الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَالْمَخْصُوصِ بِهِ (ظَنًّا لَيْسَ شَرْطًا) لِلتَّخْصِيصِ حَتَّى يُقَالَ عَلَى اشْتِرَاطِهِ إنَّمَا يُصَارُ إلَى التَّخْصِيصِ دَفْعًا لِلْمُعَارَضَةِ وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ الْمُخَالِفِ فَإِنَّ الْمَنْطُوقَ أَقْوَى مِنْهُ فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْمَفْهُومِ مَعَهُ (لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ) أَيْ التَّخْصِيصِ (بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِلْكِتَابِ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ) أَيْ الْكِتَابِ بِالْقَطْعِيِّ مَعَ أَنَّ الْكِتَابَ أَقْوَى (لِلْجَمْعِ) بَيْنَ الْأَدِلَّةِ الْمُتَعَارِضَةِ لِأَنَّ إعْمَالَ كُلٍّ مِنْ الدَّلِيلَيْنِ وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ أَوْلَى مِنْ إهْمَالِ أَحَدِهِمَا بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ وَإِنَّمَا قَالَ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ لِتَتِمَّ دَعْوَى الِاتِّفَاقِ لِأَنَّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ابْتِدَاءً كَمَا سَيَأْتِي (وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ مَعَ ظَنِّيَّةِ الدَّلَالَةِ فِيهِمَا) أَيْ الْعَامِّ وَالْمَفْهُومِ الْمُخَالِفِ (يَقْوَى ظَنُّ الْخُصُوصِ) فِي الْعَامِّ (لِغَلَبَتِهِ فِي الْعَامِّ) فَلَا يَكُونُ الْعَامُّ أَقْوَى مِنْهُ ثُمَّ كَوْنُهُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ يَخُصُّ الْعُمُومَ قَالَ الْآمِدِيُّ لَا نَعْرِفُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَهُمْ وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ الْحَنْبَلِيُّ مَنْعَهُ عَنْ قَوْمٍ مِنْهُمْ وَجَزَمَ بِهِ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيّ فِي الْمُنْتَخَبِ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاصِلِ: إنَّهُ الْأَشْبَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُهُمْ أَوْجَهُ.
[مَسْأَلَةٌ الْعَادَةِ وَهِيَ الْأَمْرُ الْمُتَكَرِّرُ مِنْ غَيْرِ عَلَاقَةٍ عَقْلِيَّةٍ]
(مَسْأَلَةُ الْعَادَةِ) وَهِيَ الْأَمْرُ الْمُتَكَرِّرُ مِنْ غَيْرِ عَلَاقَةٍ عَقْلِيَّةٍ وَالْمُرَادُ (الْعُرْفُ الْعَمَلِيُّ) لِقَوْمٍ (مُخَصِّصٌ) لِلْعَامِّ الْوَاقِعِ فِي مُخَاطَبَتِهِمْ وَتَخَاطُبِهِمْ (عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ كَ حَرَّمْت الطَّعَامَ وَعَادَتُهُمْ) أَيْ الْمُخَاطَبِينَ (أَكْلُ الْبُرِّ انْصَرَفَ) الطَّعَامُ (إلَيْهِ) أَيْ الْبُرِّ (وَهُوَ) أَيْ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ (الْوَجْهُ أَمَّا) تَخْصِيصُ الْعَامِّ (بِالْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ) وَهُوَ أَنْ يَتَعَارَفَ قَوْمٌ إطْلَاقَ لَفْظٍ لِمَعْنًى بِحَيْثُ لَا يَتَبَادَرُ عِنْدَ سَمَاعِهِ إلَّا ذَاكَ الْمَعْنَى (فَاتِّفَاقٌ كَالدَّابَّةِ عَلَى الْحِمَارِ وَالدِّرْهَمِ عَلَى النَّقْدِ الْغَالِبِ لَنَا الِاتِّفَاقُ عَلَى فَهْمِ) لَحْمِ (الضَّأْنِ بِخُصُوصِهِ فِي: اشْتَرِ لَحْمًا وَقُصِرَ الْأَمْرُ) بِشِرَاءِ اللَّحْمِ (عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ أَكْلَهُ فَوَجَبَ) كَوْنُ الْعُرْفِ الْعَمَلِيِّ مُخَصِّصًا (كَالْقَوْلِيِّ لِاتِّحَادِ الْمُوجِبِ) وَهُوَ تَبَادُرُهُ بِخُصُوصِهِ مِنْ إطْلَاقِ اللَّفْظِ فِيهِمَا (وَإِلْغَاءِ الْفَارِقِ) بَيْنَهُمَا (بِالْإِطْلَاقِ) فِي الْعَمَلِيِّ (وَالْعُمُومِ) فِي الْقَوْلِيِّ لِظُهُورِ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ هُنَا (وَكَوْنِ دَلَالَةِ الْمُطْلَقِ) كَلَحْمٍ فِي: اشْتَرِ لَحْمًا (عَلَى الْمُقَيَّدِ) كَلَحْمِ الضَّأْنِ (دَلَالَةَ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ وَ) دَلَالَةِ (الْعَامِّ عَلَى الْفَرْدِ قَلْبَهُ) أَيْ دَلَالَةِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ وَقَدْ قِيلَ هَذِهِ أَقْوَى فَلَا يَلْزَمُ مِنْ صَرْفِ الْأُولَى بِمِثْلِ هَذِهِ الْقَرِينَةِ صَرْفُ الثَّانِيَةِ (كَذَلِكَ) أَيْ فَرْقٌ لَا أَثَرَ لَهُ هُنَا لِظُهُورِ أَنَّهُ فَارِقٌ مَلْغِيٌّ.
(تَنْبِيهُ مِثْلِ جَمْعٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ) مِنْهُمْ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَصَاحِبُ الْمَنَارِ (لِذَلِكَ) أَيْ التَّخْصِيصِ بِالْعَادَةِ (بِالنَّذْرِ بِالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ يَنْصَرِفُ إلَى الشَّرْعِيِّ) مِنْهُمَا (فَقَدْ يَخَالُ) أَيْ يُظَنُّ كُلٌّ مِنْهُمَا (غَيْرَ مُطَابِقٍ) لَهُ وَإِنَّمَا هُمَا مِثَالَانِ لِلتَّخْصِيصِ بِالْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ (وَالْحَقُّ صِدْقُهُمَا) أَيْ التَّخْصِيصِ بِالْعُرْفِ الْعَمَلِيِّ وَالتَّخْصِيصِ بِالْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ (عَلَيْهِمَا) أَيْ هَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ لِأَنَّ الْأَصْلَ وَالْمُعْتَادَ فِي فِعْلِ الْمُسْلِمِ لَهُمَا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ وَفِي إطْلَاقِ كُلٍّ مِنْ لَفْظِهِمَا شَرْعًا وَخُصُوصًا فِي النَّذْرِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ لَهُ، وَلَا يُقَالُ وَضْعُ الْحَنَفِيَّةِ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْعُرْفُ الْقَوْلِيُّ لِأَنَّا نَقُولُ لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ (إذْ وَضْعُهُمْ) لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (تُتْرَكُ الْحَقِيقَةُ) بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْحَقِيقَةُ (عَامًّا أَوْ غَيْرَهُ بِدَلَالَةِ الْعَادَةِ) هَذَا أَحَدُ الْخَمْسَةِ (وَبِدَلَالَةِ اللَّفْظِ فِي نَفْسِهِ) هَذَا ثَانِي الْخَمْسَةِ وَفَسَّرُوهُ كَمَا قَالَ (أَيْ إنْبَاءِ الْمَادَّةِ عَنْ كَمَالٍ فَيُخَصُّ) اللَّفْظُ (بِمَا فِيهِ) ذَلِكَ الْكَمَالُ (كَحَلِفِهِ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا وَلَا نِيَّةَ مُعَمِّمَةٌ) لِكُلِّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ لَحْمٍ (لَا يَدْخُلُ السَّمَكُ) أَيْ لَحْمُهُ فِي حَلِفِهِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ سُمِّيَ لَحْمًا فِي الْقُرْآنِ قَالَ تَعَالَى {لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} [النحل: 14] أَيْ مِنْ الْبَحْرِ سَمَكًا وَإِنَّمَا لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ
عَلَى الصَّحِيحِ حَيْثُ لَا نِيَّةَ تُدْخِلُهُ (لِإِنْبَائِهِ) أَيْ لَفْظِ اللَّحْمِ (عَنْ الشِّدَّةِ بِالدَّمِ) لِأَنَّ مَادَّتَهُ تَدُلُّ عَلَى الشِّدَّةِ وَالْقُوَّةِ وَسُمِّيَ اللَّحْمُ لَحْمًا لِقُوَّةٍ بِاعْتِبَارِ تَوَلُّدِهِ مِنْ الدَّمِ الَّذِي هُوَ أَقْوَى الْأَخْلَاطِ فِي الْحَيَوَانِ وَلَيْسَ لِلسَّمَكِ دَمٌ بِدَلَالَةِ عَيْشِهِ فِي الْمَاءِ وَحِلِّهِ بِلَا ذَكَاةٍ لِأَنَّ الدَّمَوِيَّ لَا يَعِيشُ فِيهِ وَلَا يَحِلُّ بِدُونِهَا فَلِكَمَالِ الِاسْمِ وَنُقْصَانٍ فِي الْمُسَمَّى خَرَجَ مِنْ مُطْلَقِ اللَّفْظِ لِأَنَّ النَّاقِصَ فِيهِ فِي مُقَابَلَةِ الْكَامِلِ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَجَازِ مِنْ الْحَقِيقَةِ فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ.
وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ: حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَهُوَ عَلَى الْحَيَوَانِ الَّذِي يَعِيشُ فِي الْبَرِّ مُحَرَّمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحَرَّمٍ وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ قُلْت: إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: الْحَيَوَانَ الدَّمَوِيَّ الَّذِي يَعِيشُ فِي الْبَرِّ لِيَخْرُجَ الْجَرَادُ وَنَحْوُهُ مِمَّا لَا دَمَ فِيهِ مِمَّا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ اللَّحْمُ مَطْبُوخًا أَوْ مَشْوِيًّا، وَفِي حِنْثِهِ بِالنِّيءِ خِلَافٌ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ الْأَظْهَرُ لَا يَحْنَثُ وَعِنْدَ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ يَحْنَثُ، انْتَهَى.
قُلْت إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِاَلَّذِي لَيْسَ بِقَدِيدٍ فَقَدْ نَصَّ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ عَلَى أَنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ قَدِيدًا (وَقَدْ يَدْخُلُ) هَذَا (فِي الْعُرْفِيِّ) فَفِي التَّحْقِيقِ وَعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ تَمَسَّكُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالْعُرْفِ فَقَالُوا: إنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ اللَّحْمِ فِي الْبَاجَاتِ وَبَائِعُهُ لَا يُسَمَّى لَحَّامًا، وَالْعُرْفُ فِي الْيَمِينِ مُعْتَبَرٌ فَيُخَصَّصُ الْيَمِينُ بِهِ كَمَا يُخَصَّصُ الرَّأْسُ فِي قَوْلِهِ " لَا يَأْكُلُ رَأْسًا " بِرَأْسِ الْغَنَمِ أَوْ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ فَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَى رَأْسِ الْبَعِيرِ وَالْعُصْفُورِ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كَانَ رَأْسًا حَقِيقَةً وَقَوَّى الْمُصَنِّفُ هَذَا فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَهُوَ حَسَنٌ إلَّا أَنَّهُ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا سَيَأْتِي فِي مَسْأَلَةٍ قُبَيْلَ مَسَائِلِ الْحُرُوفِ مِنْ الْحِنْثِ بِأَكْلِ لَحْمِ الْآدَمِيِّ وَالْخِنْزِيرِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَارَفٍ وَسَنَذْكُرُ مَا قِيلَ فِيهِ ثَمَّةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ إنَّمَا قَالَ وَلَا نِيَّةَ مُعَمِّمَةٌ لِأَنَّهُ لَوْ نَوَاهُ حَنِثَ (نَعَمْ لَوْ انْفَرَدَ) إنْبَاءُ اللَّفْظِ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ الْعَامِّ أَوْ الْمُطْلَقِ (أَخْرَجَ وَلَوْ عَارَضَهُ) أَيْ الْإِنْبَاءَ عُرْفٌ (قُدِّمَ الْعُرْفُ) عَلَى الْإِنْبَاءِ لِرُجْحَانِ اعْتِبَارِهِ عَلَيْهِ.
(وَقَوْلُهُ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ لَا يُعْتِقُ مُكَاتَبَهُ) وَيُعْتِقُ مُدَبَّرَهُ وَأُمَّ وَلَدِهِ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمُكَاتَبِ نَاقِصٌ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ رَقَبَةً لَا يَدًا حَتَّى مَلَكَ هُوَ أَكْسَابَهُ لَا الْمَوْلَى وَلَا يَحِلُّ لِلْمَوْلَى وَطْءُ الْمُكَاتَبَةِ وَلَا يَفْسُدُ نِكَاحُ الْمُكَاتَبِ بِنْتَ مَوْلَاهُ بِمَوْتِ مَوْلَاهُ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْمَمْلُوكُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ نَعَمْ إنْ نَوَاهُ عَتَقَ وَالْمِلْكُ فِي الْمُدَبَّرِ وَأَمِّ الْوَلَدِ كَامِلٌ وَلِذَا يَحِلُّ لِلْمَوْلَى وَطْؤُهَا وَوَطْءُ الْمُدَبَّرَةِ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَحِلُّ إلَّا بِكَمَالِ أَحَدِ الْمِلْكَيْنِ فَتَنَاوَلَهُمَا الْمَمْلُوكُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَإِنَّمَا صَحَّ عِتْقُ الْمُكَاتَبِ فِي الْكَفَّارَةِ دُونَهُمَا لِأَنَّ الرِّقَّ فِيهِ كَامِلٌ بِدَلِيلِ قَبُولِ الْفَسْخِ وَفِيهِمَا نَاقِصٌ بِدَلِيلِ عَدَمِ قَبُولِ الْفَسْخِ، وَتَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ يَسْتَدْعِي كَمَالَ الرِّقِّ (أَوْ) إنْبَاءُ الْمَادَّةِ (عَنْ نَقْصٍ) فِي الْمُسَمَّى (فَلَا يَتَنَاوَلُ) اللَّفْظُ مُسَمًّى (ذَا كَمَالٍ كَحَلِفِهِ لَا يَأْكُلُ فَاكِهَةً لَا يَحْنَثُ بِالْعِنَبِ لِأَنَّ التَّرْكِيبَ دَالٌّ عَلَى التَّبَعِيَّةِ وَالْقُصُورِ فِي الْمَقْصُودِ الْأَصْلِيِّ) وَهُوَ التَّغَذِّي لِأَنَّ الْفَاكِهَةَ اسْمٌ مِنْ التَّفَكُّهِ وَهُوَ التَّنَعُّمُ وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ بِأَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ أَصَالَةً بِمَا يَكُونُ بِهِ الْقِوَامُ لِأَنَّ مَا يَكُونُ بِهِ الْقِوَامُ لَا يُسَمَّى تَنَعُّمًا وَكُلُّ النَّاسِ سَوَاءٌ فِي تَنَاوُلِهِ وَإِنْ اخْتَلَفَ كَيْفِيَّةً وَكَمِّيَّةً وَالْعِنَبُ فِيهِ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ بِالْقِوَامِ حَتَّى يُكْتَفَى بِهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَمِثْلُهُ الرُّطَبُ وَالرُّمَّانُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَا يَحْنَثُ لِأَنَّ مَعْنَى التَّفَكُّهِ فِيهَا مَوْجُودٌ بَلْ هِيَ أَعَزُّ الْفَوَاكِهِ، وَالتَّنَعُّمُ بِهَا يَفُوقُ التَّنَعُّمَ بِغَيْرِهَا مِنْ الْفَوَاكِهِ ثُمَّ الْمَشَايِخُ قَالُوا: هَذَا اخْتِلَافُ زَمَانٍ فَفِي زَمَانِهِ لَمْ تُعَدَّ مِنْ الْفَاكِهَةِ فَأَفْتَى عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ وَفِي زَمَانِهِمَا عُدَّتْ مِنْهَا فَأَفْتَيَا بِهِ وَلَا يُقَالُ هَذَا يُخَالِفُ الْأَوَّلَ لِأَنَّا نَقُولُ لَا لِجَوَازِ كَوْنِ الْعُرْفِ وَافَقَ اللُّغَةَ فِي زَمَنِهِ ثُمَّ خَالَفَهَا فِي زَمَنِهِمَا ثُمَّ هَذَا إذَا لَمْ
يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَإِنْ نَوَاهَا حَنِثَ.
هَذَا وَكَمَا قَالَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ وَاعْلَمْ أَنَّك إذَا دَقَقْت النَّظَرَ وَجَدْت الْقِسْمَيْنِ مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ بِقَدْرِ مَا زَادَ فِي الْعِنَبِ مِنْ مَعْنَى التَّغَذِّي نَقَصَ مِنْهُ مِنْ مَعْنَى التَّفَكُّهِ وَإِذَا كَانَ نَاقِصًا فِي الْفَاكِهِيَّةِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ اسْمُ الْفَاكِهَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ كَالْمُكَاتَبِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَمْلُوكِ فَالتَّحْقِيقُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَوَّلِ لِانْدِرَاجِ الثَّانِي فِيهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فَاضِلٌ آخَرُ ثُمَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إذَا كَانَ اللَّفْظُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَا يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا يَثْبُتُ التَّخْصِيصُ فِيهِ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ يَسْتَدْعِي سَابِقَةَ التَّنَاوُلِ، فَلْيُتَأَمَّلْ.
(وَبِمَعْنًى مِنْ الْمُتَكَلِّمِ) هَذَا ثَالِثُ الْخَمْسَةِ أَيْ وَبِدَلَالَةِ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْمُتَكَلِّمِ رَاجِعَةٍ إلَيْهِ (كَإِنْ خَرَجْتِ فَطَالِقٌ عَقِيبَ تَهَيُّئِهَا لِخَرْجَةٍ لَجَّتْ فِيهَا) أَيْ حُرِّضَتْ عَلَيْهَا (لَا يَحْنَثُ بِهِ) أَيْ بِخُرُوجِهَا (بَعْدَ سَاعَةٍ وَتُسَمَّى يَمِينَ الْفَوْرِ) وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ فَوَرَانِ الْقِدْرِ سُمِّيَتْ بِهِ بِاعْتِبَارِ صُدُورِهَا مِنْ فَوَرَانِ الْغَضَبِ أَوْ لِأَنَّ الْفَوْرَ اُسْتُعِيرَ لِلسُّرْعَةِ ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ الْحَالَةُ الَّتِي لَا لُبْثَ فِيهَا يُقَالُ خَرَجَ مِنْ فَوْرِهِ أَيْ مِنْ سَاعَتِهِ وَأَوَّلُ مَنْ اسْتَخْرَجَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَقُولُونَ الْيَمِينُ مُؤَبَّدَةٌ كَلَا أَفْعَلُ كَذَا وَمُؤَقَّتَةٌ كَلَا أَفْعَلُ الْيَوْمَ كَذَا، وَهِيَ مُؤَبَّدَةٌ لَفْظًا مُؤَقَّتَةٌ مَعْنًى تَتَقَيَّدُ بِالْحَالِ لِكَوْنِهَا جَوَابًا بِالْكَلَامِ يَتَعَلَّقُ بِالْحَالِ فَالدَّلِيلُ عَلَى تَرْكِ الْحَقِيقَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ دَلَالَةُ مَعْنًى قَائِمٍ بِالْمُتَكَلِّمِ وَحَالَةٍ رَاجِعَةٍ إلَيْهِ فَإِنَّ التَّعْلِيقَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ مَنْعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ الَّذِي تَهَيَّأَتْ لَهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ إنْ خَرَجْتِ السَّاعَةَ فَيَتَقَيَّدُ بِهِ فِيهَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَحَقِيقَتُهُ) أَيْ الْمُخَصِّصِ فِي هَذَا الْقِسْمِ (دَلَالَةُ حَالِهِمَا) أَيْ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُخَاطَبِ كَكَوْنِهَا مُلِحَّةً عَلَى الْخُرُوجِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَكَوْنِهِ مُلِحًّا عَلَى مَنْعِهَا حِينَئِذٍ (وَبِدَلَالَةِ مَحَلِّ الْكَلَامِ) بِأَنْ يَكُونَ الْمَحَلُّ غَيْرَ قَابِلٍ لِلْحَقِيقَةِ فَإِنَّ تَعَذُّرَ قَبُولِهِ حُكْمَهَا مُوجِبٌ لِإِرَادَةِ الْمَجَازِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَسْتَعْمِلُ الْكَلَامَ فِي الْمَفْهُومِ الْحَقِيقِيِّ فِي مَحَلٍّ لَا يَقْبَلُهُ وَأَنَّ كَلَامَهُ مَصُونٌ عَنْ الْكَذِبِ وَاللَّغْوِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَهَذَا رَابِعُ الْخَمْسَةِ.
«كَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَرُفِعَ الْخَطَأُ) أَيْ وَحَدِيثِ «رَفَعَ اللَّهُ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ» وَتَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ فِي تَقْسِيمِ الدَّلَالَةِ اللَّفْظِيَّةِ فَإِنَّهُ لَوْ حُمِلَ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَمَا وُجِدَ عَمَلٌ بِلَا نِيَّةٍ وَلَا خَطَأٍ وَلَا نِسْيَانٍ وَالْوَاقِعُ خِلَافُهُ قَطْعًا فَتَعَيَّنَ إرَادَةُ الْمَجَازِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْدِيرُهُ فِي مَسْأَلَةِ النَّفْيِ فِي الْحَصْرِ بِإِنَّمَا لِغَيْرِ الْآخَرِ قِيلَ بِالْمَفْهُومِ وَمَسْأَلَةِ الْمُقْتَضَى (وَقَدْ يُدْرَجُ هَذَا فِي) الْمُخَصِّصِ (الْعَقْلِيِّ) لِأَنَّ نَفْسَ كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ يَدُلُّ عَقْلًا عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ حَقِيقَتِهِ لِحُصُولِ الْعَمَلِ كَثِيرًا بِلَا نِيَّةٍ وَوُقُوعِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ جَمًّا غَفِيرًا مِنْ الْأُمَّةِ لَكِنْ تُعُقِّبَ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ نَفْسَ هَذَا الْكَلَامِ يَدُلُّ عَقْلًا عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ حَقِيقَتِهِ وَإِنَّمَا لَزِمَ ذَلِكَ مِنْ تَقْدِيرِ مُتَعَلِّقِ الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ عَامًّا، مِثْلُ الْحُصُولِ وَأَمَّا إذَا قُدِّرَ مُتَعَلِّقُهُ خَاصًّا بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ، مِثْلُ الِاعْتِبَارِ - وَغَيْرُهُ مِمَّا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ - فَلَا وَلِذَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَالطِّيبِيُّ بَلْ التَّقْدِيرُ مَا الْأَعْمَالُ مَحْسُوبَةٌ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ كَالشُّرُوعِ فِيهَا وَالتَّلَبُّسِ بِهَا إلَّا بِالنِّيَّاتِ وَمَا خَلَا عَنْهَا لَا يُعْتَدُّ بِهَا وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمَرْءِ بِأَصْغَرَيْهِ أَيْ بِحَسَبِهِمَا الْمَعْنَى الْأَعْمَالُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ بِحَسَبِ النِّيَّاتِ وَتَتَفَاوَتُ عَلَى حَسَبِ تَفَاوُتِهَا فَإِنْ كَانَتْ خَالِصَةً لِلَّهِ فَتِلْكَ الْأَعْمَالُ فِي الْمَرْتَبَةِ الْعُلْيَا وَإِنْ كَانَتْ لِلدُّنْيَا فَفِي مَنْزِلَةٍ دُنْيَا وَإِنْ كَانَتْ لِسُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ أَوْ مَدْحٍ وَثَنَاءٍ فَأَدْنَى فَاتَّضَحَ مَا بَعْدَهُ وَانْدَفَعَ الْمَجَازُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ اللَّفْظِ عَلَى عُمُومِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الْعَقْلُ فِي نَحْوِ النِّيَّةِ هَذَا كَلَامُهُ وَكُلٌّ مُخَيَّلٍ وَقَدْ قِيلَ وَنُقِلَ عَنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَتَحْقِيقُ فَصْلِ الْخِطَابِ