الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بِالْفَرْضِ فَيَكُونُ الْكَاذِبُ هَذَا اللَّازِمَ وَكَذِبُهُ بِكَذِبِ كِلْتَا الْمُقَدِّمَتَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا وَالْفَرْضُ أَنَّ كُبْرَاهُ صَادِقَةٌ فَيَلْزَمُ كَوْنُ الْكَاذِبَةِ هِيَ هَذِهِ الصُّغْرَى الَّتِي هِيَ نَقِيضُ الْمَطْلُوبِ فَالْمَطْلُوبُ حَقٌّ، وَعَلَى هَذَيْنِ الْإِيضَاحَيْنِ أَخَذَ بِالْبَاقِي ثُمَّ تَرْتِيبُ هَذِهِ الضُّرُوبِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ إنْتَاجِهَا لِبُعْدِهَا عَنْ الطَّبْعِ بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنْفُسِهَا فَقَدَّمَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُوجَبَتَيْنِ كُلِّيَّتَيْنِ وَالْإِيجَابُ الْكُلِّيُّ أَشْرَفُ الْأَرْبَعِ ثُمَّ الثَّانِي لِمُشَارَكَتِهِ الْأَوَّلَ فِي إيجَابِ مُقَدِّمَتَيْهِ ثُمَّ الثَّالِثُ لِارْتِدَادِهِ إلَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ بِالْقَلْبِ ثُمَّ الرَّابِعُ لِكَوْنِهِ أَخَصُّ مِنْ الْخَامِسِ ثُمَّ حَصَرَ الضُّرُوبَ الْمُنْتَجَةَ مِنْ هَذَا الشَّكْلِ فِي هَذِهِ رَأَى الْمُتَقَدِّمِينَ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَزَادَ بَعْضُهُمْ ثَلَاثَةٌ أُخْرَى بَلْ وَزَادَ نَجْمُ الدِّينِ النَّخْجَوانِيُّ فِي كُلٍّ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَرْبَعَةً أُخْرَى، وَفِي الثَّالِثِ سِتَّةً أُخْرَى، وَفِي الرَّابِعِ سَبْعَةً أُخْرَى وَالتَّحْقِيقُ خِلَافُهُ كَمَا يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ (تَذْنِيبٌ) .
قَالُوا، وَإِنَّمَا وُضِعَتْ الْأَشْكَالُ فِي هَذِهِ الْمَرَاتِبِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ عَلَى النَّظْمِ الطَّبِيعِيِّ، وَهُوَ الِانْتِقَالُ مِنْ مَوْضُوعِ الْمَطْلُوبِ إلَى الْحَدِّ الْوَسَطِ ثُمَّ مِنْهُ إلَى مَحْمُولِهِ حَتَّى يَلْزَمَ مِنْهُ الِانْتِقَالُ مِنْ مَوْضُوعِهِ إلَى مَحْمُولِهِ، وَهَذَا لَا يُشَارِكُ الْأَوَّلَ فِيهِ غَيْرُهُ فَوُضِعَ فِي الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى ثُمَّ ثُنِيَّ بِالثَّانِي؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مَا بَقِيَ مِنْ الْأَشْكَالِ إلَيْهِ لِمُشَارَكَتِهِ لَهُ فِي صُغْرَاهُ الَّتِي هِيَ أَشْرَفُ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى مَوْضُوعِ الْمَطْلُوبِ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ مِنْ الْمَحْمُولِ؛ لِأَنَّ الْمَحْمُولَ إنَّمَا يُطْلَبُ إيجَابًا وَسَلْبًا لَهُ ثُمَّ أَرْدَفَ بِالثَّالِثِ؛ لِأَنَّ لَهُ بِهِ قُرْبًا لِمُشَارَكَتِهِ لَهُ فِي أَخَسِّ الْمُقَدِّمَتَيْنِ ثُمَّ خَتَمَ بِالرَّابِعِ إذْ لَا قُرْبَ لَهُ بِهِ أَصْلًا لِمُخَالَفَتِهِ إيَّاهُ فِي الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَبُعْدِهِ عَنْ الطَّبْعِ جِدًّا.
(الطَّرِيقُ الرَّابِعُ الِاسْتِقْرَاءُ تَتَبُّعِ الْجُزْئِيَّاتِ) أَيْ اسْتِقْصَاءِ جَمِيعِ جُزْئِيَّاتِ كُلِّيٍّ أَوْ أَكْثَرِهَا لِتَعَرُّفِ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامٍ هِيَ بِحَيْثُ تَتَّصِفُ بِهِ هَلْ الْوَاقِعُ أَنَّهَا مُتَّصِفَةٌ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ أَمْ لَا، وَإِذْ كَانَ كَذَلِكَ (فَيُسْتَدَلُّ عَلَى) ثُبُوتِ (الْحُكْمِ الْكُلِّيِّ) الشَّامِلِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ (بِثُبُوتِهِ) أَيْ ذَلِكَ الْحُكْمِ (فِيهَا) أَيْ الْجُزْئِيَّاتِ الْمَذْكُورَةِ فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ اسْتِدْلَالٌ بِحَالِ الْجُزْئِيِّ عَلَى حَالِ الْكُلِّيِّ، وَقَدْ يُقَالُ عَلَى الْغَرَضِ مِنْ هَذَا التَّتَبُّعِ، وَعَلَيْهِ تَعْرِيفُهُ بِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ لَكُلِّيٍّ لِثُبُوتِهِ فِي جُزْئِيَّاتِهِ (وَهُوَ) قِسْمَانِ (تَامٌّ إنْ اُسْتُغْرِقَتْ) الْجُزْئِيَّاتُ بِالتَّتَبُّعِ (يُفِيدُ الْقَطْعَ) كَالْعَدَدِ إمَّا زَوْجٌ، وَإِمَّا فَرْدٌ وَكُلُّ زَوْجٍ يَعُدُّهُ الْوَاحِدُ وَكُلُّ فَرْدٍ يَعُدُّهُ الْوَاحِدُ فَكُلُّ عَدَدٍ يَعُدُّهُ الْوَاحِدُ وَيُسَمَّى أَيْضًا قِيَاسًا مُقَسَّمًا (وَنَاقِصٌ خِلَافُهُ) أَيْ إنْ لَمْ تُسْتَغْرَقْ جُزْئِيَّاتُهُ بِالتَّتَبُّعِ، وَإِنَّمَا تَتَبُّعِ أَكْثَرُهَا لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ بَلْ يُفِيدُ الظَّنَّ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَا لَمْ يَسْتَقِرَّ أَمِنْ جُزْئِيَّاتِ ذَلِكَ الْكُلِّيِّ عَلَى خِلَافِ مَا اُسْتُقْرِئَ مِنْهَا كَمَا يُقَالُ كُلُّ حَيَوَانٍ يُحَرِّكُ عِنْدَ الْمَضْغِ فَكَّهُ الْأَسْفَلَ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ وَالْفَرَسَ وَغَيْرَهُمَا مِمَّا نُشَاهِدُهُ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ كَذَلِكَ مَعَ أَنَّ التِّمْسَاحَ بِخِلَافِهِ فَإِنَّهُ عِنْدَ الْمَضْغِ يُحَرِّكُ فَكَّهُ الْأَعْلَى، وَأَفَادَنِي الْمُصَنِّفُ إمْلَاءً فَإِنْ قِيلَ الِاسْتِقْرَاءُ التَّامُّ إنَّمَا يُفِيدُ مَعْرِفَةَ أَحْكَامِ الْجُزْئِيَّاتِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْقَطْعُ بِأَنَّ حُكْمَ الْكُلِّيِّ هَذَا الْجَوَازُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ أَفْرَادِهِ الْمُقَدَّرَةِ الْوُجُودِ لَوْ وُجِدَتْ كَانَ حُكْمُهَا غَيْرَ هَذَا فَالْجَوَابُ أَنَّ حَاجَتَنَا فِي الشَّرْعِيَّاتِ إنَّمَا هِيَ الْحُكْمُ عَلَى الْأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ وَاسْتِقْرَاءُ الشَّرْعِ تَامٌّ فَيَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ قَطْعًا بِخِلَافِ اسْتِقْرَاءِ اللُّغَةِ فَإِنَّهُ غَيْرُ تَامٍّ اهـ.
ثُمَّ لَمَّا كَانَتْ طُرُقُ الِاسْتِدْلَالِ الْمَقْبُولِ مُنْحَصِرَةٌ فِي خَمْسَةٍ الْأَرْبَعَةِ الْمَاضِيَةِ وَالْخَامِسِ مَا يُسَمَّى بِالتَّمْثِيلِ وَكَانَ هَذَا مِنْ أَجْزَاءِ هَذَا الْعِلْمِ لَمْ يَقُلْ الطَّرِيقُ الْخَامِسُ التَّمْثِيلُ بَلْ قَالَ (فَأَمَّا التَّمْثِيلُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الْفِقْهِيُّ الْآتِي فَمِنْ مَقَاصِدِ الْفَنِّ) الْأُصُولِيِّ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَدَّ هُنَا مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذَا الْعِلْمِ لِمُنَافَاتِهِ حِينَئِذٍ لِجُزْئِيَّتِهِ، وَإِنْ صَلُحَ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ مَا عَدَا الْمَنْطِقَ إذْ لَا ضَيْرَ فِي ذَلِكَ.
[الْأَمْرُ الرَّابِعُ اسْتِمْدَاد عِلْم أُصُولُ الْفِقْهِ]
الْأَمْرُ (الرَّابِعُ) مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ مُقَدِّمَةِ هَذَا الْكِتَابِ (اسْتِمْدَادُهُ) أَيْ مَا مِنْهُ مَدَدُ هَذَا الْعِلْمِ، وَهُوَ أَمْرٌ أَنَّ أَحَدَهُمَا (أَحْكَامٌ) كُلِّيَّةٌ لُغَوِيَّةٌ (اسْتَنْبَطُوهَا) أَيْ اسْتَخْرَجَهَا أَهْلُ هَذَا الْعِلْمِ مِنْ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ بِاسْتِقْرَائِهِمْ إيَّاهَا إفْرَادًا وَتَرْكِيبًا.
(لِأَقْسَامٍ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ جَعَلُوهَا) أَيْ عُلَمَاءُ هَذَا الْعِلْمِ الْأَحْكَامَ الْمُسْتَنْبَطَةَ الْمَذْكُورَةَ (مَادَّةً لَهُ) أَيْ جُزْءًا لِهَذَا الْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (لَيْسَتْ مُدَوَّنَةً قَبْلَهُ) أَيْ تَدْوِينِ هَذَا الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا تُذْكَرُ فِي غُضُونِ اسْتِدْلَالَاتِهِمْ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهَا وَذَلِكَ كَالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَالتَّبَايُنِ وَالتَّرَادُفِ وَالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَالظُّهُورِ وَالنُّصُوصِيَّةِ وَالْإِشَارَةِ وَالْعِبَارَةِ (فَكَانَتْ) هَذِهِ الْأَحْكَامُ حِينَئِذٍ بَعْضًا (مِنْهُ) ، وَأَشَارَ بِهَذَا إلَى دَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ أَبْعَاضُ عُلُومٍ كَمَا سَيُشِيرُ إلَيْهِ أَيْضًا ثَانِيًا وَيُصَرِّحُ بِنَفْيِهِ ثَالِثًا ثُمَّ اسْتِمْدَادُهُ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مِنْ جِهَةِ كُلٍّ مِنْ تَصَوُّرِهَا وَتَصْدِيقِهَا، وَمِنْ ثَمَّةَ تَرَى كَثِيرًا مِنْهَا مُعَنْوَنًا ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْعِلْم بِمَسْأَلَةٍ فَإِنْ قِيلَ بَعْضُ مَقَاصِدِ هَذَا الْعِلْمِ تَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى مَعْرِفَةِ بَعْضِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ فَلَا تَكُونُ جُزْءًا مِنْهُ ضَرُورَةَ كَوْنِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَيْهِ خَارِجًا عَنْ الْمُتَوَقِّفِ فَلَا تَكُونُ تِلْكَ الْأَحْكَامُ مِنْ الْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ فَالْجَوَابُ كَمَا قَالَ (وَتَوَقُّفُ إثْبَاتِ بَعْضِ مَطَالِبِهِ) أَيْ مَسَائِلِ هَذَا الْعِلْمِ (عَلَيْهَا) أَيْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ تَصَوُّرًا وَتَصْدِيقًا كَالتَّصْدِيقِ مَثَلًا بِأَنَّ الْعُمُومَ يَلْحَقُهُ الْخُصُوصُ (لَا يُنَافِي الْأَصَالَةَ) أَيْ أَنْ يَكُونَ مَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْمَطْلَبُ مِنْ جُمْلَةِ أَجْزَاءِ هَذَا الْعِلْمِ (لِجَوَازِ) كَوْنِ (مَسْأَلَةٍ) مِنْ الْعِلْمِ (مَبْدَأً لِمَسْأَلَةٍ) أُخْرَى مِنْهُ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ فِي الْمَبْدَئِيَّةِ كَمَا فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمِثَالِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ مَا تَوَقَّفَ عَلَى شَيْءٍ يَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ خَارِجًا عَنْهُ فَإِنَّ الْمُرَكَّبَ يَتَوَقَّفُ عَلَى كُلٍّ مِنْ أَجْزَائِهِ وَلَا شَيْءَ مِنْ أَجْزَائِهِ بِخَارِجٍ عَنْهُ ثُمَّ لَوْ سَلَّمْنَا كَوْنَ مَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ فِيمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ خَارِجًا عَنْ الْمُتَوَقِّفِ فَهُوَ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ خَارِجًا عَنْ جُمْلَةِ هَذَا الْعِلْمِ (وَهَذَا) أَيْ: وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا الْعِلْمُ مُسْتَمَدٌّ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ (لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ) الْكُلِّيَّةَ السَّمْعِيَّةَ (مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) الَّتِي هِيَ مَوْضُوعُ هَذَا الْعِلْمِ (مِنْهَا) أَيْ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ فَالِاسْتِدْلَالُ بِهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ أَقْسَامِ اللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ صِيغَةً وَمَعْنًى.
(وَحُمِلَ حُكْمُ الْعَامِّ مَثَلًا وَالْمُطْلَقِ) أَيْ: وَحُمِلَ حُكْمُهُ عَلَى مَا يَكُونُ مِنْ الْأَدِلَّةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَامًّا، وَمُطْلَقًا (لَيْسَ بِقَيْدِ كَوْنِهِ) أَيْ كَوْنِ الْعَامِّ الْمَحْمُولِ عَلَيْهِ (عَامُّ الْأَدِلَّةِ) الْمَذْكُورَةِ وَلَا بِقَيْدِ كَوْنِ الْمُطْلَقِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهِ مُطْلَقَ الْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ أَيْ لَيْسَ الْحَمْلُ بِاعْتِبَارِ هَذَا التَّقْيِيدِ الْخَاصِّ (بَلْ يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا) أَيْ بَلْ بِاعْتِبَارِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي نَفْسِهِ فَيَنْطَبِقُ عَلَى عَامِّ الْكَلَامِ السَّمْعِيِّ، وَمُطْلَقِهِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ هَذَيْنِ مِنْ مَا صَدَقَاتِ ذَيْنِك حِينَئِذٍ فَانْدَفَعَ أَنْ يُقَالَ الْأَحْكَامُ الْكَائِنَةُ لِأَقْسَامٍ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ إنَّمَا هِيَ مَذْكُورَةٌ فِي هَذَا الْعِلْمِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهَا أَحْكَامُ الْأَدِلَّةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا مُطْلَقًا فَلَا يَكُونُ هَذَا الْعِلْمُ مُسْتَمَدًّا مِنْ الْأَحْكَامِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ.
وَوَجْهُ الِانْدِفَاعِ ظَاهِرٌ ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ الْأَحْكَامَ قَدْ لَا تَكُونُ مُجْمَعًا عَلَيْهَا خَشْيَةَ تَوَهُّمِ كَوْنِهَا أَجْمَعَ مُجْمَعًا عَلَيْهَا فَقَالَ (وَقَدْ يَجْرِي فِيهَا خِلَافٌ) بَيْنَ الْمُسْتَنْبِطِينَ كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ ثَانِي الْأَمْرَيْنِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَأَجْزَاءٌ مُسْتَقِلَّةٌ تَصَوُّرَاتِ الْأَحْكَامِ) الشَّرْعِيَّةِ الْخَمْسَةِ الَّتِي هِيَ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ وَالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْوَصْفِ بِالِاسْتِقْلَالِ إشَارَةٌ إلَى دَفْعِ تَوَهُّمِ كَوْنِ هَذَا الْعِلْمِ أَبْعَاضَ عُلُومٍ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِنَا سَالِفًا أَنَّهُ سَيُشِيرُ إلَيْهِ ثَانِيًا، وَإِنَّمَا فَسَّرَ الْأَجْزَاءَ بِتَصَوُّرَاتِ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ التَّصْدِيقَ بِإِثْبَاتِهَا وَنَفْيِهَا مِنْ حَيْثُ اسْتِفَادَتُهَا مِنْ أَدِلَّتِهَا مِنْ مَسَائِلِ هَذَا الْعِلْمِ لَا مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ (كَالْفِقْهِ) أَيْ كَمَا أَنَّ الْفِقْهَ يُسْتَمَدُّ مِنْ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ الْمُسْتَقِلَّةِ أَيْضًا (يَجْمَعُهُمَا) أَيْ هَذَا الْعِلْمُ وَالْفِقْهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنِ تَصَوُّرَاتِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مُمْتَدَّةً لِكُلٍّ مِنْهُمَا (الِاحْتِيَاجُ) الْكَائِنُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا (إلَى تَصَوُّرَاتِ مَحْمُولَاتِ الْمَسَائِلِ) أَيْ مَسَائِلِهِمَا؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْأُصُولِيِّ مِنْ الْأُصُولِ إثْبَاتُ الْأَحْكَامِ وَنَفْيُهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَدْلُولَةٌ لِلْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، وَمُسْتَفَادَةٌ مِنْهَا، وَالْفَقِيهُ مِنْ الْفِقْهِ إثْبَاتُهَا وَنَفْيُهَا مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهَا بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ الَّتِي لَا تُقْصَدُ لِاعْتِقَادٍ، وَهِيَ تَقَعُ جُزْءًا مِنْ مَحْمُولَاتِ مَسَائِلِهِمَا كَالْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ وَالْوِتْرِ وَاجِبٌ فَإِنَّ مَعْنَى الْأُولَى أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى الْوُجُوبِ وَمُفِيدٌ لَهُ، وَمَعْنَى الثَّانِيَةِ أَنَّهُ مُتَعَلَّقُ الْوُجُوبِ، وَمَوْصُوفٌ بِهِ فَوَقَعَ الْوُجُوبُ جُزْءًا مِنْ الْمَحْمُولِ فِيهِمَا لَا نَفْسَ الْمَحْمُولِ، وَالْحُكْمُ بِالشَّيْءِ نَفْيًا، وَإِثْبَاتًا
فَرْعُ تَصَوُّرِهِ بِسَائِرِ أَجْزَائِهِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفِقْهِ اسْتِطْرَادٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ (عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ اسْتِمْدَادُ الْفِقْهِ إيَّاهَا) أَيْ تَصَوُّرَاتِ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ (مِنْهُ) أَيْ عِلْمِ الْأُصُولِ (لِسَبْقِهِ) أَيْ أُصُولِ الْفِقْهِ فِي الِاعْتِبَارِ لِكَوْنِهِ فَرْعًا عَلَيْهِ (وَإِنْ لَمْ يُدَوَّنْ) عِلْمُ الْأُصُولِ مُسْتَقِلًّا قَبْلَ تَدْوِينِ الْفِقْهِ فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ دَوَّنَ الْفِقْهَ وَرَتَّبَ كُتُبَهُ، وَأَبْوَابَهُ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله، وَمِنْ هُنَا قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رحمه الله مَنْ أَرَادَ الْفِقْهَ فَهُوَ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا نَقَلَهُ الْفَيْرُوزْآبادِي الشَّافِعِيُّ فِي طَبَقَاتِ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِ،.
وَقَالَ الْمُطَرِّزِيُّ فِي الْإِيضَاحِ ذَكَرَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ فِي كِتَابِهِ أَنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ وَكَانَ مُقَدَّمًا فِي أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا يَقَعُ فِي أَبِي حَنِيفَةَ فَدَعَاهُ فَقَالَ يَا هَذَا أَتَقَعُ فِي رَجُلٍ سَلَّمَ لَهُ النَّاسُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْعِلْمِ، وَهُوَ لَا يُسَلِّمُ لَهُمْ الرُّبْعَ فَقَالَ وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ الْفِقْهُ سُؤَالٌ وَجَوَابٌ، وَهُوَ الَّذِي تَفَرَّدَ بِوَضْعِ السُّؤَالِ فَسَلِمَ لَهُ نِصْفُ الْعِلْمِ ثُمَّ أَجَابَ عَنْ الْكُلِّ وَخُصُوصِهِ لَا يَقُولُونَ: إنَّهُ أَخْطَأَ فِي الْكُلِّ فَإِذَا جَعَلْت مَا وَافَقُوهُ فِيهِ مُقَابَلًا بِمَا خَالَفُوهُ فِيهِ سَلِمَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعِلْمِ لَهُ وَبَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَمِيعِ النَّاسِ رُبْعُ الْعِلْمِ فَتَابَ الرَّجُلُ عَنْ وَقِيعَتِهِ فِي أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله.
وَيُقَالُ إنَّ أَوَّلَ مِنْ دَوَّنَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْلَالِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ صَنَّفَ فِيهِ كِتَابَ الرِّسَالَةِ بِالْتِمَاسِ ابْنِ الْمَهْدِيِّ (وَيَزِيدُ) هَذَا الْعِلْمُ عَلَى الْفِقْهِ (بِهَا) أَيْ بِتَصَوُّرَاتِ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ (مَوْضُوعَاتٍ) لِمَسَائِلِهِ (فِي مِثْلِ الْمَنْدُوبِ مَأْمُورٌ بِهِ أَوَّلًا وَالْوَاجِبُ إمَّا مُقَيَّدٌ بِالْوَقْتِ أَوْ لَا) فَإِنَّ الْمَوْضُوعَاتِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَسْمَاءٌ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْأَحْكَامِ وَلَيْسَ مِثْلُهُ بِوَاقِعٍ فِي الْفِقْهِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ احْتِيَاجُ هَذَا الْعِلْمِ إلَى تَصَوُّرَاتِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ أَكْثَرُ مِنْ احْتِيَاجِ الْفِقْهِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ اسْتِمْدَادَهُ مِنْهَا أَوْفَرُ مِنْ اسْتِمْدَادِ الْفِقْهِ ثُمَّ لَوْ قَالَ: مِثْلُ الْإِبَاحَةِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَالْإِبَاحَةُ لَيْسَتْ جِنْسًا لِلْوُجُوبِ لَكَانَ أَوْلَى (وَعَنْهُ) أَيْ كَوْنِ هَذَا الْعِلْمِ يَزِيدُ بِهَذِهِ الْأَحْكَامِ مَوْضُوعَاتٍ لِمَسَائِلِهِ (عُدَّتْ) هَذِهِ الْأَحْكَامُ (مِنْ الْمَوْضُوعِ) أَيْ مَوْضُوعِ هَذَا الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَ نَفْسِ الْأَحْكَامِ مَوْضُوعًا لِهَذَا الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَاتِ مَسَائِلِ الْعِلْمِ تَكُونُ بِحَيْثُ يَصْدُقُ عَلَيْهَا مَوْضُوعُ الْعِلْمِ، وَقَدْ أَسَلَفْنَا بَيَانَ هَذَا، وَمَنْ ذَهَبَ إلَيْهِ، وَمَا عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْبَحْثَ عَنْهَا، وَعَنْ الْمُكَلَّفِ الْكُلِّيِّ، وَأَحْوَالِهِ مِنْ بَابِ التَّتْمِيمِ وَاللَّوَاحِقِ فَرَاجِعْهُ ثُمَّ بَقِيَ هُنَا شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ الْآمِدِيَّ وَابْنَ الْحَاجِبِ، وَمَنْ تَابَعَهُمَا ذَكَرُوا أَنَّ اسْتِمْدَادَ هَذَا الْعِلْمِ مِنْ ثَلَاثَةٍ هَذَيْنِ وَالثَّالِثِ عِلْمِ الْكَلَامِ وَلَعَلَّهُ إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُمْ بِمَا مِنْهُ الِاسْتِمْدَادُ مَا تَكُونُ الْأَدِلَّةُ مُتَوَقِّفَةً عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ ثُبُوتُ حُجِّيَّتِهَا لِلْأَحْكَامِ أَوْ مِنْ حَيْثُ إنَّ إثْبَاتَ الْأَحْكَامِ أَوْ نَفْيَهَا مُتَوَقِّفٌ عَلَى تَصَوُّرِهَا أَوْ التَّصْدِيقِ بِهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ الْوُقُوفِ عَلَى تَعْلِيلِهِمْ لِهَذِهِ الدَّعْوَى، وَعِلْمُ الْكَلَامِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَدِلَّةِ مِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ كَمَا قَرَّرُوهُ فِي كُتُبِهِمْ.
وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِمَا مِنْهُ الِاسْتِمْدَادُ مَا بِحَيْثُ يَكُونُ مَادَّةً وَجُزْءًا لِهَذَا الْعِلْمِ وَلَيْسَ عِلْمُ الْكَلَامِ كَذَلِكَ، وَمِنْ ثَمَّةَ نَبَّهَ فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأُصُولِ مِنْ الْكَلَامِ إلَّا مَسْأَلَةَ الْحَاكِمِ، وَمَا شَابَهَهَا أَوْ مَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِهَا، وَهِيَ لَيْسَتْ مِنْ الْأُصُولِ، وَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِيمَا سَلَفَ ثُمَّ إنَّهُ - وَإِنْ كَانَ لَا مُنَاقَشَةَ فِي الِاصْطِلَاحِ - صَنِيعُ الْمُصَنِّفِ نَظَرًا إلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَدَدَ لِلشَّيْءِ لُغَةً مَا يَزِيدُ بِهِ الشَّيْءُ وَيَكْثُرُ، وَمِنْهُ الْمَدَدُ لِلْجَيْشِ، وَهَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي الْكَلَامِ.
(وَمَا قِيلَ كُلُّهُ أَجْزَاءُ عُلُومٍ بَاطِلٌ) أَيْ، وَقَوْلُ تَاجِ الدِّينِ السُّبْكِيّ إنَّ عِلْمَ الْأُصُولِ لَيْسَ عِلْمًا بِرَأْسِهِ بَلْ هُوَ أَبْعَاضُ عُلُومٍ جُمِعَتْ مِنْ الْكَلَامِ وَالْفِقْهِ وَاللُّغَةِ وَالْحَدِيثِ وَالْجَدَلِ لَيْسَ بِحَقٍّ (وَمَا يُخَالُ مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ) أَيْ، وَمَا يُظَنُّ مِنْ الْبَحْثِ عَنْ أَحْوَالٍ رَاجِعَةٍ إلَى مَتْنِ الْحَدِيثِ أَوْ طَرِيقِهِ كَالْقَوْلِ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ لِعَمَلِ الصَّحَابِيِّ لَا لِرِوَايَتِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَعَدَالَةُ الرَّاوِي وَجَرْحُهُ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ كَمَا فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ فَيُظَنُّ أَنَّ عِلْمَ الْأُصُولِ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذَا مُسْتَمَدٌّ مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ حَتَّى يَكُونَ الْأُصُولِيُّ فِيهِ عِيَالًا عَلَى الْمُحَدِّثِ لَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (لَيْسَ اسْتِمْدَادًا)