المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[فصل الكفار هل يخاطبون بالشرائع أم لا] - التلويح على التوضيح لمتن التنقيح - جـ ١

[السعد التفتازاني - المحبوبي صدر الشريعة الأصغر]

فهرس الكتاب

- ‌[مُقَدِّمَة]

- ‌[التَّعْرِيفُ إمَّا حَقِيقِيٌّ وَإِمَّا اسْمِيٌّ]

- ‌[تَعْرِيفُ أُصُولِ الْفِقْهِ بِاعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ]

- ‌[تَعْرِيفُ أُصُولِ الْفِقْهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَقَبٌ]

- ‌ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ فِي الْكِتَابِ أَيْ الْقُرْآنِ

- ‌[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ الْكِتَابِ فِي الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ]

- ‌[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي إفَادَتِهِ الْمَعْنَى]

- ‌[قُسِّمَ اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْنَى أَرْبَعُ تَقْسِيمَاتٍ]

- ‌[التَّقْسِيمُ الْأَوَّلُ بِاعْتِبَارِ وَضْعِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى]

- ‌(فَصْلٌ: الْخَاصُّ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَاصٌّ)

- ‌(فَصْلٌ: حُكْمُ الْعَامِّ

- ‌(فَصْلٌ: قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ

- ‌[فَصْلٌ فِي أَلْفَاظِ الْعَامِّ]

- ‌ مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ (الْجَمْعُ الْمُعَرَّفُ بِاللَّامِ

- ‌[مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ الْمُفْرَدُ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ]

- ‌[مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ النَّكِرَةُ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ]

- ‌[مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ نَكِرَةٌ تَعُمُّ بِالصِّفَةِ]

- ‌[مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ مَنْ وَهُوَ يَقَعُ خَاصًّا وَيَقَعُ عَامًّا فِي الْعُقَلَاءِ إذَا كَانَ لِلشَّرْطِ]

- ‌[مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ مَا فِي غَيْرِ الْعُقَلَاءِ]

- ‌[مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ كُلُّ وَجَمِيعُ]

- ‌(مَسْأَلَةٌ: حِكَايَةُ الْفِعْلِ) لَا تَعُمُّ

- ‌(مَسْأَلَةُ اللَّفْظِ الَّذِي وَرَدَ بَعْدَ سُؤَالٍ أَوْ حَادِثَةٍ)

- ‌[فَصْلٌ حُكْمُ الْمُطْلَقِ]

- ‌[فَصْلٌ حُكْمُ الْمُشْتَرَكِ]

- ‌(التَّقْسِيمُ الثَّانِي فِي اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى

- ‌[فَصْلٌ أَنْوَاعِ عَلَاقَاتِ الْمَجَازِ]

- ‌(مَسْأَلَةٌ الْمَجَازُ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا عُمُومَ لِلْمَجَازِ عَنْدَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ]

- ‌مَسْأَلَةٌ لَا يُرَادُ مِنْ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ وَالْمَجَازِيُّ مَعًا

- ‌(مَسْأَلَةٌ لَا بُدَّ لِلْمَجَازِ مِنْ قَرِينَةٍ تَمْنَعُ إرَادَةَ الْحَقِيقَةِ

- ‌[مَسْأَلَةٌ قَدْ يَتَعَذَّرُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ وَالْمَجَازِيُّ مَعًا]

- ‌(مَسْأَلَةٌ الدَّاعِي إلَى الْمَجَازِ)

- ‌[فَصْلٌ الِاسْتِعَارَةُ التَّبَعِيَّةُ فِي الْحُرُوفِ]

- ‌[حُرُوف الْمَعَانِي]

- ‌[حُرُوفُ الْجَرِّ]

- ‌(كَلِمَاتُ الشَّرْطِ)

- ‌[أَسْمَاءُ الظُّرُوفِ]

- ‌(فَصْلٌ) فِي الصَّرِيحِ، وَالْكِنَايَةِ

- ‌[التَّقْسِيمُ الثَّالِثُ فِي ظُهُورِ الْمَعْنَى وَخَفَائِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الدَّلِيلُ اللَّفْظِيُّ لَا يُفِيدُ الْيَقِينَ]

- ‌التَّقْسِيمُ الرَّابِعُ فِي كَيْفِيَّةِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى

- ‌[فَصْلٌ مَفْهُوم الْمُخَالَفَةِ]

- ‌[شَرْطُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ]

- ‌[أَقْسَامِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ]

- ‌[تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِاسْمِهِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ]

- ‌ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالْوَصْفِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ

- ‌[التَّعْلِيق بِالشَّرْطِ يُوجِبُ الْعَدَمَ عِنْدَ عَدَمِهِ]

- ‌[الْبَابُ الثَّانِي فِي إفَادَةِ اللَّفْظِ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ]

- ‌[الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةُ لِلْأَمْرِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا أُرِيدَ بِالْأَمْرِ الْإِبَاحَةُ أَوْ النَّدْبُ]

- ‌[فَصْلٌ الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ عِنْدَ الْبَعْضِ يُوجِبُ الْعُمُومَ وَالتَّكْرَارَ]

- ‌[فَصْلٌ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ نَوْعَانِ أَدَاءٌ وَقَضَاءٌ]

- ‌الْأَدَاءُ الَّذِي يُشْبِهُ الْقَضَاءَ

- ‌[الْقَضَاءُ الشَّبِيهُ بِالْأَدَاءِ]

- ‌[فَصْلٌ لَا بُدَّ لِلْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ الْحُسْنِ]

- ‌الْحَسَنُ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ

- ‌[الْمَأْمُورُ بِهِ فِي صِفَةِ الْحُسْنِ نَوْعَانِ]

- ‌[الْحَسَنُ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ]

- ‌[فَصْلٌ التَّكْلِيفُ بِمَا لَا يُطَاقُ]

- ‌(فَصْلٌ الْمَأْمُورُ بِهِ نَوْعَانِ مُطْلَقٌ وَمُؤَقَّتٌ)

- ‌[أَقْسَامُ الْمَأْمُور بِهِ الْمُؤَقَّت]

- ‌[الْقَسْم الْأَوَّل الْوَقْت الضَّيِّق وَالْفَاضِل عَنْ الواجب]

- ‌[الْقِسْمُ الثَّانِي كون الْوَقْت مُسَاوِيًا لِلْوَاجِبِ وَسَبَبًا لِلْوُجُوبِ]

- ‌[الْقِسْمُ الثَّالِثُ كَوْن الْوَقْت مِعْيَارًا لَا سَبَبًا]

- ‌[الْقِسْمُ الرَّابِعُ الْحَجُّ يُشْبِهُ الظَّرْفَ وَالْمِعْيَارَ]

- ‌[فَصْلٌ الْكُفَّار هَلْ يُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ أَمْ لَا]

- ‌[فَصْلٌ النَّهْيُ إمَّا عَنْ الْحِسِّيَّاتِ وَإِمَّا عَنْ الشَّرْعِيَّاتِ]

- ‌[فَصْلٌ اخْتَلَفُوا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ هَلْ لَهُمَا حُكْمٌ فِي الضِّدِّ أَمْ لَا]

الفصل: ‌[فصل الكفار هل يخاطبون بالشرائع أم لا]

وَيَظْهَرُ أَثَرُ هَذَا التَّعْيِينِ فِي الْإِثْمِ فَقَطْ أَيْ إنْ أَخَّرَ عَنْ الْعَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُدْرِكْ الْحَجَّ كَانَ آثِمًا لَكِنْ لَا يَظْهَرُ أَثَرُ التَّعْيِينِ فِي بُطْلَانِ اخْتِيَارِهِ لَمَّا اخْتَارَ جِهَةَ التَّقْصِيرِ وَالْإِثْمِ بِأَنْ أَدْرَكَ الْوَقْفَةَ وَلَمْ يَنْوِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ بَلْ نَوَى النَّفَلَ.

(وَإِذَا كَانَ هَذَا الْوَقْتُ يُشْبِهُ الْمِعْيَارَ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِمِعْيَارٍ لِمَا قُلْنَا، وَلِأَنَّ أَفْعَالَهُ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ بِالْوَقْتِ) بِخِلَافِ الصَّوْمِ، فَإِنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالْوَقْتِ، فَإِنَّ الْمِعْيَارَ هُوَ مَا يُقَدَّرُ الشَّيْءُ بِهِ كَالْمِكْيَالِ وَنَحْوِهِ.

(فَإِنْ تَطَوَّعَ) هَذَا جَوَابُ إذَا فِي قَوْلِهِ: وَإِذَا كَانَ هَذَا الْوَقْتُ (وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ يَصِحُّ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقَعُ عَنْ الْفَرْضِ إشْفَاقًا عَلَيْهِ، فَإِنَّ هَذَا) أَيْ التَّطَوُّعَ، وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ (مِنْ السَّفَهِ فَيُحْجَرُ عَلَيْهِ) أَيْ إذَا نَوَى التَّطَوُّعَ يُحْجَرُ عَنْ نِيَّةِ التَّطَوُّعِ فَبَطَلَتْ نِيَّتُهُ فَبَقِيَتْ النِّيَّةُ الْمُطْلَقَةُ، وَهِيَ كَافِيَةٌ.

(عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ بِإِطْلَاقِ النِّيَّةِ، وَبِلَا نِيَّةٍ كَمَنْ أَحْرَمَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ قُلْنَا: الْحَجْرُ يُفَوِّتُ الِاخْتِيَارَ، وَلَا عِبَادَةَ بِدُونِهِ أَمَّا الْإِطْلَاقُ فَفِيهِ دَلَالَةُ التَّعْيِينِ إذْ الظَّاهِرُ أَنْ لَا يَقْصِدَ النَّفَلَ، وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، وَالْإِحْرَامُ غَيْرُ مَقْصُودٍ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ كَمَنْ أَحْرَمَ

ــ

[التلويح]

عِنْدَهُمَا رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إلَّا أَنَّ الْأَظْهَرَ الرَّاجِحَ فِي الِاعْتِبَارِ هُوَ الْمِعْيَارِيَّةُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالظَّرْفِيَّةُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.

(قَوْلُهُ احْتِرَازًا عَنْ الْفَوْتِ) يَعْنِي أَنَّ التَّعْيِينَ هُنَا ثَبَتَ بِعَارِضِ خَوْفِ الْمَوْتِ لَا أَنَّهُ أَمْرٌ أَصْلِيٌّ فَأَثَرُ التَّعْيِينِ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي حُرْمَةِ التَّأْخِيرِ وَحُصُولِ الْإِثْمِ لَا فِي انْتِفَاءِ شَرْعِيَّةِ النَّفْلِ، بِخِلَافِ تَعَيُّنِ رَمَضَانَ لِلْفَرْدِ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ أَصْلِيٌّ ثَبَتَ بِتَعْيِينِ الشَّارِعِ فَيَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الِاسْمِ وَعَدَمِ جَوَازِ النَّفْلِ جَمِيعًا.

(قَوْلُهُ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمِعْيَارٍ) لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ أَفْعَالَ الْحَجِّ لَا تَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ أَجْزَاءِ وَقْتِهِ، وَلِأَنَّ أَفْعَالَ الْحَجِّ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ بِالْوَقْتِ يَعْنِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالرَّمْيِ لَمْ يُقَدَّرْ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ وَقْتِ كَذَا إلَى وَقْتِ كَذَا كَمَا قُدِّرَ الصَّوْمُ بِكَوْنِهِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَإِذَا لَمْ يُقَدَّرْ بِالْوَقْتِ لَمْ يَكُنْ الْوَقْتُ مِعْيَارًا، فَإِنْ قُلْت أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ قُلْت الْأَوَّلُ اسْتِدْلَالٌ بِعَدَمِ اللَّازِمِ عَلَى عَدَمِ الْمَلْزُومِ، وَالثَّانِي اسْتِدْلَالٌ بِعَدَمِ الْحَدِّ عَلَى عَدَمِ الْمَحْدُودِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَسْأَلَةَ صِحَّةِ التَّطَوُّعِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْوَقْتَ لَيْسَ بِمِعْيَارٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِشَبَهِهِ بِالْمِعْيَارِ مَدْخَلٌ فِي ذَلِكَ فَذِكْرُهُ فِي مَضْمُونِ الشَّرْطِ لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي.

[فَصْلٌ الْكُفَّار هَلْ يُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ أَمْ لَا]

(قَوْلُهُ فَصْلٌ) فِي أَنَّ الْكُفَّارَ هَلْ يُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ أَمْ لَا، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي آخِرِ أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي بَيَانِ الْأَهْلِيَّةِ حَيْثُ قَالَ: الْكَافِرُ أَهْلُ أَحْكَامٍ لَا يُرَادُ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِأَدَائِهَا فَكَانَ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِوُجُوبِ شَيْءٍ مِنْ الشَّرَائِعِ الَّتِي هِيَ طَاعَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ الْخِطَابُ بِهَا مَوْضُوعًا عَنْهُ عِنْدَنَا، وَلَزِمَهُ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَمَّا كَانَ أَهْلًا لِأَدَائِهِ وَوُجُوبِ

ص: 410

عَنْهُ أَصْحَابُهُ.

(بَلْ هُوَ شَرْطٌ عِنْدَنَا كَالْوُضُوءِ فَيَصِحُّ بِفِعْلِ غَيْرِهِ بِدَلَالَةِ الْأَمْرِ) ، فَإِنَّ عَقْدَ الرَّفَاقَةِ دَلِيلُ الْأَمْرِ بِالْمُعَاوَنَةِ.

(فَصْلٌ)

هَذَا الْفَصْلُ فِي أَنَّ الْكُفَّارَ هَلْ يُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ أَمْ لَا، وَهُوَ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي أُصُولِ الْإِمَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَمَّا كَانَ مَهْمَا نَقَلْتُهُ مِنْ أُصُولِ الْإِمَامِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ.

(ذَكَرَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْكُفَّارَ يُخَاطَبُونَ بِالْإِيمَانِ، وَالْعُقُوبَاتِ، وَالْمُعَامَلَاتِ، وَبِالْعِبَادَاتِ فِي حَقِّ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} [المدثر: 42] الْآيَةَ اعْلَمْ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِالثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مُطْلَقًا إجْمَاعًا أَمَّا بِالْعِبَادَاتِ فَهُمْ مُخَاطَبُونَ بِهَا فِي حَقِّ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ اتِّفَاقًا أَيْضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} [المدثر: 42]{قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} [المدثر: 43]{وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} [المدثر: 44] وَأَمَّا فِي حَقِّ وُجُوبِ

ــ

[التلويح]

حُكْمِهِ، وَلَمْ يُجْعَلْ مُخَاطَبًا بِالشَّرَائِعِ بِشَرْطِ تَقْدِيمِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّهُ رَأْسُ أَسْبَابِ أَهْلِيَّةِ أَحْكَامِ نَعِيمِ الْآخِرَةِ فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يُجْعَلَ شَرْطًا مُقْتَضًى، وَقِيلَ إنَّ تَرْجَمَةَ الْفَصْلِ بِمَا ذَكَرَ خَطَأٌ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ مِنْ الْكَافِرِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا فَكَيْفَ يَكُونُ مُخَاطَبًا بِهَا بَلْ التَّرْجَمَةُ الصَّحِيحَةُ أَنَّ الْكُفَّارَ هَلْ يُخَاطَبُونَ بِالتَّوَصُّلِ إلَى فُرُوعِ الْإِيمَانِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ تَرْجَمَتَهُ هُوَ أَنَّ حُصُولَ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ لِصِحَّةِ الشَّيْءِ كَالْإِيمَانِ لِصِحَّةِ الْعِبَادَاتِ وَالطَّهَارَةِ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَهَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي التَّكْلِيفِ بِوُجُوبِ أَدَائِهِ أَمْ لَا، ثُمَّ صَوَّرُوا الْمَسْأَلَةَ فِي جُزْئِيٍّ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ، وَهُوَ تَكْلِيفُ الْكَافِرِ بِالْفُرُوعِ تَسْهِيلًا لِلْمُنَاظَرَةِ.

(قَوْلُهُ فِي حَقِّ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْعِبَادَاتِ خَاصَّةً، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يُؤَاخَذُونَ بِتَرْكِ الِاعْتِقَادِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْأَمْرِ اعْتِقَادُ اللُّزُومِ وَالْأَدَاءِ، وَأَمَّا فِي حَقِّ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فِي الدُّنْيَا فَمَذْهَبُ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّ الْخِطَابَ يَتَنَاوَلُهُمْ وَأَنَّ الْأَدَاءَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعِنْدَ عَامَّةِ مَشَايِخِ دِيَارِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ أَنَّهُمْ لَا يُخَاطَبُونَ بِأَدَاءِ مَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ وَالْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ جَوَازِ الْأَدَاءِ حَالَ الْكُفْرِ وَلَا فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي أَنَّهُمْ هَلْ يُعَاقَبُونَ فِي الْآخِرَةِ بِتَرْكِ الْعِبَادَاتِ زِيَادَةً عَلَى عُقُوبَةِ الْكُفْرِ كَمَا يُعَاقَبُونَ بِتَرْكِ الِاعْتِقَادِ كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْمِيزَانِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا ذَكَرَ فِي أُصُولِ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَنَّ تَكْلِيفَهُمْ بِالْفُرُوعِ إنَّمَا هُوَ لِتَعْذِيبِهِمْ بِتَرْكِهَا كَمَا يُعَذَّبُونَ بِتَرْكِ الْأُصُولِ فَظَهَرَ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ هُوَ الْوُجُوبُ فِي حَقِّ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى تَرْكِ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِتَرْكِ اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ.

(قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} [المدثر: 42]{قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} [المدثر: 43]{وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} [المدثر: 44] أَوْرَدَ الْآيَةَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالْعَادَاتِ فِي حَقِّ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، وَقَدْ نَبَّهْنَاكَ

ص: 411

الْأَدَاءِ فِي الدُّنْيَا فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ كَمَا ذَكَرَ فِي الْمَتْنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ (أَمَّا فِي حَقِّ وُجُوبِ الْأَدَاءِ) فَكَذَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَا يُؤَاخَذُونَ عَلَى تَرْكِهَا، وَلِأَنَّ الْكُفْرَ لَا يَصْلُحُ مُخَفِّفًا، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهَا غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهَا مَعَ الْكُفْرِ.

(جَوَابُ إشْكَالٍ وَهُوَ أَنَّ الْعِبَادَاتِ لَمَّا لَمْ تَكُنْ مُعْتَدًّا بِهَا مَعَ الْكُفْرِ لَا يَكُونُ فِي وُجُوبِ الْأَدَاءِ فَائِدَةٌ فَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بِشَرْطِ الْإِيمَانِ كَالْجُنُبِ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ بِشَرْطِ الطَّهَارَةِ لَا عِنْدَ مَشَايِخِ دِيَارِنَا) يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ فَكَذَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ (لِقَوْلِهِ عليه السلام «اُدْعُهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ» الْحَدِيثَ) يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ فَرْضِيَّةَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مُخْتَصَّةٌ بِتَقْدِيرِ الْإِجَابَةِ فَعَلَى تَقْدِيمِ عَدَمِ الْإِجَابَةِ لَا تُفْرَضُ أَمَّا عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَلِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ لَا أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْفَرْضِيَّةِ عَلَى مَا مَرَّ فِي فَصْلِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ.

(وَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْعِبَادَةِ لِنَيْلِ الثَّوَابِ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ أَهْلًا لَهُ، وَلَيْسَ فِي سُقُوطِ الْعِبَادَةِ عَنْهُمْ تَخْفِيفٌ بَلْ تَغْلِيظٌ، وَنَظِيرُهُ أَنَّ الطَّبِيبَ لَا يَأْمُرُ الْعَلِيلَ بِشُرْبِ الدَّوَاءِ عِنْدَ الْيَأْسِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ فَكَذَا هَاهُنَا، وَقَدْ ذَكَرَ) أَيْ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.

(أَنَّ عُلَمَاءَنَا لَمْ

ــ

[التلويح]

عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الْوِفَاقِ لَيْسَ هُوَ الْمُؤَاخَذَةُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى تَرْكِ الْأَعْمَالِ بَلْ عَلَى تَرْكِ اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ، فَالْآيَةُ تَمَسُّكٌ لِلْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ فِي حَقِّ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى تَرْكِ الْأَعْمَالِ أَيْضًا، وَلِذَا أَجَابَ عَنْهُ الْفَرِيقُ الثَّانِي بِأَنَّ الْمُرَادَ لَمْ نَكُنْ مِنْ الْمُعْتَقِدِينَ فَرْضِيَّةَ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ الْعَذَابُ عَلَى تَرْكِ الِاعْتِقَادِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ مَجَازٌ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ، فَإِنْ قِيلَ لَا حُجَّةَ فِي الْآيَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونُوا كَاذِبِينَ فِي إضَافَةِ الْعَذَابِ إلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى تَكْذِيبُهُمْ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] وَ {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ} [النحل: 28] وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ يَكُونُ الْإِخْبَارُ عَنْ الْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ تَرَكُوا الصَّلَاةَ حَالَ رِدَّتِهِمْ قُلْنَا: الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ تَصْدِيقُهُمْ فِيمَا قَالُوا وَتَحْذِيرُ غَيْرِهِمْ، وَلَوْ كَانَ كَذِبًا لَمَا كَانَ فِي الْآيَةِ فَائِدَةٌ، وَتَرْكُ التَّكْذِيبِ إنَّمَا يَحْسُنُ إذَا كَانَ الْعَقْلُ مُسْتَقِلًّا بِكَذِبِهِ كَمَا فِي الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَهَاهُنَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَالْمُجْرِمُونَ عَامٌّ لَا مُخَصِّصَ لَهُ بِالْمُرْتَدِّينَ.

(قَوْلُهُ وَأَمَّا عِنْدَنَا فَلِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ) مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ الْعُمُومَاتِ الْوَارِدَةَ فِي حَقِّ فَرْضِيَّةِ الصَّلَاةِ دَلِيلٌ عَلَيْهَا مَعَ أَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ هُوَ الْأَمْرُ بِالْإِعْلَامِ لَا نَفْسُ الْفَرْضِيَّةِ.

(قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْعِبَادَةِ لِنَيْلِ الثَّوَابِ) أُجِيبَ بِأَنَّهُ لِنَيْلِ الثَّوَابِ عَلَى تَقْدِيرِ الْإِتْيَانِ بِهِ وَلِاسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْكِ فَالْكُفَّارُ إنْ تَوَصَّلُوا إلَى الْمَأْمُورِ بِهِ بِتَحْصِيلِ شَرَائِطِهِ فَالثَّوَابُ وَإِلَّا فَالْعِقَابُ وَعَدَمُ الْأَهْلِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ تَحْصِيلِ

ص: 412

يَنُصُّوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَكِنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ اسْتَدَلُّوا مِنْ مَسَائِلِهِمْ عَلَى هَذَا، وَعَلَى الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَاسْتَدَلَّ الْبَعْضُ بِأَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا أَسْلَمَ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ صَلَاةِ الرِّدَّةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالصَّلَاةِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُخَاطَبٌ بِهَا.

(وَالْبَعْضُ بِأَنَّهُ إذَا صَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ وَالْوَقْتُ بَاقٍ فَعَلَيْهِ الْأَدَاءُ خِلَافًا لَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ يَنْعَدِمُ بِالرِّدَّةِ، وَصِحَّةُ مَا مَضَى كَانَتْ بِنَاءً عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْخِطَابِ فَإِذَا عُلِمَ الْخِطَابُ عُدِمَ صِحَّةُ مَا مَضَى (فَبَطَلَ ذَلِكَ الْأَدَاءُ فَإِذَا أَسْلَمَ فِي الْوَقْتِ، وَجَبَ ابْتِدَاءً، وَعِنْدَهُ الْخِطَابُ بَاقٍ فَلَا يَبْطُلُ الْأَدَاءُ، وَالْبَعْضُ فَرَّعُوهُ عَلَى أَنَّ الشَّرَائِعَ لَيْسَتْ مِنْ الْإِيمَانِ عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُ، وَهُمْ يُخَاطَبُونَ بِالْإِيمَانِ فَقَطْ) فَلَا يُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْإِيمَانِ، وَيُخَاطَبُونَ عِنْدَهُ لِكَوْنِهَا مِنْ الْإِيمَانِ عِنْدَهُ.

(وَالْكُلُّ ضَعِيفٌ) فَاحْتَجَّ عَلَى ضَعْفِ الِاسْتِدْلَالِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْقُطُ الْقَضَاءُ عِنْدَنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] فَسُقُوطُ الْقَضَاءِ عِنْدَنَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُخَاطَبًا لَكِنْ سَقَطَ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنْ يَنْتَهُوا} [الأنفال: 38] الْآيَةَ، وَاحْتَجَّ عَلَى ضَعْفِ الِاسْتِدْلَالِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ (وَلِأَنَّ الْمُؤَدَّى إنَّمَا بَطَلَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى

ــ

[التلويح]

الشَّرْطِ أَعْنِي الْإِيمَانَ، وَأَيْضًا مَنْقُوضٌ بِالْأَمْرِ بِالْإِيمَانِ، فَإِنَّهُ أَيْضًا لِنَيْلِ الثَّوَابِ، فَإِنْ قِيلَ الْإِيمَانُ رَأْسُ الطَّاعَاتِ وَأَسَاسُ الْعِبَادَاتِ فَكَيْفَ يَثْبُتُ شَرْطًا وَتَبَعًا لِوُجُوبِ الْفُرُوعِ أَلَا يُرَى أَنَّ السَّيِّدَ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ تَزَوَّجْ أَرْبَعًا لَا تُثْبِتُ الْحُرِّيَّةَ بِذَلِكَ.؟ قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَثْبُتُ وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِالْأَوَامِرِ الْمُسْتَقِلَّةِ الْوَارِدَةِ فِيهِ لَا أَنَّهُ يَثْبُتُ فِي ضِمْنِ الْأَمْرِ بِالْفُرُوعِ.

(قَوْلُهُ وَلَيْسَ فِي سُقُوطِ الْعِبَادَةِ عَنْهُمْ تَخْفِيفٌ) جَوَابٌ عَنْ التَّمَسُّكِ الثَّانِي لِلْفَرِيقِ الْأَوَّلِ يَعْنِي أَنَّ سُقُوطَ الْخِطَابِ بِالْأَدَاءِ عَنْ الْكَفَّارَةِ لَيْسَ لِلتَّخْفِيفِ بَلْ لِتَحْقِيقِ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ أَهْلِيَّةِ ثَوَابِ الْعِبَادَةِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ الْأَوَّلِ فَهُوَ أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الْخِطَابَ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فِي الدُّنْيَا أَوْ لَا تُسَلَّمُ الْمُؤَاخَذَةُ عَلَى تَرْكِ الْعِبَادَةِ بَلْ هُوَ عَيْنُ النِّزَاعِ، وَإِنَّمَا الْمُؤَاخَذَةُ عَلَى تَرْكِ اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ عَلَى مَا مَرَّ.

(قَوْلُهُ وَصِحَّةُ مَا مَضَى كَانَتْ بِنَاءً عَلَى الْخِطَابِ) ضَعِيفٌ إذْ الصِّحَّةُ إنَّمَا تُبْتَنَى عَلَى وُرُودِ الْخِطَابِ وَتَعَلُّقِهِ لَا عَلَى بَقَاءِ تَعَلُّقِهِ كَيْفَ وَالْأَدَاءُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا هُوَ لِسُقُوطِ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ فِي حَقِّ الْمُؤَدِّي.

(قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ} [المائدة: 5] الْآيَةَ، هُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} [البقرة: 217] الْآيَةَ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ.

(قَوْلُهُ عِنْدَنَا) لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا يُخَاطَبُونَ بِالْعُقُوبَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ بَلْ هُوَ لِتَحْقِيقِ أَنَّ الْخِلَافَ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى الْخِلَافِ فِي كَوْنِ

ص: 413