ.

ثُمَّ اسْتِلْزَامُ كُلٍّ مِنْ الْحَرَكَتَيْنِ لِلْأُخْرَى لَيْسَ دَائِمًا بَلْ أَكْثَرِيٌّ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي اسْتِلْزَامِ الثَّانِيَةِ لِلْأُولَى وَيَظْهَرُ أَنَّهُ أَيْضًا كَذَلِكَ فِي اسْتِلْزَامِ الْأُولَى لِلثَّانِيَةِ ثُمَّ التَّرْتِيبُ لَيْسَ هُوَ الْحَرَكَةُ الثَّانِيَةُ، وَإِنَّمَا هُوَ لَازِمُهَا كَمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْفِكْرَ الْمُرَادِفَ لِلنَّظَرِ بِهَذَا الْمَعْنَى هُوَ التَّرْتِيبُ الْحَاصِلُ مِنْ الْحَرَكَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَمَّا الِانْتِقَالَانِ فَخَارِجَانِ عَنْهُ إلَّا أَنَّ الثَّانِيَ لَازِمٌ لَهُ قَطْعًا، وَالْأَوَّلَ لَازِمٌ أَكْثَرِيٌّ فَلِمَ لَا يَكُونُ هَذَا التَّعْرِيفُ بِنَاءً عَلَيْهِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ ثُمَّ حَيْثُ كَانَ الْمُدَّعِي أَنَّ النَّظَرَ مَجْمُوعُ الْحَرَكَتَيْنِ فَأَيُّ أَثَرٍ لِتَعْلِيلِ نَفْيِ كَوْنِ النَّظَرِ هُوَ الْحَرَكَةَ الْأُولَى فَقَطْ بِكَوْنِهَا غَيْرَ مُسْتَلْزِمَةٍ لِلثَّانِيَةِ سِوَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي تَعْرِيفِهِ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِهِمْ. وَمَعْلُومٌ أَنَّا لَسْنَا الْآنَ بِهَذَا الصَّدَدِ فَظَهَرَ أَنَّ الْوَجْهَ حَذْفُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنْ الْبَيْنِ.

(وَقَدْ ظَهَرَ) مِنْ تَعْرِيفِ النَّظَرِ وَالدَّلِيلِ (أَنَّ فَسَادَ النَّظَرِ) بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا (بِعَدَمِ الْمُنَاسَبَةِ) أَيْ بِعَدَمِ دَلَالَةِ مَا يَقَعُ فِيهِ النَّظَرُ عَلَى الْمَطْلُوبِ (وَهُوَ) أَيْ عَدَمُ الْمُنَاسَبَةِ لِلْمَطْلُوبِ (فَسَادُ الْمَادَّةِ) كَمَا إذَا جَعَلْت مَادَّةَ الْقِيَاسِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ إنْتَاجُ أَنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ الْعَالَمُ بَسِيطٌ، وَكُلُّ بَسِيطٍ قَدِيمٌ فَإِنَّ هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ كَاذِبَتَانِ مَعَ أَنَّ الْبَسَاطَةَ لَا يُنْتَقَلُ مِنْهَا إلَى الْقَدَمِ ثَانِيهمَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَعَدَمُ ذَلِكَ الْوَجْهِ) أَيْ وَبِعَدَمِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْمَطْلُوبِ، وَهُوَ فَسَادُ الصُّورَةِ كَأَنْ لَا يَقَعُ الْقِيَاسُ جَامِعًا لِشَرَائِطِ الْإِنْتَاجِ فَظَهَرَ قُصُورُ مَا فِي الْبَدِيعِ مِنْ قَوْلِهِ، وَمَا عَرَفْت جِهَةَ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ فَصَحِيحٌ، وَإِلَّا فَفَاسِدٌ؛ لِأَنَّ مَا يَعْرِفُ جِهَةَ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ قَدْ لَا يَكُونُ صَحِيحًا لِفَقْدِ صُورَتِهِ (وَهُوَ) أَيْ ذَلِكَ الْوَجْهُ الْمُسْتَلْزِمُ (جَعْلَ الْمَادَّةِ عَلَى حَدٍّ مُعَيَّنٍ فِي انْتِسَابِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ، وَذَلِكَ) الْحَدُّ الْمُعَيَّنُ (طُرُقٌ) أَرْبَعَةٌ (الْأَوَّلُ مُلَازَمَةٌ بَيْنَ مَفْهُومَيْنِ ثُمَّ نَفْيُ اللَّازِمِ لِيَنْتَفِيَ الْمَلْزُومُ أَوْ إثْبَاتُ الْمَلْزُومِ لِيَثْبُتَ اللَّازِمُ) أَيْ الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ الْقِيَاسُ الِاسْتِثْنَائِيُّ الْمُتَّصِلُ، وَهُوَ مُقَدِّمَتَانِ أَوَّلَاهُمَا شَرْطِيَّةٌ مُتَّصِلَةٌ مُوجَبَةٌ لُزُومِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ أَوْ جُزْئِيَّةٌ إذَا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ كُلِّيًّا أَوْ شَخْصِيَّةٌ حَالُهَا وَحَالُ الِاسْتِثْنَاءِ مُتَّحِدٌ تُفِيدُ تَلَازُمًا بَيْنَ مَفْهُومَيْ جُزْأَيْهَا اللَّذَيْنِ يُسَمَّى أَحَدُهُمَا الْمَلْزُومُ وَالشَّرْطُ وَالْمُقَدَّمُ، وَهُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ اللَّازِمُ وَالْجَزَاءُ وَالتَّالِي، وَهُوَ الثَّانِي وَأُخْرَاهُمَا اسْتِثْنَائِيَّةٌ تُفِيدُ نَفْيَ اللَّازِمِ لِيَنْتَفِيَ الْمَلْزُومَ؛ لِأَنَّ عَدَمَ اللَّازِمِ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْمَلْزُومِ أَوْ

ص: 54

إثْبَاتَ الْمَلْزُومِ لِيَثْبُتَ اللَّازِمُ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْمَلْزُومِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ اللَّازِمِ وَالْمُرَادُ بِالْكُلِّيَّةِ أَنْ تَكُونَ النِّسْبَةُ الْإِيجَابِيَّةُ الِاتِّصَالِيَّةُ بَيْنَ الْمُقَدَّمِ وَالتَّالِي شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ الْأَوْضَاعِ الْمُمْكِنَةِ الِاجْتِمَاعِ مَعَ الْمُقَدَّمِ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ الدَّوَامِ مَعَهَا كَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ ابْنُ الْحَاجِبِ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ وَالتَّصْرِيحِ بِاللَّازِمِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُ الشَّرِيفُ وَلَا إلَى كُلِّيَّةِ الْمُقَدَّمِ أَوْ التَّالِي بَلْ تَتَحَقَّقُ مَعَ شَخْصِيَّتِهِمَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ قَالُوا: وَسُوَرُ الْمُوجَبَةِ الْكُلِّيَّةِ الشَّرْطِيَّةِ الْمُتَّصِلَةِ كُلَّمَا وَمَهْمَا، وَمَتَى وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَثْنَى فِيهِ عَيْنُ الْمُقَدَّمِ مَا يَكُونُ بِأَنَّ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَثْنَى فِيهِ نَقِيضُ الْمُقَدَّمِ مَا يَكُونُ بِلَوْ قَالُوا وَلَا يُنْتِجُ اسْتِثْنَاءُ نَقِيضِ الْمُقَدَّمِ نَقِيضَ التَّالِي وَلَا اسْتِثْنَاءُ عَيْنِ التَّالِي عَيْنَ الْمُقَدَّمِ.

وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ هَذَا يَتَنَاوَلُ مَا اللَّازِمُ فِيهِ مُسَاوٍ لِلْمَلْزُومِ وَغَيْرِهِ كَمَا هُمْ مُصَرِّحُونَ بِهِ لَكِنْ تَعْلِيلُهُمْ الْمَنْعَ بِقَوْلِهِمْ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ التَّالِي أَعَمَّ مِنْ الْمُقَدَّمِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْمَلْزُومِ عَدَمُ اللَّازِمِ وَلَا مِنْ وُجُودِ اللَّازِمِ وُجُودُ الْمَلْزُومِ لَا يَقْتَضِي نَفْيَ الْإِنْتَاجِ الْمَذْكُورِ فِيمَا إذَا كَانَ بَيْنَ اللَّازِمِ وَالْمَلْزُومِ مُسَاوَاةٌ لِعَدَمِ جَرَيَانِ التَّجْوِيزِ الْمَذْكُورِ فِيهِ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ (أَوْ نَفْيُ الْمَلْزُومِ لِنَفْيِ اللَّازِمِ فِي الْمُسَاوَاةِ أَوْ ثُبُوتِ اللَّازِمِ لِثُبُوتِ الْمَلْزُومِ فِيهِ) أَيْ التَّسَاوِي (أَيْضًا) ، وَقَوْلُهُمْ إنَّ لُزُومَ هَذَا الْخُصُوصِ الْمَادَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمُسَاوَاةِ لَا لِنَفْسِ صُورَةِ الدَّلِيلِ، وَهُوَ بِالْحَقِيقَةِ بِمُلَاحَظَةِ لُزُومِ الْمُقَدَّمِ لِلتَّالِي، وَهُوَ مُتَّصِلٌ آخَرُ لَيْسَ بِضَائِرٍ فِي الْمَطْلُوبِ كَمَا تَقَدَّمَ نَحْوُهُ فِي دُخُولِ قِيَاسِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْقِيَاسِ ثُمَّ لَا بَأْسَ بِإِيضَاحِهِ بِالْأَمْثِلَةِ.

(كَانَ) كَانَ هَذَا الْفِعْلُ وَاجِبًا (أَوْ كُلَّمَا) كَانَ هَذَا الْفِعْلُ وَاجِبًا (أَوْ لَوْ كَانَ) هَذَا الْفِعْلُ (وَاجِبًا فَتَارِكُهُ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ) عَلَى تَرْكِهِ فَهَذِهِ مُقَدِّمَةٌ شَرْطِيَّةٌ مُتَّصِلَةٌ مُوجَبَةٌ لُزُومِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ عَلَى تَقْدِيرِ تَصْدِيرِهَا بِكُلَّمَا وَشَخْصِيَّةً حَالُهَا وَحَالُ الِاسْتِثْنَاءِ مُتَّحِدٌ عَلَى تَقْدِيرِ تَصْدِيرِهَا بِأَنَّ وَلَوْ بِفَرْضِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فِي حَالِ كَذَا فِي كُلٍّ مِنْهَا، وَمِنْ الِاسْتِثْنَاءِ ثُمَّ إنْ كَانَتْ الْمُقَدِّمَةُ الِاسْتِثْنَائِيَّة نَفْيَ اللَّازِمِ أَعْنِي (لَكِنْ لَا يَسْتَحِقُّ) تَارِكُ هَذَا الْفِعْلِ الْعِقَابَ عَلَى تَرْكِهِ أَنْتَجَ نَفْيَ الْمَلْزُومِ أَعْنِي (فَلَيْسَ) هَذَا الْفِعْلُ وَاجِبًا، وَإِنْ كَانَتْ إثْبَاتُ الْمَلْزُومِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (أَوْ وَاجِبٌ) أَيْ لَكِنَّ هَذَا الْفِعْلَ وَاجِبٌ أَنْتَجَ إثْبَاتَ اللَّازِمِ أَعْنِي (فَيَسْتَحِقُّ) تَارِكُهُ الْعِقَابَ عَلَى تَرْكِهِ، وَإِنْ كَانَتْ نَفْيَ الْمَلْزُومِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (أَوْ لَيْسَ) أَيْ لَكِنْ لَيْسَ هَذَا الْفِعْلُ (وَاجِبًا) أَنْتَجَ نَفْيَ اللَّازِمِ أَعْنِي (فَلَا يَسْتَحِقُّ) تَارِكُهُ الْعِقَابَ عَلَى تَرْكِهِ، وَإِنْ كَانَتْ إثْبَاتَ اللَّازِمِ أَعْنِي لَكِنْ يَسْتَحِقُّ (تَارِكُهُ) الْعِقَابَ عَلَى تَرْكِهِ أَنْتَجَ إثْبَاتَ الْمَلْزُومِ أَعْنِي فَهَذَا الْفِعْلُ وَاجِبٌ، وَهَذَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ بَيْنَ تَرْكِ الْوَاجِبِ وَاسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ عَلَيْهِ تَلَازُمًا عَلَى سَبِيلِ الْمُسَاوَاةِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْمِثَالَ الْأَخِيرَ لِإِرْشَادِ مَا قَبْلَهُ إلَيْهِ.

(الطَّرِيقُ الثَّانِي) الْقِيَاسُ الِاسْتِثْنَائِيُّ الْمُنْفَصِلُ، وَهُوَ مُقَدِّمَتَانِ أَوَّلَاهُمَا مُوجَبَةٌ كُلِّيَّةٌ أَوْ جُزْئِيَّةٌ أَوْ شَخْصِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ مُنْفَصِلَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِتَحَقُّقِ الِانْفِصَالِ بَيْنَ جُزْأَيْهَا فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ لِتَرَكُّبِهَا مِنْ الشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ أَوْ مُسَاوِي نَقِيضِهِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ صِدْقًا وَلَا يَرْتَفِعَانِ كَذِبًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (عِنَادَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ مَفْهُومِينَ (فِي الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ) وَأُخْرَاهُمَا اسْتِثْنَائِيَّةٌ لَعَيْنِ أَحَدِهِمَا فَيُنْتِجُ نَقِيضَ الْآخَرِ أَوْ لِنَقِيضِ أَحَدِهِمَا فَيُنْتِجُ عَيْنَ الْآخَرِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَفِي وُجُودِ أَحَدِهِمَا عَدَمُ الْآخَرِ، وَفِي عَدَمِهِ وُجُودُهُ) فَيَكُونُ حِينَئِذٍ لَهُ أَرْبَعُ نَتَائِجَ اثْنَتَانِ بِاعْتِبَارِ اسْتِثْنَاءِ الْعَيْنِ وَاثْنَتَانِ بِاعْتِبَارِ اسْتِثْنَاءِ النَّقِيضِ كَمَا تَرَى فِي قَوْلِنَا دَائِمًا الْعَدَدُ إمَّا زَوْجٌ أَوْ فَرْدٌ لَكِنَّهُ زَوْجٌ فَهُوَ لَيْسَ بِفَرْدٍ لَكِنَّهُ فَرْدٌ فَهُوَ لَيْسَ بِزَوْجٍ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ فَهُوَ فَرْدٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِفَرْدٍ فَهُوَ زَوْجٌ (أَوْ فِي الْوُجُودِ فَقَطْ) أَيْ أَوْ مُقَدِّمَتَانِ أَوَّلَاهُمَا مُوجَبَةٌ كُلِّيَّةٌ أَوْ جُزْئِيَّةٌ أَوْ شَخْصِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ مَانِعَةٌ الْجَمْعَ؛ لِأَنَّهَا يَمْتَنِعُ الْجَمْعُ بَيْنَ جُزْأَيْهَا فِي الصِّدْقِ لِعِنَادٍ بَيْنَهُمَا فِيهِ لِتَرَكُّبِهَا مِنْ الشَّيْءِ وَالْأَخَصُّ مِنْ نَقِيضِهِ وَأُخْرَاهُمَا اسْتِثْنَائِيَّةٌ لَعَيْنِ أَحَدِهِمَا فَيُنْتِجُ نَقِيضُ الْآخَرِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَمَعَ وُجُودِ كُلِّ) مِنْ الْجُزْأَيْنِ (عَدَمُ الْآخَرِ) ضَرُورَةَ التَّنَافِي بَيْنَهُمَا فِي الصِّدْقِ (وَعَدَمُهُ عَقِيمٌ) أَيْ وَاسْتِثْنَاءُ نَقِيضِ كُلٍّ مِنْهُمَا غَيْرُ مُنْتِجٍ لِوُجُودِ الْآخَرِ لِجَوَازِ ارْتِفَاعِ عَيْنَيْهِمَا مِثَالُ الْأَوَّلِ (الْوِتْرُ إمَّا وَاجِبٌ أَوْ

ص: 55

مَنْدُوبٌ لَكِنَّهُ وَاجِبٌ لِلْأَمْرِ الْمُجَرَّدِ) عَنْ الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ عَنْ الْوُجُوبِ (بِهِ) أَيْ بِالْوِتْرِ (فَلَيْسَ مَنْدُوبًا) وَلَوْ قِيلَ لَكِنَّهُ مَنْدُوبٌ أَنْتَجَ فَلَيْسَ وَاجِبًا.

وَفِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمِثَالِ الْأَوَّلِ مَعَ قَوْلِهِ لِلْأَمْرِ الْمُجَرَّدِ بِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي وَضْعُ الْمَنْدُوبِ الْمُقْتَضِي لِرَفْعِ الْوُجُوبِ لِعَدَمِ مُطَابَقَتِهِ الْوَاقِعَ أَمَّا لَوْ قِيلَ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لَمْ يُنْتِجْ فَهُوَ مَنْدُوبٌ أَوْ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَنْدُوبٍ لَمْ يُنْتِجْ فَهُوَ وَاجِبٌ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَكُونَ وَاجِبًا وَلَا مَنْدُوبًا؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَعَمُّ مِنْ الْمَنْدُوبِ، وَمَا لَيْسَ بِمَنْدُوبٍ أَعَمُّ مِنْ الْوَاجِبِ (أَوْ فِي الْعَدَمِ) فَقَطْ أَيْ أَوْ مُقَدِّمَتَانِ أَوَّلَاهُمَا مُوجَبَةٌ كُلِّيَّةٌ أَوْ جُزْئِيَّةٌ أَوْ شَخْصِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ مَانِعَةُ الْخُلُوِّ؛ لِأَنَّهَا يُمْتَنَعُ الْخُلُوُّ مِنْ كُلٍّ مِنْ جُزْأَيْهَا فِي النَّفْيِ لِمُعَانَدَةٍ بَيْنَهُمَا فِيهِ لِتَرَكُّبِهَا مِنْ الشَّيْءِ وَالْأَعَمِّ مِنْ نَقِيضِهِ وَأُخْرَاهُمَا اسْتِثْنَائِيَّةٌ لِنَقِيضِ أَحَدِهِمَا فَتُنْتِجُ عَيْنَ الْآخَرِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَقَلْبُ الْمِثَالِ وَحُكْمُهُ) فَقَلْبُ الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ الْوِتْرُ إمَّا لَا وَاجِبٌ أَوْ لَا مَنْدُوبٌ، وَقَلْبُ حُكْمِهِ أَنَّ عَدَمَ كُلٍّ يُنْتِجُ وُجُودُ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَرْتَفِعَانِ وَوُجُودُهُ لَا يُنْتِجُ عَدَمَهُ؛ لِأَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فَإِذَا قُلْت لَكِنَّهُ لَا وَاجِبٌ أَوْ لَا مَنْدُوبٌ لَمْ يُفِدْ بَلْ إذَا قُلْت لَكِنَّهُ وَاجِبٌ أَنْتَجَ لَا مَنْدُوبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ أَنْتَجَ لَا وَاجِبٌ كَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ حَسَنٌ.

وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي حُكْمِهِ رَاجِعٌ إلَى مَا قَبْلَهُ لَا إلَى الْمِثَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْلِبْ حُكْمَهُ أَيْضًا فَالْمُرَادُ فَقَلْبُ مِثَالِ مَا قَبْلَهُ، وَقَلْبُ حُكْمِ مَا قَبْلَهُ فَتَنَبَّهْ لَهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكُلِّيَّةِ فِي هَذَا النَّوْعِ أَنْ تَكُونَ النِّسْبَةُ الْعِنَادِيَّةُ بَيْنَ الْمُقَدَّمِ وَالتَّالِي عَلَى التَّقَادِيرِ الْمَذْكُورَةِ شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ الْأَوْضَاعِ الْمُمْكِنَةِ الِاجْتِمَاعِ مَعَ الْمُقَدَّمِ كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ قَالُوا وَسُوَرُ الْمُوجَبَةِ الْكُلِّيَّةِ الشَّرْطِيَّةِ الْمُنْفَصِلَةِ لَفَظَّةٌ دَائِمًا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

(الطَّرِيقُ الثَّالِثُ) الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ، وَهُوَ (انْتِسَابُ الْمُنَاسِبِ، وَهُوَ) أَيْ الْمُنَاسِبُ (الْوَسَطُ لِكُلٍّ مِنْ طَرَفَيْ الْمَطْلُوبِ بِالْوَضْعِ وَالْحَمْلِ) أَيْ بِأَنْ يَكُونَ الْوَسَطُ مَوْضُوعًا لِكُلٍّ مِنْ طَرَفَيْ الْمَطْلُوبِ أَوْ مَحْمُولًا لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ مَوْضُوعًا لِأَحَدِهِمَا مَحْمُولًا لِلْآخَرِ عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ مِنْ الْوُجُوهِ الْآتِي بَيَانُهَا؛ لِأَنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ لَمَّا كَانَتْ مَجْهُولَةً لِكَوْنِهَا مُكْتَسَبَةً بِالْقِيَاسِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَمْرٍ ثَالِثٍ مُنَاسِبٍ لَهُمَا يُتَوَسَّطُ بَيْنَهُمَا وَيَكُونُ لَهُ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا نِسْبَةٌ لِيُعْلَمَ بِسَبَبِهِ النِّسْبَةُ بَيْنَهُمَا، وَإِلَّا لَمْ يُفِدْ الْقِيَاسُ الْمَطْلُوبَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ (فَيَلْزَمُ) فِي تَحَقُّقِ هَذَا الطَّرِيقِ (جُمْلَتَانِ خَبَرِيَّتَانِ) أَيْ قَوْلَانِ مُحْتَمِلَانِ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ مِنْ حَيْثُ هُمَا (وَهُمَا الْمُقَدِّمَتَانِ) اللَّتَانِ هُمَا جُزْءَا الْقِيَاسِ، وَهُمَا يَكُونَانِ فِي الْحَقِيقَةِ مُرَكَّبَتَيْنِ (مِنْ) حُدُودٍ (ثَلَاثَةٍ) طَرَفَيْ الْمَطْلُوبِ وَالْحَدِّ الْوَسَطِ يَنْفَرِدُ كُلٌّ مِنْ الْمُقَدِّمَتَيْنِ بِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ وَيَشْتَرِكَانِ فِي الْحَدِّ الْوَسَطِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرُ الْحَدُّ الْوَسَطُ اثْنَيْنِ مَعَ أَنَّهُ فِي الصُّورَةِ كَذَلِكَ (لِتَكْرَارِ الْوَسَطِ) فَلَمْ يَكُنْ اثْنَيْنِ فِي الْمَعْنَى، وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعْنَى (وَيُسَمَّى الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فِي الْمَطْلُوبِ أَصْغَرُ) ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَغْلَبِ أَخَصُّ وَالْأَخَصُّ أَقَلُّ أَفْرَادًا فَيَكُونُ أَصْغَرَ (وَبِهِ فِيهِ) أَيْ وَيُسَمَّى الْمَحْكُومُ بِهِ فِي الْمَطْلُوبِ حَدًّا (أَكْبَرَ) ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَغْلَبِ أَعَمُّ، وَالْأَعَمُّ أَكْثَرُ أَفْرَادًا وَالْمُشْتَرَكُ الْمُكَرَّرُ بَيْنَ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ حَدًّا أَوْسَطَ لِتَوَسُّطِهِ بَيْنَ طَرَفَيْ الْمَطْلُوبِ (وَبِاعْتِبَارِهِمَا) أَيْ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ تُسَمَّى (الْمُقَدِّمَتَانِ) صُغْرَى، وَهِيَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَى الْأَصْغَرِ وَكُبْرَى، وَهِيَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَى الْأَكْبَرِ (وَيَتَصَوَّرُ) عَلَى صِيغَة الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ الِانْتِسَابُ الْمَذْكُورُ (بِأَرْبَعِ صُوَرٍ؛ لِأَنَّ الْمُتَكَرِّرَ مَحْمُولٌ فِي الصُّغْرَى مَوْضُوعٌ فِي الْكُبْرَى أَوْ عَكْسُهُ) أَيْ مَوْضُوعٌ فِي الصُّغْرَى مَحْمُولٌ فِي الْكُبْرَى (أَوْ مَوْضُوعٌ فِيهِمَا) أَيْ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى (أَوْ مَحْمُولٌ) فِيهِمَا فَهَذِهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ.

(وَكُلُّ صُورَةٍ تُسَمَّى شَكْلًا) فَإِذَنْ الْأَشْكَالُ أَرْبَعَةٌ إلَّا أَنَّ الصُّورَةَ الْأُولَى تُسَمَّى الشَّكْلُ الْأَوَّلُ، وَالثَّانِيَةُ الشَّكْلُ الرَّابِعُ، وَالثَّالِثَةُ الشَّكْلُ الثَّالِثُ، وَالرَّابِعَةُ الشَّكْلُ الثَّانِي (وَقَطْعِيَّةُ اللَّازِمِ) عَنْ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَالنَّتِيجَةُ أَيْضًا (بِقَطْعِيَّتِهِمَا) أَيْ قَطْعِيَّةِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى؛ لِأَنَّ لَازِمَ الْقَطْعِيِّ قَطْعِيٌّ (وَهُوَ) أَيْ الْقِيَاسُ الْكَائِنُ بِهَذَا الْوَصْفِ مِنْ الْقَطْعِيَّةِ هُوَ (الْبُرْهَانُ) ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ الْحُجَّةُ الْقَطْعِيَّةُ بِهِ لِوُضُوحِ دَلَالَتِهَا عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَخْذًا مِنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ، وَهُوَ الشُّعَاعُ الَّذِي يَلِي وَجْهَ الشَّمْسِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ

ص: 56

«إنَّ رُوحَ الْمُؤْمِنِ تَخْرُجُ مِنْ جَسَدِهِ لَهَا بُرْهَانٌ كَبُرْهَانِ الشَّمْسِ» (وَظَنِّيَّتُهُ) أَيْ اللَّازِمُ (بِظَنِّيَّةِ إحْدَاهُمَا) أَيْ الْمُقَدِّمَتَيْنِ الْمُشَارُ إلَيْهِمَا فَضْلًا عَنْ ظَنِّيَّتِهِمَا؛ لِأَنَّ لَازِمَ الظَّنِّيِّ ظَنِّيٌّ (وَهُوَ) أَيْ الْقِيَاسُ الْكَائِنُ بِهَذَا الْوَصْفِ مِنْ الظَّنِّيَّةِ هُوَ (الْإِمَارَةُ) نَعَمْ اللُّزُومُ، وَهُوَ الْإِنْتَاجُ قَطْعِيٌّ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ اللَّازِمُ قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا ثُمَّ تَسْمِيَةُ الْمُرَتَّبِ عَلَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ لَازِمًا ظَاهِرٌ، وَمَطْلُوبًا؛ لِأَنَّهُ يُوضَعُ أَوَّلًا ثُمَّ يُرَتَّبُ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْهِ وَيَسْتَلْزِمُهُ، وَنَتِيجَةً؛ لِأَنَّهُ يَتَوَلَّدُ مِنْ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى الْعِلْمَ بِهِ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْحَقُّ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَنَقُولُ (الشَّكْلُ الْأَوَّلُ بِحَمْلِهِ فِي الصُّغْرَى وَوَضْعِهِ فِي الْكُبْرَى) أَيْ مَا يَكُونُ الْوَسَطُ فِيهِ مَحْمُولًا فِي صُغْرَاهُ مَوْضُوعًا فِي كُبْرَاهُ.

(شَرْطُ اسْتِلْزَامِهِ) أَيْ هَذَا الشَّكْلِ لِلْمَطْلُوبِ بِحَسَبِ كَيْفِيَّةِ مُقَدِّمَاتِهِ وَكَمِيَّتِهَا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا بِحَسَبِ الْكَيْفِيَّةِ، وَهُوَ (إيجَابُ صُغْرَاهُ) لِيَنْدَرِجَ الْأَصْغَرُ تَحْتَ الْأَوْسَطِ فَيَحْصُلَ الْإِنْتَاجُ وَلَمْ يَزِدْ الْجُمْهُورُ عَلَى هَذَا وَزَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَوْ كَوْنُهَا فِي حُكْمِ الْإِيجَابِ أَيْ مَا يَسْتَلْزِمُ إيجَابًا بِأَنْ تَكُونَ مُوجَبَةً مُحَصِّلَةً الْمَحْمُولَ أَوْ مَعْدُولَتَهُ أَوْ سَالِبَتَهُ، وَأَنْ تَكُونَ الْكُبْرَى عَلَى وَفْقِهَا فِي جَانِبِ الْمَوْضُوعِ لِيَتَحَقَّقَ التَّلَاقِي، وَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ جَوَازَ وُقُوعِ الصُّغْرَى سَالِبَةً مَحْضَةً بِشَرْطِ مُسَاوَاةِ طَرَفَيْ الْكُبْرَى وَكَوْنُهَا حِينَئِذٍ مُوجَبَةً كُلِّيَّةً كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (إلَّا فِي مُسَاوَاةِ طَرَفَيْ الْكُبْرَى) ؛ لِأَنَّ الشَّكْلَ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ يَحْصُلُ فِيهِ أَيْضًا اتِّحَادُ الْوَسَطِ الْمُقْتَضِي لِلْإِنْتَاجِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِلْمُتَأَمِّلِ ثَانِيهِمَا بِحَسَبِ الْكَمِّيَّةِ، وَهُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَكُلِّيَّةُ الْكُبْرَى) لِيَعْلَمَ انْدِرَاجَ الْأَصْغَرِ تَحْتَ الْأَوْسَطِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ جُزْئِيَّةً إذْ يَجُوزُ كَوْنُ الْأَوْسَطِ حِينَئِذٍ أَعَمَّ مِنْ الْأَصْغَرِ وَكَوْنُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فِي الْكُبْرَى بَعْضًا مِنْ الْأَوْسَطِ غَيْرَ الْأَصْغَرِ فَلَا يَنْدَرِجُ فَلَا يُنْتِجُ كَمَا فِي نَحْوِ الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ، وَبَعْضُ الْحَيَوَانِ فَرَسٌ (فَيَحْصُلُ) بِاشْتِرَاطِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ لِاسْتِلْزَامِ هَذَا الشَّكْلِ لِلْمَطْلُوبِ مِنْ الضُّرُوبِ الْمُمْكِنَةِ الِانْعِقَادِ فِيهِ (ضُرُوبٌ) أَرْبَعَةٌ مُنْتِجَةٌ وَبِمَا زَادَهُ الْمُصَنِّفُ زِيَادَةُ خَامِسٍ عَلَيْهَا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ (كُلِّيَّتَانِ مُوجَبَتَانِ) فَيُنْتِجُ كُلِّيَّةً مُوجَبَةً. مِثَالُهُ (كُلُّ جِصٍّ مَكِيلٌ وَكُلُّ مَكِيلٍ رِبَوِيٌّ فَكُلُّ جِصٍّ رِبَوِيٌّ) .

الضَّرْبُ الثَّانِي مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَبِكَيْفِيَّتَيْهِ) أَيْ مَا يَكُونُ بِصِفَتَيْ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ، وَهُمَا الْإِيجَابُ فِي الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى (وَالصُّغْرَى جُزْئِيَّةٌ) وَالْكُبْرَى بَاقِيَةٌ عَلَى كَمِّيَّتِهَا مِنْ الْكُلِّيَّةِ فَيُنْتِجُ جُزْئِيَّةً مُوجَبَةً. مِثَالُهُ (بَعْضُ الْوُضُوءِ مَنْوِيٌّ وَكُلّ مَنْوِيٍّ عِبَادَةٌ فَبَعْضُ الْوُضُوءِ عِبَادَةٌ) الضَّرْبُ الثَّالِثُ مَا أَفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُهُ (وَكُلِّيَّتَانِ الْأُولَى مُوجَبَةٌ) وَالثَّانِيَةُ سَالِبَةٌ فَيُنْتِجُ كُلِّيَّةً سَالِبَةً مِثَالُهُ (كُلُّ وُضُوءٍ مَقْصُودٌ لِغَيْرِهِ وَلَا مَقْصُودَ لِغَيْرِهِ يُشْتَرَطُ فِيهِ نِيَّةٌ فَلَا وُضُوءَ يُشْتَرَطُ فِيهِ نِيَّةٌ) الضَّرْبُ الرَّابِعُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ:(وَقَلْبُهُ فِي التَّسَاوِي فَقَطْ) أَيْ قَلْبُ الثَّالِثِ، وَهُوَ مَا يَكُونُ مِنْ كُلِّيَّتَيْنِ صُغْرَى سَالِبَةٍ وَكُبْرَى مُوجَبَةٍ مُتَسَاوِيَةِ الطَّرَفَيْنِ فَيُنْتِجُ كُلِّيَّةً سَالِبَةً مِثَالُهُ (لَا شَيْءَ مِنْ الْإِنْسَانِ بِصَهَّالٍ وَكُلُّ صَهَّالٍ فَرَسٌ) فَلَا شَيْءَ مِنْ الْإِنْسَانِ بِفَرَسٍ (وَلَوْ قُلْت) بَدَلَ صَهَّالٍ (حَيَوَانٌ لَمْ يَصِحَّ) لِكَوْنِ الْمَحْمُولِ أَعَمَّ مِنْ الْمَوْضُوعِ فِي الْكُبْرَى فَلَا يَحْصُلُ الِانْدِرَاجُ تَحْتَ الْأَوْسَطِ.

الضَّرْبُ الْخَامِسُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَبِكَيْفِيَّتَيْ مَا قَبْلَهُ وَالْأُولَى جُزْئِيَّةٌ) أَيْ مَا يَكُونُ بِصِفَتَيْ مَا قَبْلَ الرَّابِعِ، وَهُوَ الثَّالِثُ مِنْ إيجَابِ الصُّغْرَى وَسَلْبِ الْكُبْرَى إلَّا أَنَّ الصُّغْرَى فِي هَذَا جُزْئِيَّةٌ بِخِلَافِهَا فِي الثَّالِثِ فَإِنَّهَا فِيهِ كُلِّيَّةٌ. وَحَاصِلُهُ مَا كَانَ مُرَكَّبًا مِنْ جُزْئِيَّةٍ مُوجَبَةٍ صُغْرَى وَكُلِّيَّةٍ سَالِبَةٍ كُبْرَى فَيُنْتِجُ سَالِبَةً جُزْئِيَّةً. مِثَالُهُ: بَعْضُ الْمَكِيلِ رِبَوِيٌّ وَلَا شَيْءَ مِنْ الرِّبَوِيِّ بِجَائِزِ التَّفَاضُلِ فَلَيْسَ بَعْضُ الْمَكِيلِ بِجَائِزِ التَّفَاضُلِ وَكَأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ.

هَذَا وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ يَلْزَمُ مِنْ قَوَدِ مَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ زِيَادَةِ ضَرْبٍ خَامِسٍ مُرَكَّبٍ مِنْ كُلِّيَّتَيْنِ صُغْرَى سَالِبَةٍ وَكُبْرَى مُوجَبَةٍ مُتَسَاوِيَةِ الطَّرَفَيْنِ زِيَادَةُ ضَرْبٍ سَادِسٍ مُرَكَّبٍ مِنْ جُزْئِيَّةٍ سَالِبَةٍ صُغْرَى وَكُلِّيَّةٍ مُوجَبَةٍ كُبْرَى مُتَسَاوِيَةِ الطَّرَفَيْنِ فَيُنْتِجُ جُزْئِيَّةً سَالِبَةً كَقَوْلِنَا لَيْسَ بَعْضُ الْإِنْسَانِ بِفَرَسٍ وَكُلُّ فَرَسٍ صَهَّالٌ فَلَيْسَ بَعْضُ الْإِنْسَانِ بِصَهَّالٍ لِاتِّحَادِ الْوَسَطِ

ص: 57

الْمُقْتَضِي لِلْإِنْتَاجِ أَيْضًا كَمَا فِي الْخَامِسِ الْمَذْكُورِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَرْتِيبِ هَذِهِ الضُّرُوبِ فِي الْأَوَّلِيَّةِ ثُمَّ مَا بَعْدَهَا بِنَاءً عَلَى تَرْتِيبِهَا الذِّكْرِيِّ هَكَذَا لِلْمُصَنِّفِ، وَإِلَّا فَاَلَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ الْمَنْطِقِيُّونَ أَنَّ الضَّرْبَ الثَّانِيَ مَا كَانَ مِنْ كُلِّيَّتَيْنِ مُوجَبَةٍ صُغْرَى وَسَالِبَةٍ كُبْرَى فَيُنْتِجُ كُلِّيَّةً سَالِبَةً، وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ مَا كَانَ مِنْ مُوجَبَتَيْنِ جُزْئِيَّةٍ صُغْرَى وَكُلِّيَّةٍ كُبْرَى فَيُنْتِجُ مُوجَبَةً جُزْئِيَّةً. وَالضَّرْبُ الرَّابِعُ مَا كَانَ مِنْ جُزْئِيَّةٍ مُوجَبَةٍ وَكُلِّيَّةٍ سَالِبَةٍ فَيُنْتِجُ جُزْئِيَّةً سَالِبَةً، وَادَّعَوْا أَنَّهَا إنَّمَا رُتِّبَتْ هَذَا التَّرْتِيبَ؛ لِأَنَّ هُنَا كَيْفِيَّتَيْنِ إيجَابًا وَسَلْبًا وَالْإِيجَابُ أَشْرَفُ؛ لِأَنَّهُ وُجُودٌ وَالسَّلْبُ عَدَمٌ، وَالْوُجُودُ أَشْرَفُ وَكَمِّيَّتَيْنِ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ وَالْكُلِّيَّةُ أَشْرَفُ؛ لِأَنَّهَا أَضْبَطُ، وَأَنْفَعُ فِي الْعُلُومِ، وَأَخَصُّ مِنْ الْجُزْئِيَّةِ وَالْأَخَصُّ أَشْرَفُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى أَمْرٍ زَائِدٍ فَإِذَنْ الْمُوجَبَةُ الْكُلِّيَّةُ أَشْرَفُ الْمَحْصُورَاتِ وَالسَّالِبَةُ الْجُزْئِيَّةُ أَخَسُّهَا وَالسَّالِبَةُ الْكُلِّيَّةُ أَشْرَفُ مِنْ الْمُوجَبَةِ الْجُزْئِيَّةِ؛ لِأَنَّ شَرَفَ السَّلْبِ الْكُلِّيِّ بِاعْتِبَارِ الْكُلِّيَّةِ وَشَرَفَ الْإِيجَابِ الْجُزْئِيِّ بِحَسَبِ الْإِيجَابِ، وَشَرَفُهُ مِنْ جِهَةٍ وَشَرَفُ الْكُلِّيِّ مِنْ جِهَاتٍ ثُمَّ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْأَقْيِسَةِ نَتَائِجَهَا رُتِّبَتْ الضُّرُوبُ بِاعْتِبَارِ تَرْتِيبِ نَتَائِجِهَا شَرَفًا الْأَشْرَفَ فَالْأَشْرَفَ. وَهَذَا التَّعْلِيلُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْرَى عَنْ بَحْثٍ لِمَنْ تَحَقَّقَ فَقَدْ صَارَ مِنْ الْمُسَلَّمَاتِ عِنْدَهُمْ وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْمُنَصِّفِ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَوَّلِيَّةٍ، وَلَا بِمَا بَعْدَهَا مِنْ الْمَرَاتِبِ بَلْ إنَّمَا ذَكَرَهَا بِحَرْفِ الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ ثُمَّ لَيْسَ لِمِثْلِ هَذَا الِاخْتِلَافِ ثَمَرَةٌ تَظْهَرُ فِي الْحُكْمِ فَتَأَمَّلْ.

(وَإِنْتَاجُ) ضُرُوبِ (هَذَا) الشَّكْلِ الْمُنْتِجَةِ (ضَرُورِيٌّ) بُيِّنَ بِنَفْسِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى بُرْهَانٍ ثُمَّ كَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ انْتِهَاءِ الْمَوَادِّ إلَى ضَرُورِيٍّ يَحْصُلُ التَّصْدِيقُ بِهِ بِلَا كَسْبٍ، كَذَا لَا بُدَّ مِنْ انْتِهَاءِ الصُّوَرِ إلَى ضَرُورِيٍّ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وَهُوَ هَذَا الشَّكْلُ (وَبَاقِيهَا) أَيْ، وَإِنْتَاجُ بَاقِي هَذِهِ الْأَشْكَالِ الْأَرْبَعَةِ (نَظَرِيٌّ) غَيْرُ بَيِّنٍ بِنَفْسِهِ فَيَحْتَاجُ إلَى بُرْهَانٍ عَلَيْهِ (فَيُرَدُّ إلَى الضَّرُورِيِّ) عِنْدَ قَصْدِ الْوُقُوفِ عَلَى نَتَائِجِهِ سَرِيعًا بِالْعَكْسِ أَوْ الْخَلَفِ كَمَا سَيَأْتِي تَفَاصِيلُهُ بَلْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ: إنَّ الشَّكْلَ الْأَوَّلَ هُوَ الْمُنْتِجُ مِنْهَا فِي الْحَقِيقَةِ وَلِذَا كَانَ غَيْرُهُ مَوْقُوفًا فِي إنْتَاجِهِ عَلَى الرُّجُوعِ إلَيْهِ، وَعَلَى اشْتِمَالِهِ عَلَى هَيْئَتِهِ، وَإِنَّمَا يَعْلَمُ بِرُجُوعِهِ إلَيْهِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَحَقِيقَةُ الْبُرْهَانِ وَجِهَةُ الدَّلَالَةِ مُنْحَصِرَتَانِ فِي الشَّكْلِ الْأَوَّلِ فَلَا إنْتَاجَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إلَّا لَهُ وَالْعَقْلُ لَا يَحْكُمُ بِالْإِنْتَاجِ إلَّا بِمُلَاحَظَتِهِ سَوَاءٌ صَرَّحَ بِهِ أَوْ لَا فَلَا جَرَمَ أَنْ كَانَ مِعْيَارَ الْعُلُومِ. وَمِنْ خَوَاصِّهِ أَيْضًا أَنَّهُ يُنْتِجُ الْمَطَالِبَ الْأَرْبَعَةَ كَمَا رَأَيْت دُونَ مَا سِوَاهُ فَإِنَّهُ لَا يُنْتِجُ إيجَابًا كُلِّيًّا كَمَا سَتَرَى ثُمَّ لَعَلَّ وَضْعَ الظَّاهِرِ أَعْنِي الضَّرُورِيَّ فِي قَوْلِهِ إلَى الضَّرُورِيِّ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِمَزِيدِ الِاعْتِنَاءِ بِالْإِعْلَامِ بِثُبُوتِ هَذَا الْوَصْفِ لَهُ لِيَتَمَكَّنَ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ.

(الشَّكْلُ الثَّانِي بِحَمْلِهِ فِيهِمَا) أَيْ مَا يَكُونُ الْوَسَطُ فِيهِ مَحْمُولًا فِي الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى (شَرْطُهُ) أَيْ اسْتَلْزَمَ هَذَا الشَّكْلُ لِلْمَطْلُوبِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا بِحَسَبِ الْكَيْفِ، وَهُوَ (اخْتِلَافُهُمَا) أَيْ مُقَدِّمَتَيْهِ (كَيْفًا) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْإِيجَابِ وَالسَّلْبِ بِأَنْ تَكُونَ إحْدَاهُمَا مُوجَبَةً وَالْأُخْرَى سَالِبَةً وَثَانِيهِمَا بِحَسَبِ الْكَمِّ، وَهُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَكُلِّيَّةُ كُبْرَاهُ) سَالِبَةٌ إنْ كَانَتْ صُغْرَاهُ مُوجَبَةً، وَمُوجَبَةٌ إنْ كَانَتْ صُغْرَاهُ سَالِبَةً (فَلَا يُنْتِجُ) هَذَا الشَّكْلُ حِينَئِذٍ (إلَّا سَلْبًا) كُلِّيًّا أَوْ جُزْئِيًّا كَمَا سَتَرَى وَذَلِكَ لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَالنَّتِيجَةُ تَتَضَمَّنُ أَبَدًا مَا فِيهِمَا) أَيْ الْمُقَدِّمَتَيْنِ (مِنْ خِسَّةِ سَلْبٍ وَجُزْئِيَّةٍ) ، وَهَذَا أَتَمُّ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّهَا تَتْبَعُ أَخَسَّ الْمُقَدِّمَتَيْنِ ثُمَّ لَمِيَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ مَبْذُولَةٌ فِي الْكُتُبِ الْمَنْطِقِيَّةِ فَحِينَئِذٍ (ضُرُوبُهُ) الْمُنْتِجَةُ مِنْ الضُّرُوبِ الْمُمْكِنَةِ الِانْعِقَادِ فِيهِ أَرْبَعَةٌ لَا غَيْرُ. الضَّرْبُ الْأَوَّلُ (كُلِّيَّتَانِ الْأُولَى مُوجَبَةٌ) وَالثَّانِيَةُ سَالِبَةٌ فَيُنْتِجُ سَالِبَةً كُلِّيَّةً مِثَالُهُ (السَّلَمُ رُخْصَةٌ لِلْمَفَالِيسِ وَلَا حَالَ بِرُخْصَةِ) لِلْمَفَالِيسِ أَمَّا أَنَّ الْأُولَى كُلِّيَّةٌ فَلِأَنَّ أَدَاةَ التَّعْرِيفِ فِيهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَأَمَّا أَنَّ الثَّانِيَةَ كُلِّيَّةٌ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ وَلَا سِيَّمَا فِي سِيَاقِ لَا الَّتِي لِنَفْيِ الْجِنْسِ كَمَا فِيمَا هُنَا (فَلَا سَلَمَ حَالَ رَدِّهِ) أَيْ هَذَا الضَّرْبِ إلَى الضَّرْبِ الثَّالِثِ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ (بِعَكْسِ الثَّانِيَةِ) عَكْسًا

ص: 58

مُسْتَوِيًا، وَهُوَ وَلَا رُخْصَةَ لِلْمَفَالِيسِ بِحَالٍ ثُمَّ تُضَمُّ إلَى الْأُولَى فَيُنْتِجُ الْمَطْلُوبَ الْمَذْكُورَ، وَإِنَّمَا انْعَكَسَتْ عَكْسًا مُسْتَوِيًا هَكَذَا لَمَّا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَالسَّالِبَةُ تَنْعَكِسُ كَكَمِّيَّتِهَا بِالِاسْتِقَامَةِ) إذَا كَانَتْ مِمَّا تَنْعَكِسُ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْكُتُبِ الْمَنْطِقِيَّةِ، وَهَذِهِ السَّالِبَةُ الْكُلِّيَّةُ فِي هَذَا الْمِثَالِ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ تَنْعَكِسَ ثُمَّ قَالَ اسْتِطْرَادًا (وَالْمُوجَبَةُ الْكُلِّيَّةُ) تَنْعَكِسُ عَكْسًا مُسْتَوِيًا مُوجَبَةً (جُزْئِيَّةً إلَّا فِي مُسَاوَاةِ طَرَفَيْهَا) فَإِنَّهَا تَنْعَكِسُ كُلِّيَّةً فَكُلُّ إنْسَانٍ حَيَوَانٌ يَنْعَكِسُ إلَى: بَعْضُ الْحَيَوَانِ إنْسَانٌ وَكُلُّ إنْسَانٍ نَاطِقٌ يَنْعَكِسُ إلَى: كُلُّ نَاطِقٍ إنْسَانٌ وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ زَوَائِدِ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّ الْمَنْطِقِيِّينَ عَلَى أَنَّ الْمُوجَبَةَ الْكُلِّيَّةَ تَنْعَكِسُ مُطْلَقًا جُزْئِيَّةً وَلَعَمْرِي إنَّهَا لَزِيَادَةٌ حَسَنَةٌ، وَإِنَّ الِاعْتِذَارَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَبْحَثُونَ عَنْ عُكُوسِ الْقَضَايَا عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْمَوَادِّ الْجُزْئِيَّةِ فَلِذَا حَكَمُوا بِأَنَّ عَكْسَ الْمُوجَبَةِ الْكُلِّيَّةِ جُزْئِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ لَهَا فِي جَمِيعِ صُوَرِهَا بِخِلَافِ الْكُلِّيَّةِ لِتَخَلُّفِهَا عَنْهَا فِي بَعْضِهَا غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَ ذَوِي الْأَنْصَافِ مِنْ أَرْبَابِ الْعُقُولِ.

الضَّرْبُ الثَّانِي مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَقَلْبُهُ) أَيْ الضَّرْبُ الْأَوَّلُ كُلِّيَّتَانِ سَالِبَةٌ صُغْرَى، وَمُوجَبَةٌ كُبْرَى فَيُنْتِجُ سَالِبَةً كُلِّيَّةً أَيْضًا مِثَالُهُ لَا شَيْءَ مِنْ الْحَالِ بِرُخْصَةٍ وَكُلُّ سَلَمٍ رُخْصَةٌ فَلَا شَيْءَ مِنْ الْحَالِ بِسَلَمٍ (وَرَدَّهُ) إلَى الضَّرْبِ الثَّالِثِ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ أَيْضًا (بِعَكْسِ الصُّغْرَى) عَكْسًا مُسْتَوِيًا، وَهُوَ لَا شَيْءَ مِنْ الرُّخْصَةِ بِحَالٍ (وَجَعَلَهَا كُبْرَى) وَالْكُبْرَى صُغْرَى فَيَصِيرُ كُلُّ سَلَمٍ رُخْصَةً وَلَا شَيْءَ مِنْ الرُّخْصَةِ بِحَالٍ فَيُنْتِجُ لَا شَيْءَ مِنْ السَّلَمِ بِحَالٍ (ثُمَّ عَكْسُ النَّتِيجَةَ) عَكْسًا مُسْتَوِيًا، وَهُوَ عَيْنُ الْمَطْلُوبِ الْمَذْكُورِ. الضَّرْبُ الثَّالِثُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَكَالْأَوَّلِ إلَّا أَنَّ الْأُولَى جُزْئِيَّةٌ) هُنَا وَكُلِّيَّةٌ هُنَاكَ فَهُوَ حِينَئِذٍ مُوجَبَةٌ جُزْئِيَّةٌ صُغْرَى وَسَالِبَةٌ كُلِّيَّةٌ كُبْرَى فَيُنْتِجُ سَالِبَةً جُزْئِيَّةً. مِثَالُهُ وَالصُّغْرَى وَالْكُبْرَى مَعْدُولَتَا الْمَحْمُولِ (بَعْضُ الْوُضُوءِ غَيْرُ مَنْوِيٍّ وَلَا عِبَادَةَ غَيْرَ مَنْوِيٍّ فَبَعْضُ الْوُضُوءِ لَيْسَ عِبَادَةً، رَدَّهُ) إلَى الضَّرْبِ الرَّابِعِ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ (كَالْأَوَّلِ) أَيْ كَرَدِّ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذَا الشَّكْلِ إلَى الضَّرْبِ الرَّابِعِ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ بِعَكْسِ الْكُبْرَى عَكْسًا مُسْتَوِيًا، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهَا تَنْعَكِسُ كَنَفْسِهَا بَعْدَ أَنْ تَكُونَ مِمَّا تَنْعَكِسُ، وَهِيَ هُنَا كَذَلِكَ فَتَنْعَكِسُ حِينَئِذٍ سَالِبَةً كُلِّيَّةً مَعْدُولَةَ الْمَوْضُوعِ هَكَذَا وَلَا غَيْرَ مَنْوِيٍّ بِعِبَادَةٍ، وَتُضَمُّ إلَى الصُّغْرَى الْمَذْكُورَةِ فَتُنْتِجُ النَّتِيجَةَ الْمَذْكُورَةَ.

الضَّرْبُ الرَّابِعُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَكَالثَّانِي إلَّا أَنَّ أُولَاهُ) أَيْ أُولَى هَذَا (جُزْئِيَّةٌ) ، وَأُولَى الثَّانِي كُلِّيَّةٌ كَمَا تَقَدَّمَ فَهُوَ حِينَئِذٍ جُزْئِيَّةٌ سَالِبَةٌ صُغْرَى وَكُلِّيَّةٌ مُوجَبَةٌ كُبْرَى فَتُنْتِجُ سَالِبَةً جُزْئِيَّةً أَيْضًا مِثَالُهُ (بَعْضُ الْغَائِبِ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ وَكُلُّ مَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مَعْلُومٌ فَبَعْضُ الْغَائِبِ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ رَدَّهُ) إلَى الضَّرْبِ الرَّابِعِ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ (بِعَكْسِ الثَّانِيَةِ بِعَكْسِ النَّقِيضِ) ، وَهُوَ عِنْدَ قُدَمَاءِ الْمَنْطِقِيِّينَ جَعْلُ نَقِيضِ الْجُزْءِ الثَّانِي أَوَّلًا، وَنَقِيضِ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ ثَانِيًا مَعَ بَقَاءِ الْكَيْفِ وَالصِّدْقِ بِحَالِهِمَا، وَعِنْدَ مُتَأَخِّرِيهِمْ جَعْلُ نَقِيضِ الْجُزْءِ الثَّانِي أَوَّلًا، وَعَيْنِ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ ثَانِيًا مَعَ الْمُخَالِفِ فِي الْكَيْفِ فَعَلَى الْأَوَّلِ تَكُونُ صُورَةُ عَكْسِهَا، وَكُلُّ مَا لَيْسَ بِمَعْلُومٍ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ صُورَةُ عَكْسِهَا وَلَا شَيْءَ مِمَّا لَيْسَ بِمَعْلُومٍ يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَأَيًّا مَا كَانَ إذَا ضُمَّ إلَى الصُّغْرَى الْمَذْكُورَةِ أَنْتَجَ النَّتِيجَةَ الْمَذْكُورَةَ (وَبِالْخَلْفِ) بِسُكُونِ اللَّامِ أَيْ وَرَدَّ هَذَا الشَّكْلَ إلَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ بِقِيَاسِ الْخَلْفِ (فِي كُلِّ ضُرُوبِهِ) ثُمَّ فَسَّرَ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا بِإِبْدَالِهِ مِنْهُ قَوْلُهُ (جَعَلَ نَقِيضَ الْمَطْلُوبِ، وَهُوَ) أَيْ نَقِيضُ الْمَطْلُوبِ (الْمُوجَبَةُ الْكُلِّيَّةُ هُنَا) أَيْ فِي هَذَا الضَّرْبِ الرَّابِعِ مِنْ هَذَا الشَّكْلِ (صُغْرَى) الشَّكْلِ (الْأَوَّلِ وَتَضُمُّ الْكُبْرَى) مِنْ ضُرُوبِ هَذَا الشَّكْلِ الثَّانِي (إلَيْهَا) أَيْ هَذِهِ الصُّغْرَى الْمَذْكُورَةِ (تَسْتَلْزِمُ) هَذَا الصَّنِيعَ (بِالْأَخِيرَةِ كَذَبَ نَقِيضُ الْمَطْلُوبِ فَالْمَطْلُوبُ حَقٌّ) ، وَإِنَّمَا كَانَ نَقِيضُ الْمَطْلُوبِ فِي هَذَا الضَّرْبِ مُوجَبَةً كُلِّيَّةً؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِيهِ سَالِبَةٌ جُزْئِيَّةٌ، وَهُوَ بَعْضُ الْغَائِبِ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ فَنَقِيضُهَا مُوجَبَةٌ كُلِّيَّةٌ، وَهِيَ كُلُّ غَائِبٍ يَصِحُّ بَيْعُهُ فَإِذَا جُعِلَتْ صُغْرَى لِلضَّرْبِ الْأَوَّلِ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ، وَضُمَّ إلَيْهَا الْكُبْرَى مِنْ هَذَا الضَّرْبِ يَصِيرُ كُلُّ

ص: 59

غَائِبٍ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَكُلُّ مَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مَعْلُومٌ وَيُنْتِجُ كُلُّ غَائِبٍ مَعْلُومٌ، فَتُنَاقِضُ صُغْرَى الضَّرْبِ الْمَذْكُورِ إذْ هِيَ بَعْضُ الْغَائِبِ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ فَإِذَنْ الصَّادِقُ هِيَ أَوْ هَذَا اللَّازِمُ لَكِنْ هِيَ صَادِقَةٌ بِالْفَرْضِ فَيَكُونُ الْكَاذِبُ هَذَا اللَّازِمَ، وَكَذِبُ اللَّازِمِ يَسْتَلْزِمُ كَذِبَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ أَوْ كَذِبَ إحْدَاهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ صَدَقَتَا كَانَ اللَّازِمُ صَادِقًا وَالْفَرْضُ أَنَّ الْكُبْرَى صَادِقَةٌ، وَهِيَ كُلُّ مَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مَعْلُومٌ فَيَلْزَمُ كَوْنُ الْكَاذِبِ الصُّغْرَى الَّتِي هِيَ كُلُّ غَائِبٍ يَصِحُّ بَيْعُهُ فَيَصْدُقُ نَقِيضُهَا، وَهُوَ بَعْضُ الْغَائِبِ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْجَزْمُ بِصِدْقِ الْمَطْلُوبِ لَا يَتِمُّ إلَّا بِتَمَامِ هَذَا التَّقْرِيرِ قَالَ الْمُصَنِّفُ: يَسْتَلْزِمُ بِالْأَخِيرَةِ كَذِبَ نَقِيضِ الْمَطْلُوبِ.

وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ الضُّرُوبُ الثَّلَاثَةُ الْمَاضِيَةُ إلَّا أَنَّ نَقِيضَ الْمَطْلُوبِ فِي الضَّرْبِ الثَّالِثِ مُوجَبَةٌ كُلِّيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِيهِ سَالِبَةٌ جُزْئِيَّةٌ، وَضَمُّ الْكُبْرَى إلَيْهِ يَجْعَلُهُ مِنْ الضَّرْبِ الثَّالِثِ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي فَإِنَّ نَقِيضَ الْمَطْلُوبِ فِيهِمَا مُوجَبَةٌ جُزْئِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِيهِمَا سَالِبَةٌ كُلِّيَّةٌ وَضَمُّ الْكُبْرَى إلَيْهِ فِي الثَّانِي يَجْعَلُهُ مِنْ الضَّرْبِ الثَّانِي مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ، وَفِي الْأَوَّلِ يَجْعَلُهُ مِنْ الضَّرْبِ الرَّابِعِ مِنْهُ ثُمَّ إنَّمَا سُمِّيَ هَذَا الطَّرِيقُ خَلَفًا؛ لِأَنَّهُ يُنْتِجُ الْبَاطِلَ عَلَى تَقْدِيرِ حَقِّيَّةِ الْمَطْلُوبِ لَا؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ فِي نَفْسِهِ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْخَلَفَ هُنَا الْبَاطِلُ كَمَا ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمُتَمَسِّكَ بِهِ لَمَّا كَانَ مُثْبِتًا لِمَطْلُوبِهِ بِإِبْطَالِ نَقِيضِهِ فَكَأَنَّهُ يَأْتِي مَطْلُوبُهُ لَا عَلَى الِاسْتِقَامَةِ بَلْ مِنْ خَلْفِهِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخَلْفَ هُنَا ضِدُّ الْقُدَّامِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ ثُمَّ إنَّمَا رُتِّبَتْ ضُرُوبُ هَذَا الشَّكْلِ هَذَا التَّرْتِيبَ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَيْنِ الْأَوَّلِينَ يُنْتِجَانِ الْكُلِّيَّ، وَقُدِّمَ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي وَالثَّالِثُ عَلَى الرَّابِعِ لِاشْتِمَالِهِمَا عَلَى صُغْرَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ بِخِلَافِ الثَّانِي وَالرَّابِعِ.

(الشَّكْلُ الثَّالِثُ بِوَضْعِهِ فِيهِمَا) أَيْ مَا يَكُونُ الْوَسَطُ مَوْضُوعًا فِي صُغْرَاهُ وَكُبْرَاهُ (شَرْطُهُ) أَيْ اسْتَلْزَمَ هَذَا الشَّكْلُ لِلْمَطْلُوبِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا بِحَسَبِ الْكَيْفِيَّةِ، وَهُوَ (إيجَابُ صُغْرَاهُ) حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الشَّكْلِ الْأَوَّلِ وَثَانِيهِمَا بِحَسَبِ الْكَمِّيَّةِ، وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ (وَكُلِّيَّةُ إحْدَاهُمَا) أَيْ مُقَدِّمَتَيْهِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى وَلِمِيَةِ اشْتِرَاطِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ مُقَرَّرَةٌ فِي الْكُتُبِ الْمَنْطِقِيَّةِ فَحِينَئِذٍ (ضُرُوبُهُ) الْمُنْتِجَةُ مِنْ الضُّرُوبِ الْمُمْكِنَةِ الِانْعِقَادِ فِيهِ سِتَّةٌ لَا غَيْرُ. الضَّرْبُ الْأَوَّلُ (كُلِّيَّتَانِ مُوجَبَتَانِ) فَيُنْتِجُ جُزْئِيَّةً مُوجَبَةً، مِثَالُهُ (كُلُّ بُرٍّ مَكِيلٌ وَكُلُّ بُرٍّ رِبَوِيُّ فَبَعْضُ الْمَكِيلِ رِبَوِيٌّ) فَإِنْ قُلْت: لِمَ يُنْتِجُ جُزْئِيًّا مَعَ أَنَّهُ مِنْ مُوجَبَتَيْنِ كُلِّيَّتَيْنِ؟ . فَالْجَوَابُ (لِأَنَّ رَدَّهُ بِعَكْسِ الْأُولَى) أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُرَدَّ إلَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ كَغَيْرِهِ، وَرَدُّهُ إلَيْهِ إنَّمَا هُوَ بِعَكْسِ الْأُولَى عَكْسًا مُسْتَوِيًا؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُخَالَفَةُ لِلْأَوَّلِ، وَإِذَا عُكِسَتْ صَارَتْ جُزْئِيَّةً كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا جَرَمَ أَنْ كَانَ رَدُّ هَذَا الضَّرْبِ إلَى الضَّرْبِ الثَّانِي مِنْهُ وَكَانَتْ نَتِيجَتُهُ جُزْئِيَّةً، وَمِنْ ثَمَّةَ قَالُوا مِنْ خَوَاصِّ هَذَا الشَّكْلِ أَنَّهُ لَا يُنْتِجُ إلَّا جُزْئِيًّا؛ لِأَنَّ هَذَا الضَّرْبَ أَخَصُّ ضُرُوبِهِ، وَهُوَ لَا يُنْتِجُ كُلِّيًّا، وَمَتَى لَمْ يُنْتِجْ الْأَخَصُّ شَيْئًا لَمْ يُنْتِجْهُ الْأَعَمُّ نَعَمْ لَمْ يَرَ الْمُصَنِّفُ لُزُومَ هَذَا فِيهِ فِي سَائِرِ الْمَوَادِّ بَلْ قَالَ (فَلَوْ كَانَتْ) الْأُولَى مِنْ هَذَا الضَّرْبِ (مُتَسَاوِيَةَ الْجُزْأَيْنِ أَنْتَجَ) هَذَا الضَّرْبُ لَازِمًا (كُلِّيًّا) بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ اخْتِيَارِهِ كَوْنَ الْمُوجَبَةِ الْكُلِّيَّةِ الْمُتَسَاوِيَةِ الطَّرَفَيْنِ تَنْعَكِسُ كَنَفْسِهَا، وَقَدْ عَرَفْت اتِّجَاهَهُ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ رَدُّهُ إلَى الضَّرْبِ الْأَوَّلِ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ، مِثَالُهُ كُلُّ إنْسَانٍ نَاطِقٌ، وَكُلُّ إنْسَانٍ ضَاحِكٌ يُنْتِجُ كُلُّ نَاطِقٍ ضَاحِكٌ.

الضَّرْبُ الثَّانِي مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَمِثْلُهُ) أَيْ هَذَا الضَّرْبِ الْأَوَّلِ فِي الْكَيْفِ وَكُلِّيَّةِ الثَّانِيَةِ (إلَّا أَنَّ الْأُولَى جُزْئِيَّةٌ) . الضَّرْبُ الثَّانِي فَهُوَ حِينَئِذٍ مُوجَبَتَانِ جُزْئِيَّةٌ صُغْرَى وَكُلِّيَّةٌ كُبْرَى (يُنْتِجُ مِثْلَهُ) أَيْ الْأَوَّلُ مُوجَبَةٌ جُزْئِيَّةٌ، مِثَالُهُ بَعْضُ الْمَكِيلِ بُرٌّ وَكُلُّ مَكِيلٍ رِبَوِيٌّ فَبَعْضُ الْبُرِّ رِبَوِيٌّ (وَيُرَدُّ) إلَى الضَّرْبِ الثَّانِي مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ بِعَكْسِ الصُّغْرَى، وَهُوَ ظَاهِرُ الضَّرْبِ الثَّالِثِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَعَكْسُ) الضَّرْبِ (الثَّانِي) فَهُوَ حِينَئِذٍ مُوجَبَتَانِ كُلِّيَّةٌ صُغْرَى وَجُزْئِيَّةٌ كُبْرَى (يُنْتِجُ) مُوجَبَةً جُزْئِيَّةً (كَالْأَوَّلِ) أَيْ كَمَا يُنْتِجُهَا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي أَيْضًا مِثَالُهُ كُلُّ بُرٍّ مَكِيلٌ وَبَعْضُ الْبُرِّ

ص: 60

رِبَوِيٌّ فَبَعْضُ الْمَكِيلِ رِبَوِيٌّ (وَرَدُّهُ) إلَى الضَّرْبِ الثَّانِي مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ (بِجَعْلِ عَكْسِ الْكُبْرَى) ، وَهُوَ بَعْضُ الرِّبَوِيُّ بُرٌّ (صُغْرَى) لِلضَّرْبِ الْمَذْكُورِ لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهَا أَنْ تَكُونَ كُبْرَاهُ لِجُزْئِيَّتِهَا، وَعَيْنُ الصُّغْرَى كُبْرَاهُ لِيَصِيرَ بَعْضُ الرِّبَوِيُّ بُرًّا وَكُلُّ بُرٍّ مَكِيلٌ فَيُنْتِجُ بَعْضُ الرِّبَوِيِّ مَكِيلٌ (وَعَكْسُ النَّتِيجَةِ) اللَّازِمَةِ لَهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَكْسَهَا حِينَئِذٍ عَيْنُ الْمَطْلُوبِ ثُمَّ مِمَّا زَادَهُ الْمُصَنِّفُ بِأَخِرَةِ هُنَا، وَقَرَأْنَاهُ عَلَيْهِ مَا نَصُّهُ (فَلَوْ الصُّغْرَى مُتَسَاوِيَةٌ عُكِسَتْ) وَكَتَبَ عَلَيْهِ مَا صُورَتُهُ؛ لِأَنَّ عَدَمَ عَكْسِ الصُّغْرَى هُنَا لَيْسَ إلَّا؛ لِأَنَّهَا تَنْعَكِسُ جُزْئِيَّةً فَيَصِيرُ الْأَوَّلُ مِنْ جُزْئِيَّتَيْنِ، وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ وَالْمُصَنِّفُ يَرَى مَعَ تُسَاوِي طَرَفَيْ الْقَضِيَّةِ تَنْعَكِسُ الْكُلِّيَّةُ كُلِّيَّةً فَلِذَا قَالَ فَلَوْ الصُّغْرَى إلَخْ وَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ إلَى عَكْسِ النَّتِيجَةِ اهـ.

وَلَمْ يَظْهَرْ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ - غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ - اسْتِقَامَةُ هَذَا فَإِنَّ مِثَالَ هَذَا وَالصُّغْرَى مُتَسَاوِيَةُ الطَّرَفَيْنِ كُلُّ إنْسَانٍ نَاطِقٌ، وَبَعْضُ الْإِنْسَانِ كَاتِبٌ وَاللَّازِمُ عَنْهُ بَعْضُ النَّاطِقِ كَاتِبٌ فَإِذَا عُكِسَتْ الصُّغْرَى فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْكُبْرَى فِي الضَّرْبِ الثَّانِي مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْكُبْرَى مِنْ هَذَا الضَّرْبِ مِنْ الشَّكْلِ الثَّالِثِ لَا يَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ كُبْرَى فِي الشَّكْلِ الْأَوَّلِ مُطْلَقًا وَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ تَبْقَى عَيْنُ الْكُبْرَى صُغْرَى فَيَصِيرُ بَعْضُ الْإِنْسَانِ كَاتِبًا وَكُلُّ نَاطِقٍ إنْسَانٌ، وَهَذَا إنَّمَا هُوَ مِنْ ضُرُوبِ الشَّكْلِ الرَّابِعِ الْمُنْتِجَةِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا سَيَأْتِي، وَمِنْ ضُرُوبِهِ الْعَقِيمَةِ عَلَى قَوْلِ الْمَنْطِقِيِّينَ. وَأَمَّا عَكْسُهَا فَيَصِيرُ بَعْضُ الْكَاتِبِ إنْسَانًا وَكُلُّ نَاطِقٍ إنْسَانٌ، وَهَذَا كَمَا تَرَى مِنْ ضُرُوبِ الشَّكْلِ الثَّانِي الْعَقِيمَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَقَعَتْ عَنْ ذُهُولٍ عَنْ هَذَا الْمَقَامِ فَسُبْحَانَ مِنْ لَا يَذْهَلُ وَلَا يَغْفُلُ.

الضَّرْبُ الرَّابِعُ مَا أَفْصَحَ بِهِ قَوْلُهُ (وَكُلِّيَّتَانِ الثَّانِيَةُ سَالِبَةٌ) وَالْأُولَى مُوجَبَةٌ مِثَالُهُ (كُلُّ بُرٍّ مَكِيلٌ وَكُلُّ بُرٍّ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا فَبَعْضُ الْمَكِيلِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا يُنْتِجُ) هَذَا الضَّرْبُ (كَالْأَوَّلِ فِي الْمُسَاوَاةِ وَالْأَعَمِّيَّةِ) يَعْنِي كَمَا يَنْتِجُ الضَّرْبُ الْأَوَّلُ فِيهِمَا فَإِذَا كَانَ هُنَا جُزْءَ الْأُولَى مُتَسَاوِيَيْنِ أَنْتَجَ كُلِّيًّا كَمَا هُنَاكَ مِثَالُهُ كُلُّ فَرَسٍ صَهَّالٌ وَلَا شَيْءَ مِنْ الْفَرَسِ بِإِنْسَانٍ فَإِنَّهُ يُنْتِجُ لَا شَيْءَ مِنْ الصُّهَالِ بِإِنْسَانٍ، وَإِذَا كَانَ هُنَا مَحْمُولُ الْأُولَى أَعُمَّ مِنْ مَوْضُوعِهَا أَنْتَجَ جُزْئِيًّا. وَمِثَالُهُ الْمِثَالُ الْمَذْكُورُ فَإِنَّ الْمَكِيلَ أَعَمُّ مِنْ الْبُرِّ ثُمَّ هَذَا الضَّرْبُ يُرَدُّ إلَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ (بِعَكْسِ الصُّغْرَى) كَمَا هُنَاكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا الْمُخَالَفَةُ لِلْأُولَى مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ إلَّا أَنَّ هَذَا الضَّرْبَ يُرَدُّ فِي الْمُسَاوَاةِ إلَى الضَّرْبِ الثَّالِثِ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ، وَفِي الْأَعَمِّيَّةِ إلَى الضَّرْبِ الرَّابِعِ مِنْهُ، وَذَاكَ يُرَدُّ فِي الْمُسَاوَاةِ إلَى الضَّرْبِ الْأَوَّلِ، وَفِي الْأَعَمِّيَّةِ إلَى الضَّرْبِ الثَّانِي.

الضَّرْبُ الْخَامِسُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَكَالرَّابِعِ إلَّا أَنَّ أُولَاهُ جُزْئِيَّةٌ) بِخِلَافِهَا فِي الضَّرْبِ الرَّابِعِ فَهُوَ حِينَئِذٍ جُزْئِيَّةٌ مُوجَبَةٌ صُغْرَى وَكُلِّيَّةٌ سَالِبَةٌ كُبْرَى (يُنْتِجُ سَلْبًا جُزْئِيًّا) مِثَالُهُ بَعْضُ الْمَوْزُونِ رِبَوِيٌّ وَلَا شَيْءَ مِنْ الْمَوْزُونِ يُبَاعُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا فَبَعْضُ الرِّبَوِيُّ لَا يُبَاعُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا (وَيُرَدُّ) إلَى الضَّرْبِ الرَّابِعِ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ بِعَكْسِ الصُّغْرَى؛ لِأَنَّهَا الْمُخَالَفَةُ لِلْأَوْلَى فِيهِ (مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ مَا رُدَّ الرَّابِعُ الْمَذْكُورُ إلَيْهِ فِي الْأَعَمِّيَّةِ فَنَقُولُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ بَعْضُ الرِّبَوِيِّ مَوْزُونٌ وَالْبَاقِي بِعَيْنِهِ مِنْ الْكُبْرَى وَالنَّتِيجَةِ.

الضَّرْبُ السَّادِسُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَقَلْبُهُ) أَيْ الضَّرْبُ الْخَامِسُ (كَمِّيَّةً) لَا كَيْفِيَّةً فَهُوَ كُلِّيَّةٌ مُوجَبَةٌ صُغْرَى وَجُزْئِيَّةٌ سَالِبَةٌ كُبْرَى (يُنْتِجُ) سَلْبًا جُزْئِيًّا (مِثْلَهُ) أَيْ الْخَامِسِ أَيْضًا مِثَالُهُ (كُلُّ بُرٍّ مَكِيلٌ وَبَعْضُ الْبُرِّ لَا يُبَاعُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا فَبَعْضُ الْمَكِيلِ لَا يُبَاعُ إلَخْ) أَيْ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا وَلَمَّا كَانَ رَدُّ هَذَا الضَّرْبِ إلَى الضَّرْبِ الثَّانِي مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ بِعَكْسِ الْكُبْرَى، وَجَعْلُهَا صُغْرَى وَضَمُّ الصُّغْرَى إلَيْهَا كُبْرَى فَيُنْتِجُ مَا تَنْعَكِسُ إلَى الْمَطْلُوبِ وَكَانَ مِمَّا يُخَالُ أَنَّهَا لَا تَنْعَكِسُ ثُمَّ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَنْعَكِسَ إنَّمَا تَنْعَكِسُ سَالِبَةً، وَالسَّالِبَةُ لَا تَصْلُحُ صُغْرَى فِي الشَّكْلِ الْأَوَّلِ قَرَّرَ الْمُصَنِّفُ رَدَّهُ بِالطَّرِيقِ الْمَذْكُورِ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ أَنْ يَقَعَ عَكْسَ الْكُبْرَى الْمَذْكُورِ صُغْرَى فِي الشَّكْلِ الْأَوَّلِ مَعَ إشَارَةٍ إلَى دَفْعِ هَذَا الْمُخَيَّلِ فَقَالَ:(وَرَدُّهُ بِاعْتِبَارِ الْكُبْرَى مُوجَبَةً سَالِبَةَ الْمَحْمُولِ) أَيْ سُلِبَ مَحْمُولُهَا عَنْ مَوْضُوعِهَا بِجَعْلِ

ص: 61

السَّلْبِ جُزْءًا لِلْمَحْمُولِ ثُمَّ أُثْبِتَ ذَلِكَ السَّلْبُ لِلْمَوْضُوعِ وَلِمُلَاحَظَةِ السَّلْبِ وَالْإِيجَابِ فِيهَا سُمِّيَتْ مُوجَبَةً سَالِبَةَ الْمَحْمُولِ (وَهِيَ) أَيْ الْمُوجَبَةُ السَّالِبَةُ الْمَحْمُولِ (لَازِمَةٌ لِلسَّالِبَةِ) كَمَا أَنَّ السَّالِبَةَ لَازِمَةٌ لَهَا أَيْضًا إذْ لَا فَرْقَ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ سَلْبِ الشَّيْءِ عَنْ الشَّيْءِ، وَإِثْبَاتِ سَلْبِهِ لَهُ، وَمِنْ ثَمَّةَ لَا تَحْتَاجُ هَذِهِ الْمُوجَبَةُ إلَى وُجُودِ الْمَوْضُوعِ كَالسَّالِبَةِ بِخِلَافِ الْمَعْدُولَةِ وَلِهَذَا لَمْ نَجْعَلْهَا فِي حُكْمِ الْمَعْدُولَةِ وَكَمَا تَنْعَكِسُ الْمُوجَبَةُ الْمُحَصِّلَةُ، وَإِنْ كَانَتْ جُزْئِيَّةً تَنْعَكِسُ هَذِهِ السَّالِبَةُ (وَبِجَعْلِ عَكْسِهَا) مُسْتَوِيًا (صُغْرَى) لِلضَّرْبِ الثَّانِي مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ.

وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ هَذِهِ مِنْ مَاصَدَق كَوْنِ الصُّغْرَى فِي حُكْمِ الْإِيجَابِ، وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَعَكْسُ الْكُبْرَى فِي هَذَا الْمِثَالِ بَعْضُ مَا لَا يُبَاعُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا بُرٌّ فَيُجْعَلُ صُغْرَى (لِكُلِّ بُرٍّ مَكِيلٍ فَيُنْتِجُ مَا يَنْعَكِسُ) مُسْتَوِيًا (إلَى الْمَطْلُوبِ) فَإِنَّهُ يُنْتِجُ بَعْضَ مَا لَا يُبَاعُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا مَكِيلٌ، وَهُوَ يَنْعَكِسُ مُسْتَوِيًا إلَى: بَعْضُ الْمَكِيلِ لَا يُبَاعُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ (وَيُبَيِّنُ هَذَا) الضَّرْبَ (وَمَا قَبْلَهُ) مِنْ الضُّرُوبِ الْخَمْسَةِ وَالْأَخْصَرِ، وَيُبَيِّنُ ضُرُوبَهُ (بِالْخَلَفِ) أَيْضًا أَيْ بِقِيَاسِهِ، وَهُوَ أَنْ تَأْخُذَ نَقِيضَ الْمَطْلُوبِ كَمَا أَخَذْته فِي الشَّكْلِ.

الثَّانِي (إلَّا أَنَّك تَجْعَلُ نَقِيضَ الْمَطْلُوبِ كُبْرَى) لِصُغْرَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ هُنَا؛ لِأَنَّ الصُّغْرَى دَائِمًا مُوجَبَةٌ، وَنَقِيضَ النَّتِيجَةِ دَائِمًا كُلِّيَّةٌ، وَفِي الشَّكْلِ الثَّانِي تَجْعَلُ صُغْرَى لِكُبْرَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَتَقُولُ فِي هَذَا الضَّرْبِ لَوْ لَمْ يَصْدُقْ بَعْضُ الْمَكِيلِ لَا يُبَاعُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا لِصِدْقِ نَقِيضِهِ، وَهُوَ كُلُّ مَكِيلٍ يُبَاعُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا وَيُجْعَلُ كُبْرَى لِلصُّغْرَى الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ كُلُّ بُرٍّ مَكِيلٌ فَيُنْتِجُ مِنْ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ كُلُّ بُرٍّ يُبَاعُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، وَهَذَا يُنَاقِضُ مَا كَانَ كُبْرَى فِي هَذَا الشَّكْلِ، وَهُوَ بَعْضُ الْبُرِّ لَا يُبَاعُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا فَلَا يَجْتَمِعَانِ صِدْقًا لَكِنَّ الْكُبْرَى صَادِقَةٌ بِالْفَرْضِ فَتَعَيَّنَ كَذِبُ هَذَا وَكَذِبُهُ يَسْتَلْزِمُ كَذِبَ مَجْمُوعِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ صَدَقَتَا لَصَدَقَ هُوَ أَيْضًا.

وَالْفَرْضُ أَنَّ الصُّغْرَى مِنْهُ صَادِقَةٌ فَلَزِمَ كَوْنُ الْكَاذِبَةِ هِيَ الْكُبْرَى الْآنَ الَّتِي هِيَ نَقِيضُ الْمَطْلُوبِ، وَإِذَا كَذِبَ نَقِيضُ الْمَطْلُوبِ كَانَ الْمَطْلُوبُ صِدْقًا، وَهُوَ الْمُدَّعَى، وَالْبَاقِي ظَاهِرٌ تَخْرِيجُهُ لِمَنْ تَصَوَّرَهُ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.

(ثُمَّ اعْلَمْ) أَنَّ تَرْتِيبَ ضُرُوبِ هَذَا الشَّكْلِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ صَنِيعُ الْإِمَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَمَشَى عَلَيْهِ الشَّارِحُونَ لِمُخْتَصَرِهِ وَغَيْرِهِمْ، وَفِي الشَّمْسِيَّةِ جَعَلَ مَا هُوَ الضَّرْبُ الثَّانِي هُنَا الضَّرْبَ الثَّالِثَ، وَمَا هُوَ الضَّرْبُ الثَّالِثُ هُنَا الضَّرْبَ الْخَامِسَ، وَمَا هُوَ الضَّرْبُ الرَّابِعُ هُنَا الضَّرْبَ الثَّانِيَ، وَمَا هُوَ الضَّرْبُ الْخَامِسُ هُنَا الرَّابِعَ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ وَالسَّادِسُ فَكَمَا هُنَا، وَمَشَى عَلَى هَذَا شَارِحُوهَا مُعَلِّلِينَ بِأَنَّ الْأَوَّلَ أَخَصُّ الضُّرُوبِ الْمُنْتِجَةِ لِلْإِيجَابِ وَالثَّانِيَ أَخَصُّ الضُّرُوبِ الْمُنْتِجَةِ لِلسَّلْبِ، وَالْأَخَصُّ أَشْرَفُ، وَقَدَّمَ الثَّالِثَ وَالرَّابِعَ عَلَى الْأَخِيرَيْنِ لِاشْتِمَالِهِمَا عَلَى كُبْرَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا وَلَا خَلَلَ فِي الْمَقْصُودِ عَلَى كُلِّ حَالٍ إلَّا أَنَّهُ لَعَلَّ الْأُولَى مَا فِي الشَّمْسِيَّةِ (الشَّكْلُ الرَّابِعُ خَالَفَ) الشَّكْلَ (الْأَوَّلِ فِيهِمَا) أَيْ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى بِأَنْ كَانَ الْحَدُّ الْوَسَطُ مَوْضُوعًا فِي الصُّغْرَى مَحْمُولًا فِي الْكُبْرَى، وَإِذْ كَانَ كَذَلِكَ (فَرَدُّهُ) إلَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ (بِعَكْسِهِمَا) أَيْ الْمُقَدِّمَتَيْنِ عَكْسًا مُسْتَوِيًا فَيَجْعَلُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا الْمَوْضُوعَ مَحْمُولًا وَالْمَحْمُولَ مَوْضُوعًا وَيَبْقَيَانِ عَلَى حَالِهِمَا مِنْ التَّرْتِيبِ (أَوْ قَلْبِهِمَا) أَيْ أَوْ بِتَقْدِيمِ الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى مِنْ غَيْرِ تَبْدِيلِ الْمَوْضُوعِ مَحْمُولًا، وَالْمَحْمُولِ مَوْضُوعًا (فَإِذَا كَانَتْ صُغْرَاهُ) أَيْ هَذَا الشَّكْلِ (مُوجَبَةً كُلِّيَّةً أَنْتَجَ مَعَ السَّالِبَةِ الْكُلِّيَّةِ) الَّتِي هِيَ كُبْرَاهُ سَالِبَةً جُزْئِيَّةً (بِرَدِّهِ) إلَى الضَّرْبِ الرَّابِعِ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ (بِعَكْسِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ فَقَطْ) أَيْ لَا مَعَ الْقَلْبِ أَيْضًا (لِعَدَمِ السَّلْبِ فِي صُغْرَى) الشَّكْلِ (الْأَوَّلِ) ، وَهُوَ لَازِمٌ لِلْقَلْبِ (وَ) أَنْتَجَ (مَعَ الْمُوجَبَتَيْنِ) الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ كُبْرَيَيْنِ مُوجَبَةً جُزْئِيَّةً بِرَدِّهِ إلَى الضَّرْبِ الثَّانِي مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ (بِقَلْبِهِمَا) أَيْ الْمُقَدِّمَتَيْنِ (ثُمَّ عَكْسُ النَّتِيجَةِ لَا بِعَكْسِهَا لِبُطْلَانِ الْجُزْئِيَّتَيْنِ) فَإِنَّهُ لَا قِيَاسَ عَنْهُمَا، وَهُوَ لَازِمٌ مِنْ عَكْسِهِمَا (فَسَقَطَتْ السَّالِبَةُ الْجُزْئِيَّةُ) فِي هَذَا الشَّكْلِ لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهَا أَنْ تَكُونَ فِيهِ

ص: 62

صُغْرَى أَوْ كُبْرَى (لِانْتِفَاءِ الطَّرِيقِينَ) اللَّذَيْنِ إنَّمَا يَرْتَدُّ هَذَا الشَّكْلُ إلَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ بِأَحَدِهِمَا، وَهُمَا الْعَكْسُ وَالْقَلْبُ (مَعَهَا) أَيْ السَّالِبَةِ الْجُزْئِيَّةِ أَمَّا انْتِفَاءُ الْعَكْسِ فَلِأَنَّ هَذِهِ السَّالِبَةَ الْجُزْئِيَّةَ لَا تَنْعَكِسُ، وَأَمَّا انْتِفَاءُ الْقَلْبِ فَلِأَنَّهَا حِينَئِذٍ إنْ كَانَتْ كُبْرَى صَارَتْ صُغْرَى الْأَوَّلِ سَالِبَةً، وَإِنْ كَانَتْ صُغْرَى صَارَتْ كُبْرَى الْأَوَّلِ جُزْئِيَّةً وَكِلَاهُمَا يَمْنَعُ مِنْ الْإِنْتَاجِ فِيهِ كَمَا عُرِفَ.

ثُمَّ لَمَّا كَانَ مُخْتَارُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُوجَبَةَ الْكُلِّيَّةَ إذَا تَسَاوَى طَرَفَاهَا تَنْعَكِسُ كَنَفْسِهَا فَرَّعَ عَلَيْهِ (وَلَوْ تَسَاوَيَا) أَيْ الطَّرَفَانِ (فِي الْكُبْرَى الْمُوجَبَةِ الْكُلِّيَّةِ صَحَّ) رَدُّ هَذَا الضَّرْبِ إلَى الضَّرْبِ الْأَوَّلِ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ بِعَكْسِهِمَا لِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ وَكَانَتْ النَّتِيجَةُ حِينَئِذٍ مُوجَبَةً كُلِّيَّةً (وَإِذَا كَانَتْ الصُّغْرَى) فِي هَذَا الشَّكْلِ (مُوجَبَةً جُزْئِيَّةً فَيَجِبُ كَوْنُ الْأُخْرَى السَّالِبَةِ الْكُلِّيَّةِ) ، وَإِلَّا لَكَانَتْ إمَّا مُوجَبَةٌ لِسُقُوطِ السَّالِبَةِ الْجُزْئِيَّةِ وَحِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَتْ كُلِّيَّةً لَزِمَ مِنْهُ جَعْلُ الْجُزْئِيَّةِ الْمُوجَبَةِ كُبْرَى لِلشَّكْلِ الْأَوَّلِ أَيُّ الطَّرِيقَيْنِ سَلَكْت أَمَّا طَرِيقُ الْعَكْسِ فَلِأَنَّ عَكْسَ الْمُوجَبَةِ الْكُلِّيَّةِ مُوجَبَةٌ جُزْئِيَّةٌ، وَأَمَّا طَرِيقُ الْقَلْبِ فَلِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الصُّغْرَى مُوجَبَةٌ جُزْئِيَّةٌ فَتَحُلَّ مَحَلَّ الْكُبْرَى وَالْجُزْئِيَّةُ الْمُوجَبَةُ لَا تَصْلُحُ كُبْرَى الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَتْ جُزْئِيَّةً فَالْجُزْئِيَّتَانِ لَا تَنْتُجَانِ بِنَفْسِهِمَا وَلَا بِعَكْسِهِمَا بِوَجْهٍ ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ الْمُوجَبَةُ الْكُلِّيَّةُ غَيْرَ مُتَسَاوٍ طَرَفَاهَا.

فَأَمَّا إذَا تَسَاوَيَا فَنَقُولُ (وَعَلَى التَّسَاوِي تَجُوزُ الْمُوجَبَةُ الْكُلِّيَّةُ) أَنْ تَكُونَ كُبْرَى لَلْمُوجَبَةِ الْجُزْئِيَّةِ هُنَا؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ لُزُومُ صَيْرُورَةِ كُبْرَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ جُزْئِيَّةً، وَهَذَا الْمَانِعُ قَدْ انْعَدَمَ حِينَئِذٍ لِانْعِكَاسِهَا كُلِّيَّةً إذَا كَانَتْ كَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَيَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ الرَّدُّ بِطَرِيقِ الْعَكْسِ (أَوْ) كَانَتْ الصُّغْرَى فِي هَذَا الشَّكْلِ (السَّالِبَةَ الْكُلِّيَّةَ فَيَجِبُ) حِينَئِذٍ أَنْ تَكُونَ (الْكُبْرَى كُلِّيَّةً مُوجَبَةً لِامْتِنَاعِ خِلَافِ ذَلِكَ) أَمَّا الْمُوجَبَةُ الْجُزْئِيَّةُ فَلِأَنَّهُ لَوْ قُلِبَتْ حِينَئِذٍ الْمُقَدِّمَتَانِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ عَكْسِ النَّتِيجَةِ، وَهِيَ جُزْئِيَّةٌ سَالِبَةٌ لَا تَنْعَكِسُ وَلَوْ عَكَسْتهمَا صَارَتْ الْكُبْرَى جُزْئِيَّةً فِي الشَّكْلِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا السَّالِبَةُ الْكُلِّيَّةُ فَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ الْقِيَاسُ مِنْ سَالِبَتَيْنِ، وَهُمَا لَا يُنْتِجَانِ أَصْلًا، وَقَدْ عَرَفْت مَعَ هَذَا أَيْضًا سُقُوطَ السَّالِبَةِ الْجُزْئِيَّةِ فَتَلَخَّصَ أَنَّ شَرْطَ إنْتَاجِ هَذَا الشَّكْلِ أَنْ لَا تَكُونَ صُغْرَاهُ سَالِبَةً جُزْئِيَّةً مَعَ شَيْءٍ مِنْ الْمَحْصُورَاتِ الْأَرْبَعِ وَلَا سَالِبَةً كُلِّيَّةً مَعَ مِثْلِهَا، وَلَا مَعَ مُوجَبَةٍ جُزْئِيَّةٍ وَلَا مُوجَبَةٍ جُزْئِيَّةٍ مَعَ مِثْلِهَا وَلَا مَعَ الْمُوجَبَةِ الْكُلِّيَّةِ وَلَا أَنْ تَكُونَ كُبْرَاهُ سَالِبَةً جُزْئِيَّةً مَعَ إحْدَى الثَّلَاثِ الْبَاقِيَةِ فَحِينَئِذٍ (ضُرُوبُهُ) الْمُنْتِجَةِ مِنْ الضُّرُوبِ الْمُمْكِنَةِ الِانْعِقَادِ فِيهِ خَمْسَةٌ لَا غَيْرُ.

الضَّرْبُ الْأَوَّلُ (كُلِّيَّتَانِ مُوجَبَتَانِ) يُنْتِجُ مُوجَبَةً جُزْئِيَّةً، مِثَالُهُ (كُلُّ مَا يَلْزَمُ عِبَادَةً مُفْتَقِرٌ إلَى النِّيَّةِ وَكُلُّ تَيَمُّمٍ يَلْزَمُ عِبَادَةً، لَازِمُهُ كُلُّ تَيَمُّمٍ مُفْتَقِرٌ إلَى النِّيَّةِ بِقَلْبِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ) فَيُقَالُ كُلُّ تَيَمُّمٍ يَلْزَمُ عِبَادَةً وَكُلُّ مَا يَلْزَمُ عِبَادَةً مُفْتَقِرٌ إلَى النِّيَّةِ فَيُنْتِجُ اللَّازِمَ الْمَذْكُورَ (ثُمَّ يَعْكِسُ) عَكْسًا مُسْتَوِيًا (إلَى الْمَطْلُوبِ جُزْئِيًّا بَعْضُ الْمُفْتَقِرِ تَيَمُّمٌ فَإِنْ قُلْت مَا السَّبَبُ) فِي كَوْنِ الْمَطْلُوبِ فِي هَذَا جُزْئِيًّا (وَكُلٌّ مَنْ لُزُومِ الْكُلِّيَّةِ) الْكَائِنَةِ فِي اللَّازِمِ الْمَذْكُورِ لِلْمَلْزُومِ الْمَذْكُورِ (وَمَعْنَاهَا صَحِيحٌ قِيلَ) إنَّمَا كَانَ الْمَطْلُوبُ فِي هَذَا جُزْئِيًّا (لِفَرْضِ كَوْنِ الصُّغْرَى مُطْلَقًا) أَيْ فِي أَيْ شَكْلٍ مِنْ الْأَشْكَالِ الْأَرْبَعَةِ قَدْرَ (مَا اشْتَمَلَ عَلَى مَوْضُوعِ الْمَطْلُوبِ وَالْكُبْرَى مَحْمُولَةٌ) أَيْ وَكَوْنُ الْكُبْرَى مُطْلَقًا مَا اشْتَمَلَ عَلَى مَحْمُولِ الْمَطْلُوبِ كَمَا تَقَدَّمَ (فَإِذَا زَعَمْت أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ) عَلَى الْمَطْلُوبِ الَّذِي هُوَ افْتِقَارُ التَّيَمُّمِ إلَى النِّيَّةِ (بِالرَّابِعِ) أَيْ بِالشَّكْلِ الرَّابِعِ (كَانَ الْمُفْتَقِرُ مَوْضُوعَهُ) أَيْ الْمَطْلُوبُ (وَالتَّيَمُّمُ مَحْمُولُهُ) أَيْ الْمَطْلُوبُ (وَالْحَاصِلُ عِنْدَ الرَّدِّ) إلَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ (عَكْسُهُ) ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ التَّيَمُّمُ مَوْضُوعَ الْمَطْلُوبِ، وَالْمُفْتَقِرُ مَحْمُولَهُ فَيَحْتَاجُ إلَى عَكْسِهِ (فَيَنْعَكِسُ جُزْئِيًّا) لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ الْمُوجَبَةَ الْكُلِّيَّةَ تَنْعَكِسُ مُوجَبَةً جُزْئِيَّةَ فَهَذَا سَبَبُ كَوْنِ اللَّازِمِ فِي هَذَا الضَّرْبِ جُزْئِيًّا ثُمَّ نَقُولُ عَلَى وَتِيرَةِ مَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ تَسَاوَيَا) أَيْ الطَّرَفَانِ فِي الْمُوجَبَةِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي هِيَ لَازِمُ هَذَا الضَّرْبِ (كَانَ) عَكْسُهُ (كُلِّيًّا) وَلَا يَتَأَتَّى السُّؤَالُ الْمَذْكُورُ.

الضَّرْبُ

ص: 63

الثَّانِي مِثْلُهُ أَيْ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ (إلَّا أَنَّ الثَّانِيَةَ جُزْئِيَّةً) فَهُوَ مُوجَبَتَانِ كُلِّيَّةٌ صُغْرَى وَجُزْئِيَّةٌ كُبْرَى يُنْتِجُ مُوجَبَةً جُزْئِيَّةً مِثَالُهُ (كُلُّ عِبَادَةٍ بِنِيَّةٍ وَبَعْضُ الْوُضُوءِ عِبَادَةٌ) يُنْتِجُ بَعْضُ مَا هُوَ بِنِيَّةٍ الْوُضُوءُ (وَالرَّدُّ وَاللَّازِمُ كَالْأَوَّلِ) أَيْ وَرَدُّ هَذَا الضَّرْبِ إلَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ وَاللَّازِمُ لَهُ كَالضَّرْبِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذَا الشَّكْلِ إلَّا أَنَّ الضَّرْبَ الْأَوَّلَ مِنْهُ يُرَدُّ إلَى الضَّرْبِ الْأَوَّلِ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا الضَّرْبُ يُرَدُّ إلَى الضَّرْبِ الثَّالِثِ مِنْهُ فَتُقْلَبُ الْمُقَدِّمَتَانِ إلَى بَعْضِ الْوُضُوءِ عِبَادَةٌ وَكُلُّ عِبَادَةٍ بِنِيَّةٍ فَيُنْتِجُ بَعْضُ الْوُضُوءِ بِنِيَّةٍ ثُمَّ يُعْكَسُ هَذَا اللَّازِمُ إلَى بَعْضِ مَا هُوَ بِنِيَّةٍ الْوُضُوءُ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ الضَّرْبُ (الثَّالِثُ كُلِّيَّتَانِ الْأُولَى سَالِبَةٌ) وَالثَّانِيَةُ مُوجَبَةٌ مِثَالُهُ (كُلُّ عِبَادَةٍ لَا تَسْتَغْنِي عَنْ النِّيَّةِ وَكُلُّ مَنْدُوبٍ عِبَادَةٌ يُنْتِجُ سَالِبَةً كُلِّيَّةً لَا مُسْتَغْنٍ) عَنْ النِّيَّةِ (بِمَنْدُوبٍ بِالْقَلْبِ وَالْعَكْسِ) أَيْ بِقَلْبِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ لِيَرْتَدَّ إلَى الضَّرْبِ الثَّانِي مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ ثُمَّ عَكَسَ النَّتِيجَةَ إلَى الْمَطْلُوبِ فَيُقَالُ كُلُّ مَنْدُوبٍ عِبَادَةٌ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ لَا تَسْتَغْنِي عَنْ النِّيَّةِ فَيُنْتِجُ كُلُّ مَنْدُوبِ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ النِّيَّةِ وَيُعْكَسُ إلَى لَا مُسْتَغْنٍ عَنْ النِّيَّةِ بِمَنْدُوبٍ الضَّرْبُ (الرَّابِعُ كُلِّيَّتَانِ الثَّانِيَةُ سَالِبَةٌ) وَالْأُولَى مُوجَبَةٌ (يُنْتِجُ جُزْئِيَّةً سَالِبَةً) مِثَالُهُ (كُلُّ مُبَاحٍ مُسْتَغْنٍ) عَنْ النِّيَّةِ (وَكُلُّ وُضُوءٍ لَيْسَ بِمُبَاحٍ فَبَعْضُ الْمُسْتَغْنِي عَنْ النِّيَّةِ لَيْسَ بِوُضُوءٍ بِعَكْسِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ) فَتُعْكَسُ الْأُولَى إلَى مُوجَبَةٍ جُزْئِيَّةٍ، وَهِيَ بَعْضُ الْمُسْتَغْنِي عَنْ النِّيَّةِ مُبَاحٌ.

وَالثَّانِيَةُ إلَى وَكُلُّ مُبَاحٍ لَيْسَ بِوُضُوءٍ ثُمَّ تَضُمُّهَا إلَى الْأُولَى فَيَكُونُ الضَّرْبُ الرَّابِعُ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ وَيُنْتِجُ النَّتِيجَةَ الْمَذْكُورَةَ بِعَيْنِهَا، وَهَذَا بِإِطْلَاقِهِ مَاشٍ عَلَى قَوْلِهِمْ، وَأَمَّا عَلَى مَا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنْ أَنَّ الْمُوجَبَةَ الْكُلِّيَّةَ إذَا تَسَاوَى طَرَفَاهَا تَنْعَكِسُ كَنَفْسِهَا فَنَقُولُ (وَلَوْ كَانَ فِي الْمُوجَبَةِ تَسَاوٍ) بَيْنَ طَرَفَيْهَا (كَانَتْ) النَّتِيجَةُ سَالِبَةً (كُلِّيَّةً) لِكُلِّيَّةِ كِلْتَا الْمُقَدِّمَتَيْنِ عَيْنًا، وَعَكْسًا الضَّرْبُ (الْخَامِسُ جُزْئِيَّةٌ مُوجَبَةٌ وَسَالِبَةٌ كُلِّيَّةٌ كَالرَّابِعِ) أَيْ هُوَ كَالضَّرْبِ الرَّابِعِ مِنْ هَذَا الشَّكْلِ (لَازِمًا وَرَدًّا) إلَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ فَيُنْتِجُ جُزْئِيَّةً سَالِبَةً مِنْ الضَّرْبِ الرَّابِعِ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ بِعَكْسِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ مِثَالُهُ بَعْضُ الْمُبَاحِ مُسْتَغْنٍ عَنْ النِّيَّةِ وَلَا شَيْءَ مِنْ الْوُضُوءِ بِمُبَاحٍ فَبَعْضُ الْمُسْتَغْنِي عَنْ النِّيَّةِ لَيْسَ بِوُضُوءٍ فَتُعْكَسُ الْأُولَى إلَى بَعْضِ الْمُسْتَغْنِي عَنْ النِّيَّةِ مُبَاحٌ وَالثَّانِيَةُ إلَى وَلَا شَيْءَ مِنْ الْمُبَاحِ بِوُضُوءٍ فَيُنْتِجُ اللَّازِمَ الْمَذْكُورَ بِعَيْنِهِ.

(وَيُبَيِّنُ الْكُلَّ) أَيْ الضُّرُوبَ الْخَمْسَةَ مِنْ هَذَا الشَّكْلِ (بِالْخَلْفِ) ، وَهُوَ أَنْ تَضُمَّ نَقِيضَ النَّتِيجَةِ إلَى إحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ لِيُنْتِجَ مَا تَنْعَكِسُ إلَى نَقِيضِ الْأُخْرَى غَيْرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِإِحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ الْمَضْمُومُ إلَيْهَا نَقِيضُ النَّتِيجَةِ فِي الضَّرْبَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ الْمُنْتَجَيْنِ لِلْإِيجَابِ هِيَ الصُّغْرَى وَيَكُونُ النَّقِيضُ هُوَ الْكُبْرَى كَمَا فِي الْخَلْفِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الشَّكْلِ الثَّالِثِ، وَفِي الضُّرُوبِ الثَّلَاثَةِ الْأُخَرِ الْمُنْتَجَةِ لِلسَّلْبِ هِيَ الْكُبْرَى وَيَكُونُ نَقِيضُ النَّتِيجَةِ هُوَ الصُّغْرَى كَمَا فِي الْخَلْفِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الشَّكْلِ الثَّانِي فَنَقُولُ فِي مِثَالِ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ لَوْ لَمْ يَصْدُقْ بَعْضُ الْمُفْتَقِرِ إلَى النِّيَّةِ تَيَمُّمٌ لَصَدَقَ نَقِيضُهُ، وَهُوَ لَا شَيْءَ مِنْ الْمُفْتَقِرِ إلَى النِّيَّةِ بِتَيَمُّمٍ وَتَضُمُّ كُبْرَى إلَى صُغْرَاهُ، وَهِيَ كُلُّ مَا يَلْزَمُ عِبَادَةُ مُفْتَقِر إلَى النِّيَّةِ فَيُنْتِجُ مِنْ الضَّرْبِ الثَّالِثِ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ لَا شَيْءَ مِمَّا يَلْزَمُ عِبَادَةً بِتَيَمُّمٍ وَتُعْكَسُ إلَى لَا شَيْءَ مِنْ التَّيَمُّمِ يَلْزَمُ عِبَادَةً، وَهَذَا يُنَاقِضُ كُبْرَى هَذَا الضَّرْبِ الْمَرْدُودِ فَإِنَّهَا كُلُّ تَيَمُّمٍ يَلْزَمُ عِبَادَةً فَالصَّادِقُ إحْدَاهُمَا لَكِنْ كُبْرَى هَذَا الضَّرْبِ صَادِقَةٌ بِالْفَرْضِ فَيَكُونُ الْكَاذِبُ هَذَا اللَّازِمُ وَكَذِبُهُ بِكَذِبِ مُقَدِّمَتَيْهِ اللَّتَيْنِ هُمَا الْمَلْزُومُ أَوْ بِكَذِبِ إحْدَاهُمَا وَالْفَرْضُ أَنَّ هَذِهِ الصُّغْرَى صَادِقَةٌ فَيَلْزَمُ كَوْنُ الْكَاذِبَةِ هِيَ الْكُبْرَى الَّتِي هِيَ نَقِيضُ الْمَطْلُوبِ فَالْمَطْلُوبُ حَقٌّ.

وَنَقُولُ فِي مِثَالِ الضَّرْبِ الثَّالِثِ لَوْ لَمْ يَصْدُقْ لَا مُسْتَغْنٍ عَنْ النِّيَّةِ بِمَنْدُوبٍ لَصَدَقَ نَقِيضُهُ، وَهُوَ بَعْضُ الْمُسْتَغْنِي عَنْ النِّيَّةِ مَنْدُوبٌ فَيَضُمُّ صُغْرَى إلَى كُبْرَاهُ فَيُنْتِجُ مِنْ الضَّرْبِ الثَّانِي مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ بَعْضُ الْمُسْتَغْنِي عَنْ النِّيَّةِ عِبَادَةٌ وَيَنْعَكِسُ إلَى بَعْضِ الْعِبَادَةِ مُسْتَغْنٍ عَنْ النِّيَّةِ، وَهَذَا يُنَاقِضُ صُغْرَى هَذَا الضَّرْبِ، وَهِيَ كُلُّ عِبَادَةٍ لَا تَسْتَغْنِي عَنْ النِّيَّةِ فَالصَّادِقُ إحْدَاهُمَا لَكِنَّ الصُّغْرَى صَادِقَةٌ

ص: 64