الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يَسْتَلْزِمُ أَحَدُهُمَا حُكْمًا غَيْرَ مَذْكُورٍ يُوجِبُ تَقْيِيدَ الْآخَرِ كَالْمِثَالِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّ أَحَدَ الْحُكْمَيْنِ إيجَابُ الْإِعْتَاقِ، وَالثَّانِي نَفْيُ تَمْلِيكِ الْكَافِرَةِ، وَهُمَا حُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ لَكِنَّ نَفْيَ تَمْلِيكِ الْكَافِرَةِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ إعْتَاقِهَا ضَرُورَةَ أَنَّ إيجَابَ الْإِعْتَاقِ يَسْتَلْزِمُ إيجَابَ التَّمْلِيكِ، وَنَفْيُ اللَّازِمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْمَلْزُومِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ لَا تُعْتِقْ عَنِّي رَقَبَةً كَافِرَةً ثُمَّ هَذَا أَوْجَبَ تَقْيِيدَ الْأَوَّلِ أَيْ إيجَابِ الْإِعْتَاقِ بِالْمُؤْمِنَةِ.
(وَإِنْ اتَّحَدَ) أَيْ الْحُكْمُ (فَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْحَادِثَةُ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ لَا يُحْمَلُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُحْمَلُ) سَوَاءٌ اقْتَضَى الْقِيَاسَ أَوْ لَا (وَبَعْضُهُمْ زَادُوا إنْ اقْتَضَى الْقِيَاسَ) أَيْ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ زَادُوا أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَيْهِ إنْ اقْتَضَى الْقِيَاسَ حَمَلَهُ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ اتَّحَدَتْ) أَيْ الْحَادِثَةُ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ مَثَلًا فَإِنْ دَخَلَا عَلَى السَّبَبِ نَحْوُ «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ، وَعَبْدٍ أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» ) أَيْ دَخَلَ النَّصُّ الْمُطْلَقُ، وَالْمُقَيَّدُ عَلَى السَّبَبِ فَإِنَّ الرَّأْسَ سَبَبٌ لِوُجُودِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَقَدْ، وَرَدَ نَصَّانِ يَدُلُّ أَحَدُهُمَا عَلَى أَنَّ الرَّأْسَ الْمُطْلَقَ سَبَبٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ عليه السلام «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ، وَعَبْدٍ» ، وَيَدُلُّ الْآخَرُ أَنَّ رَأْسَ الْمُسْلِمِ سَبَبٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ عليه السلام «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ، وَعَبْدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» (لَمْ يُحْمَلْ عِنْدَنَا بَلْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إذْ لَا تَنَافِيَ فِي الْأَسْبَابِ) بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُطْلَقُ سَبَبًا، وَالْمُقَيَّدُ سَبَبًا.
(خِلَافًا لَهُ) أَيْ لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ لَمْ يُحْمَلْ عِنْدَنَا.
(وَإِنْ دَخَلَا) أَيْ الْمُطْلَقُ، وَالْمُقَيَّدُ (عَلَى الْحُكْمِ) فِي صُورَةِ اتِّحَادِ الْحَادِثَةِ (نَحْوُ {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ} [البقرة: 196] مَعَ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ) فَإِنَّ
ــ
[التلويح]
أَفْرَادِ الْعَامِّ يُعْلَمُ دُخُولُهُ تَحْتَ الْإِرَادَةِ قَطْعًا بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ لِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ فَائِدَةَ نَقْلِ السَّبَبِ لَا تَنْحَصِرُ فِي خُصُوصِ الْحُكْمِ بِهِ بَلْ قَدْ يَكُونُ نَفْسُ مَعْرِفَةِ أَسْبَابِ نُزُولِ الْآيَاتِ، وَوُرُودِ الْأَحَادِيثِ، وَوُجُوهِ الْقَصَصِ فَائِدَةً، وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّ مَعْنَى الْمُطَابَقَةِ هُوَ الْكَشْفُ عَنْ السُّؤَالِ، وَبَيَانُ حُكْمِهِ، وَقَدْ حَصَلَ مَعَ الزِّيَادَةِ، وَلَا نُسَلِّمُ وُجُوبَ الْمُطَابَقَةِ بِمَعْنَى الْمُسَاوَاةِ فِي الْعُمُومِ، وَالْخُصُوصِ
[فَصْلٌ حُكْمُ الْمُطْلَقِ]
(قَوْلُهُ: فَصْلٌ) ذِكْرُ الْمُطْلَقِ، وَالْمُقَيَّدِ عَقِيبَ الْعَامِّ، وَالْخَاصِّ لِمُنَاسَبَتِهِمَا إيَّاهُمَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُطْلَقَ هُوَ الشَّائِعُ فِي جِنْسِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ حِصَّةٌ مِنْ الْحَقِيقَةِ مُحْتَمِلَةُ الْحِصَصِ كَثِيرَةٌ مِنْ غَيْرِ شُمُولٍ، وَلَا تَعْيِينٍ، وَالْمُقَيَّدُ مَا أُخْرِجَ عَنْ الشُّيُوعِ بِوَجْهٍ مَا كَرَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أُخْرِجَتْ عَنْ شُيُوعِ الْمُؤْمِنَةِ، وَغَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَتْ شَائِعَةً فِي الرَّقَبَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ، وَضَبْطُ الْفَصْلِ أَنَّهُ إذَا أَوْرَدَ الْمُطْلَقَ، وَالْمُقَيَّدَ لِبَيَانِ الْحُكْمِ فَإِمَّا أَنْ يَخْتَلِفَ الْحُكْمُ أَوْ يَتَّحِدَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُ الْحُكْمَيْنِ مُوجِبًا لِتَقْيِيدِ الْآخَرِ أَجْرَى الْمُطْلَقَ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَالْمُقَيَّدَ عَلَى تَقْيِيدِهِ مِثْلُ أَطْعِمْ رَجُلًا، وَاكْسُ رَجُلًا عَارِيًّا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوجِبًا لِتَقْيِيدِ الْآخَرِ بِالذَّاتِ مِثْلُ
الْحُكْمَ وُجُوبُ صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالتَّتَابُعِ، وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْحُكْمُ وُجُوبُ صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ (يُحْمَلُ بِالِاتِّفَاقِ لِامْتِنَاعِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا) فَإِنَّ الْمُطْلَقَ يُوجِبُ أَجْزَاءَ غَيْرِ الْمُتَتَابِعِ، وَالْمُقَيَّدَ يُوجِبُ عَدَمَ أَجْزَائِهِ.
(هَذَا إذَا كَانَ الْحُكْمُ مُثْبَتًا فَإِنْ كَانَ مَنْفِيًّا نَحْوُ لَا تَعْتِقْ رَقَبَةً، وَلَا تَعْتِقْ رَقَبَةً كَافِرَةً لَا يُحْمَلُ اتِّفَاقًا فَلَا تُعْتَقُ أَصْلًا لَهُ أَنَّ الْمُطْلَقَ سَاكِتٌ، وَالْمُقَيِّدَ نَاطِقٌ فَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّ السُّكُوتَ عَدَمٌ) فَنَقُولُ فِي جَوَابِهِ نَعَمْ إنَّ الْمُقَيَّدَ أَوْلَى لَكِنْ إذَا تَعَارَضَا، وَلَا تَعَارُضَ إلَّا فِي اتِّحَادِ الْحَادِثَةِ، وَالْحُكْمِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ.
(وَلِأَنَّ الْقَيْدَ زِيَادَةُ وَصْفٍ يَجْرِي مَجْرَى الشَّرْطِ فَيُوجِبُ النَّفْيَ) أَيْ نَفْيَ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَصْفِ
ــ
[التلويح]
أَعْتِقْ رَقَبَةً وَلَا تَعْتِقْ رَقَبَةً كَافِرَةً أَوْ بِالْوَاسِطَةِ مِثْلُ أَعْتِقْ عَنِّي رَقَبَةً، وَلَا تُمَلِّكْنِي رَقَبَةً كَافِرَةً فَإِنَّ نَفْيَ تَمْلِيكِ الْكَافِرَةِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ إعْتَاقِهَا عَنْهُ، وَهَذَا يُوجِبُ تَقْيِيدَ إيجَابِ الْإِعْتَاقِ عَنْهُ بِالْمُؤْمِنَةِ. حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَإِنْ قُلْت مَعْنَى حَمْلِ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ تَقْيِيدُهُ بِذَلِكَ الْقَيْدِ، وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ فِيمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الْمِثَالِ لِأَنَّ الْمُقَيَّدَ إنَّمَا قُيِّدَ بِالْكَافِرَةِ وَالْمُطْلَقَ إنَّمَا قُيِّدَ بِالْمُؤْمِنَةِ قُلْت نَعَمْ مَعْنَاهُ تَقَيُّدُ الْمُطْلَقِ بِذَلِكَ الْقَيْدِ لَكِنْ إنْ كَانَ الْقَيْدُ مُوجِبًا فَبِإِيجَابِهِ، وَإِنْ كَانَ مَنْفِيًّا فَبِنَفْيِهِ، وَهَاهُنَا قَيْدُ الْكَافِرَةِ مَنْفِيٌّ فَقَيْدُ إيجَابِ الْإِعْتَاقِ بِنَفْيِ الْكَافِرَةِ، وَهُوَ الْمُؤْمِنَةُ، وَنُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَعْنَى حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ تَقْيِيدُهُ بِقَيْدٍ مَا سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْمَذْكُورَ فِي الْمُقَيَّدِ أَوْ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ إجْرَاءِ الْمُطْلَقِ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَمَعْنَاهُ عَدَمُ تَقْيِيدِهِ بِقَيْدٍ مَا بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ أَوْرَدُوا عَلَيْنَا الْإِشْكَالَ بِتَقْيِيدِ الرَّقَبَةِ بِالسَّلَامَةِ مَعَ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْمُقَيَّدِ هُوَ الْمُؤْمِنَةُ لَا السَّلِيمَةُ، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بَعِيدٌ، وَسَيَجِيءُ أَنَّ إيرَادَ الْإِشْكَالِ الْمَذْكُورِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ هَذَا إذَا اخْتَلَفَ الْحُكْمُ، وَإِنْ اتَّحَدَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْفِيًّا أَوْ مُثْبَتًا فَإِنْ كَانَ مَنْفِيًّا فَلَا حَمْلَ مِثْلُ لَا تَعْتِقْ رَقَبَةً، وَلَا تَعْتِقْ رَقَبَةً كَافِرَةً لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بِأَنْ لَا يَعْتِقَ أَصْلًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مِنْ الْعَامِّ مَعَ الْخَاصِّ لَا الْمُطْلَقِ مَعَ الْمُقَيَّدِ، وَإِنْ كَانَ مُثْبَتًا فَإِمَّا أَنْ تَخْتَلِفَ الْحَادِثَةُ أَوْ تَتَّحِدَ فَإِنْ اخْتَلَفَتْ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَالْقَتْلِ فَلَا حَمْلَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَإِنْ اتَّحَدَتْ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْإِطْلَاقُ، وَالتَّقْيِيدُ فِي السَّبَبِ، وَنَحْوِهِ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ فَلَا حَمْلَ كَوُجُوبِ نِصْفِ الصَّاعِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ بِسَبَبِ الرَّأْسِ مُطْلَقًا فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ، وَمُقَيَّدًا بِالْإِسْلَامِ فِي الْآخَرِ، وَإِلَّا يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِالِاتِّفَاقِ كَقِرَاءَةِ الْعَامَّةِ {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ} [البقرة: 196] ، وَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ لِامْتِنَاعِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ضَرُورَةَ أَنَّ الْمُطْلَقَ يُوجِبُ إجْزَاءَ غَيْرِ الْمُتَتَابِعِ لِمُوَافَقَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَالْمُقَيَّدُ يُوجِبُ عَدَمَ إجْزَائِهِ لِمُخَالَفَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَفِي هَذَا الْمِثَالِ أَشَارَ إلَى الْجَوَابِ
(فِي الْمَنْصُوصِ، وَفِي نَظِيرِهِ كَالْكَفَّارَاتِ مَثَلًا فَإِنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الْآخَرِ، وَهُوَ أَنْ يُحْمَلَ إنْ اقْتَضَى الْقِيَاسُ حَمْلَهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْوَصْفِ كَالتَّخْصِيصِ بِالشَّرْطِ وَالتَّخْصِيصَ بِالشَّرْطِ يُوجِبُ نَفْيَ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ عِنْدَهُ، وَذَلِكَ النَّفْيُ لَمَّا كَانَ مَدْلُولُ النَّصِّ الْمُقَيَّدِ كَانَ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَيَثْبُتُ النَّفْيُ بِالنَّصِّ فِي الْمَنْصُوصِ، وَفِي نَظِيرِهِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ.
(وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101] فَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُطْلَقَ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ يُوجِبُ التَّغْلِيظَ، وَالْمُسَاءِ كَمَا فِي بَقَرَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَبْهِمُوا مَا أَبْهَمَ اللَّهُ، وَاتَّبِعُوا مَا بَيَّنَ اللَّهُ) أَيْ اُتْرُكُوهُ عَلَى إبْهَامِهِ، وَالْمُطْلَقُ مُبْهَمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُقَيَّدِ الْمُعَيَّنِ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ.
(وَعَامَّةُ الصَّحَابَةِ مَا قَيَّدُوا أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ بِالدُّخُولِ الْوَارِدِ فِي الرَّبَائِبِ
ــ
[التلويح]
عَمَّا يُقَالُ إنَّكُمْ حَمَلْتُمْ الْمُطْلَقَ، وَهُوَ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَارِدٌ فِي حَادِثَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ كَفَّارَةُ الْقَتْلِ، وَالظِّهَارِ حَيْثُ شَرَطْتُمْ التَّتَابُعَ فِي الصَّوْمِ يَعْنِي إنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى مُقَيَّدٍ، وَارِدٍ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ، وَهُوَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَإِنَّهَا مَشْهُورَةٌ بِمِثْلِهَا يُزَادُ عَلَى الْكِتَابِ بِخِلَافِ قِرَاءَةِ أُبَيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَاتٍ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ فَإِنَّهَا شَاذَّةٌ لَا يُزَادُ بِمِثْلِهَا عَلَى النَّصِّ وَالشَّافِعِيُّ إنَّمَا لَمْ يَشْتَرِطْ التَّتَابُعَ لِأَنَّهُ لَا عَمَلَ عِنْدَهُ بِالْقِرَاءَةِ الْغَيْرِ الْمُتَوَاتِرَةِ مَشْهُورَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَشْهُورَةٍ فَالْمِثَالُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عليه السلام فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ «صُمْ شَهْرَيْنِ» وَرُوِيَ «شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ» .
(قَوْلُهُ: إنَّ الْمُطْلَقَ سَاكِتٌ) احْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَلَوْ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْحَادِثَةِ أَوْ جَرَيَانِ الْإِطْلَاقِ، وَالتَّقْيِيدِ فِي السَّبَبِ بِأَنَّ الْمُطْلَقَ سَاكِتٌ عَنْ ذِكْرِ الْقَيْدِ، وَالْمُقَيَّدُ نَاطِقٌ بِهِ فَيَكُونُ أَوْلَى لِأَنَّ السُّكُوتَ عَدَمٌ، وَجَوَابُهُ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ أَيْ نَعَمْ يَكُونُ أَوْلَى عِنْدَ التَّعَارُضِ كَمَا إذَا دَخَلَا فِي الْحُكْمِ، وَاتَّحَدَتْ الْحَادِثَةُ، وَهَاهُنَا لَا تَعَارُضَ لِإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِهِمَا لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الشَّارِعَ لَوْ قَالَ أَوْجَبْت فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ إعْتَاقَ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وَفِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ إعْتَاقَ رَقَبَةٍ كَيْفَ كَانَتْ لَمْ يَكُنْ الْكَلَامَانِ مُتَعَارِضَيْنِ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ) فَإِنْ قُلْت الْآيَةُ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ، وَالْبَحْثَ عَنْ الْقُيُودِ وَالْأَوْصَافِ الْغَيْرِ الْمَذْكُورَةِ يُوجِبُ التَّغْلِيظَ وَالْمُسَاءَةَ لَا عَلَى أَنَّ تَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ يُوجِبُ ذَلِكَ قُلْتُ إذَا كَانَ الْبَحْثُ عَنْ الْقَيْدِ، وَالِاشْتِغَالُ بِهِ يُوجِبُ ذَلِكَ فَالتَّقْيِيدُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى عَلَى أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ الْآيَةِ أَنَّ مُوجِبَ الْمُسَاءَةِ هُوَ تِلْكَ الْقُيُودِ، وَالْأَشْيَاءُ الْمَسْئُولُ عَنْهَا، وَقَدْ يُقَالُ فِي وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ: إنَّ الْوَصْفَ فِي الْمُطْلَقِ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، وَالسُّؤَالُ عَنْ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ مَنْهِيٌّ بِهَذَا النَّصِّ، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ بَلْ الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي هَذَا الْمَطْلُوبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] .
(قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه هَذَا لَا يَقُومُ حُجَّةً عَلَى الْخَصْمِ) لِأَنَّهُ لَا يُجْعَلُ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً فِي الْفُرُوعِ فَضْلًا عَنْ الْأُصُولِ.
(قَوْلُهُ: وَعَامَّةُ الصَّحَابَةِ قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه أُمُّ الْمَرْأَةِ مُبْهَمَةٌ
وَلِأَنَّ إعْمَالَ الدَّلِيلَيْنِ، وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ) فَيُعْمَلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ فِي مَوْرِدِهِ إلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ، وَهُوَ عِنْدَ اتِّحَادِ الْحَادِثَةِ، وَالْحُكْمِ فَهَذِهِ الدَّلَائِلُ لِنَفْيِ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْحَمْلُ مُطْلَقًا فَالْآنَ شَرَعَ فِي نَفْيِ الْمَذْهَبِ الثَّانِي، وَهُوَ الْحَمْلُ إنْ اقْتَضَى الْقِيَاسَ بِقَوْلِهِ (وَالنَّفْيُ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ فَكَيْفَ يُعْدَى) جَوَابٌ عَمَّا قَالُوا إنَّهُ يُحْمَلُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا أَنَّ النَّفْيَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَنَحْنُ نَقُولُ هُوَ عَدَمٌ أَصْلِيٌّ فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] يَدُلُّ عَلَى إيجَابِ الْمُؤْمِنَةِ، وَلَيْسَ لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى الْكَافِرَةِ أَصْلًا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ إجْزَاءِ تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ عَنْ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَقَدْ ثَبَتَ إجْزَاءُ الْمُؤْمِنَةِ بِالنَّصِّ فَبَقِيَ عَدَمُ إجْزَاءِ الْكَافِرَةِ عَلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ فَلَا يَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَلَا بُدَّ فِي الْقِيَاسِ مِنْ كَوْنِ الْمُعَدَّى حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الْإِعْدَامَ عَلَى قِسْمَيْنِ: الْأَوَّلُ: عَدَمُ إجْزَاءِ مَا لَا يَكُونُ تَحْرِيرَ رَقَبَةٍ كَعَدَمِ إجْزَاءِ الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَغَيْرِهِمَا، وَالثَّانِي عَدَمُ إجْزَاءِ مَا يَكُونُ تَحْرِيرَ رَقَبَةٍ غَيْرِ مُؤْمِنَةٍ فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ إعْدَامٌ أَصْلِيٌّ بِلَا خِلَافٍ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَعِنْدَنَا عَدَمٌ أَصْلِيٌّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّخْصِيصَ بِالْوَصْفِ دَالٌّ عِنْدَهُ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَنْ الْمَوْصُوفِ بِدُونِ ذَلِكَ
ــ
[التلويح]
فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَبْهِمُوهَا) أَيْ خَالٍ تَحْرِيمُهَا عَنْ قَيْدِ الدُّخُولِ الثَّابِتِ فِي الرَّبَائِبِ فَأَطْلِقُوهَا، وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ إجْمَاعُ مَنْ بَعْدَهُمْ كَذَا فِي التَّقْوِيمِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي صُورَةٍ لَا يَكُونُ إجْمَاعًا عَلَى الْأَصْلِ الْكُلِّيِّ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ لَاحَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ.
(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ إعْمَالَ الدَّلِيلَيْنِ، وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ) ، وَذَلِكَ فِي إجْزَاءِ الْمُطْلَقِ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَالْمُقَيَّدِ عَلَى تَقْيِيدِهِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ إذْ لَوْ حُمِلَ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ يَلْزَمُ إبْطَالُ الْمُطْلَقِ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى إجْزَاءِ الْمُقَيَّدِ، وَغَيْرِ الْمُقَيَّدِ وَفِي الْحَمْلِ عَلَى الْمُقَيَّدِ إبْطَالٌ لِلْأَمْرِ الثَّانِي، وَبِهَذَا ظَهَرَ فَسَادُ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ مِنْ أَنَّ فِي حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ إذْ الْعَمَلُ بِالْمُقَيَّدِ يَسْتَلْزِمُ الْعَمَلَ بِالْمُطْلَقِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ لِحُصُولِ الْمُطْلَقِ فِي ضِمْنِ ذَلِكَ الْمُقَيَّدِ فَإِنْ قِيلَ حُكْمُ الْمُقَيَّدِ يُفْهَمُ مِنْ الْمُطْلَقِ فَلَوْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ يَلْزَمُ إلْغَاءُ الْمُقَيَّدِ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يُفِيدُ اسْتِحْبَابَ الْمُقَيَّدِ، وَفَضْلِهِ، وَأَنَّهُ عَزِيمَةٌ، وَالْمُطْلَقُ رُخْصَةٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَبِالْجُمْلَةِ هُوَ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِ حُكْمِ الْإِطْلَاقِ.
(قَوْلُهُ: وَالنَّفْيُ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ) يَعْنِي أَنَّ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِالْقِيَاسِ فَاسِدٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ لَيْسَ تَعْدِيَةً لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بَلْ لِلْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ، وَهُوَ عَدَمُ إجْزَاءِ غَيْرِ الْمُقَيَّدِ فِي صُورَةِ التَّقْيِيدِ لِمَا سَيَجِيءُ فِي فَصْلِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ فِيهِ إبْطَالًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ ثَابِتٍ بِالنَّصِّ الْمُطْلَقِ، وَهُوَ إجْزَاءُ غَيْرِ الْمُقَيَّدَ كَالْكَافِرَةِ مَثَلًا.
وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ شَرْطَ الْقِيَاسِ عَدَمُ النَّصِّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْمَقِيسِ أَوْ انْتِفَائِهِ، وَهَاهُنَا الْمُطْلَقُ نَصٌّ دَالٌّ عَلَى إجْزَاءِ الْمُقَيَّدِ
الْوَصْفِ فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92] فَلَوْ لَمْ يَقُلْ مُؤْمِنَةٍ لَجَازَ تَحْرِيرُ الْكَافِرَةِ فَلَمَّا قَالَ {مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] لَزِمَ مِنْهُ نَفْيُ تَحْرِيرِ الْكَافِرَةِ فَيَكُونُ النَّفْيُ مَدْلُولَ النَّصِّ فَكَانَ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَنَحْنُ نَقُولُ أَوْجَبَ تَحْرِيرَ الْمُؤْمِنَةِ ابْتِدَاءً، وَهُوَ سَاكِتٌ عَنْ الْكَافِرَةِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ مَا يُغَيِّرُ أَوَّلَهُ فَصَدْرُ الْكَلَامِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْآخِرِ، وَيَثْبُتُ حُكْمُ الصَّدْرِ بَعْدَ التَّكَلُّمِ بِالْمُغَيِّرِ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّنَاقُضُ فَلَا يَكُونُ إيجَابُ الرَّقَبَةِ ثُمَّ نَفْيُ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ بِالنَّصِّ الْمُقَيَّدِ بَلْ النَّصُّ لِإِيجَابِ الرَّقَبَةِ الْمُؤْمِنَةِ ابْتِدَاءً فَتَكُونُ الْكَافِرَةُ بَاقِيَةً عَلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ كَمَا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الْإِعْدَامِ، وَشَرْطُ الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الْمُعَدَّى حُكْمًا شَرْعِيًّا لَا عَدَمًا أَصْلِيًّا.
(وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَدَّى الْقَيْدُ فَيُثْبِتَ الْعَدَمُ ضِمْنًا جَوَابَ إشْكَالٍ مُقَدَّرٍ) ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ نَحْنُ نُعَدِّي الْقَيْدَ، وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ فَيَثْبُتُ عَدَمُ إجْزَاءِ الْكَافِرَةِ ضِمْنًا لَا أَنَّا نُعَدِّي هَذَا الْعَدَمَ قَصْدًا، وَمِثْلُ هَذَا يَجُوزُ فِي الْقِيَاسِ فَنُجِيبُ بِقَوْلِنَا (لِأَنَّ الْقَيْدَ) ، وَهُوَ قَيْدُ الْإِيمَانِ مَثَلًا (يَدُلُّ عَلَى الْإِثْبَاتِ فِي الْمُقَيَّدِ) أَيْ يَدُلُّ عَلَى إثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي الْمُقَيَّدِ، وَهُوَ الْإِجْزَاءُ فِي تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ يُوجَدُ فِيهِ قَيْدُ الْإِيمَانِ (وَالنَّفْيُ فِي غَيْرِهِ) أَيْ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ، وَهُوَ نَفْيُ الْإِجْزَاءِ
ــ
[التلويح]
وَغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ وُجُوبِ أَحَدِهِمَا عَلَى التَّعْيِينِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِالْقِيَاسِ إجْزَاءُ الْمُقَيَّدِ، وَلَا عَدَمُ إجْزَاءِ غَيْرِ الْمُقَيَّدِ لَا يُقَالُ الْمُطْلَقُ سَاكِتٌ عَنْ الْقَيْدِ غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لَهُ لَا بِالنَّفْيِ، وَلَا بِالْإِثْبَاتِ فَيَكُونُ الْمَحَلُّ فِي حَقِّ الْوَصْفِ خَالِيًا عَنْ النَّصِّ لِأَنَّا نَقُولُ مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ نَاطِقٌ بِالْحُكْمِ فِي الْمَحَلِّ سَوَاءٌ وُجِدَ الْقَيْدُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ، وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ أَنَّ الْمُطْلَقَ غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لِلصِّفَاتِ لَا بِالنَّفْيِ، وَلَا بِالْإِثْبَاتِ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَحَدِهِمَا بِالتَّعْيِينِ هَذَا، وَلَكِنْ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْمُعَدَّى هُوَ وُجُوبُ الْقَيْدِ لَا إجْزَاءُ الْمُقَيَّدِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّصَّ الْمُطْلَقَ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْقَيْدِ بَلْ عَلَى وُجُوبِ الْمُطْلَقِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي ضِمْنِ الْمُقَيَّدِ أَوْ غَيْرِهِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ إنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ هَذِهِ التَّعَدِّيَةِ لَا يَلْزَمُ عَدَمُ إجْزَاءِ غَيْرِ الْمُقَيَّدَةِ كَالْكَافِرَةِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لِأَنَّ غَايَةَ الْأَمْرِ أَنْ يُجْمَعَ فِيهِ نَصَّانِ مُطْلَقٌ، وَمُقَيَّدٌ تَقْدِيرًا، وَلَا دَلَالَةَ لِلْمُقَيَّدِ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَيْدِ فَيَجُوزُ الْكَافِرَةُ بِالنَّصِّ الْمُطْلَقِ، وَالْمُؤْمِنَةُ بِهِ، وَبِالنَّصِّ الْمُقَيَّدِ أَيْضًا، وَلَا امْتِنَاعَ فِي اجْتِمَاعِ النَّصِّ، وَالْقِيَاسِ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ عَلَى أَنَّا نَقُولُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ الْمُطْلَقُ، وَالْمُقَيَّدُ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْحُكْمِ فَالْحَمْلُ، وَاجِبٌ اتِّفَاقًا كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْقَيْدَ يَدُلُّ عَلَى الْإِثْبَاتِ فِي الْمُقَيَّدِ، وَالنَّفْيِ فِي غَيْرِهِ) فَإِنْ قُلْت هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ النَّفْيَ أَيْضًا مَدْلُولُ النَّصِّ كَالْإِثْبَاتِ فَيَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا ضَرُورَةً فَيُنَاقِضُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْمُقَيَّدِ عَلَى نَفْيِ الْكَافِرَةِ أَصْلًا، وَأَنَّهُ عَدَمٌ أَصْلِيٌّ لَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ مُجَارَاةِ الْخَصْمِ بِتَسْلِيمِ بَعْضِ مُقَدِّمَاتِهِ