المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[مسألة إذا تعلق النهي بالفعل] - التقرير والتحبير على كتاب التحرير - جـ ١

[ابن أمير حاج]

فهرس الكتاب

- ‌[خِطْبَة الْكتاب]

- ‌[الْمُقَدِّمَةُ أَرْبَعَة أُمُور]

- ‌[الْأَمْرُ الْأَوَّل مَفْهُومُ اسْم هَذَا الْعِلْمِ وَهُوَ لَفْظُ أُصُولِ الْفِقْهِ]

- ‌[الْأَمْر الثَّانِي مَوْضُوع أُصُولِ الْفِقْهِ]

- ‌[الْأَمْر الثَّالِثُ الْمُقَدِّمَاتُ الْمَنْطِقِيَّةُ مَبَاحِثُ النَّظَرِ]

- ‌[الْأَمْرُ الرَّابِعُ اسْتِمْدَاد عِلْم أُصُولُ الْفِقْهِ]

- ‌[الْمَقَالَةُ الْأُولَى فِي الْمَبَادِئِ اللُّغَوِيَّةِ]

- ‌[الْمَقَامُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ مَعْنَى اللُّغَةِ]

- ‌[الْمَقَامُ الثَّانِي فِي بَيَانِ سَبَبِ وَضْعِ لُغَاتِ الْأَنَاسِيِّ]

- ‌[الْمَقَامُ الثَّالِثُ فِي بَيَانِ وَاضِعِ اللُّغَةُ]

- ‌[الْمَقَامُ الرَّابِعُ هَلْ يُحْكَمُ بِاعْتِبَارِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ اللَّفْظِ وَمَعْنَاهُ الْمَوْضُوعِ لَهُ]

- ‌[الْمَقَامُ الْخَامِسُ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعَ لَهُ اللَّفْظُ]

- ‌[الْمَقَامُ السَّادِسُ فِي بَيَانِ طُرُقِ مَعْرِفَةِ اللُّغَاتِ]

- ‌[الْمَقَامُ السَّابِعُ الْقِيَاسَ هَلْ يَجْرِي فِي اللُّغَةِ]

- ‌[الْمَقَامُ الثَّامِنُ فِي تَقْسِيمِ اللَّفْظِ إلَى مهمل ومستعمل]

- ‌[بَيَانِ الْأَقْسَامِ اللَّاحِقَةِ لِلَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ]

- ‌[أَقْسَام الْمُفْرَدِ وَالْمُرَكَّبِ]

- ‌[أَقِسَام اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ]

- ‌[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي انْقِسَامِ اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ]

- ‌[الْفَصْلُ الثَّانِي انْقِسَامِ اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهِ]

- ‌[انْقِسَامِ دَلَالَةُ اللَّفْظ إلَى الْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ]

- ‌[أَقْسَام الْمَفْهُومُ]

- ‌[التَّقْسِيمُ الثَّانِي فِي اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ ظُهُورِ دَلَالَتِهِ]

- ‌[التَّقْسِيمُ الثَّالِثُ لِلْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ الْخَفَاء فِي الدَّلَالَةِ]

- ‌[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ مُقَايَسَتِهِ إلَى مُفْرَدٍ آخَرَ]

- ‌[الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ مَدْلُولِهِ]

- ‌[التَّقْسِيمُ الْأَوَّلُ تَعَدَّى الْمُفْرَدِ إِلَيَّ كُلِّي وجزئي]

- ‌[التَّقْسِيمُ الثَّانِي مَدْلُولُ المفرد إمَّا لَفْظٌ كَالْجُمْلَةِ وَالْخَبَرِ أَوْ غَيْرُهُ]

- ‌[التَّقْسِيمُ الثَّالِثُ تَقْسِيم اللَّفْظَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ وَالصِّيغَةِ]

- ‌[مباحث الْعَامُّ]

- ‌[الْبَحْثُ الْأَوَّلُ هَلْ يُوصَفُ بِالْعُمُومِ الْمَعَانِي الْمُسْتَقِلَّةُ كَالْمُقْتَضَى وَالْمَفْهُومِ]

- ‌[الْبَحْثُ الثَّانِي هَلْ الصِّيَغُ مِنْ أَسْمَاءِ الشَّرْطِ وَالِاسْتِفْهَامِ]

- ‌[الْبَحْثُ الثَّالِثُ لَيْسَ الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ عَامًّا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَيْسَ الْعَامُّ مُجْمَلًا]

- ‌[الْإِجْمَاعِ عَلَى مَنْعِ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ صِيغَةِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ هَلْ يَشْمَلُ النِّسَاءَ وَضْعًا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ هَلْ الْمُشْتَرَكُ عَامٌّ اسْتِغْرَاقِيٌّ فِي مَفَاهِيمِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ خِطَابِ الْوَاحِدِ لَا يَعُمُّ غَيْرَهُ لُغَةً]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْخِطَابِ الَّذِي يَعُمُّ الْعَبِيدَ لُغَةً]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الِاتِّفَاقُ عَلَى عُمُومِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ]

- ‌[الْبَحْثُ الرَّابِعُ الِاتِّفَاقُ عَلَى إطْلَاقِ قَطْعِيِّ الدَّلَالَةِ عَلَى الْخَاصِّ وَعَلَى احْتِمَالِهِ]

- ‌[الْبَحْثُ الْخَامِسُ يَرِدُ عَلَى الْعَامِّ التَّخْصِيصُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرِقُ]

- ‌[مَسْأَلَة شَرْطُ إخْرَاجِهِ أَيْ الْمُسْتَثْنَى مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَقَّبَ الِاسْتِثْنَاءُ جُمَلًا مُتَعَاطِفَةً]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا خُصَّ الْعَامُّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ بِمُجْمَلٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْقَائِلُونَ بِالْمَفْهُومِ الْمُخَالِفِ خَصُّوا بِهِ الْعَامَّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْعَادَةِ وَهِيَ الْأَمْرُ الْمُتَكَرِّرُ مِنْ غَيْرِ عَلَاقَةٍ عَقْلِيَّةٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إفْرَادِ فَرْدٍ مِنْ الْعَامِّ بِحُكْمِهِ أَيْ الْعَامِّ]

- ‌[مَسْأَلَةُ رُجُوعِ الضَّمِيرِ الْوَاقِعِ بَعْدَ الْعَامِّ إلَى الْبَعْضِ مِنْ أَفْرَادِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ تَّخْصِيصُ الْعَامِّ بِالْقِيَاسِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ مُنْتَهَى التَّخْصِيصِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ إذَا اخْتَلَفَ حُكْمُ مُطْلَقٍ وَمُقَيَّدِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ صِيغَةُ الْأَمْرِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْوُجُوبِ لِصِيغَةِ الْأَمْرِ حَقِيقَةً]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تَبَادُرِ كَوْنِ الصِّيغَةِ فِي الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ مَجَازًا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الصِّيغَة أَيْ الْمَادَّة بِاعْتِبَارِ الْهَيْئَة الْخَاصَّةِ لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْفَوْر للأمر ضروري لِلْقَائِلِ بِالتَّكْرَارِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْآمِرُ لِشَخْصٍ بِالْأَمْرِ لِغَيْرِهِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ آمِرًا لِذَلِكَ الْمَأْمُورِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَاقَبَ أَمْرَانِ غَيْرُ مُتَعَاطِفَيْنِ بِمُتَمَاثِلَيْنِ فِي مَأْمُورٍ بِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالنَّفْسِيِّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَلَّقَ النَّهْيُ بِالْفِعْلِ]

الفصل: ‌[مسألة إذا تعلق النهي بالفعل]

هَذَا الْقَبِيلِ وَأَمَّا اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ فِي حَالِ الِاسْتِعْلَاءِ فَفِيهِ خِلَافٌ وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا تَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي الْأَمْرِ

(وَهِيَ) أَيْ هَذِهِ الصِّيغَةُ خَاصٌّ (لِلتَّحْرِيمِ) دُونَ الْكَرَاهَةِ (أَوْ الْكَرَاهَةِ) دُونَ التَّحْرِيمِ أَوْ مُشْتَرَكٌ لَفْظِيٌّ بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ أَوْ مَعْنَوِيٌّ لِوَضْعِهَا لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ طَلَبُ الْكَفِّ اسْتِعْلَاءً أَوْ مُتَوَقَّفٌ فِيهَا بِمَعْنَى لَا نَدْرِي لِأَيِّهِمَا وُضِعَتْ (كَالْأَمْرِ) أَيْ كَصِيغَتِهِ هَلْ هِيَ خَاصٌّ لِلْوُجُوبِ فَقَطْ أَوْ لِلنَّدْبِ فَقَطْ أَوْ مُشْتَرَكٌ لَفْظِيٌّ بَيْنَهُمَا أَوْ مَعْنَوِيٌّ أَوْ مُتَوَقَّفٌ فِيهَا لَا نَدْرِي لِأَيِّهِمَا وُضِعَتْ ثُمَّ يُرِيدُ الْأَمْرَ بِبَاقِي الْمَذَاهِبِ الْمَذْكُورَةِ ثَمَّةَ (وَالْمُخْتَارُ) أَنَّ صِيغَةَ النَّهْيِ حَقِيقَةٌ (لِلتَّحْرِيمِ لِفَهْمِ الْمَنْعِ الْحَتْمِ مِنْ الْمُجَرَّدَةِ) وَهُوَ أَمَارَةُ الْحَقِيقَةِ (وَمَجَازٌ فِي غَيْرِهِ) أَيْ التَّحْرِيمِ لِعَدَمِ تَبَادُرِ الْأَحَدِ الدَّائِرِ فِي التَّحْرِيمِ وَغَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ حَقِيقَةً فِيهِ فَانْتَفَى الِاشْتِرَاكُ الْمَعْنَوِيُّ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ، وَالْمَجَازُ خَيْرٌ مِنْهُ فَتَعَيَّنَ ثَمَّ هَذَا الْحَدُّ النَّفْسِيُّ.

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ نَحْوَهُ غَيْرَ مُنْعَكِسٍ لِصِدْقِهِ عَلَى الْكَرَاهَةِ النَّفْسِيَّةِ (فَمُحَافَظَةُ عَكْسِ النَّفْسِيِّ بِزِيَادَةِ حَتْمٍ، وَإِلَّا دَخَلَتْ الْكَرَاهَةُ النَّفْسِيَّةُ فَالنَّهْيُ) النَّفْسِيُّ (نَفْسُ التَّحْرِيمِ، وَإِذَا قِيلَ مُقْتَضَاهُ) أَيْ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ (يُرَادُ اللَّفْظِيُّ) لِأَنَّ التَّحْرِيمَ نَفْسُ النَّفْسِيِّ لَا مُقْتَضَاهُ (وَتَقْيِيدُ الْحَنَفِيَّةِ التَّحْرِيمَ بِقَطْعِيِّ الثُّبُوتِ وَكَرَاهَتَهُ) أَيْ التَّحْرِيمِ (بِظَنِّيِّهِ) أَيْ الثُّبُوتِ (لَيْسَ خِلَافًا) فِي أَنَّ النَّهْيَ النَّفْسِيَّ نَفْسُ التَّحْرِيمِ (وَلَا تَعَدُّدَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ) فَإِنَّ الثَّابِتَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ طَلَبُ التَّرْكِ حَتْمًا لَيْسَ غَيْرُ، وَهَذَا الطَّلَبُ قَدْ يَصِلُ مَا يَدُلُّ بِهِ عَلَيْهِ بِقَاطِعٍ إلَيْنَا فَيُحْكَمُ بِثُبُوتِ الطَّلَبِ قَطْعًا وَهُوَ التَّحْرِيمُ وَقَدْ يَصِلُ بِظَنِّيٍّ فَيَكُونُ ذَلِكَ الطَّلَبُ مَظْنُونًا فَنُسَمِّيهِ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ

(وَكَوْنُ تَقَدُّمِ الْوُجُوبِ) لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْهُ (قَرِينَةَ الْإِبَاحَةِ) أَيْ كَوْنُ النَّهْيِ لِلْإِبَاحَةِ (ذَكَرَ الْأُسْتَاذُ) أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ (نَفْيَهُ) أَيْ نَفْيَ كَوْنِ تَقَدُّمِهِ قَرِينَةً لِكَوْنِ النَّهْيِ لِلْإِبَاحَةِ (إجْمَاعًا، وَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ) أَيْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ فِي الْبُرْهَانِ ذَكَرَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّ صِيغَةَ النَّهْيِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الْوُجُوبِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْخَطَرِ، وَالْوُجُوبُ السَّابِقُ لَا يَنْتَهِضُ قَرِينَةً فِي حَمْلِ النَّهْيِ عَلَى رَفْعِ الْوُجُوبِ، وَادَّعَى الْوِفَاقَ فِي ذَلِكَ وَلَسْت أَرَى ذَلِكَ مُسَلَّمَا أَمَّا أَنَا فَسَاحِبٌ ذَيْلَ الْوَقْفِ عَلَيْهِ كَمَا قَدَّمْته فِي صِيغَةِ الْأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ وَمَا أَرَى الْمُخَالِفِينَ يُسَلِّمُونَ ذَلِكَ، اهـ.

(لَا يُتَّجَهُ إلَّا بِالطَّعْنِ فِي نَقْلِهِ) أَيْ الْإِجْمَاعِ (وَنَقْلِ الْخِلَافِ) فِيهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ إلَّا تَخْمِينًا فَلَا يَقْدَحُ (إذْ بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ) أَيْ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ (يَلْزَمُ اسْتِقْرَاؤُهُمْ ذَلِكَ) أَيْ أَنَّهُ بَعْدَ الْوُجُوبِ لَيْسَ قَرِينَةَ كَوْنِهِ لِلْإِبَاحَةِ.

(وَمُوجَبُهَا) أَيْ صِيغَةِ النَّهْيِ وَلَوْ اسْمَهَا (الْفَوْرُ وَالتَّكْرَارُ أَيْ الِاسْتِمْرَارُ خِلَافًا لِشُذُوذٍ) ذَهَبُوا إلَى أَنَّهُ مُطْلَقُ الْكَفِّ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى الدَّوَامِ وَالْمَرَّةِ، وَنَصَّ فِي الْمَحْصُولِ عَلَى أَنَّهُ الْمُخْتَارُ، وَفِي الْحَاصِلِ أَنَّهُ الْحَقُّ لِأَنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَالْمَجَازُ وَالِاشْتِرَاكُ اللَّفْظِيُّ خِلَافُ الْأَصْلِ فَيَكُونُ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَأُجِيبُوا بِأَنَّ الْعُلَمَاءَ لَمْ يَزَالُوا يَسْتَدِلُّونَ بِالنَّهْيِ عَلَى التَّرْكِ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ وَلَوْلَا أَنَّهُ لِلدَّوَامِ لَمَا صَحَّ ذَلِكَ وَمِنْ هُنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - حَكَى ابْنُ بَرْهَانٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالتَّكْرَارِ دَوَامَ تَرْكِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ كَانَ مُغْنِيًا عَنْ الْفَوْرِ لِاسْتِلْزَامِهِ إيَّاهُ.

[مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَلَّقَ النَّهْيُ بِالْفِعْلِ]

(مَسْأَلَةٌ: الْأَكْثَرُ إذَا تَعَلَّقَ) النَّهْيُ (بِالْفِعْلِ كَانَ) النَّهْيُ (لِعَيْنِهِ) أَيْ لِذَاتِ الْفِعْلِ أَوْ جُزْئِهِ (مُطْلَقًا) أَيْ حِسِّيًّا كَانَ أَوْ شَرْعِيًّا (وَيَقْتَضِي) النَّهْيُ (الْفَسَادَ شَرْعًا وَهُوَ) أَيْ الْفَسَادُ شَرْعًا (الْبُطْلَانُ) وَهُوَ (عَدَمُ سَبَبِيَّتِهِ) أَيْ خُرُوجِ الْفِعْلِ

ص: 329

عَنْ كَوْنِهِ سَبَبًا (لِحُكْمِهِ) وَثَمَرَتِهِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُ (وَقِيلَ) يَقْتَضِي الْفَسَادَ (لُغَةً وَقِيلَ) يَقْتَضِي الْفَسَادَ (فِي الْعِبَادَاتِ فَقَطْ) كَمَا عَلَيْهِ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَالْإِمَامُ الرَّازِيّ، ثُمَّ الْمَذْكُورُ فِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ " يَدُلُّ " مَكَانَ " يَقْتَضِي " وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ فِي لَفْظِ الِاقْتِضَاءِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْقُبْحَ لَازِمٌ مُتَقَدِّمٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَكُونُ قَبِيحًا فَنَهَى اللَّهُ عَنْهُ لَا أَنَّ النَّهْيَ يُوجِبُ قُبْحَهُ كَمَا هُوَ رَأْيُ الْأَشْعَرِيِّ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي عَامَّةِ مَا هُنَا، فَلْيُتَأَمَّلْ.

(وَالْحَنَفِيَّةُ كَذَلِكَ) أَيْ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ النَّهْيَ الْمُتَعَلِّقَ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ دُونَ اعْتِقَادَاتِهِمْ عَلَى مَا فِي التَّلْوِيحِ يَكُونُ لِعَيْنِ الْفِعْلِ (فِي الْحِسِّيِّ) وَهُوَ (مَا لَا يَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى الشَّرْعِ كَالزِّنَا وَالشُّرْبِ) أَيْ شُرْبِ الْخَمْرِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَتَحَقَّقُ حِسًّا مِمَّنْ يَعْلَمُ الشَّرْعَ وَمَنْ لَا يَعْلَمُهُ وَلَا يَتَوَقَّفُ مَعْرِفَةُ حَقِيقَتِهِ عَلَى الشَّرْعِ (إلَّا بِدَلِيلِ أَنَّهُ) أَيْ النَّهْيَ عَنْ الْفِعْلِ (لِوَصْفٍ مُلَازِمٍ) لِلْفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَيْ قَائِمٍ بِهِ غَيْرِ مُنْفَكٍّ عَنْهُ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ لِغَيْرِهِ إلَّا أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا هُوَ لِعَيْنِهِ (أَوْ) أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ لِوَصْفٍ مُنْفَكٍّ عَنْهُ (مُجَاوِرٍ) لَهُ فَيَكُونُ لِغَيْرِهِ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَا هُوَ لِعَيْنِهِ (كَنَهْيِ قُرْبَانِ الْحَائِضِ) فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْ وَطْئِهَا فِي الْحَيْضِ لِمَعْنَى اسْتِعْمَالِ الْأَذَى، وَهُوَ مُجَاوِرٌ لِلْوَطْءِ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِهِ وَصْفًا لَازِمًا؛ إذْ الْوَطْءُ قَدْ يَنْفَكُّ عَنْهُ كَمَا فِي حَالَةِ الطُّهْرِ (أَمَّا) الْفِعْلُ (الشَّرْعِيُّ) وَهُوَ مَا يَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى الشَّرْعِ (فَلِغَيْرِهِ) أَيْ فَالنَّهْيُ عَنْهُ لِغَيْرِهِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ (وَصْفًا لَازِمًا لِلتَّحْرِيمِ أَوْ كَرَاهَتِهِ) أَيْ التَّحْرِيمِ (بِحَسَبِ الطَّرِيقِ) الْمُوصِلَةِ لَهُ إلَيْنَا مِنْ قَطْعٍ أَوْ ظَنٍّ (لِلُزُومِ الْمَنْهِيِّ) أَيْ لِلُزُومِ ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ مَثَارُ النَّهْيِ بِالْفَرْضِ (كَصَوْمِ) يَوْمِ (الْعِيدِ) فَإِنَّ الصَّوْمَ الشَّرْعِيَّ يَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى الشَّرْعِ، وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَوْمِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ» انْتَهَى. لِمَعْنًى اتَّصَلَ بِالْوَقْتِ الَّذِي هُوَ مَحِلُّ الْأَدَاءِ وَصْفًا لَازِمًا لَهُ وَهُوَ كَوْنُهُ يَوْمَ ضِيَافَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - لِعِبَادِهِ وَفِي الصِّيَامِ إعْرَاضٌ عَنْهَا فَكَانَ حَرَامًا لِلْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِلنَّوَوِيِّ، وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ مُقْتَضَى اصْطِلَاحِ الْحَنَفِيَّةِ نَظَرًا إلَى السَّمْعِيِّ الْمَذْكُورِ كَوْنَهُ مَكْرُوهًا تَحْرِيمًا لِأَنَّهُ غَيْرُ قَطْعِيِّ الثُّبُوتِ (أَوْ) فَالنَّهْيُ عَنْهُ لِغَيْرِهِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ وَصْفًا (مُجَاوِرًا) لَهُ (مُمْكِنٌ الِانْفِكَاكُ) عَنْهُ (فَالْكَرَاهَةُ وَلَوْ) كَانَ طَرِيقُ ثُبُوتِ النَّهْيِ (قَطْعِيًّا كَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ) أَيْ أَذَانِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ زَوَالِ شَمْسِ يَوْمِهَا فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى {وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] لِغَيْرِهِ (لِتَرْكِ السَّعْيِ) أَيْ لِلْإِخْلَالِ بِالسَّعْيِ الْوَاجِبِ إلَى الْجُمُعَةِ وَهُوَ أَمْرٌ مُجَاوِرٌ لِلْبَيْعِ قَابِلٌ لِلِانْفِكَاكِ عَنْهُ فَإِنَّ الْبَيْعَ يُوجَدُ بِدُونِ الْإِخْلَالِ بِالسَّعْيِ بِأَنْ يَتَبَايَعَا فِي الطَّرِيقِ ذَاهِبَيْنِ إلَيْهَا، وَالْإِخْلَالَ بِالسَّعْيِ يُوجَدُ بِدُونِ الْبَيْعِ بِأَنْ يَمْكُثَا فِي الطَّرِيقِ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ

(فَإِنْ نَافَى) الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ لِلنَّهْيِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ (الْأَوَّلَ) وَهُوَ النَّهْيُ عَنْهُ لِوَصْفٍ مُلَازِمٍ (فَبَاطِلٌ) أَيْ فَفِعْلُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بَاطِلٌ (كَنِكَاحِ الْمَحَارِمِ لَيْسَ حُكْمُهُ) أَيْ النِّكَاحِ (إلَّا الْحِلَّ الْمُنَافِيَ لِمُقْتَضَاهُ) أَيْ النَّهْيِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ فَكَانَ نِكَاحُهُنَّ بَاطِلًا فَإِنْ قِيلَ يُشْكِلُ عَلَيْهِ ثُبُوتُ النَّسَبِ وَعَدَمُ وُجُوبِ الْحَدِّ فَالْجَوَابُ لَا فَإِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَيْسَتْ حُكْمَ الْعَقْدِ بَلْ حُكْمَ شَيْءٍ آخَرَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ (وَعَدَمُ الْحَدِّ وَثُبُوتُ النَّسَبِ حُكْمُ الشُّبْهَةِ) أَيْ صُورَةُ الْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ هَذَا، وَعَدَمُ الْحَدِّ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَزُفَرَ وَثُبُوتُ النَّسَبِ وَوُجُوبُ الْعِدَّةِ أَيْضًا قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ تَفْرِيعًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ ثُبُوتَهُ وَوُجُوبَهَا لِأَنَّ أَقَلَّ مَا يَبْتَنِي كِلَاهُمَا عَلَيْهِ وُجُودُ الْحِلِّ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ

ص: 330

مُنْتَفٍ فِي الْمَحَارِمِ وَعَلَى هَذَا لَا وُرُودَ لِلْإِشْكَالِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّسَبِ وَالْعِدَّةِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ فَلَا إشْكَالَ أَصْلًا إذَا عَلِمَ بِالتَّحْرِيمِ لِإِيجَابِهِمْ الْحَدَّ عَلَيْهِ وَعَدَمَ وُجُوبِ الْعِدَّةِ وَثُبُوتِ النَّسَبِ، وَيُورَدُ الْإِشْكَالُ بِعَدَمِ الْحَدِّ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالتَّحْرِيمِ عَلَى قَوْلِهِمْ، وَيُدْفَعُ بِأَنَّهُ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ، فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَيَجِبُ مِثْلُهُ) أَيْ هَذَا وَهُوَ الْبُطْلَانُ (فِي الْعِبَادَاتِ) سَوَاءٌ كَانَ النَّهْيُ عَنْهَا لِوَصْفٍ مُلَازِمٍ أَوْ لَا، لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَنْتَهِضْ سَبَبًا لِحُكْمِهَا الَّذِي شُرِعَتْ لَهُ تَحَقَّقَتْ بِوَصْفِ الْبَاطِلِ، إذْ تَصِيرُ عَدِيمَةَ الْفَائِدَةِ، وَهَذَا بَحْثُ الْمُصَنِّفِ وَاخْتِيَارُهُ وَرَتَّبَ عَلَيْهِ خِلَافًا لَهُمْ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ.

(كَصَوْمِ الْعِيدِ) فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْهُ لِمَعْنًى مُلَازِمٍ وَهُوَ الْإِعْرَاضُ عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَكَانَ بَعْدَ كَوْنِهِ حَرَامًا لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ بَاطِلًا (لِعَدَمِ الْحِلِّ وَالثَّوَابِ) أَيْ لِانْتِفَاءِ صِفَةِ الْحِلِّ وَسَبَبِيَّتِهِ لِلثَّوَابِ وَهُوَ الَّذِي شُرِعَ لَهُ الْعِبَادَةُ النَّافِلَةُ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلَى عَدَمِ حِلِّ الشُّرُوعِ فِيهِ عَدَمَ لُزُومِ الْقَضَاءِ بِالْإِفْسَادِ فَقَالَ (فَوَجَبَ عَدَمُ الْقَضَاءِ بِالْإِفْسَادِ لِأَنَّ وُجُوبَهُ) أَيْ الْقَضَاءِ بِالْإِفْسَادِ (يَتْبَعُهُ) أَيْ حِلَّ ابْتِدَاءِ الشُّرُوعِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَصِحَّ النَّذْرُ بِهِ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ» لَكِنَّهُ يَصِحُّ فَالْجَوَابُ الْمَنْعُ (وَصِحَّةُ نَذْرِهِ لِأَنَّهُ) أَيْ نَذْرَهُ (غَيْرُ مُتَعَلِّقِهِ) الَّذِي هُوَ مُبَاشَرَةُ الصَّوْمِ الْمَنْذُورِ فِيهِ فَصَحَّ (لِيَظْهَرَ) أَثَرُهُ (فِي الْقَضَاءِ تَحْصِيلًا لِلْمَصْلَحَةِ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ صِحَّةَ النَّذْرِ بِهِ تَتْبَعُ وُجُودَ الْمَصْلَحَةِ، لِأَنَّ شَرْعَ الْمَشْرُوعَاتِ كُلِّهَا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَفِي تَصْحِيحِ النَّذْرِ بِهِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ يَنْعَقِدَ بِهِ لِيَظْهَرَ فِي الْقَضَاءِ فَيَحْصُلَ بِهِ فَمَا انْعَقَدَ إلَّا مُوجِبًا لِلْقَضَاءِ (فَيَجِبُ) عَلَى هَذَا (أَنْ لَا يَبْرَأَ) النَّاذِرُ (بِصَوْمِهِ) لَكِنَّهُمْ قَائِلُونَ بِخُرُوجِهِ عَنْ نَذْرِهِ بِصِيَامِهِ مَعَ الْعِصْيَانِ لِأَنَّهُ نَذَرَ مَا هُوَ نَاقِصٌ، وَأَدَّاهُ كَمَا الْتَزَمَهُ وَلَمَّا كَانَ هَذَا مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ مُوجَبَ النَّذْرِ وُجُوبُ أَدَائِهِ فَإِذَا لَمْ يُؤَدِّهِ حِينَئِذٍ يُوجِبُ خَلْفَهُ مِنْ الْقَضَاءِ دَفَعَهُ بِقَوْلِهِ (فَإِنْ لَزِمَ فِيهَا) أَيْ فِي صِحَّةِ النَّذْرِ (وُجُوبُ الْأَدَاءِ) لِلْمَنْذُورِ (أَوَّلًا وَجَبَ نَفْيُهَا) أَيْ صِحَّةِ النَّذْرِ بِهِ لِأَنَّهُ نَذْرٌ بِمَعْصِيَةٍ وَهِيَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، غَيْرَ أَنَّا إنَّمَا صَحَّحْنَا حَمْلًا لِلنَّهْيِ عَلَى مَا إذَا نَذَرَ بِمَعْصِيَةٍ لِيَفْعَلَهَا أَمَّا إذَا نَذَرَ بِمَعْصِيَةٍ لَهَا قَضَاءً هُوَ عِبَادَةٌ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الشَّرْعِ نَفْيُهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ» نَفْيُ النَّذْرِ أَنْ يُوجِبَهَا وَحِينَئِذٍ فَيَجِبُ فِي تَصْحِيحِ النَّذْرِ بِصَوْمِ الْعِيدِ الِاعْتِبَارُ الَّذِي ذَكَرَهُ فَإِنْ أَبَوْا، إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ لِصِحَّتِهِ كَوْنُهُ يُوجِبُ أَوَّلًا نَفْسَ الْمَنْذُورِ مَنَعْنَا صِحَّةَ النَّذْرِ حِينَئِذٍ (خِلَافًا لَهُمْ) أَيْ لِلْحَنَفِيَّةِ فِي الْفَصْلَيْنِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ وَهُمَا وُجُوبُ أَنْ لَا يَبْرَأَ بِصَوْمِهِ إنْ كَانَتْ صِحَّةُ النَّذْرِ لَيْسَتْ إلَّا لِتَظْهَرَ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لَوْ صَامَ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ وَصِحَّةِ النَّذْرِ إنْ كَانَ أَثَرُهُ فِي إيجَابِ الْأَدَاءِ أَوَّلًا لِأَنَّهُ تَصْحِيحُ نَذْرٍ بِمَعْصِيَةٍ ثُمَّ هَذَا الْمَذْكُورُ مِنْ إطْلَاقِ صِحَّةِ نَذْرِ صَوْمِ يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَأَنَّهُ يُفْطِرُ وَيَقْضِي وَلَوْ صَامَهَا أَجْزَأَهُ هُوَ الْمَسْطُورُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ وَفِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ لِلْحَدَّادِيِّ: رَجُلٌ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ النَّحْرِ صَحَّ نَذْرُهُ عِنْدَنَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَبِهِ قَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ وَالتَّوْفِيقُ: إذَا عَيَّنَ النَّذْرَ بِيَوْمِ النَّحْرِ لَا يَصِحُّ

ص: 331

فَتُحْمَلُ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ عَلَى هَذَا، وَإِنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ غَدٍ فَكَانَ الْغَدُ يَوْمَ النَّحْرِ يَلْزَمُ صَوْمُهُ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، اهـ.

قُلْت وَقَدْ رَوَى هَذَا التَّفْصِيلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْحَسَنُ عَلَى مَا فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ إطْلَاقُ الصِّحَّةِ كَمَا فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ وَيَتَلَخَّصُ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ: الصِّحَّةُ مُطْلَقًا وَهِيَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَمَنْعُهَا مُطْلَقًا، وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ وَابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْهُ أَيْضًا كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ كَمَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالتَّفْصِيلُ وَهِيَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْهُ يُوَافِقُهُ مَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ فَوَافَقَ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ نَحْرٍ يَقْضِيهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا نَصَّ عَلَى يَوْمِ النَّحْرِ فَقَدْ صَرَّحَ بِمَا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ فَصَارَ كَقَوْلِهَا: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمِ حَيْضِي - فَلَا يَصِحُّ - وَغَدًا، وَهُوَ يَوْمُ حَيْضِهَا، فَيَصِحُّ لَكِنَّ الْمَسْطُورَ فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا عَزْوُ هَذَا إلَى أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِزُفَرَ ثُمَّ تَوْجِيهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ بِأَنَّ مَا يُوجِبُهُ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الصَّوْمِ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ بِمَنْزِلَةِ مَا يُوجِبُهُ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَيْهِ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَوْ حَاضَتْ فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ لَزِمَهَا قَضَاؤُهُ فَكَذَا هَذَا كَمَا فِي شَرْحِ الْحَدَّادِيِّ غَيْرُ وَجِيهٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَأَوْجَهُ مِنْهُ مَا قِيلَ لِأَنَّهُ أُضِيفَ إلَى الْيَوْمِ وَهُوَ مَحِلُّهُ.

وَاعْتِرَاضُ الْحَيْضِ مَنَعَ الْأَدَاءَ لَا الْوُجُوبَ عِنْدَ صُدُورِ النَّذْرِ، وَصَارَ كَنَذْرِهَا صَوْمَ غَدٍ فَجُنَّتْ يَجِبُ الْقَضَاءُ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ أَوْ صَوْمَ غَدٍ، وَهِيَ حَائِضٌ يَجِبُ الْقَضَاءُ لِتَصَوُّرِ انْقِطَاعِ الدَّمِ، وَالْمَسْأَلَتَانِ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ بِخِلَافِ " يَوْمَ حَيْضِي " لِأَنَّهَا لَمْ تُضِفْهُ إلَى مَحِلِّهِ شَرْعًا.

قُلْت: عَلَى أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا يَتِمُّ هَذَا الْقِيَاسُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْحَيْضَ لَا يَلْزَمُ وُجُودُهُ فِي غَدٍ، وَإِنْ كَانَ يَوْمَ عَادَتِهَا بِخِلَافِ الْأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ إذَا نَذَرَ صِيَامَهَا مِنْ غَيْرِ نَصٍّ عَلَيْهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مُحَقَّقَةُ الْوُقُوعِ فِي غَدٍ وَنَحْوِهِ فِيمَا إذَا ثَبَتَ شَرْعًا تَعَيُّنُهَا لِذَلِكَ وَقْتَ النَّذْرِ، ثُمَّ قِيلَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ نَذْرِ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَنَذْرِهَا صَوْمَ يَوْمِ حَيْضِهَا إنَّ الْحَيْضَ وَصْفٌ لِلْمَرْأَةِ لَا لِلْيَوْمِ وَقَدْ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّ طَهَارَتَهَا شَرْطٌ لِأَدَائِهِ فَلَمَّا عَلَّقَتْ النَّذْرَ بِصِفَةٍ لَا تَبْقَى مَعَهَا أَصْلًا لِلْأَدَاءِ لَمْ يَصِحَّ كَالرَّجُلِ يَقُولُ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمًا أَكَلْت فِيهِ بِخِلَافِ نَذْرِ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَا يُعَرَّى عَنْ تَأَمُّلٍ.

(وَمَا خَالَفَ) مَا ذَكَرْنَا مِنْ وُجُوبِ بُطْلَانِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا نَهْيُ التَّحْرِيمِ (فَلِدَلِيلٍ كَالصَّلَاةِ) النَّافِلَةِ (فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ عَلَى ظَنِّهِمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُمْ حَكَمُوا بِصِحَّتِهَا مَعَ النَّهْيِ الْمُحَرِّمِ أَوْ الْمُوجِبِ لِكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالسُّنَنِ الْأَرْبَعِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَزُولَ وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» .

وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ " عَلَى ظَنِّهِمْ " إلَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِظَنِّهِمْ ثُمَّ لَمَّا كَانَ حَاصِلُ وَجْهِ ظَنِّهِمْ أَنَّ النَّهْيَ تَعَلَّقَ بِمُسَمَّى الصَّلَاةِ، وَمُسَمَّاهَا مَجْمُوعُ الْأَرْكَانِ وَبِمُجَرَّدِ الشُّرُوعِ لَا تَتَحَقَّقُ الْأَرْكَانُ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فَصَحَّ الشُّرُوعُ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ النَّهْيِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْإِمْسَاكِ بِنِيَّةٍ يَكُونُ مُرْتَكِبًا لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَلَا يَلْزَمُ الْمُضِيُّ فِيهِ لِيَلْزَمَ الْقَضَاءُ بِالْإِفْسَادِ، أَشَارَ إلَيْهِ مَعَ دَفْعِهِ بِقَوْلِهِ (وَكَوْنُ مُسَمَّاهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْأَرْكَانِ لَا يَقْتَضِي) إفْسَادُهَا (وُجُوبَ الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ) أَيْ وُجُوبَ الْقَضَاءِ بِالْإِفْسَادِ (بِوُجُوبِ الْإِتْمَامِ قَبْلَ الْإِفْسَادِ وَالثَّابِتُ نَقِيضُهُ) أَيْ نَقِيضُ وُجُوبِ الْإِتْمَامِ وَهُوَ حُرْمَةُ الْإِتْمَامِ (وَيَلْزَمُ)

ص: 332

أَيْضًا (أَنْ تَفْسُدَ) الصَّلَاةُ (بَعْدَ رَكْعَةٍ) لِارْتِكَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ حِينَئِذٍ (وَهُوَ) أَيْ الْفَسَادُ بَعْدَ رَكْعَةٍ (مُنْتَفٍ عِنْدَهُمْ فَالْوَجْهُ أَنْ لَا يَصِحَّ الشُّرُوعُ لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ مِنْ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَلَا مُخَلِّصَ إلَّا بِجَعْلِهَا) أَيْ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ النَّافِلَةِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ الْمَكْرُوهَةِ (تَنْزِيهِيَّةً وَهُوَ) أَيْ وَجَعْلُهَا تَنْزِيهِيَّةً (مُنْتَفٍ إلَّا عِنْدَ شُذُوذٍ. أَمَّا الْبَيْعُ فَحُكْمُهُ الْمِلْكُ وَيَثْبُتُ)

الْمِلْكُ (مَعَ الْحُرْمَةِ فَيَثْبُتُ) الْبَيْعُ مَعَ النَّهْيِ (مُسْتَعْقِبًا لَهُ) أَيْ لِلْمِلْكِ حَالَ كَوْنِهِ (مَطْلُوبَ التَّفَاسُخِ رَفْعًا لِلْمَعْصِيَةِ إلَّا بِدَلِيلِ الْبُطْلَانِ وَهُوَ) أَيْ وَثُبُوتُ الْمِلْكِ مَطْلُوبَ التَّفَاسُخِ (فَسَادُ الْمُعَامَلَةِ عِنْدَهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَيَّدَ بِهَا لِيُخْرِجَ الْعِبَادَةَ، فَإِنَّ فَسَادَهَا عِنْدَهُمْ وَبُطْلَانَهَا سَوَاءٌ، إنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَسَادِ وَالْبُطْلَانِ فِي الْمُعَامَلَاتِ فَإِنَّ مُقْتَضَى النَّهْيِ هُوَ التَّحْرِيمُ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَا يُنَافِي حُكْمَهُ مِنْ الْمِلْكِ فَلَمْ يَكُنْ النَّهْيُ مَانِعًا مِنْ ثُبُوتِ حُكْمِهِ، وَهُوَ نَفْسُ الصِّحَّةِ وَمَعَ كَوْنِهِ مَطْلُوبَ التَّفَاسُخِ هُوَ الْفَسَادُ (بِخِلَافِ بَيْعِ الْمَضَامِينِ) جَمْعُ مَضْمُونٍ مِنْ ضَمِنَ الشَّيْءَ بِمَعْنَى تَضَمَّنَهُ مَا تَضَمَّنَهُ صُلْبُ الْفَحْلِ مِنْ الْوَلَدِ، فَيَقُولُ: بِعْت الْوَلَدَ الَّذِي يَحْصُلُ مِنْ هَذَا الْفَحْلِ فَإِنَّهُ (بَاطِلٌ) لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى ثُبُوتِ الْبُطْلَانِ فِيهِ مَعَ النَّهْيِ عَنْهُ.

فَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ الْمَضَامِينِ» ، وَالدَّلِيلُ كَوْنُ النَّهْيِ عَنْهُ (لِعَدَمِ الْمَحَلِّ) أَيْ مَحَلِّيَّتِهِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْبَيْعِ لِأَنَّ الْمَاءَ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ مِنْهُ الْحَيَوَانُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَالْحُكْمُ لَا يَثْبُتُ إلَّا فِي الْمَحَلِّ فَكَانَ بَاطِلًا بِالضَّرُورَةِ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ حَقَّ الْعِبَادَةِ أَنْ يُقَالَ رَفْعًا لِلْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ فَسَادُ الْمُعَامَلَةِ عِنْدَهُمْ إلَّا بِدَلِيلِ الْبُطْلَانِ كَبَيْعِ الْمَضَامِينِ إلَى آخِرِهِ، فَلْيُتَأَمَّلْ.

(أَمَّا الْأَوَّلُ) أَيْ كَوْنُ حُكْمِ الْبَيْعِ الْمِلْكَ (فَلِعَدَمِ النَّافِي) لَهُ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ (وَوُجُودِ الْمُقْتَضِي، وَهُوَ الْوَضْعُ الشَّرْعِيُّ) لِأَنَّ الشَّرْعَ وَضَعَ الْبَيْعَ - وَهُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ - لِإِثْبَاتِ الْمِلْكِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ سِوَى نَهْيِهِ عَنْهُ إذَا كَانَ بِصِفَةِ كَذَا، وَهَذَا الْقَدْرُ لَا يُوجِبُ تَخَلُّفَ مُقْتَضَى ذَلِكَ الْوَضْعِ (لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الْقَائِلَ: لَا تَفْعَلْهُ) أَيْ: لَا تَفْعَلْ مَا جَعَلْته سَبَبًا لِكَذَا (عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَإِنْ فَعَلْت) ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ (ثَبَتَ حُكْمُهُ وَعَاقَبْتُك لَمْ يُنَاقِضْ) قَوْلُهُ الثَّانِي قَوْلَهُ الْأَوَّلَ فَكَانَ إثْبَاتُ الْبُطْلَانِ وَنَفْيُ حُكْمِ التَّصَرُّفِ مِنْ مُجَرَّدِ النَّهْيِ لِوَصْفٍ لَازِمٍ قَوْلًا بِلَا دَلِيلٍ مُوجِبٍ.

(وَقَوْلُهُمْ) أَيْ الشَّافِعِيَّةِ النَّهْيُ عَنْ الْبَيْعِ (ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ ثُبُوتِهِ) أَيْ الْمِلْكِ فِيهِ (شَرْعًا مَمْنُوعٌ) فَإِنَّ أَثَرَ النَّهْيِ لَيْسَ إلَّا فِي التَّحْرِيمِ، وَقَدْ فُرِضَ أَنَّهُ لَا يُضَادُّ حُكْمَهُ (فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ شَرْعًا فِي بَيْعِ الرِّبَا وَالشَّرْطِ) الْمُفْسِدِ حَالَ كَوْنِهِ (مَطْلُوبَ الْفَسْخِ) رَفْعًا لِلْمَعْصِيَةِ (وَيَلْزَمُهُ الصِّحَّةُ بِإِسْقَاطِ الزِّيَادَةِ فِي الشَّرْطِ لِأَنَّهُ) أَيْ كُلًّا مِنْ الزِّيَادَةِ وَالشَّرْطِ هُوَ (الْمُفْسِدُ) وَقَدْ زَالَ إلَّا أَنَّ بُعْدَ كَوْنِ هَذَا قَوْلَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِزُفَرِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ هُوَ فِي بَعْضِ الْمُفْسِدَاتِ بِشَرْطٍ فِيهِ، وَمَحَلُّ هَذِهِ الْجُمْلَةِ كُتُبُ الْفُرُوعِ (وَأَمَّا الثَّانِي) أَيْ لُزُومُ التَّفَاسُخِ (فَلِرَفْعِ الْمَعْصِيَةِ وَيُصَرِّحُ بِثُبُوتِ الِاعْتِبَارَيْنِ) أَيْ اسْتِعْقَابِ الْحُكْمِ مَطْلُوبَ التَّفَاسُخِ مِنْ غَيْرِ الْعِبَادَاتِ ()(طَلَاقُ الْحَائِضِ) الْمَدْخُولِ بِهَا فِي الْحَيْضِ (ثَبَتَ حُكْمُهُ، وَأُمِرَ بِالرَّجْعَةِ رَفْعًا) لِلْمَعْصِيَةِ (بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ) فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَتَغَيَّظَ فِيهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَالَ لِيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فَتِلْكَ الْعِدَّةُ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى» (بِخِلَافِ مَا لَا يُمْكِنُ) رَفْعُهُ (كَحِلِّ مَذْبُوحِ مِلْكِ الْغَيْرِ) فَإِنَّهُ لَا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ عَلَى

ص: 333

رَفْعِ الْمَعْصِيَةِ اللَّازِمَةِ مِنْ ذَبْحِهِ حَيَوَانَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِإِعَادَتِهِ إلَى مِلْكِ الْغَيْرِ وَبِهِ الرُّوحُ، فَلَا يَكُونُ مَأْمُورًا بِذَلِكَ، وَالْمُفِيدُ لِهَذَا مَا أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ» ، وَمَا أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَارَ قَوْمًا مِنْ الْأَنْصَارِ فِي دَارِهِمْ فَذَبَحُوا لَهُ شَاةً فَصَنَعُوا لَهُ مِنْهَا طَعَامًا فَأَخَذَ مِنْ اللَّحْمِ شَيْئًا فَلَاكَهُ فَمَضَغَهُ سَاعَةً لَا يُسِيغُهُ فَقَالَ مَا شَأْنُ هَذَا اللَّحْمِ؟ . قَالُوا شَاةٌ لِفُلَانٍ ذَبَحْنَاهَا حَتَّى يَجِيءَ فَنُرْضِيَهُ مِنْ ثَمَنِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَطْعِمُوهَا الْأَسْرَى» (قَالُوا) أَيْ الذَّاهِبُونَ إلَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْبُطْلَانِ مُطْلَقًا: (لَمْ تَزَلْ الْعُلَمَاءُ) فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ (يَسْتَدِلُّونَ بِهِ) أَيْ النَّهْيِ (عَلَى الْفَسَادِ أَيْ الْبُطْلَانِ) مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ عَلَيْهِمْ فَهُوَ إجْمَاعٌ مِنْهُمْ عَلَى فَهْمِ ذَلِكَ مِنْهُ (قُلْنَا) إنَّمَا لَمْ يَزَالُوا يَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى الْبُطْلَانِ (فِي الْعِبَادَاتِ وَمَعَ الْمُقْتَضِي فِي غَيْرِهَا) أَيْ وَعَلَى الْبُطْلَانِ فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ مَعَ الْمُقْتَضِي لِلْبُطْلَانِ (وَإِلَّا) فَحَيْثُ لَا مُقْتَضَى لِلْبُطْلَانِ فِيهَا (فَعَلَى مُجَرَّدِ التَّحْرِيمِ) أَيْ فَإِنَّمَا يَسْتَدِلُّونَ عَلَى مُجَرَّدِ تَحْرِيمِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (وَلَوْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِالْبُطْلَانِ) أَيْ بِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْبُطْلَانِ فِي الْمُعَامَلَاتِ (فَكَقَوْلِكُمْ وَبِهِ) أَيْ بِهَذَا الدَّلِيلِ (اُسْتُدِلَّ لِلُّغَةِ) أَيْ بِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْبُطْلَانِ لُغَةً (وَمُنِعَ بِأَنَّ فَهْمَهُ) أَيْ الْبُطْلَانِ مِنْهُ (شَرْعًا) لِأَنَّ فَسَادَ الشَّيْءِ أَيْ بُطْلَانَهُ عِبَارَةٌ عَنْ سَلْبِ أَحْكَامِهِ وَلَيْسَ فِي لَفْظِ النَّهْيِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لُغَةً قَطْعًا.

(قَالُوا) أَيْ الذَّاهِبُونَ إلَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ أَيْ الْبُطْلَانِ لُغَةً: (الْأَمْرُ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ فَضِدُّهُ) وَهُوَ النَّهْيُ يَقْتَضِي (ضِدَّهَا) وَهُوَ الْفَسَادُ أَيْ الْبُطْلَانُ (أُجِيبَ بِمَنْعِ اقْتِضَائِهِ) أَيْ الْأَمْرِ الصِّحَّةَ (لُغَةً وَلَوْ سُلِّمَ) أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ (فَيَجُوزُ اتِّحَادُ أَحْكَامِ الْمُتَقَابِلَاتِ) لِجَوَازِ اشْتِرَاكِهَا فِي لَازِمٍ وَاحِدٍ (وَلَوْ سُلِّمَ) أَنَّ أَحْكَامَ الْمُتَقَابِلَةِ مُتَقَابِلَةٌ (فَاللَّازِمُ عَدَمُ اقْتِضَاءِ الصِّحَّةِ لَا اقْتِضَاءُ عَدَمِهَا) وَالْأَوَّلُ أَعَمُّ، وَالْأَعَمُّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ (وَدَلِيلُ تَفْصِيلِهِمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (فِيمَا) يَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُ لِقُبْحٍ (لِعَيْنِهِ وَغَيْرِهِ أَمَّا فِي الْحِسِّيِّ فَالْأَصْلُ) أَيْ فَلِأَنَّ كَوْنَهُ قَبِيحًا لِعَيْنِهِ هُوَ الْأَصْلُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَثْبُتَ الْقُبْحُ بِاقْتِضَاءِ النَّهْيِ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا فِي غَيْرِهِ فَلَا يُتْرَكُ الْأَصْلُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَلَا ضَرُورَةَ هُنَا لِإِمْكَانِ تَحَقُّقِ الْحِسِّيَّاتِ مَعَ صِفَةِ الْقُبْحِ لِأَنَّهَا تُوجَدُ حِسًّا، فَلَا يَمْتَنِعُ وُجُودُهَا بِسَبَبِ الْقُبْحِ إلَّا إذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ كَالنَّهْيِ عَنْ الْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَأَمَّا فِي الشَّرْعِيِّ فَلَوْ) كَانَ النَّهْيُ عَنْهُ (لِعَيْنِهِ) لِقُبْحِهَا (امْتَنَعَ الْمُسَمَّى شَرْعًا) لِامْتِنَاعِ وُجُودِ الْقَبِيحِ شَرْعًا (فَحَرُمَ نَفْسُ الصَّوْمِ وَالْبَيْعِ لَكِنَّهُمَا ثَابِتَانِ فَكَانَ) الشَّرْعِيُّ (مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ لَا وَصْفِهِ بِالضَّرُورَةِ، وَقِيلَ لَوْ كَانَ) الْقُبْحُ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ الشَّرْعِيِّ لِعَيْنِهِ (امْتَنَعَ النَّهْيُ لِامْتِنَاعِ الْمَنْهِيِّ) حِينَئِذٍ لَكِنَّ النَّهْيَ وَاقِعٌ فَكَذَا الْمَنْهِيُّ (وَدُفِعَ بِأَنَّ امْتِنَاعَهُ) أَيْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (لَا يَمْنَعُ تَصَوُّرَهُ) أَيْ وُجُودِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (حِسًّا وَهُوَ) أَيْ تَصَوُّرُهُ حِسًّا (مُصَحِّحٌ النَّهْيَ، وَهُوَ) أَيْ هَذَا الدَّفْعُ (بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ لِلصُّورَةِ) فَقَطْ (وَهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ (يَمْنَعُونَهُ) أَيْ كَوْنَهُ لِلصُّورَةِ فَقَطْ (بَلْ) هُوَ عِنْدَهُمْ لَهَا (بِقَيْدِ الِاعْتِبَارِ) وَهُوَ مُنْتَفِي التَّحَقُّقِ.

(قَالُوا) أَيْ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الِاسْمَ الشَّرْعِيَّ لِلصُّورَةِ فَقَطْ: (النَّهْيُ) النَّفْسِيُّ (عَنْ صَلَاةِ الْحَائِضِ) وَهُوَ مَا فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ» (وَ) النَّهْيُ

ص: 334

عَنْ (صَوْمِ الْعِيدِ) وَتَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ قَرِيبًا (وَلُزُومُ كَوْنِ مِثْلِ الطَّهَارَةِ) مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ (جُزْءَ مَفْهُومِ الْمَشْرُوطِ) الَّذِي هُوَ الصَّلَاةُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ الْمُعْتَبَرَةَ هِيَ الْمَفْعُولَةُ بِشُرُوطِهَا وَهُوَ بَاطِلٌ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهَا شُرُوطٌ لَا أَرْكَانٌ (وَ) لُزُومُ (بُطْلَانِ صَلَاةٍ فَاسِدَةٍ) لِلْمُنَافَاةِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ وَصْفِهَا بِالْفَسَادِ (يُوجِبُهُ) أَيْ كَوْنَ الِاسْمِ بِإِزَاءِ الْهَيْئَةِ فَقَطْ لِأَنَّ الْمُتَصَوَّرَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الصُّورَةُ فَقَطْ.

(الْجَوَابُ) الْمَنْعُ بَلْ (إنَّمَا تُوجِبُ) النَّهْيَ عَنْ صَلَاةِ الْحَائِضِ وَصَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ وَقَوْلِهِمْ " صَلَاةٍ فَاسِدَةٍ "(صِحَّةُ التَّرْكِيبِ وَلَا يَسْتَلْزِمُ) صِحَّةُ التَّرْكِيبِ (الْحَقِيقَةَ) أَيْ كَوْنَ الِاسْمِ حَقِيقَةً فِي الصُّورَةِ فَقَطْ (فَالِاسْمُ مَجَازٌ شَرْعِيٌّ فِي الْجُزْءِ) الَّذِي هُوَ الصُّورَةُ (لِلْقَطْعِ بِصِدْقِ لَمْ يَصُمْ لِلْمُمْسِكِ حِمْيَةً) مَعَ وُجُودِ الصُّورَةِ وَلَوْ كَانَ الِاسْمُ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً لِلصُّورَةِ فَقَطْ لَمْ يَصْدُقْ (وَالْوَضْعُ لَمَّا وُجِدَ شَرْطُهُ لَا يَسْتَلْزِمُ اعْتِبَارَ الشَّرْطِ جُزْءًا) مِنْهُ فَانْتَفَى لُزُومُ كَوْنِ الشَّرْطِ جُزْءَ مَفْهُومِ الْمَشْرُوطِ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ آلَ كَلَامُهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ (إلَى أَنَّ مُصَحِّحَ النَّهْيِ جُزْءُ الْمَفْهُومِ، وَهُوَ مُجَرَّدُ الْهَيْئَةِ، فَسَلَّمُوا قَوْلَ الْخَصْمِ) فِي الْمَعْنَى لِمُوَافَقَتِهِمْ لَهُ عَلَى أَنَّ مُصَحِّحَ النَّهْيِ الْوُجُودُ الْحِسِّيُّ لِلْمَنْهِيِّ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الِاسْمَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ لِلصُّورَةِ فَقَطْ أَوْ بِقَيْدِ الِاعْتِبَارِ.

(غَيْرَ أَنَّ ضَعْفَ الدَّلِيلِ) الْمُعَيِّنِ (لَا يُبْطِلُ الْمَدْلُولَ) لِجَوَازِ ثُبُوتِهِ بِغَيْرِهِ (وَيَكْفِيهِمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةَ (مَا ذَكَرْنَاهُ لَهُمْ) مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِعَيْنِهِ لَامْتَنَعَ الْمُسَمَّى لِامْتِنَاعِ كَوْنِهِ قَبِيحًا لِعَيْنِهِ حَالَ كَوْنِهِ مُتَّصِفًا بِكَوْنِهِ مَشْرُوعًا لِلشَّارِعِ.

(تَنْبِيهٌ لَمَّا قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ بِحُسْنِ بَعْضِ الْأَفْعَالِ وَقُبْحِهَا لِنَفْسِهَا وَغَيْرِهَا كَانَ تَعَلُّقُ النَّهْيِ الشَّرْعِيِّ بِاعْتِبَارِ الْقُبْحِ مَسْبُوقًا بِهِ) أَيْ بِالْقُبْحِ (ضَرُورَةَ حِكْمَةِ النَّاهِي) لِأَنَّ الْحَكِيمَ لَا يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ إلَّا لِقُبْحِهِ، قَالَ تَعَالَى {وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [النحل: 90] (لَا) أَنَّهُ يَكُونُ (مَدْلُولَ الصِّيغَةِ فَانْقَسَمَ مُتَعَلِّقُهُ) أَيْ النَّهْيِ (إلَى حِسِّيٍّ فَقُبْحُهُ لِنَفْسِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَلَا جِهَةَ مُحَسَّنَةٌ فَلَا تَقْبَلُ حُرْمَتُهُ النَّسْخَ وَلَا يَكُونُ سَبَبَ نِعْمَةٍ كَالْعَبَثِ) أَيْ اللَّعِبِ لِخُلُوِّهِ عَنْ الْفَائِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ (وَالْكُفْرِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْكُفْرَانِ بِالْمُنْعِمِ بِجَلَائِلِ النِّعَمِ وَدَقَائِقِهَا، وَقُبْحُ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَكُفْرَانِ الْمُنْعِمِ مَرْكُوزٌ فِي الْعُقُولِ بِحَيْثُ لَا يُتَصَوَّرُ جَرَيَانُ النَّسْخِ فِيهِ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ: إنَّهُ قَبِيحٌ لِعَيْنِهِ أَنَّ عَيْنَ الْفِعْلِ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ النَّهْيُ قَبِيحٌ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِمَعْنًى زَائِدٍ عَلَى ذَاتِهِ (بِخِلَافِ الْكَذِبِ الْمُتَعَيَّنِ طَرِيقًا لِعِصْمَةِ نَبِيٍّ) فَإِنَّ فِيهِ جِهَةً مُحَسَّنَةً (أَوْ) قُبْحَهُ (لِجِهَةٍ لَمْ يَرْجُحْ عَلَيْهَا غَيْرُهَا فَكَذَلِكَ) أَيْ لَا تَقْبَلُ حُرْمَتُهُ النَّسْخَ وَلَا يَكُونُ سَبَبَ نِعْمَةٍ.

(وَيُقَالُ فِيهِ قُبْحٌ لِعَيْنِهِ شَرْعًا كَالزِّنَا لِلتَّضْيِيعِ) أَيْ فَإِنَّهُ فِعْلٌ حِسِّيٌّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ - بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: 32]- قَبِيحٌ لِجِهَةٍ فِيهِ لَمْ يَرْجُحْ عَلَيْهَا غَيْرُهَا وَهِيَ تَضْيِيعُ النَّسْلِ، لِأَنَّ الشَّرْعَ قَصَرَ ابْتِغَاءَ النَّسْلِ بِالْوَطْءِ عَلَى مَحَلٍّ مَمْلُوكٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: 6] (فَلَمْ يُبِحْهُ) اللَّهُ تَعَالَى (فِي مِلَّةٍ) مِنْ الْمِلَلِ.

فَإِنْ قِيلَ: ثُبُوتُ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ نِعْمَةٌ لِأَنَّهَا تُلْحِقُ الْأَجْنَبِيَّاتِ بِالْأُمَّهَاتِ وَالْأَجَانِبَ بِالْآبَاءِ وَقَدْ ثَبَتَتْ مُسَبَّبَةً عَنْ الزِّنَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ يُفِيدُ جَعْلَ الزِّنَا مَشْرُوعًا بَعْدَ النَّهْيِ.

فَالْجَوَابُ مَنْعُ ثُبُوتِهَا مُسَبَّبَةً عَنْ الزِّنَا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ سَبَبٌ لِلْمَاءِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْبَعْضِيَّةِ الْحَاصِلَةِ بِالْوَلَدِ الَّذِي هُوَ مُسْتَحَقٌّ لِلْكَرَامَاتِ، وَمِنْهَا حُرْمَةُ الْمَحَارِمِ إقَامَةً لِلسَّبَبِ الظَّاهِرِ الْمُفْضِي إلَى الْمُسَبِّبِ الْخَفِيِّ مَقَامَهُ كَمَا فِي الْوَطْءِ الْحَلَالِ لِأَنَّ الْوُقُوفَ عَلَى حَقِيقَةِ الْعُلُوقِ مُتَعَذَّرٌ، وَالْوَلَدَ عَيْنٌ لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ ثُمَّ يَتَعَدَّى

ص: 335

حُرْمَةُ آبَاءِ الْوَاطِئِ وَأَبْنَائِهِ مِنْ الْوَلَدِ إلَى الْمَوْطُوءَةِ، وَحُرْمَةُ أُمَّهَاتِ الْمَوْطُوءَةِ وَبَنَاتِهَا مِنْهُ أَيْضًا إلَى الْوَاطِئِ لِصَيْرُورَةِ كُلٍّ مِنْ الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءَةِ بَعْضًا مِنْ الْآخَرِ بِوَاسِطَةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِمَا وَمُضَافٌ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (وَثُبُوتُ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ عِنْدَهُ) أَيْ الزِّنَا (بِأَمْرٍ آخَرَ) لَا بِالزِّنَا.

وَهَذَا التَّقَصِّي مِنْ هَذَا الْإِيرَادِ كَالتَّقَصِّي مِنْ الْإِيرَادِ الْقَائِلِ: الْغَصْبُ فِعْلٌ حِسِّيٌّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ - بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188]- قَبِيحٌ لِجِهَةٍ فِيهِ لَمْ يَرْجُحْ عَلَيْهَا غَيْرُهَا - وَهِيَ التَّعَدِّي عَلَى الْغَيْرِ - وَقَدْ جَعَلْتُمُوهُ مَشْرُوعًا بَعْدَ النَّهْيِ حَيْثُ جَعَلْتُمُوهُ سَبَبًا لِمِلْكِ الْمَغْصُوبِ إذَا تَغَيَّرَ اسْمُهُ وَكَانَ مِمَّا يُمْلَكُ، وَالْمِلْكُ نِعْمَةٌ، بِأَنْ يُقَالَ: لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ بِالْغَصْبِ مَقْصُودًا كَمَا يَثْبُتُ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ بَلْ يَثْبُتُ بِأَمْرٍ آخَرَ: وَهُوَ أَنْ لَا يَجْتَمِعَ الْبَدَلَانِ فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ حُكْمًا لِلضَّمَانِ الْمُتَقَرِّرِ عَلَيْهِ بِالْغَصْبِ وَهَذَا مَعْزُوٌّ إلَى بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (كَثُبُوتِ مِلْكِ الْغَاصِبِ عِنْدَ زَوَالِ الِاسْمِ وَتَقَرُّرِ الضَّمَانِ فِيمَا بِحَيْثُ يُمْلَكُ) وَفِي الْمَبْسُوطِ وَلَكِنَّ هَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ الْمِلْكَ عِنْدَنَا يَثْبُتُ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ وَلِهَذَا نَفَذَ بَيْعُ الْغَاصِبِ وَسَلِمَ الْكَسْبُ لَهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْمُخْتَارُ: الْغَصْبُ عِنْدَ الْفَوَاتِ سَبَبُ الضَّمَانِ مَقْصُودًا جَبْرًا) لِلْفَائِتِ رِعَايَةً لِلْعَدْلِ (فَاسْتَدْعَى) كَوْنُهُ سَبَبَ الضَّمَانِ (تَقَدُّمَ الْمِلْكِ فَكَانَ) الْغَصْبُ (سَبَبًا لَهُ) أَيْ الْمِلْكِ (غَيْرَ مَقْصُودٍ بَلْ بِوَاسِطَةِ سَبَبِيَّتِهِ) أَيْ الْغَصْبِ (لِمُسْتَدْعِيهِ) أَيْ الْمِلْكِ وَهُوَ الضَّمَانُ (وَهَذَا قَوْلُهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (فِي الْفِقْهِ: هُوَ) أَيْ الْغَصْبُ (بِعَرَضِيَّةِ أَنْ يَصِيرَ سَبَبًا) لِمِلْكِ الْمَغْصُوبِ (لَا يُقَالُ لَا أَثَرَ لِلْعِلَّةِ الْبَعِيدَةِ) فِي الْحُكْمِ (فَيَصْدُقُ نَفْيُ سَبَبِيَّتِهِ) أَيْ الْغَصْبِ (لِلْمِلْكِ) لِأَنَّهُ السَّبَبُ الْبَعِيدُ لَهُ وَحِينَئِذٍ (فَالْحَقُّ الْأَوَّلُ) أَيْ كَوْنُ السَّبَبِ لَهُ أَمْرًا آخَرَ، هُوَ الضَّمَانُ لَا نَفْسُ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَيْسَ الْحَقُّ الْأَوَّلُ بِنَاءً عَلَى هَذَا (لِأَنَّ) نَفْيَ السَّبَبِيَّةِ لِلْمِلْكِ (الصَّادِقَ) عَلَى الْغَصْبِ هُوَ نَفْيُ السَّبَبِيَّةِ (الْمُطْلَقُ) أَيْ لِلْمِلْكِ الْمُطْلَقِ (وَسَبَبِيَّتُهُ) أَيْ الْغَصْبِ لِلْمِلْكِ إنَّمَا هُوَ (بِقَيْدِ كَوْنِهِ) أَيْ الْمِلْكِ (غَيْرَ مَقْصُودٍ مِنْهُ) أَيْ الْغَصْبِ بَلْ إنَّمَا ثَبَتَ لِلْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ.

(وَلَوْلَاهُ) أَيْ مِلْكُ الْغَاصِبِ لِلْمَغْصُوبِ (لَمْ يَصِحَّ) أَيْ لَمْ يَنْفُذْ (بَيْعُ الْغَاصِبِ) لَهُ قَبْلَ الضَّمَانِ لِانْتِفَاءِ مَا عَدَا الْمِلْكَ مِنْ شُرُوطِ النُّفُوذِ وَحَيْثُ انْتَفَى الْمِلْكُ أَيْضًا فَقَدْ انْتَفَى شَرْطُ النُّفُوذِ مُطْلَقًا لَكِنَّهُ نَافِذٌ، فَالْمِلْكُ ثَابِتٌ لَهُ، فَإِنْ قِيلَ: يُشْكِلُ بِعَدَمِ نُفُوذِ عِتْقِهِ، قِيلَ: لَا، لِأَنَّ الْمُسْتَنَدَ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَيَكُونُ نَاقِصًا، وَالنَّاقِصُ يَكْفِي لِنُفُوذِ الْبَيْعِ لَا الْعِتْقِ كَالْمُكَاتَبِ يَبِيعُ وَلَا يُعْتِقُ (وَلَمْ يَسْلَمْ لَهُ الْكَسْبُ السَّابِقُ) لِانْتِفَاءِ مُوجِبِ السَّلَامَةِ حِينَئِذٍ لَكِنَّهُ يَسْلَمُ لَهُ، فَالْمِلْكُ ثَابِتٌ لَهُ.

فَإِنْ قِيلَ: يُشْكِلُ مِلْكُهُ الْمَغْصُوبَ بِالْغَصْبِ بِعَدَمِ مِلْكِهِ زَوَائِدَهُ الْمُنْفَصِلَةَ كَالْوَلَدِ، أُجِيبَ: لَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَعَدَمُ مِلْكِ زَوَائِدِهِ الْمُنْفَصِلَةِ لِأَنَّهُ) أَيْ مِلْكَ الْمَغْصُوبِ (ضَرُورِيٌّ) أَيْ يَثْبُتُ شَرْطًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ هُوَ وُجُوبُ الضَّمَانِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَى خُرُوجِ الْمَغْصُوبِ عَنْ مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ لِيَكُونَ الْقَضَاءُ بِالْقِيمَةِ جَبْرًا لِمَا فَاتَ إذْ لَا جَبْرَ بِدُونِ الْفَوَاتِ، وَمَا يَثْبُتُ شَرْطًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ ضَرُورَةَ تَقَدُّمِ الشَّرْطِ عَلَى الْمَشْرُوطِ فَزَوَالُ مِلْكِ الْأَصْلِ مُقْتَضًى، وَمِلْكُ الْبَدَلِ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ، ثَمَّ حَيْثُ كَانَ زَوَالُ الْمِلْكِ ضَرُورِيًّا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِيمَا لَيْسَ تَبَعًا لِلْمَغْصُوبِ (وَالْمُنْفَصِلُ) مِنْ الزِّيَادَةِ كَالْوَلَدِ (لَيْسَ تَبَعًا) لَهُ فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ (بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ) كَالسِّمَنِ وَالْجَمَالِ (وَالْكَسْبِ) فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَبَعٌ مَحْضٌ لَهُ، أَمَّا الْمُتَّصِلَةُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْكَسْبُ فَلِأَنَّهُ بَدَلُ الْمَنْفَعَةِ، وَالْحُكْمُ يَثْبُتُ فِي التَّبَعِ بِثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ سَوَاءٌ ثَبَتَ فِي

ص: 336

الْمَتْبُوعِ مَقْصُودًا سَبَبُهُ أَوْ شَرْطًا لِغَيْرِهِ، ثُمَّ لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ شَرْطَ الشَّيْءِ تَابِعٌ لَهُ فَثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْغَاصِبِ حَسُنَ بِحُسْنِ مَشْرُوطِهِ، وَإِنْ قَبُحَ فِي نَفْسِهِ (بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ) فَإِنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ فِيهِ لِلْغَاصِبِ وَإِنْ أَدَّى الضَّمَانَ كَمَا وَقَعَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ فِيمَا بِحَيْثُ يُمْلَكُ لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ الْمُطْلَقَ لَا يَقْبَلُ الِانْتِقَالَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (فَإِنَّهُ) أَيْ الْغَاصِبَ (يَمْلِكُ كَسْبَهُ) أَيْ الْمُدَبَّرِ (إنْ كَانَ) لَهُ كَسْبٌ (بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ) أَيْ الْمُدَبَّرَ (خَرَجَ عَنْ) مِلْكِ (الْمَوْلَى تَحْقِيقًا لِلضَّمَانِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ) .

فَإِنْ قِيلَ يَرِدُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مِلْكُ الْكَافِرِ مَالَ الْمُسْلِمِ إذَا أَحْرَزَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّ الِاسْتِيلَاءَ فِعْلٌ حِسِّيٌّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِذَاتِهِ فَلَا يَكُونُ مَشْرُوعًا بَعْدَ النَّهْيِ وَقَدْ خَالَفَهُ الْحَنَفِيَّةُ حَيْثُ جَعَلُوهُ بَعْدَ النَّهْيِ سَبَبًا لِلْمِلْكِ الَّذِي هُوَ نِعْمَةٌ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (وَأَمَّا الْكَافِرُ بِالْإِحْرَازِ) .

قُلْنَا لَا يَرِدُ (فَإِمَّا لِعَدَمِ النَّهْيِ) لِلْكَافِرِ عَنْ ذَلِكَ (بِنَاءً عَلَى عَدَمِ خِطَابِهِمْ بِالْفُرُوعِ فَلَيْسَ مِنْ الْبَابِ وَإِمَّا) أَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ ذَلِكَ بِالِاسْتِيلَاءِ (عِنْدَ ثُبُوتِ الْإِبَاحَةِ) أَيْ إبَاحَةِ ذَلِكَ الْمَالِ لَهُ (بِانْتِهَاءِ مِلْكِ الْمُسْلِمِ) أَيْ بِسَبَبِ انْتِهَاءِ مِلْكِ الْمُسْلِمِ لِذَلِكَ الْمَالِ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِثُبُوتِ الْإِبَاحَةِ (بِزَوَالِ مِلْكِ الْمُسْلِمِ) أَيْ بِسَبَبِ زَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِانْتِهَاءِ مِلْكِ الْمُسْلِمِ (بِزَوَالِ الْعِصْمَةِ) أَيْ بِسَبَبِ زَوَالِ كَوْنِ مِلْكِ الْمُسْلِمِ حَرَامَ التَّعَرُّضِ لَهُ لِحَقِّ الشَّرْعِ أَوْ لِحَقِّ الْعَبْدِ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِزَوَالِ مِلْكِ الْمُسْلِمِ (بِالْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ) أَيْ بِسَبَبِ إحْرَازِهِمْ مَالَ الْمُسْلِمِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِزَوَالِ الْعِصْمَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ إحْرَازُهُمْ لَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ مُزِيلًا لِلْعِصْمَةِ (لِانْقِطَاعِ الْوِلَايَةِ) أَيْ وِلَايَةِ التَّبْلِيغِ وَالْإِلْزَامِ فَكَانَ اسْتِيلَاؤُهُمْ عَلَى هَذَا الْمَالِ وَعَلَى الصَّيْدِ سَوَاءً.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ عِصْمَةَ مَالِ الْمُسْلِمِ انْتَهَتْ بِانْتِهَاءِ سَبَبِهَا وَهُوَ إحْرَازُهُ لَهُ لِأَنَّهَا إنَّمَا ثَبَتَتْ بِالْإِحْرَازِ وَهُوَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالْيَدِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً بِأَنْ كَانَ فِي تَصَرُّفِهِ أَوْ بِالدَّارِ وَقَدْ انْتَهَى كِلَاهُمَا بِإِحْرَازِهِمْ الْمَأْخُوذَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَإِذَا انْتَهَتْ سَقَطَ النَّهْيُ فَلَمْ يَكُنْ الِاسْتِيلَاءُ مَحْظُورًا، فَصَلُحَ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْمِلْكِ ثُمَّ يَتَلَخَّصُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا هُوَ مَحْظُورٌ - وَهُوَ ابْتِدَاءُ الِاسْتِيلَاءِ - لَيْسَ بِسَبَبِ الْمِلْكِ وَمَا هُوَ سَبَبُ الْمِلْكِ - وَهُوَ حَالُ الْبَقَاءِ - لَيْسَ بِمَحْظُورٍ فَلَا يَرِدُ النَّقْضُ وَلَا يُقَالُ فَكَمَا ابْتِدَاؤُهُ غَيْرُ مُفِيدٍ لِلْمِلْكِ لِعَدَمِ الْمَحَلِّ فَكَذَا بَقَاؤُهُ كَمَنْ اشْتَرَى خَمْرًا فَصَارَتْ خَلًّا فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ، وَإِنْ صَارَتْ مَحَلًّا لَهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ عُرِفَ أَنَّ مَا لَهُ امْتِدَادٌ فَلِحَالَةِ بَقَائِهِ مِنْ الْحُكْمِ مَا لِابْتِدَائِهِ كَأَنَّهُ يَحْدُثُ سَاعَةً فَسَاعَةً كَمَا فِي مَسْأَلَتَيْ اللُّبْسِ وَالسُّكْنَى (وَالِاسْتِيلَاءُ مُمْتَدٌّ فَبَقَاؤُهُ كَابْتِدَائِهِ) فَصَارَ بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْحَرْبِ كَأَنَّهُ اسْتَوْلَى عَلَى مَالٍ مَعْصُومٍ ابْتِدَاءً بِدَارِ الْحَرْبِ فَيَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ، وَمَسْأَلَةُ الْبَيْعِ

ص: 337

لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُمْتَدٍّ فَإِذَا لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ بَطَلَ أَصْلًا، فَإِنْ قِيلَ: يَرِدُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ جَوَازُ تَرَخُّصِ الْمُسَافِرِ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ بِقَطْعِ طَرِيقٍ أَوْ إبَاقٍ فَإِنَّهُ فِعْلٌ حِسِّيٌّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَيَنْتَفِي مَشْرُوعِيَّتُهُ، وَقَدْ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ بِهَا حَيْثُ جَعَلُوهُ سَبَبًا لِلرُّخْصَةِ الَّتِي هِيَ نِعْمَةٌ، فَالْجَوَابُ مَنْعُ كَوْنِ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ مَنْهِيًّا عَنْهُ لِذَاتِهِ بَلْ كَمَا قَالَ.

(وَالتَّرَخُّصُ بِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ) أَيْ النَّهْيَ (فِيهِ) أَيْ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ (لِغَيْرِهِ) أَيْ لِغَيْرِ ذَاتِ السَّفَرِ (مُجَاوِرًا) لِلسَّفَرِ (مِنْ الْقَصْدِ لِلْمَعْصِيَةِ، إذْ قَدْ لَا تُفْعَلُ) الْمَعْصِيَةُ بَلْ يَتَبَدَّلُ قَصْدُهَا بِقَصْدِ طَاعَةٍ (وَيُدْرِكُ الْآبِقُ الْإِذْنَ) بِالسَّفَرِ مِنْ مَوْلَاهُ فَيَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ عَاصِيًا فَلَمْ يُؤَثِّرْ هَذَا الْمَعْنَى الْمُجَاوِرُ لَهُ فِي كَوْنِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ سَيْرٌ مَدِيدٌ سَبَبًا لِلنِّعْمَةِ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ غَيْرُ مَحْظُورٍ (وَكَذَا وَطْءُ الْحَائِضِ عُرِفَ) أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222](لِلْأَذَى) بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222] وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَحَلِّ قَابِلٌ لِلِانْفِكَاكِ كَمَا تَقَدَّمَ (فَاسْتَعْقَبَ الْإِحْصَانَ وَتَحْلِيلَ الْمُطَلَّقَةِ) ثَلَاثًا لِعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْهُمَا وَصَارَ كَمَا يَثْبُتُ حُرْمَتُهُ بِالْيَمِينِ وَلَمْ يَبْطُلْ بِهِ إحْصَانُ الْقَذْفِ أَيْضًا لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي لِإِبْطَالِهِ ثُمَّ عَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ إلَى حِسِّيٍّ قَوْلَهُ (وَإِلَى شَرْعِيٍّ فَالْقَطْعُ بِأَنَّهُ) أَيْ النَّهْيَ فِيهِ (لِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَإِلَّا لَمْ يُشْرَعْ أَصْلًا قَطْعًا (وَلَا يَنْتَهِضُ) الْمَنْهِيُّ عَنْهُ (سَبَبًا) لِلنِّعْمَةِ (إذَا رَتَّبَ) الشَّارِعُ عَلَيْهِ (حُكْمًا يُوجِبُ كَوْنَهُ) أَيْ النَّهْيِ عَنْهُ (لِعَيْنِهِ) أَيْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (أَيْضًا كَنِكَاحِ الْمَحَارِمِ) ذَوَاتِ الرَّحِمِ فَإِنَّهُ فِعْلٌ (شَرْعِيٌّ عُقِلَ قُبْحُهُ لِأَنَّهُ طَرِيقُ الْقَطْعِيَّةِ) لِلرَّحِمِ الْمَأْمُورِ بِصِلَتِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ الِامْتِهَانِ بِالِاسْتِفْرَاشِ وَغَيْرِهِ.

(فَحِينَ أُخْرِجْنَ عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ) لِنِكَاحِهِ (صَارَ) نِكَاحُهُ إيَّاهُنَّ (عَبَثًا فَقَبُحَ لِعَيْنِهِ فَبَطَلَ ثُمَّ الْإِخْرَاجُ) عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ (لَيْسَ إلَّا لَازِمًا لِمَا مَهَّدْنَاهُ) سَالِفًا (مِنْ أَنَّهُ) أَيْ الشَّارِعَ (لَمْ يَجْعَلْ لَهُ) أَيْ لِلنِّكَاحِ (حُكْمًا إلَّا الْحِلَّ فَنَافَى) حُكْمُهُ (مُقْتَضَى النَّهْيِ) وَهُوَ التَّحْرِيمُ فَكَانَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ بَاطِلًا (وَكَذَا الصَّلَاةُ بِلَا طَهَارَةٍ بَاطِلَةٌ لِمِثْلِهِ) أَيْ لِانْتِفَاءِ أَهْلِيَّةِ الْعَبْدِ لَهَا بِلَا طَهَارَةٍ شَرْعًا، لِأَنَّ الشَّارِعَ قَصَرَ أَهْلِيَّتَهُ لَهَا عَلَى حَالِ الطَّهَارَةِ فَصَارَ فِعْلُهَا بِدُونِ الطَّهَارَةِ عَبَثًا فَقَبُحَ لِعَيْنِهِ.

(وَكَانَ يَجِبُ مِثْلُهُ) أَيْ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ (فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ) لِمَا سَبَقَ مِنْ انْتِفَاءِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ (لَكِنَّ الظَّنَّ الْمُتَقَدِّمَ) لَهُمْ أَوْجَبَ خِلَافَهُ، وَقَدْ عَرَفْت مَا فِيهِ (وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ بُطْلَانُهَا كَمَا اخْتَرْنَاهُ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ) وَالدَّارِيَّةُ تُقَوِّي هَذِهِ الرِّوَايَةَ فَلْيَكُنْ التَّعْوِيلُ عَلَيْهَا (فَإِنْ لَمْ يُرَتِّبْ) الشَّارِعُ حُكْمًا يُوجِبُ كَوْنَ النَّهْيِ عَنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِعَيْنِهِ أَيْضًا (ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ فِيهِ جِهَةً تُوجِبُ قُبْحًا فِي عَيْنِهِ كَالْبَيْعِ)

ص: 338

الْفَاسِدِ وَفِي وَقْتِ النِّدَاءِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ (عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَيَنْعَقِدُ سَبَبًا) لِحُكْمِهِ الَّذِي هُوَ الْمِلْكُ (فَظَهَرَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ) فِي الْمَنْهِيَّاتِ الشَّرْعِيَّاتِ مِنْ حَيْثُ الِانْتِهَاضُ سَبَبًا وَعَدَمُهُ (لَيْسَ مُرَتَّبًا عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الشَّرْعِيِّ يَدُلُّ عَلَى الصِّحَّةِ) لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ كَمَا هُوَ مَعْزُوٌّ إلَى الْحَنَفِيَّةِ، وَإِلَّا لَمَا اخْتَلَفَتْ فِي انْتِهَاضِهَا سَبَبًا، بَلْ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ إنْ أَخْرَجَهَا عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ لِمُنَافَاةِ حُكْمِهِ لَهَا لَمْ تَنْتَهِضْ سَبَبًا، وَإِلَّا انْتَهَضَتْ سَبَبًا.

(وَقَوْلُهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ النَّهْيُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ (يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ) أَيْ الْفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (بِأَصْلِهِ لَا بِوَصْفِهِ إنَّمَا يُفِيدُ صِحَّةَ الْأَصْلِ) أَيْ أَصْلِ الْفِعْلِ (وَلَا يُخْتَلَفُ فِيهِ) أَيْ فِي كَوْنِ أَصْلِ الْفِعْلِ صَحِيحًا (لِأَنَّهُ) أَيْ الْأَصْلَ (غَيْرُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ) الَّذِي هُوَ مَجْمُوعُ الْأَصْلِ وَالْوَصْفِ (فَلَا يَسْتَعْقِبُ) كَوْنُ النَّهْيِ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْفِعْلِ

ص: 339

بِأَصْلِهِ لَا بِوَصْفِهِ (صِحَّتَهُ) أَيْ الْأَصْلِ (بِوَصْفٍ يُلَازِمُهُ) أَيْ الْأَصْلَ فَلَا يَتِمُّ كَوْنُ النَّهْيِ عَنْ الشَّرْعِيِّ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَلْيُتَأَمَّلْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: 340