المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الأمر الثاني موضوع أصول الفقه] - التقرير والتحبير على كتاب التحرير - جـ ١

[ابن أمير حاج]

فهرس الكتاب

- ‌[خِطْبَة الْكتاب]

- ‌[الْمُقَدِّمَةُ أَرْبَعَة أُمُور]

- ‌[الْأَمْرُ الْأَوَّل مَفْهُومُ اسْم هَذَا الْعِلْمِ وَهُوَ لَفْظُ أُصُولِ الْفِقْهِ]

- ‌[الْأَمْر الثَّانِي مَوْضُوع أُصُولِ الْفِقْهِ]

- ‌[الْأَمْر الثَّالِثُ الْمُقَدِّمَاتُ الْمَنْطِقِيَّةُ مَبَاحِثُ النَّظَرِ]

- ‌[الْأَمْرُ الرَّابِعُ اسْتِمْدَاد عِلْم أُصُولُ الْفِقْهِ]

- ‌[الْمَقَالَةُ الْأُولَى فِي الْمَبَادِئِ اللُّغَوِيَّةِ]

- ‌[الْمَقَامُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ مَعْنَى اللُّغَةِ]

- ‌[الْمَقَامُ الثَّانِي فِي بَيَانِ سَبَبِ وَضْعِ لُغَاتِ الْأَنَاسِيِّ]

- ‌[الْمَقَامُ الثَّالِثُ فِي بَيَانِ وَاضِعِ اللُّغَةُ]

- ‌[الْمَقَامُ الرَّابِعُ هَلْ يُحْكَمُ بِاعْتِبَارِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ اللَّفْظِ وَمَعْنَاهُ الْمَوْضُوعِ لَهُ]

- ‌[الْمَقَامُ الْخَامِسُ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعَ لَهُ اللَّفْظُ]

- ‌[الْمَقَامُ السَّادِسُ فِي بَيَانِ طُرُقِ مَعْرِفَةِ اللُّغَاتِ]

- ‌[الْمَقَامُ السَّابِعُ الْقِيَاسَ هَلْ يَجْرِي فِي اللُّغَةِ]

- ‌[الْمَقَامُ الثَّامِنُ فِي تَقْسِيمِ اللَّفْظِ إلَى مهمل ومستعمل]

- ‌[بَيَانِ الْأَقْسَامِ اللَّاحِقَةِ لِلَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ]

- ‌[أَقْسَام الْمُفْرَدِ وَالْمُرَكَّبِ]

- ‌[أَقِسَام اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ]

- ‌[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي انْقِسَامِ اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ]

- ‌[الْفَصْلُ الثَّانِي انْقِسَامِ اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهِ]

- ‌[انْقِسَامِ دَلَالَةُ اللَّفْظ إلَى الْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ]

- ‌[أَقْسَام الْمَفْهُومُ]

- ‌[التَّقْسِيمُ الثَّانِي فِي اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ ظُهُورِ دَلَالَتِهِ]

- ‌[التَّقْسِيمُ الثَّالِثُ لِلْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ الْخَفَاء فِي الدَّلَالَةِ]

- ‌[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ مُقَايَسَتِهِ إلَى مُفْرَدٍ آخَرَ]

- ‌[الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ مَدْلُولِهِ]

- ‌[التَّقْسِيمُ الْأَوَّلُ تَعَدَّى الْمُفْرَدِ إِلَيَّ كُلِّي وجزئي]

- ‌[التَّقْسِيمُ الثَّانِي مَدْلُولُ المفرد إمَّا لَفْظٌ كَالْجُمْلَةِ وَالْخَبَرِ أَوْ غَيْرُهُ]

- ‌[التَّقْسِيمُ الثَّالِثُ تَقْسِيم اللَّفْظَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ وَالصِّيغَةِ]

- ‌[مباحث الْعَامُّ]

- ‌[الْبَحْثُ الْأَوَّلُ هَلْ يُوصَفُ بِالْعُمُومِ الْمَعَانِي الْمُسْتَقِلَّةُ كَالْمُقْتَضَى وَالْمَفْهُومِ]

- ‌[الْبَحْثُ الثَّانِي هَلْ الصِّيَغُ مِنْ أَسْمَاءِ الشَّرْطِ وَالِاسْتِفْهَامِ]

- ‌[الْبَحْثُ الثَّالِثُ لَيْسَ الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ عَامًّا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَيْسَ الْعَامُّ مُجْمَلًا]

- ‌[الْإِجْمَاعِ عَلَى مَنْعِ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ صِيغَةِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ هَلْ يَشْمَلُ النِّسَاءَ وَضْعًا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ هَلْ الْمُشْتَرَكُ عَامٌّ اسْتِغْرَاقِيٌّ فِي مَفَاهِيمِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ خِطَابِ الْوَاحِدِ لَا يَعُمُّ غَيْرَهُ لُغَةً]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْخِطَابِ الَّذِي يَعُمُّ الْعَبِيدَ لُغَةً]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الِاتِّفَاقُ عَلَى عُمُومِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ]

- ‌[الْبَحْثُ الرَّابِعُ الِاتِّفَاقُ عَلَى إطْلَاقِ قَطْعِيِّ الدَّلَالَةِ عَلَى الْخَاصِّ وَعَلَى احْتِمَالِهِ]

- ‌[الْبَحْثُ الْخَامِسُ يَرِدُ عَلَى الْعَامِّ التَّخْصِيصُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرِقُ]

- ‌[مَسْأَلَة شَرْطُ إخْرَاجِهِ أَيْ الْمُسْتَثْنَى مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَقَّبَ الِاسْتِثْنَاءُ جُمَلًا مُتَعَاطِفَةً]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا خُصَّ الْعَامُّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ بِمُجْمَلٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْقَائِلُونَ بِالْمَفْهُومِ الْمُخَالِفِ خَصُّوا بِهِ الْعَامَّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْعَادَةِ وَهِيَ الْأَمْرُ الْمُتَكَرِّرُ مِنْ غَيْرِ عَلَاقَةٍ عَقْلِيَّةٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إفْرَادِ فَرْدٍ مِنْ الْعَامِّ بِحُكْمِهِ أَيْ الْعَامِّ]

- ‌[مَسْأَلَةُ رُجُوعِ الضَّمِيرِ الْوَاقِعِ بَعْدَ الْعَامِّ إلَى الْبَعْضِ مِنْ أَفْرَادِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ تَّخْصِيصُ الْعَامِّ بِالْقِيَاسِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ مُنْتَهَى التَّخْصِيصِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ إذَا اخْتَلَفَ حُكْمُ مُطْلَقٍ وَمُقَيَّدِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ صِيغَةُ الْأَمْرِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْوُجُوبِ لِصِيغَةِ الْأَمْرِ حَقِيقَةً]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تَبَادُرِ كَوْنِ الصِّيغَةِ فِي الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ مَجَازًا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الصِّيغَة أَيْ الْمَادَّة بِاعْتِبَارِ الْهَيْئَة الْخَاصَّةِ لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْفَوْر للأمر ضروري لِلْقَائِلِ بِالتَّكْرَارِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْآمِرُ لِشَخْصٍ بِالْأَمْرِ لِغَيْرِهِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ آمِرًا لِذَلِكَ الْمَأْمُورِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَاقَبَ أَمْرَانِ غَيْرُ مُتَعَاطِفَيْنِ بِمُتَمَاثِلَيْنِ فِي مَأْمُورٍ بِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالنَّفْسِيِّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَلَّقَ النَّهْيُ بِالْفِعْلِ]

الفصل: ‌[الأمر الثاني موضوع أصول الفقه]

الْوَجْهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَإِذَا كَانَ الْعِلْمُ مُطْلَقًا) أَيْ بِمَعْنَى الْإِدْرَاكِ (ذَاتِيًّا لِمَا تَحْتَهُ) أَيْ جِنْسًا لِلْأَنْوَاعِ الَّتِي هِيَ الْيَقِينُ وَالظَّنُّ وَالشَّكُّ وَالْوَهْمُ (وَالْعِلْمُ الْمَحْدُودُ لَيْسَ إلَّا صِنْفًا) مِنْ بَعْضِ أَنْوَاعِهِ؛ لِأَنَّ وَاضِعَ الْعِلْمِ لَمَّا لَاحَظَ الْغَايَةَ الْمَطْلُوبَةَ لَهُ فَوَجَدَهَا تَتَرَتَّبُ عَلَى الْعِلْمِ بِأَحْوَالِ شَيْءٍ أَوْ أَشْيَاءَ مِنْ جِهَةٍ خَاصَّةٍ وَضَعَهُ لِيَبْحَثَ عَنْ أَحْوَالِهِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ فَقَدْ قَيَّدَ ذَلِكَ النَّوْعَ مِنْ الْعِلْمِ بِعَارِضٍ كُلِّيٍّ فَصَارَ صِنْفًا، وَقِيلَ لِلْوَاضِعِ صَنَّفَ الْعِلْمَ أَيْ جَعَلَهُ صِنْفًا فَالْوَاضِعُ لِلْعِلْمِ أَوْلَى بِاسْمِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْمُؤَلِّفِينَ، وَإِنْ صَحَّ أَيْضًا فِيهِمْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَحِينَئِذٍ (لَمْ يَبْعُدْ كَوْنُهُ) أَيْ الْخِلَافِ فِي جَوَازِ وُجُودِ الْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ مُقَدِّمَةً لِلشُّرُوعِ الَّذِي هُوَ فَرْعُ وُجُودِهِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ خِلَافًا (لَفْظِيًّا مَبْنِيًّا عَلَى) اخْتِلَافِ (الِاصْطِلَاحِ فِي مُسَمَّى) الْحَدِّ (الْحَقِيقِيِّ أَهُوَ ذَاتِيَّاتُ) الْمَاهِيَّةِ (الْحَقِيقِيَّةِ) ، وَهِيَ الثَّابِتَةُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ اعْتِبَارِ الْعَقْلِ (أَوْ مُطْلَقًا) أَيْ أَوْ هُوَ الْأَمْرُ الْكُلِّيُّ الْأَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَاتِيَّاتِ الْمَاهِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ أَوْ ذَاتِيَّاتِ الْمَاهِيَّةِ الِاعْتِبَارِيَّةِ، وَهِيَ الْكَائِنَةُ بِحَسَبِ اعْتِبَارِ الْعَقْلِ كَمَا إذَا اعْتَبَرَ الْوَاضِعُ عِدَّةَ أُمُورٍ فَوَضَعَ بِإِزَائِهَا أَسْمَاءً فَمَنْ اصْطَلَحَ عَلَى الْأَوَّلِ نَفَى وُجُودَ الْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ لِشَيْءٍ مِنْ الْعُلُومِ؛ لِأَنَّ الْعُلُومَ الْمَحْدُودَةَ كُلَّهَا لَيْسَتْ إلَّا مَاهِيَّاتٍ اعْتِبَارِيَّةٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ عِلْمٍ عِبَارَةٌ عَنْ كَثْرَةٍ مِنْ الْإِدْرَاكَاتِ هِيَ عُلُومٌ أَوْ ظُنُونٌ أَوْ مِنْهَا، وَمِنْهَا مُتَعَلَّقَةٌ بِأَشْيَاءَ كَمَا ذَكَرْنَا فَمُيِّزَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ تِلْكَ الْإِدْرَاكَاتِ بِنِسْبَتِهَا إلَى مُتَعَلَّقٍ خَاصٍّ فَعُدَّتْ عِلْمًا عَلَى حِدَةٍ فَكَانَ كُلُّ عِلْمٍ طَائِفَةً مِنْ الْإِدْرَاكَاتِ الْجُزْئِيَّةِ اُنْتُزِعَ مِنْهَا كُلِّيٌّ عَامٌّ كَالْعِلْمِ وَالظَّنِّ وَنَحْوِهِ، وَقُيِّدَتْ بِعَارِضٍ كُلِّيٍّ هُوَ جِهَةُ الْغَايَةِ، وَالْمَوْضُوعُ هُوَ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ نَفْسِ تِلْكَ الْإِدْرَاكَاتِ الْمُنْتَزَعِ مِنْهَا وَالصِّنْفُ هُوَ النَّوْعُ الْمُقَيَّدُ بِعَارِضٍ كُلِّيٍّ فَهُوَ إذَنْ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ؛ لِأَنَّ مَاهِيَّتَهُ لَيْسَتْ بِحَقِيقِيَّةٍ بَلْ اعْتِبَارِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ اُعْتُبِرَ فِيهِ دَاخِلٌ وَخَارِجٌ جَعَلَ جُزْأَهُ بِخِلَافِ النَّوْعِ، وَإِذَا انْتَفَى وُجُودُ الْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ فِي نَفْسِهِ فَقَدْ انْتَفَى كَوْنُهُ مُقَدِّمَةً لِلشُّرُوعِ.

وَمَنْ اصْطَلَحَ عَلَى الثَّانِي جَوَّزَ وُجُودَ الْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ لِلْعُلُومِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَحِينَئِذٍ لَا يَبْعُدُ جَوَازُ وُجُودِهِ مُقَدِّمَةً لِلشُّرُوعِ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ، وَالتَّعَالِيلُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ مِمَّا يُرْشِدُ إلَى ذَلِكَ وَلَوْ، وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ مُسَمَّى الْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ مَا قَالَهُ الْأَوَّلُونَ أَوْ مَا قَالَهُ الْآخَرُونَ لَارْتَفَعَ الْخِلَافُ إذْ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ يَقَعُ الِاتِّفَاقُ عَلَى نَفْيِ وُجُودِهِ مُطْلَقًا، وَعَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي يَقَعُ الِاتِّفَاقُ عَلَى جَوَازِ وُجُودِهِ مُطْلَقًا وَلَا بُعْدَ حِينَئِذٍ فِي أَنْ يَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى جَوَازِ كَوْنِهِ مُقَدِّمَةً لِلشُّرُوعِ ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْعِلْمَ مُطْلَقًا ذَاتِيٌّ لِمَا تَحْتَهُ مِنْ الْأَنْوَاعِ لَا عَارِضَ لَهَا هُوَ الظَّاهِرُ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ مَفْهُومَهُ مُعْتَبَرٌ فِيمَا تَحْتَهُ مِنْهَا يَقِينًا وَظَنًّا وَغَيْرُهُمَا لَا يَزِيدُ كُلٌّ مِنْهَا عَلَيْهِ إلَّا بِمَا يَنْضَمُّ إلَيْهِ فَيَصِيرُ بِهِ نَوْعًا فَانْدَفَعَ مَنْعُ كَوْنِهِ ذَاتِيًّا لِمَا تَحْتَهُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ لِلْمُحَقِّقِ الشَّرِيفِ وَلَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ انْقِسَامُ الْعِلْمِ إلَّا مَا ذَكَرْتُمْ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَقُولَةِ الْكَيْفِ عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ وَالْكَيْفِيَّاتُ لَا تَقْبَلُ التَّقْسِيمَ وَلَا يُبْحَثُ عَنْهَا بِكَمٍّ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَجَزَّأُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: التَّقْسِيمُ الْمَنْفِيُّ عَنْهَا تَقْسِيمُ الْكُلِّ إلَى أَجْزَائِهِ، وَمُطْلَقُ الْعِلْمِ كُلِّيٌّ مَعْقُولٌ، وَمَا تَحْتَهُ مِنْ الْمَعَانِي هِيَ جُزْئِيَّاتٌ لَهُ، وَلَا رَيْبَ فِي صِحَّةِ قِسْمَةِ الْكُلِّيِّ إلَى جُزْئِيَّاتِهِ فَيَجُوزُ السُّؤَالُ عَنْ عَدَدِ جُزْئِيَّاتِ مُطْلَقِ الْعِلْمِ وَانْقِسَامِهِ إلَيْهَا وَحَمْلُهُ بِالْمُوَاطَأَةِ عَلَيْهَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[الْأَمْر الثَّانِي مَوْضُوع أُصُولِ الْفِقْهِ]

الْأَمْرُ (الثَّانِي) مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي مُقَدِّمَةُ هَذَا الْكِتَابِ عِبَارَةٌ عَنْهَا فِي بَيَانِ مَوْضُوعِهِ (مَوْضُوعُهُ) أَيْ أُصُولِ الْفِقْهِ (الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ الْكُلِّيُّ) فَالدَّلِيلُ سَيَأْتِي بَيَانُهُ مُسْتَوْفًى، وَالسَّمْعِيُّ مَا ثَبَتَ كَوْنُهُ كَذَلِكَ بِالشَّرْعِ فَصَدَقَ عَلَى الْقِيَاسِ كَمَا عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَمَّا لَيْسَ بِسَمْعِيٍّ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَوْضُوعُ هَذَا الْعِلْمِ سَوَاءٌ كَانَ عَقْلِيًّا صِرْفًا أَوْ حِسِّيًّا مَحْضًا أَوْ غَيْرَهُمَا، وَالْكُلِّيُّ سَيَأْتِي مَعْنَاهُ أَيْضًا، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الْجُزْئِيِّ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَوْضُوعَ هَذَا الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ أَفْرَادِ أَنْوَاعِهِ أَوْ أَعْرَاضِهِ أَوْ أَنْوَاعِهَا يَكُونُ مَوْضُوعًا لِمَسَائِلِهِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يَسْتَقِيمُ وَصْفُ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ بِهِ، وَهُوَ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ، وَالدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ مَوْجُودٌ فِيهِ قُلْت الْكُلِّيُّ الَّذِي لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ هُوَ الْعَقْلِيُّ

ص: 32

وَالْمَنْطِقِيُّ، وَهَذَا الْكُلِّيُّ لَيْسَ بِأَحَدِهِمَا، وَإِنَّمَا هُوَ كُلِّيٌّ طَبِيعِيٌّ، وَهُوَ مِمَّا قَدْ يَكُونُ مَوْجُودًا فِي الْخَارِجِ عَلَى مَا عُرِفَ ثُمَّ لَيْسَ الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَوْضُوعُ هَذَا الْعِلْمِ بَلْ (مِنْ حَيْثُ يُوصِلُ الْعِلْمُ بِأَحْوَالِهِ) أَيْ الدَّلِيلُ (إلَى قُدْرَةِ إثْبَاتِ الْأَحْكَامِ) الشَّرْعِيَّةِ (لِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ) الَّتِي لَا تُقْصَدُ لِاعْتِقَادٍ، وَإِنَّمَا طَوَى ذِكْرَهُمَا لِلْعِلْمِ بِهِمَا مِمَّا تَقَدَّمَ (أَخْذًا مِنْ شَخْصِيَّاتِهِ) أَيْ حَالَ كَوْنِ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ مَأْخُوذًا أَيْ مُنْتَزَعًا مِنْ مَاصَدَقَاتِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا مَوْضُوعَ هَذَا الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ كُلِّ عِلْمٍ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ أَعْرَاضِهِ اللَّاحِقَةِ لِذَاتِهِ أَوْ مُسَاوِيهِ، وَالْعَارِضُ هُنَا الْخَارِجُ الْمَحْمُولُ، وَقَدْ يَتَجَوَّزُ فِي التَّمْثِيلِ بِمَبْدَئِهِ، وَالذَّاتِيُّ مِنْهُ مَا عُرُوضُهُ بِلَا وَاسِطَةٍ فِي الثُّبُوتِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِنْ اسْتَدْعَى وَسَطًا فِي التَّصْدِيقِ لِخَفَاءِ ذَلِكَ اللُّزُومِ لَا مَا مَنْشَؤُهُ الذَّاتُ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ، وَمَشَى عَلَيْهِ فِي التَّلْوِيحِ قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَإِلَّا لَمَا بَحَثُوا عَنْ وُجُودِ النُّفُوسِ وَالْعُقُولِ فِي الْإِلَهِيِّ إذْ لَيْسَ هُوَ مُقْتَضِي ذَوَاتِهَا، وَكَذَا الْأَحْكَامُ السَّبْعَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَالْمُرَادُ بِالْمُسَاوِي أَعَمُّ مِنْ الْمُسَاوِي فِي الصِّدْقِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَوْ فِي الْوُجُودِ حَتَّى إنَّ مَا يُعْرَضُ بِوَاسِطَةِ الْمُبَايِنِ الْمُسَاوِي فِي الْوُجُودِ يَثْبُتُ بِوُجُودِ الْجِسْمِ لِلْجِسْمِ يُبْحَثُ عَنْهُ فِي الْعِلْمِ حَتَّى أَنَّهُ يُبْحَثُ عَنْ الْأَلْوَانِ فِي الْعِلْمِ الَّذِي مَوْضُوعُهُ الْجِسْمُ الطَّبِيعِيُّ، وَعُرُوضُهُ لِلْجِسْمِ بِوَاسِطَةِ السَّطْحِ فَلَيْسَ الْجِسْمُ أَبْيَضَ إلَّا لِأَنَّ السَّطْحَ أَبْيَضُ، وَلَا شَيْءَ مِنْ الْجِسْمِ بِسَطْحٍ فَإِنْ قِيلَ كَوْنُ الذَّاتِيِّ لَازِمًا لِلذَّاتِ يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ مَعَهَا ذِهْنًا، وَإِذَا ثَبَتَ حَيْثُ ثَبَتَ فَلَا بَحْثَ؟ .

فَالْجَوَابُ أَنَّ اللَّازِمَ مِنْ اللُّزُومِ ثُبُوتُهُ مَعَهُ صُورَةً مَعَ صُورَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُدْرَكًا إذْ حُصُولُ الشَّيْءِ ذِهْنًا لَا يَسْتَلْزِمُ تَصَوُّرَهُ وَالْمُرَادُ مِنْ الْبَحْثِ الْحُكْمُ بِثُبُوتِهِ لَهُ صَادِقًا عَلَيْهِ لُزُومًا، وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ ثُبُوتِهِ مَعَهُ حَتَّى إنَّ مَا مِنْ اللُّزُومِ يَكْفِي فِي الْحُكْمِ بِهِ تَصَوُّرُ الْمَلْزُومِ أَوْ الْمَلْزُومِ مَعَ اللَّازِمِ، وَهُمَا الْبَيْنُ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ وَالْبَيْنُ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مَبْحُوثًا عَنْهُ، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي اللَّوَازِمِ الْعَقْلِيَّةِ كَمُسَاوَاةِ الْمُثَلَّثِ لِقَائِمَتَيْنِ فَفِي الشَّرْعِيَّةِ أَوْلَى اهـ. وَالدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ الْكُلِّيُّ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذَا الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ؛ لِأَنَّهُ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ أَعْرَاضِهِ اللَّاحِقَةِ لِذَاتِهِ، وَهِيَ كَوْنُهُ مُثَبِّتًا لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ ثُمَّ لَمَّا كَانَ اللَّازِمُ فِي التَّعْبِيرِ عَنْهُ لَفْظًا لِلدَّلَالَةِ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ أَنْ يُقَيَّدَ بِالْحَيْثِيَّةِ الَّتِي يَقَعُ الْبَحْثُ عَنْ أَعْرَاضِهِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ جِهَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَتَحَقَّقْ غَايَةٌ تَتَرَتَّبُ عَلَى الْبَحْثِ عَنْ أَحْوَالِ شَيْءٍ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ قَيَّدَهُ بِهَا، وَقَدْ انْدَفَعَ بِقَوْلِهِ إلَى قُدْرَةِ إثْبَاتِ الْأَحْكَامِ الْإِشْكَالُ الْمَشْهُورُ عَلَى قَوْلِهِمْ إلَى إثْبَاتِ الْأَحْكَامِ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَوْضُوعُ الْأُصُولِ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ مِنْ حَيْثُ إثْبَاتُهَا لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ كَانَتْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةُ قَيْدًا لِلْمَوْضُوعِ فَتَكُونُ جُزْءًا مِنْهُ.

وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ تَقَدُّمُهَا عَلَى نَفْسِهَا؛ لِأَنَّهَا مِمَّا يُبْحَثُ عَنْهَا فِي هَذَا الْعِلْمِ وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ مَا بِهِ يَعْرِضُ الشَّيْءَ لِلشَّيْءِ لَا بُدَّ، وَأَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الْعَارِضِ عَلَى أَنَّ مَوْضُوعَ الْعِلْمِ مَا يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ أَعْرَاضِهِ الْمَذْكُورَةِ لَا عَنْهُ وَلَا عَنْ أَجْزَائِهِ حَتَّى احْتَاجُوا إلَى الْجَوَابِ عَنْهُ بِأَنَّ الْحَيْثِيَّةَ هُنَا لَيْسَتْ نَفْسَ الْإِثْبَاتِ بَلْ إمْكَانُهُ، وَأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْأَعْرَاضِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا فِيهِ وَذَهَبَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ إلَى أَنَّهَا بَيَانُ الْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا فِيهِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلشَّيْءِ أَعْرَاضٌ مُتَنَوِّعَةٌ، وَإِنَّمَا يُبْحَثُ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ عَنْ نَوْعٍ مِنْهَا فَالْحَيْثِيَّةُ لِبَيَانِ ذَلِكَ النَّوْعِ لَا قَيْدٌ لِلْمَوْضُوعِ (وَبِالْفِعْلِ فِي الْمَسَائِلِ) أَيْ وَالْمَوْضُوعُ بِالْفِعْلِ فِي مَسَائِلِ هَذَا الْعِلْمِ (أَنْوَاعُهُ) أَيْ الدَّلِيلُ الْكُلِّيُّ السَّمْعِيُّ نَحْوَ الْكِتَابِ يُفِيدُ الْحُكْمَ قَطْعًا إذَا كَانَتْ دَلَالَتُهُ قَطْعِيَّةً.

وَقَدْ وَقَعَ فِي التَّلْوِيحِ أَنَّ هَذَا الْحَمْلَ عَلَى مَوْضُوعِ الْعِلْمِ، وَهُوَ سَهْوٌ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا كَتَبَهُ عَلَى الْبَدِيعِ، وَقَالَ فِيهِ الدَّالُّ عَلَى الْمَوْضُوعِ إذَا أَفَادَ مُسَمًّى كُلِّيًّا فَالْمَوْضُوعُ هُوَ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ وَالْحَمْلُ فِي الْمَسَائِلِ قَلَّمَا يَقَعُ عَلَيْهِ نَفْسُهُ بَلْ كَمَا أَفَادَنِي الْمُصَنِّفُ رحمه الله حَالَ الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ أَنَّ مَوْضُوعَ الْعِلْمِ لَا يَكُونُ مَوْضُوعًا فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَائِلِ الْعِلْمِ إلَّا إذَا قُلْنَا إنَّ مَوْضُوعَ عِلْمِ الْكَلَامِ ذَاتُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ اهـ.

يَعْنِي كَمَا هُوَ قَوْلُ الْقَاضِي الْأُرْمَوِيِّ، وَقَدْ نَظَرَ فِيهِ فِي الْمَوَاقِفِ

ص: 33

مِنْ وَجْهَيْنِ عَلَى مَا يُعْرَفُ ثَمَّةَ.

(وَأَعْرَاضُهُ) أَيْ الدَّلِيلِ الذَّاتِيَّةُ كَالْعَامِّ قَطْعِيِّ الدَّلَالَةِ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ (وَأَنْوَاعُهَا) أَيْ الْأَعْرَاضُ الذَّاتِيَّةُ كَالْعَامِّ الْمَخْصُوصِ حُجَّةً ظَنِّيَّةً فِي الْبَاقِي (فَالْمُرَادُ بِالْأَحْوَالِ) الْمَذْكُورَةِ لِلدَّلِيلِ (مَا يَرْجِعُ إلَى الْإِثْبَاتِ) أَيْ إثْبَاتِ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا عُمُومًا أَوْ خُصُوصًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَلَوْ بِالْآخِرَةِ (وَهُوَ) أَيْ إثْبَاتُ الْأَحْكَامِ عَرَضٌ (ذَاتِيٌّ لِلدَّلِيلِ) ؛ لِأَنَّ عُرُوضَ الْإِثْبَاتِ لِلدَّلِيلِ بِلَا وَاسِطَةٍ فِي ثُبُوتِهِ لَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ بِثُبُوتِهِ لَهُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى بُرْهَانٍ (وَإِنْ لَمْ يَحْمِلْ الْإِثْبَاتَ بِعَيْنِهِ) فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ هَذَا الْعِلْمِ بَلْ مَا بِهِ الْإِثْبَاتُ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرَ ضَائِرٍ (وَنَظِيرُهُ) أَيْ هَذَا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَحْمُولَ فِيهِ لَيْسَ الْغَرَضَ الذَّاتِيَّ لِلْمَعْرُوضِ الَّذِي هُوَ الْمَوْضُوعُ بَلْ إنَّمَا هُوَ مَا بِهِ لُحُوقُهُ لِلْمَعْرُوضِ مَا تَقَرَّرَ (فِي الْمَنْطِقِ) مِنْ أَنَّ الْإِيصَالَ إلَى مَجْهُولٍ عَقْلِيٍّ تَصَوُّرِيٍّ أَوْ تَصْدِيقِيٍّ عَارِضٌ ذَاتِيٌّ لِلْمَعْلُومَاتِ التَّصَوُّرِيَّةِ والتصديقية الَّتِي هِيَ مَوْضُوعُ الْمَنْطِقِ مِنْ حَيْثُ صِحَّةُ إيصَالِهَا إلَى ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ (لَا مَسْأَلَةَ) مِنْ مَسَائِلِ الْمَنْطِقِ (مَحْمُولُهَا الْإِيصَالُ) نَفْسُهُ، وَإِنَّمَا مَحْمُولُ مَسَائِلِهِ مَا بِهِ الْإِيصَالُ.

(وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ) الْعَقْلِيِّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (خُرُوجُ) الْبَحْثِ عَنْ (عُنْوَانِ الْمَوْضُوعِ) أَيْ وَصْفِهِ الْكَائِنِ بِهِ مَوْضُوعًا مِنْ مَبَاحِثِ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ مَوْضُوعُهُ؛ لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله فِيمَا كَتَبَهُ عَلَى الْبَدِيعِ: إنْ أَفَادَ الدَّالُّ عَلَى الْمَوْضُوعِ عُنْوَانًا خَارِجًا فَإِنَّمَا يُبْحَثُ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ عَمَّا صَدَقَ عَلَيْهِ إذَا وُجِدَ مُتَّصِفًا بِهِ إذْ الْمَوْضُوعُ هُوَ الْمُقَيِّدُ فَمَا لَمْ يُوجَدْ الْمُقَيِّدُ لَمْ يُوجَدْ فَإِذَا وُجِدَ مَعَ قَيْدِهِ بُحِثَ حِينَئِذٍ عَنْ أَحْوَالٍ لَهُ أُخْرَى غَيْرِ الْقَيْدِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْبَحْثَ يَسْتَدْعِي جَهَالَةَ ثُبُوتِهِ لَهُ فَإِذَا بُحِثَ عَنْ عُنْوَانِهِ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ مُعَرِّفُهُ لِبَحْثٍ فِيمَا عُلِمَ ثُبُوتُهُ أَوْ فِيمَا لَمْ يُعْلَمْ مَوْضُوعِيَّتُهُ فَظَهَرَ أَنَّ عَدَمَ الْبَحْثِ يَتَحَقَّقُ مَعَ اعْتِبَارِ الْحَالَةِ قَيْدًا خَارِجًا غَيْرَ مُتَوَقَّفٍ عَلَى اعْتِبَارِهَا جُزْءًا مِنْ الْمَوْضُوعِ فَإِذَا قُلْنَا مَوْضُوعُ الْإِلَهِيِّ الْمَوْجُودِ فَالْبَحْثُ عَنْ أَحْوَالِ غَيْرِ الْوُجُودِ.

وَحِينَئِذٍ إذَا قُلْنَا مَوْضُوعُ الْأُصُولِ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُبْحَثَ عَنْ حُجِّيَّةِ شَيْءٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ حُجَّةٌ هُوَ كَوْنُهُ دَلِيلًا، وَهُوَ وَصْفُ الْمَوْضُوعِ الْعُنْوَانِيِّ بَلْ إنَّمَا يُبْحَثُ فِيمَا تَحَقَّقَ بِاسْمِ الْحُجَّةِ عَنْ أَحْوَالٍ أُخَرَ مِنْ كَوْنِهِ مُفِيدًا لِكَذَا مِنْ الْأَحْكَامِ مُقَدَّمًا عَلَى كَذَا عِنْدَ التَّعَارُضِ أَوْ مُؤَخَّرًا (فَالْبَحْثُ عَنْ حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ لَيْسَ مِنْهُ) أَيْ عِلْمِ الْأُصُولِ (بَلْ) الْبَحْثُ عَنْ حُجِّيَّةِ كُلٍّ مِنْ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ (مِنْ الْفِقْهِ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَاتِهَا أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ) كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي الْإِجْمَاعِ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ، وَأَمَّا فِي الْقِيَاسِ فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ فِعْلٌ لِلْمُجْتَهِدِ كَمَا سَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ قَرِيبًا (وَمَحْمُولَاتُهَا) الَّتِي هِيَ حُجَّةُ (الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إذْ مَعْنَى) قَوْلِنَا أَنَّ أَحَدَ هَذِهِ (حُجَّةٌ) أَنَّهُ (يَجِبُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ) وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّ هَذَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَهَذَا هُوَ الْمَوْعُودُ بِذِكْرِهِ قُبَيْلَ الْمُقَدِّمَةِ (وَهُوَ) أَيْ، وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْبَحْثَ عَنْ حُجِّيَّةِ الْقِيَاسِ مَسْأَلَةٌ فِقْهِيَّةٌ لَا أَصْلِيَّةٌ إنَّمَا يَتَأَتَّى (فِي الْقِيَاسِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ فِعْلِ الْمُجْتَهِدِ) كَمَا هُوَ ظَاهِرُ أَكْثَرِ عِبَارَاتِهِمْ عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي (أَمَّا عَلَى أَنَّهُ الْمُسَاوَاةُ الْكَائِنَةُ) فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ الْحَاصِلِ (عَنْ تَسْوِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي الْعِلَّةِ) الْمُثِيرَةِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا سَيَأْتِي أَيْضًا إنْ شَاءَ اللَّهُ.

(فَلَيْسَتْ) الْقَضِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ الَّتِي هِيَ الْقِيَاسُ حُجَّةً (مَسْأَلَةً) أَصْلًا تَعْوِيلًا عَلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ اصْطِلَاحًا حُكْمٌ خَبَرِيٌّ نَظَرِيٌّ أَوْ حُكْمٌ نَظَرِيٌّ مِنْ الْعُلُومِ الْمَوْضُوعَةِ (لِأَنَّهَا) أَيْ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ حِينَئِذٍ (ضَرُورِيَّةٌ دِينِيَّةٌ) بِمَعْنَى أَنَّهُ مَتَى عُلِمَ أَنَّ مَعْنَى الْقِيَاسِ الْمُسَاوَاةُ الْمَذْكُورَةُ قَطْعٌ بِالضَّرُورَةِ مِنْ الدِّينِ بِأَنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ، وَتَوَقُّفُ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ الِاسْمِ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الضَّرُورَةَ الْمَذْكُورَةَ لَكِنْ عَلَى هَذَا لَا تَكُونُ ضَرُورِيَّةً دِينِيَّةً مُطْلَقًا بَلْ عِنْدَ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ، وَمِنْ ثَمَّةَ لَمْ يَكْفُرْ مُنْكِرُهَا، وَيَطْرُقُهُ أَنَّ الضَّرُورِيَّ الدِّينِيَّ مَا هُوَ بِحَالٍ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ الشَّكُّ وَيَسْتَوِي فِي مَعْرِفَتِهِ جَمِيعُ الْمُكَلَّفِينَ مِنْهُمْ، وَيَكْفُرُ مُنْكِرُ مُقْتَضَاهُ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ فَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِضَرُورِيَّةٍ دِينِيَّةٍ عَلَى

ص: 34

أَنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ وَخُصُوصًا عَلَى قَاعِدَةِ الْأَشَاعِرَةِ لَا يُعْرَفُ شَيْءٌ مِنْهَا إلَّا بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ فَهِيَ كُلُّهَا نَظَرِيَّةٌ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَعْضٌ مِنْهَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْوَصْفِ أَشْبَهَ الضَّرُورِيَّ فَسُمِّيَ بِهِ وَرُتِّبَ عَلَيْهِ إكْفَارُ مُنْكِرِهِ، وَحُكْمُ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَطَرَّقَ إلَيْهِ الشَّكُّ مِنْ بَعْضِ الْعُقَلَاءِ، وَمَنَعَ صِحَّتَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْدُودِينَ مِنْ عُلَمَاءِ الْمِلَّةِ وَلَمْ يَكْفُرْ بِذَلِكَ فَالْوَجْهُ أَنَّهَا مَسْأَلَةٌ كَمَا أَنَّهَا مَسْأَلَةٌ أَيْضًا إذَا فُسِّرَتْ الْمَسْأَلَةُ اصْطِلَاحًا بِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْحُكْمِ النَّظَرِيِّ وَالضَّرُورِيِّ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِأَصْلِيَّةٍ بَلْ كَلَامِيَّةٍ كَمَسْأَلَتَيْ كَوْنِ كُلٍّ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ حُجَّةً كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا كَتَبَهُ عَلَى الْبَدِيعِ، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ أَيْضًا مَا فِي التَّلْوِيحِ.

فَإِنْ قُلْت فَمَا بَالُهُمْ يَجْعَلُونَ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ إثْبَاتَ الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ لِلْأَحْكَامِ وَلَا يَجْعَلُونَ مِنْهَا إثْبَاتَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَذَلِكَ؟ . قُلْت: لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالنَّظَرِ فِي الْفَنِّ هُوَ الْكَسْبِيَّاتُ الْمُفْتَقِرَةُ إلَى الدَّلِيلِ، وَكَوْنُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ حُجَّةً بِمَنْزِلَةِ الْبَدِيهِيِّ فِي نَظَرِ الْأُصُولِيِّ لِتَقَرُّرِهِ فِي الْكَلَامِ وَشُهْرَتِهِ بَيْنَ الْأَنَامِ بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَلِهَذَا تَعَرَّضُوا لِمَا لَيْسَ إثْبَاتُهُ لِلْحُكْمِ بَيِّنًا كَالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ اهـ. فَظَهَرَ أَنَّ هَذِهِ الْأَبْحَاثَ لَيْسَ مَحَلُّهَا هَذَا الْعِلْمَ بِالذَّاتِ (بِخِلَافِ عُمُومِ النَّكِرَةِ فِي النَّفْيِ فَإِنَّهُ) أَيْ الْعُمُومُ (حَالٌ) أَيْ عَرَضٌ ذَاتِيٌّ (لِلدَّلِيلِ) كَمَا تَقَدَّمَ، وَالنَّكِرَةُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ عُمُومِهَا وَعَدَمِهِ مِمَّا يَتَحَقَّقُ بِاسْمِ الدَّلِيلِ إذْ لَا بُدَّ أَنْ نُفِيدَ حُكْمًا مَا فَالْبَحْثُ عَنْ عُمُومِهَا إذَا وَقَعَتْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ بَحْثٌ أَصْلِيٌّ (فَعَنْ هَلِيَّةِ الْمَوْضُوعِ الْبَسِيطَةِ أَوْلَى) أَيْ ثُمَّ إذَا كَانَ الْبَحْثُ عَنْ حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ، وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ لَيْسَ مِنْ الْأُصُولِ فَالْبَحْثُ عَنْ وُجُودِ الْمَوْضُوعِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْبَسِيطَةِ، وَهِيَ الَّتِي يُطْلَبُ بِهَا وُجُودُ الشَّيْءِ كَمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الْمُرَكَّبَةَ، وَهِيَ الَّتِي يُطْلَبُ بِهَا وُجُودُ شَيْءٍ لِشَيْءٍ مِنْ بَابِ الْبَحْثِ عَنْ حَالِ الْمَوْضُوعِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ مِنْ مَسَائِلِ الْعِلْمِ هَذَا. (وَقَوْلُهُمْ) فِي تَعْلِيلِ كَوْنِ التَّصْدِيقِ بِهَلِيَةِ ذَاتِ الْمَوْضُوعِ جُزْءًا مِنْ الْعِلْمِ (مَا لَمْ يَثْبُتْ وُجُودُهُ كَيْفَ يَثْبُتُ لَهُ الْأَحْكَامُ يَقْتَضِي التَّوَقُّفَ) أَيْ تَوَقُّفَ الْبَحْثِ عَنْ الْأَحْوَالِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ الْوُجُودِ عَلَى إثْبَاتِ الْوُجُودِ لَهُ إذَا كَانَ نَظَرِيًّا (لَا كَوْنُهَا) أَيْ لَا أَنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ الْقَضَايَا الْبَاحِثَةِ عَنْ هَلِيَّةِ الْمَوْضُوعِ (مِنْ مَسَائِلِ الْعِلْمِ) الَّذِي جُعِلَ مَوْضُوعُهُ مَا أُثْبِتَ وُجُودُهُ كَيْفَ وَكَوْنُ الشَّيْءِ مَوْضُوعًا أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى وُجُودِهِ فَأَنَّى يَتَحَقَّقُ الشَّيْءُ مَوْضُوعًا لِعِلْمٍ دُونَ أَنْ يَتَحَقَّقَ بِأَحَدِ الْوُجُودَيْنِ بَلْ بِأَحَدِهِمَا يَتِمُّ كَوْنُهُ مَوْضُوعًا ثُمَّ يُنْظَرُ فِي أَحْوَالٍ أُخَرَ لَهُ، كَذَا أَفَادَهُ الْمُصَنِّفُ فَلَا جَرَمَ أَنَّ فِي الشِّفَاءِ وَغَيْرِهِ أَنَّ التَّصْدِيقَ بِوُجُودِ الْمَوْضُوعِ مِنْ الْمَبَادِئِ التَّصْدِيقِيَّةِ لَا أَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْعِلْمِ.

ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ كَوْنَ الْمَوْضُوعِ هُوَ الْأَدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ هُوَ طَرِيقُ الْآمِدِيِّ وَصَاحِبِ الْبَدِيعِ وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ هِيَ وَالتَّرْجِيحُ وَالِاجْتِهَادُ؛ لِأَنَّهُ يُبْحَثُ عَنْ أَعْرَاضِهِمَا فِيهِ وَرُدَّ إلَى الْمَشْهُورِ بِأَنَّ الْبَحْثَ عَنْ التَّرْجِيحِ بَحْثٌ عَنْ أَعْرَاضِ الْأَدِلَّةِ بِاعْتِبَارِ تَرَجُّحِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ التَّعَارُضِ أَوْ تَسَاقُطِهَا بِهِ لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ، وَعَنْ الِاجْتِهَادِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَدِلَّةَ إنَّمَا يَسْتَنْبِطُ مِنْهَا الْأَحْكَامَ الْمُجْتَهِدُ.

وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ أَحْوَالُ الْأَدِلَّةِ مِنْ حَيْثُ دَلَالَتُهَا عَلَى الْأَحْكَامِ إمَّا مُطْلَقًا، وَإِمَّا بِاعْتِبَارِ تَعَارُضِهَا أَوْ اسْتِنْبَاطِهَا مِنْهَا فَتَكُونُ هِيَ مَوْضُوعَ الْعِلْمِ بِالْحَقِيقَةِ، وَالْبَحْثُ عَنْ التَّرْجِيحِ وَالِاجْتِهَادِ رَاجِعًا إلَيْهَا، وَقِيلَ الْأَدِلَّةُ وَالْأَحْكَامُ وَصَحَّحَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ ثُمَّ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ؛ لِأَنَّهُ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ الْعَوَارِضِ الذَّاتِيَّةِ لِلْأَدِلَّةِ، وَهِيَ إثْبَاتُهَا الْحُكْمَ وَالْعَوَارِضَ الذَّاتِيَّةَ لِلْأَحْكَامِ، وَهِيَ ثُبُوتُهَا بِتِلْكَ الْأَدِلَّةِ وَحَقَّقَ هَذَا الْمُحَقِّقُ ذَلِكَ بِأَنَّا رَجَّعْنَا الْأَدِلَّةَ بِالتَّعْمِيمِ إلَى الْأَرْبَعَةِ وَالْأَحْكَامَ إلَى الْخَمْسَةِ وَنَظَرْنَا فِي الْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلَّقَةِ بِكَيْفِيَّةِ إثْبَاتِ الْأَدِلَّةِ لِلْأَحْكَامِ إجْمَالًا فَوَجَدْنَا بَعْضَهَا رَاجِعَةً إلَى أَحْوَالِ الْأَدِلَّةِ وَبَعْضَهَا إلَى أَحْوَالِ الْأَحْكَامِ فَجَعْلُ أَحَدِهِمَا مِنْ الْمَقَاصِدِ وَالْآخَرَ مِنْ اللَّوَاحِقِ تَحَكُّمٌ؛ غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ مَبَاحِثَ الْأَدِلَّةِ أَكْثَرُ وَأَهَمُّ لَكِنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْأَصَالَةَ وَالِاسْتِقْلَالَ

ص: 35

اهـ.

وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ فِي دَعْوَى التَّحَكُّمِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْبَحْثَ بِالذَّاتِ إنَّمَا يَقَعُ فِي هَذَا الْعِلْمِ عَنْ أَحْوَالِ الْأَدِلَّةِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا مُثَبِّتَةً لِلْأَحْكَامِ، وَأَمَّا الْبَحْثُ عَنْ أَحْوَالِ الْأَحْكَامِ فَلَمْ يَقَعْ إلَّا بِاعْتِبَارِ كَوْنِ أَحْوَالِ الْأَحْكَامِ ثَمَرَةَ أَحْوَالِ الْأَدِلَّةِ وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ ثَمَرَةَ الشَّيْءِ أَمْرٌ تَابِعٌ لَهُ مُتَفَرِّعٌ عَلَى تَحَقُّقِهِ لَا أَنَّهُ أَصْلٌ مِثْلُهُ فَذَكَرَهَا فِيهِ لِلِاحْتِيَاجِ إلَى تَصَوُّرِهَا لِيَتَمَكَّنَ مِنْ إثْبَاتِهَا أَوْ نَفْيِهَا لَا لِكَوْنِ الْأَحْكَامِ مَوْضُوعًا لَهُ أَيْضًا فَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ فَرَّعَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْأَخِيرِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ:(وَعَلَى) قَوْلِ (مَنْ أَدْخَلَ الْأَحْكَامَ) الشَّرْعِيَّةَ مَعَ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ فِي الْمَوْضُوعِيَّةِ لِهَذَا الْعِلْمِ (إذْ يُبْحَثُ عَنْهَا) أَيْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ (مِنْ حَيْثُ تَثْبُتُ بِالْأَدِلَّةِ) السَّمْعِيَّةِ فِي هَذَا الْعِلْمِ كَمَا يُبْحَثُ عَنْ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تُثَبِّتُ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ فَيَكُونُ مَوْضُوعُهُ كِلْتَيْهِمَا مِنْ الْحَيْثِيَّتَيْنِ الْمُشَارِ إلَيْهِمَا (لَا يَبْعُدُ إدْخَالُ الْمُكَلَّفِ الْكُلِّيِّ) أَيْضًا مَعَهُمَا فِي الْمَوْضُوعِيَّةِ لِهَذَا الْعِلْمِ (إذْ يُبْحَثُ عَنْهُ) أَيْ الْمُكَلَّفِ الْكُلِّيِّ فِيهِ (مِنْ حَيْثُ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ) الْمَذْكُورَةُ فَكَمَا اُعْتُبِرَتْ الْأَدِلَّةُ وَالْأَحْكَامُ مَوْضُوعًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ عَوَارِضِهِمَا الذَّاتِيَّةِ مِنْ الْحَيْثِيَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ يُعْتَبَرُ الْمُكَلَّفُ الْكُلِّيُّ أَيْضًا مَوْضُوعًا مَعَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ عَوَارِضِهِ الذَّاتِيَّةِ مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ.

(وَقَدْ وَضَعَهُ الْحَنَفِيَّةُ) أَيْ جَعَلُوهُ فِي كُتُبِهِمْ الْأَصْلِيَّةِ مَوْضُوعًا (مَعْنًى، وَأَحْوَالُهُ) الْعَارِضَةُ لَهُ أَيْضًا (فِي تَرْجَمَةِ الْعَوَارِضِ السَّمَاوِيَّةِ) لَهُ، وَهِيَ مَا لَيْسَ لِلْعَبْدِ فِيهَا اخْتِيَارٌ (وَالْمُكْتَسَبَةِ) أَيْ وَالْعَوَارِضِ الَّتِي كَسَبَهَا الْعَبْدُ أَوْ تَرَكَ إزَالَتَهَا (لِبَيَانِ كَيْفَ تَتَعَلَّقُ بِهِ) الْأَحْكَامُ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ جَعْلَهُمْ الْمُكَلَّفَ الْكُلِّيَّ مَوْضُوعًا بِقَوْلِهِ مَعْنًى؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اُسْتُفِيدَ مِنْ بَحْثِهِمْ عَنْ أَهْلِيَّتِهِ لِلْحُكْمِ.

وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَوْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى هَذَا الْقَوْلِ لَكَانَ هَذَا الصَّنِيعُ مِنْهُمْ كَالشَّاهِدِ لَهُ، وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ حَنَفِيًّا لَكِنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ ذَاهِبٌ فِيمَا عَلِمَهُ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ بَلْ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ الذَّاهِبُ إلَى أَنَّ مَوْضُوعَ هَذَا الْعِلْمِ الْأَدِلَّةُ وَالْأَحْكَامُ مُصَرِّحٌ بِانْدِرَاجِ الْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلَّقَةِ بِالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ الْمُكَلَّفُ وَالْأَهْلِيَّةُ وَالْعَوَارِضُ الْمَذْكُورَةُ تَحْتَ الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي هِيَ إحْدَى مُقَدِّمَتَيْ الدَّلِيلِ عَلَى مَسَائِلِ الْفِقْهِ الْمُسَمَّاةِ بِالْقَوَاعِدِ لِاخْتِلَافِ الْأَحْكَامِ بِاخْتِلَافِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَبِالنَّظَرِ إلَى وُجُودِ الْعَوَارِضِ وَعَدَمِهَا كَانْدِرَاجِ الْمَحْكُومِ بِهِ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفُ تَحْتَهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ لَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ هَذَا مُوجِبًا لِعَدَمِ جَعْلِ الْمُكَلَّفِ الْكُلِّيِّ مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ مَوْضُوعًا أَوْ مَانِعًا مِنْهُ فَكَذَلِكَ الْأَحْكَامُ لِإِمْكَانِ انْدِرَاجِ أَعْرَاضِهَا فِي مَبَاحِثِ أَعْرَاضِ الْأَدِلَّةِ كَمَا ذَكَرْنَا فَجَعْلُهَا مَوْضُوعًا دُونَهُ تَحَكُّمٌ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ فِي جَعْلِ الْمُكَلَّفِ الْكُلِّيِّ مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ مَوْضُوعًا مَانِعًا لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ مَوْضُوعَ الْعِلْمِ مَا يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ أَعْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ، وَأَحْوَالِ الْمُكَلَّفِ الْكُلِّيِّ الَّتِي هِيَ الْعَوَارِضُ الْمَذْكُورَةُ لَيْسَتْ بِذَاتِيَّةٍ لَهُ كَمَا سَيُصَرِّحُ الْمُصَنِّفُ بِهِ عِنْدَ إفَاضَتِهِ فِي الْكَلَامِ فِيهَا.

وَالْأَهْلِيَّةُ وَصْفٌ عُنْوَانِيٌّ لَهُ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ خُرُوجُ الْبَحْثِ عَنْ عُنْوَانِ الْمَوْضُوعِ مِنْ مَبَاحِثِ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ مَوْضُوعُهُ فَلَا يَكُونُ الْبَحْثُ عَنْهَا فِي هَذَا الْعِلْمِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ الْكُلِّيَّ مَوْضُوعُهُ فَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْبَحْثَ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ بَابِ التَّتْمِيمِ بِذِكْرِ التَّوَابِعِ وَاللَّوَاحِقِ وَكَيْفَ لَا، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ بِعَارِضٍ لِلْمُكَلَّفِ مَعَ قِيَامِ هَذَا الْوَصْفِ بِهِ كَالصِّغَرِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ كَالسَّفَرِ وَالْإِكْرَاهِ وَالْهَزْلِ وَالْخَطَأِ فَالْمَبَاحِثُ الْمُتَعَلَّقَةُ بِهَا مَسَائِلُ فِقْهِيَّةٍ بِلَا رَيْبٍ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَاتِهَا أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ، وَمَحْمُولَاتِهَا الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ، وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا سَنَحَ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ أَخَذَ الْمُصَنِّفُ فِي اسْتِئْنَافِ بَيَانِ تَحْقِيقٍ لِمَا فِي الْوَاقِعِ مِنْ أَمْرِ الْمَوْضُوعِ فَقَالَ (وَإِذَا كَانَتْ الْغَايَةُ الْمَطْلُوبَةُ) الْحُصُولُ لِوَاضِعِ عِلْمٍ لِتَحْصِيلِهَا (لَا تَتَرَتَّبُ إلَّا عَلَى) الْبَحْثِ عَنْ أَحْوَالِ (أَشْيَاءَ كَانَتْ) تِلْكَ الْأَشْيَاءُ (الْمَوْضُوعُ) لِذَلِكَ الْعِلْمِ الْمَطْلُوبِ

ص: 36

لِتِلْكَ الْغَايَةِ (كَمَا لَوْ تَرَتَّبَتْ غَايَاتٌ عَلَى جُمَلٍ مِنْ أَحْوَالِ) شَيْءٍ (وَاحِدٍ حَيْثُ يَكُونُ) ذَلِكَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ (مَوْضُوعَ عُلُومٍ) مُخْتَلِفَةٍ مَقْصُودَةٍ لِتِلْكَ الْغَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ (يَخْتَلِفُ) ذَلِكَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ الَّذِي هُوَ الْمَوْضُوعُ (فِيهَا) أَيْ تِلْكَ الْعُلُومِ (بِالْحَيْثِيَّةِ) الَّتِي تَعَدَّدَتْ بِهَا مَوْضُوعِيَّتُهُ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا بِالذَّاتِ فَيَكُونُ كَوْنُهُ مَوْضُوعًا لِعِلْمٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُبْحَثُ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ كَذَا غَيْرِ كَوْنِهِ مَوْضُوعًا لِعِلْمٍ آخَرَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُبْحَثُ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ غَيْرٍ تِلْكَ الْجِهَةِ فَجَاءَتْ مَوْضُوعَاتُ الْعُلُومِ مِنْهَا مَا هُوَ أَمْرٌ وَاحِدٌ لِعِلْمٍ وَاحِدٍ، وَمِنْهَا مَا هُوَ أَمْرٌ وَاحِدٌ مِنْ حَيْثِيَّتَيْنِ لِعِلْمَيْنِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ أُمُورٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْ حَيْثِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لِعِلْمٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِانْفِصَالِ الْمَوْضُوعَاتِ تَمَايُزُ الْغَايَاتِ عِنْدَ مُلَاحَظَتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا مَانِعَ يَمْنَعُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ (وَمِنْ هُنَا) أَيْ، وَمِنْ أَنَّ الْغَايَةَ الْمَطْلُوبَةَ إذَا تَرَتَّبَتْ عَلَى أَشْيَاءَ كَانَتْ هِيَ الْمَوْضُوعُ لِذَلِكَ الْعِلْمِ الَّذِي يُثْمِرُ تِلْكَ الْغَايَةِ (اسْتَتْبَعَتْهُ) أَيْ الْغَايَةُ الْمَطْلُوبَةُ الْمَوْضُوعُ أَيْ كَانَ تَابِعًا لَهَا ذِهْنًا فِي التَّصَوُّرِ، وَإِنْ كَانَ حُصُولُهَا خَارِجًا تَابِعًا لِحُصُولِهِ كَمَا سَلَفَ بَيَانُهُ وَلِمَا لَزِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ تَرَتَّبَتْ الْغَايَةُ الْمَطْلُوبَةُ عَلَى أَشْيَاءَ لَيْسَ بَيْنَهَا تَنَاسُبٌ أَنْ تَكُونَ مَوْضُوعَ عِلْمِ تِلْكَ الْغَايَةِ أَشَارَ إلَى الْتِزَامِ هَذَا اللَّازِمِ وَحَقِّيَّتِهِ، وَإِنْ صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّ الْمَوْضُوعَ إذَا كَانَتْ أَشْيَاءُ يُشْتَرَطُ تَنَاسُبُهَا فِي ذَاتِيٍّ أَوْ عَرَضِيٍّ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.

فَقَالَ: (وَلُزُومُ التَّنَاسُبِ) بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي هِيَ مَوْضُوعُ عِلْمٍ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ بِسَبَبِ أَنَّ الْغَايَةَ الْمَطْلُوبَةَ إنَّمَا تَرَتَّبَتْ عَلَيْهَا أَمْرٌ (اتِّفَاقِيٌّ) ، وَهُوَ إنْ اتَّفَقَ أَنْ لَا تَتَرَتَّبَ غَايَةٌ يُعْتَدُّ بِهَا عَلَى أَشْيَاءَ إلَّا إذَا كَانَتْ مُتَنَاسِبَةً لَا لُزُومِيٌّ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ وَحِينَئِذٍ فَنَقُولُ إنْ اتَّفَقَ تَرَتُّبُ الْغَايَةِ الْمَطْلُوبَةِ عَلَى أُمُورٍ مُتَنَاسِبَةٍ فَذَاكَ وَكَانَتْ هِيَ الْمَوْضُوعُ (وَلَوْ اتَّفَقَ تَرَتُّبُهَا) أَيْ الْغَايَةِ الْمَطْلُوبَةِ عَلَى أُمُورٍ (مَعَ عَدَمِهِ) أَيْ عَدَمِ تَنَاسُبِهَا (أُهْدِرَ) أَيْ التَّنَاسُبُ مِنْ الِاعْتِبَارِ فِي صِحَّةِ مَوْضُوعِيَّةِ تِلْكَ الْأُمُورِ حَتَّى كَانَتْ هِيَ الْمَوْضُوعَ لِذَلِكَ الْعِلْمِ الْمُثْمِرِ لِتِلْكَ الْغَايَةِ، وَمِنْ ثَمَّةَ لَمَّا قَرَّرَ الْمُحَقِّقُ الشَّرِيفُ وَجْهَ تَمَايُزِ الْعُلُومِ بِحَسَبِ تَمَايُزِ الْمَوْضُوعَاتِ عَلَى الْمِنْوَالِ الْمُتَدَاوَلِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ قَالَ: وَهَذَا أَمْرٌ اسْتَحْسَنُوهُ فِي التَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ، وَإِلَّا فَلَا مَانِعَ عَقْلِيًّا مِنْ أَنْ تُعَدَّ كُلُّ مَسْأَلَةٍ عِلْمًا بِرَأْسِهِ، وَتُفْرَدَ بِالتَّدْوِينِ وَلَا مِنْ أَنْ تُعَدَّ مَسَائِلُ غَيْرِ مُتَشَارِكَةٍ فِي مَوْضُوعٍ وَاحِدٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَنَاسِبَةً مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَوْ لَا عِلْمًا وَاحِدًا وَتُفْرَدَ بِالتَّدْوِينِ (وَبِحَسَبِ اتِّفَاقِ التَّرَتُّبِ) أَيْ تَرَتُّبِ الْغَايَاتِ عَلَى مَا تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْبَحْثِ عَنْ أَحْوَالِ شَيْءٍ أَوْ أَشْيَاءَ (كَانَتْ) الْعُلُومُ (مُتَبَايِنَةً) إذَا تَبَايَنَتْ مَوْضُوعَاتُهَا (، وَمُتَدَاخِلَةً) إذَا كَانَ بَيْنَ الْمَوْضُوعِينَ خُصُوصٌ وَعُمُومٌ فَيَكُونُ الْأَخَصُّ دَاخِلًا تَحْتَ الْأَعَمِّ كَعِلْمَيْ الْحَدِيثِ وَالْأُصُولِ (إلَّا فِي لُزُومِ عُرُوضِ عَارِضِ الْمُبَايِنِ لِلْآخَرِ فِي الْبَحْثِ) فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ ذَلِكَ الْعِلْمَانِ مُتَبَايِنَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مَوْضُوعَاهُمَا مُتَبَايِنَيْنِ أَيْ بَلْ نَقُولُ (فَتَتَدَاخَلُ مَعَ التَّبَايُنِ) حِينَئِذٍ الْعُلُومُ الَّتِي مَوْضُوعَاتُهَا مُتَبَايِنَةٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ (لِلْعُمُومِ الِاعْتِبَارِيِّ) فِي ذَلِكَ الْمَوْضُوعِ الْعَارِضِ عَارَضَهُ لِذَلِكَ الْمَوْضُوعُ الْمُبَايِنُ لَهُ فَيَنْدَرِجُ الْعِلْمُ الْعَارِضُ لِمَوْضُوعِهِ ذَلِكَ الْعَارِضُ عَلَى سَبِيلِ اللُّزُومِ لَهُ تَحْتَ الْعِلْمِ الْخَاصِّ ذَلِكَ الْعَارِضُ بِمَوْضُوعِهِ (كَالْمُوسِيقَى) أَيْ كَعِلْمِ الْمُوسِيقَى بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ، وَهُوَ لَفْظٌ يُونَانِيٌّ مَعْنَاهُ تَأْلِيفُ الْأَلْحَانِ (مَوْضُوعُهُ النَّغَمُ وَيَنْدَرِجُ) عِلْمُ الْمُوسِيقَى (تَحْتَ عِلْمِ الْحِسَابِ، وَمَوْضُوعُهُ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ مَوْضُوعَهُ (الْعَدَدُ) ، وَإِنَّمَا انْدَرَجَ عِلْمُ الْمُوسِيقَى تَحْتَ عِلْمِ الْحِسَابِ (مَعَ تَبَايُنِ مَوْضُوعَيْهِمَا كَمَا قِيلَ إذْ كَانَ الْبَحْثُ فِي النَّغَمِ عَنْ النِّسَبِ الْعَدَدِيَّةِ) الْعَارِضَةِ لِلنَّغَمِ عَلَى سَبِيلِ اللُّزُومِ، وَهِيَ عَارِضٌ خَاصٌّ لِمَوْضُوعِ عِلْمِ الْحِسَابِ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعِلْمَيْنِ إنَّمَا يَكُونَانِ مُتَبَايِنَيْنِ لَا يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا تَحْتَ الْآخَرِ بِسَبَبِ تَبَايُنِ مَوْضُوعَيْهِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَوْضُوعُ أَحَدِ الْعِلْمَيْنِ مُقَارِنًا لِأَعْرَاضٍ ذَاتِيَّةٍ خَاصَّةٍ بِمَوْضُوعِ الْآخَرِ. أَمَّا إذَا كَانَ مَوْضُوعُ أَحَدِهِمَا مُقَارِنًا لِأَعْرَاضٍ ذَاتِيَّةٍ خَاصَّةٍ بِمَوْضُوعِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَدْخُلُ الْعِلْمُ الْمُقَارِنُ مَوْضُوعُهُ ذَلِكَ تَحْتَ ذَلِكَ الْعِلْمِ الْآخَرِ كَمَوْضُوعِ

ص: 37