المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[القسم الأول الوقت الضيق والفاضل عن الواجب] - التلويح على التوضيح لمتن التنقيح - جـ ١

[السعد التفتازاني - المحبوبي صدر الشريعة الأصغر]

فهرس الكتاب

- ‌[مُقَدِّمَة]

- ‌[التَّعْرِيفُ إمَّا حَقِيقِيٌّ وَإِمَّا اسْمِيٌّ]

- ‌[تَعْرِيفُ أُصُولِ الْفِقْهِ بِاعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ]

- ‌[تَعْرِيفُ أُصُولِ الْفِقْهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَقَبٌ]

- ‌ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ فِي الْكِتَابِ أَيْ الْقُرْآنِ

- ‌[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ الْكِتَابِ فِي الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ]

- ‌[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي إفَادَتِهِ الْمَعْنَى]

- ‌[قُسِّمَ اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْنَى أَرْبَعُ تَقْسِيمَاتٍ]

- ‌[التَّقْسِيمُ الْأَوَّلُ بِاعْتِبَارِ وَضْعِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى]

- ‌(فَصْلٌ: الْخَاصُّ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَاصٌّ)

- ‌(فَصْلٌ: حُكْمُ الْعَامِّ

- ‌(فَصْلٌ: قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ

- ‌[فَصْلٌ فِي أَلْفَاظِ الْعَامِّ]

- ‌ مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ (الْجَمْعُ الْمُعَرَّفُ بِاللَّامِ

- ‌[مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ الْمُفْرَدُ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ]

- ‌[مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ النَّكِرَةُ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ]

- ‌[مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ نَكِرَةٌ تَعُمُّ بِالصِّفَةِ]

- ‌[مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ مَنْ وَهُوَ يَقَعُ خَاصًّا وَيَقَعُ عَامًّا فِي الْعُقَلَاءِ إذَا كَانَ لِلشَّرْطِ]

- ‌[مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ مَا فِي غَيْرِ الْعُقَلَاءِ]

- ‌[مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ كُلُّ وَجَمِيعُ]

- ‌(مَسْأَلَةٌ: حِكَايَةُ الْفِعْلِ) لَا تَعُمُّ

- ‌(مَسْأَلَةُ اللَّفْظِ الَّذِي وَرَدَ بَعْدَ سُؤَالٍ أَوْ حَادِثَةٍ)

- ‌[فَصْلٌ حُكْمُ الْمُطْلَقِ]

- ‌[فَصْلٌ حُكْمُ الْمُشْتَرَكِ]

- ‌(التَّقْسِيمُ الثَّانِي فِي اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى

- ‌[فَصْلٌ أَنْوَاعِ عَلَاقَاتِ الْمَجَازِ]

- ‌(مَسْأَلَةٌ الْمَجَازُ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا عُمُومَ لِلْمَجَازِ عَنْدَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ]

- ‌مَسْأَلَةٌ لَا يُرَادُ مِنْ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ وَالْمَجَازِيُّ مَعًا

- ‌(مَسْأَلَةٌ لَا بُدَّ لِلْمَجَازِ مِنْ قَرِينَةٍ تَمْنَعُ إرَادَةَ الْحَقِيقَةِ

- ‌[مَسْأَلَةٌ قَدْ يَتَعَذَّرُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ وَالْمَجَازِيُّ مَعًا]

- ‌(مَسْأَلَةٌ الدَّاعِي إلَى الْمَجَازِ)

- ‌[فَصْلٌ الِاسْتِعَارَةُ التَّبَعِيَّةُ فِي الْحُرُوفِ]

- ‌[حُرُوف الْمَعَانِي]

- ‌[حُرُوفُ الْجَرِّ]

- ‌(كَلِمَاتُ الشَّرْطِ)

- ‌[أَسْمَاءُ الظُّرُوفِ]

- ‌(فَصْلٌ) فِي الصَّرِيحِ، وَالْكِنَايَةِ

- ‌[التَّقْسِيمُ الثَّالِثُ فِي ظُهُورِ الْمَعْنَى وَخَفَائِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الدَّلِيلُ اللَّفْظِيُّ لَا يُفِيدُ الْيَقِينَ]

- ‌التَّقْسِيمُ الرَّابِعُ فِي كَيْفِيَّةِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى

- ‌[فَصْلٌ مَفْهُوم الْمُخَالَفَةِ]

- ‌[شَرْطُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ]

- ‌[أَقْسَامِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ]

- ‌[تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِاسْمِهِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ]

- ‌ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالْوَصْفِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ

- ‌[التَّعْلِيق بِالشَّرْطِ يُوجِبُ الْعَدَمَ عِنْدَ عَدَمِهِ]

- ‌[الْبَابُ الثَّانِي فِي إفَادَةِ اللَّفْظِ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ]

- ‌[الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةُ لِلْأَمْرِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا أُرِيدَ بِالْأَمْرِ الْإِبَاحَةُ أَوْ النَّدْبُ]

- ‌[فَصْلٌ الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ عِنْدَ الْبَعْضِ يُوجِبُ الْعُمُومَ وَالتَّكْرَارَ]

- ‌[فَصْلٌ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ نَوْعَانِ أَدَاءٌ وَقَضَاءٌ]

- ‌الْأَدَاءُ الَّذِي يُشْبِهُ الْقَضَاءَ

- ‌[الْقَضَاءُ الشَّبِيهُ بِالْأَدَاءِ]

- ‌[فَصْلٌ لَا بُدَّ لِلْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ الْحُسْنِ]

- ‌الْحَسَنُ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ

- ‌[الْمَأْمُورُ بِهِ فِي صِفَةِ الْحُسْنِ نَوْعَانِ]

- ‌[الْحَسَنُ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ]

- ‌[فَصْلٌ التَّكْلِيفُ بِمَا لَا يُطَاقُ]

- ‌(فَصْلٌ الْمَأْمُورُ بِهِ نَوْعَانِ مُطْلَقٌ وَمُؤَقَّتٌ)

- ‌[أَقْسَامُ الْمَأْمُور بِهِ الْمُؤَقَّت]

- ‌[الْقَسْم الْأَوَّل الْوَقْت الضَّيِّق وَالْفَاضِل عَنْ الواجب]

- ‌[الْقِسْمُ الثَّانِي كون الْوَقْت مُسَاوِيًا لِلْوَاجِبِ وَسَبَبًا لِلْوُجُوبِ]

- ‌[الْقِسْمُ الثَّالِثُ كَوْن الْوَقْت مِعْيَارًا لَا سَبَبًا]

- ‌[الْقِسْمُ الرَّابِعُ الْحَجُّ يُشْبِهُ الظَّرْفَ وَالْمِعْيَارَ]

- ‌[فَصْلٌ الْكُفَّار هَلْ يُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ أَمْ لَا]

- ‌[فَصْلٌ النَّهْيُ إمَّا عَنْ الْحِسِّيَّاتِ وَإِمَّا عَنْ الشَّرْعِيَّاتِ]

- ‌[فَصْلٌ اخْتَلَفُوا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ هَلْ لَهُمَا حُكْمٌ فِي الضِّدِّ أَمْ لَا]

الفصل: ‌[القسم الأول الوقت الضيق والفاضل عن الواجب]

الْمُيَسِّرُ لِلصَّوَابِ

(فَصْلٌ الْمَأْمُورُ بِهِ نَوْعَانِ مُطْلَقٌ وَمُؤَقَّتٌ)

هَذَا الْفَصْلُ هُوَ أَصْلُ الشَّرَائِعِ قَدْ تَأَسَّسَ عَلَيْهِ مَبَانِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، فَإِنْ طَالَعْت هَذَا الْمَوْضِعَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ عَلِمْت سَعْيِي فِي تَنْقِيحِ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ وَتَحْقِيقِهَا الْمُرَادُ بِالْمُطْلَقِ غَيْرُ الْمُؤَقَّتِ كَالْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ الْمُطْلَقَةِ وَالزَّكَاةِ.

(أَمَّا الْمُطْلَقُ فَعَلَى التَّرَاخِي لِأَنَّهُ) أَيْ الْأَمْرَ.

(جَاءَ لِلْفَوْرِ وَجَاءَ لِلتَّرَاخِي فَلَا يَثْبُتُ الْفَوْرُ إلَّا بِالْقَرِينَةِ، وَحَيْثُ عُدِمَتْ يَثْبُتُ التَّرَاخِي لَا أَنَّ الْأَمْرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَوْرِ الْوُجُوبُ فِي الْحَالِ، وَالْمُرَادَ بِالتَّرَاخِي عَدَمُ التَّقْيِيدِ بِالْحَالِ لَا التَّقْيِيدُ بِالْمُسْتَقْبَلِ حَتَّى

ــ

[التلويح]

لِكُلِّ عَسِيرٍ

[فَصْلٌ الْمَأْمُورُ بِهِ نَوْعَانِ مُطْلَقٌ وَمُؤَقَّتٌ]

[أَقْسَامُ الْمَأْمُور بِهِ الْمُؤَقَّت]

[الْقَسْم الْأَوَّل الْوَقْت الضَّيِّق وَالْفَاضِل عَنْ الواجب]

(قَوْلُهُ فَصْلٌ) فِي تَقْسِيمِ الْمَأْمُورِ بِهِ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ غَيْرِ قَائِمٍ بِهِ وَهُوَ الْوَقْتُ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِنْ التَّقْسِيمِ إلَى الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالْحُسْنِ لِعَيْنِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ بِاعْتِبَارِ حَالَةٍ لِلْمَأْمُورِ بِهِ فِي نَفْسِهِ فَلِذَا جَعَلَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى، وَقَالَ فِي هَذَا التَّقْسِيمِ لَا بُدَّ مِنْ تَرْتِيبِهِ عَلَى الدَّرَجَةِ الْأُولَى أَيْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ هَذَا التَّقْسِيمِ وَإِيرَادِهِ عَقِيبَ التَّقْسِيمِ الَّذِي وَرَدَ فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى، وَهَذَا الْفَصْلُ أَصْلٌ لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ يَبْتَنِي عَلَيْهِ أَدِلَّةُ عَامَّةِ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ فِي الْفِقْهِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَبَاحِثِ الْمُؤَقَّتِ وَغَيْرِ الْمُؤَقَّتِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِكُلٍّ مِنْ الْأَقْسَامِ وَالْأَحْكَامِ، وَذَلِكَ مُعْظَمُ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ.

(قَوْلُهُ مُطْلَقٌ وَمُؤَقَّتٌ) الْمُرَادُ بِالْمُؤَقَّتِ مَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ مَحْدُودٍ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ أَدَاءً بَلْ يَكُونُ قَضَاءً كَالصَّلَاةِ خَارِجَ الْوَقْتِ أَوْ لَا يَكُونُ مَشْرُوعًا أَصْلًا كَالصَّوْمِ فِي غَيْرِ النَّهَارِ وَبِالْمُطْلَقِ مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا فِي وَقْتٍ لَا مَحَالَةَ.

(قَوْلُهُ أَمَّا الْمُطْلَقُ فَعَلَى التَّرَاخِي) اخْتَلَفُوا فِي مُوجَبِ الْأَمْرِ فَذَهَبَ كَثِيرٌ إلَى أَنَّ حَقَّهُ الْفَوْرُ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَوْرِ وَلَا عَلَى التَّرَاخِي بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْقَرِينَةِ، وَهَؤُلَاءِ يَعْنُونَ بِالْفَوْرِ امْتِثَالَ الْمَأْجُورِ بِهِ عَقِيبَ وُرُودِ الْأَمْرِ، وَبِالتَّرَاخِي الْإِتْيَانَ بِهِ مُتَأَخِّرًا عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لِلتَّرَاخِي إلَّا أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالتَّرَاخِي عَدَمُ التَّقْيِيدِ بِالْحَالِ، وَالْمُصَنِّفُ اصْطَلَحَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّرَاخِي عَدَمُ التَّقْيِيدِ بِالْحَالِ لَا التَّقْيِيدَ بِالِاسْتِقْبَالِ فَالتَّرَاخِي عِنْدَهُ أَعَمُّ مِنْ الْفَوْرِ وَغَيْرِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا اُسْتُدِلَّ عَلَى كَوْنِ مُطْلَقِ الْأَمْرِ لِلتَّرَاخِي بِأَنَّ الْأَمْرَ جَاءَ لِلْفَوْرِ وَجَاءَ لِلتَّرَاخِي فَلَا يَثْبُتُ الْفَوْرُ إلَّا بِالْقَرِينَةِ، فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَعَدَمِ الْقَرِينَةِ يَثْبُتُ التَّرَاخِي لِضَرُورَةِ عَدَمِ قَرِينَةِ الْفَوْرِ لَا بِدَلَالَةِ الْأَمْرِ كَانَ لِمُعَارِضٍ أَنْ يَقُولَ جَاءَ لِلْفَوْرِ التَّرَاخِي فَلَا يَثْبُتُ التَّرَاخِي إلَّا بِقَرِينَةٍ فَعِنْدَ عَدَمِهَا يَثْبُتُ الْفَوْرُ، فَدَفَعَهَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ الْفَوْرَ أَمْرٌ زَائِدٌ ثُبُوتِيٌّ فَيَحْتَاجُ إلَى الْقَرِينَةِ، بِخِلَافِ التَّرَاخِي فَإِنَّهُ عَدَمُ أَصْلِيٍّ فَصَارَ مَا ذَكَرَهُ مُوَافِقًا لِمَا هُوَ الْمُخْتَارُ مِنْ أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ وَلَا عَلَى التَّرَاخِي بِالْمَعْنَى الْمَشْهُورِ فَلَا دَلَالَةَ لِلْأَمْرِ عَلَى أَحَدِهِمَا بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْقَرِينَةِ.

(قَوْلُهُ

ص: 388

لَوْ أَدَّاهُ فِي الْحَالِ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ، فَالْفَوْرُ يَحْتَاجُ إلَى الْقَرِينَةِ لَا التَّرَاخِي.

(وَأَمَّا الْمُؤَقَّتُ فَإِمَّا أَنْ يَتَضَيَّقَ الْوَقْتُ عَنْ الْوَاجِبِ، وَهَذَا غَيْرُ وَاقِعٍ؛ لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ إلَّا لِغَرَضِ الْقَضَاءِ كَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ آخِرَ الْوَقْتِ إمَّا أَنْ يَفْضُلَ كَوَقْتِ الصَّلَاةِ، وَإِمَّا أَنْ يُسَاوِيَ، وَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ كَصَوْمِ رَمَضَانَ أَوْ لَا يَكُونَ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، وَقِسْمٌ آخَرُ كَالْحَجِّ مُشْكِلٌ فِي أَنْ يَفْضُلَ أَوْ يُسَاوِيَ كَالْحَجِّ) أَمَّا وَقْتُ الصَّلَاةِ فَهُوَ ظَرْفٌ لِلْمُؤَدَّيْ وَشَرْطٌ لِلْأَدَاءِ إذْ الْأَدَاءُ يَفُوتُ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ تَسْلِيمُ عَيْنِ الثَّابِتِ بِالْأَمْرِ، وَالثَّابِتُ بِالْأَمْرِ هُوَ الصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ أَمَّا الصَّلَاةُ خَارِجَ الْوَقْتِ فَتَسْلِيمُ مِثْلِ الثَّابِتِ بِالْأَمْرِ.

(وَسَبَبٌ لِلْوُجُوبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] وَلِإِضَافَةِ الصَّلَاةِ إلَيْهِ) إذْ الْإِضَافَةُ تَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصٍ فَمُطْلَقُهَا يَنْصَرِفُ إلَى الِاخْتِصَاصِ الْكَامِلِ أَنْ يُرَى أَنَّ قَوْلَهُ الْمَالُ لِزَيْدٍ يَنْصَرِفُ إلَى الِاخْتِصَاصِ بِطَرِيقِ الْمِلْكِ، وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْ يَنْصَرِفُ إلَى مَا دُونَهُ أَمَّا الْإِضَافَةُ بِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ فَمَجَازٌ فَالِاخْتِصَاصُ الْكَامِلُ فِي مِثْلِ قَوْلِنَا صَلَاةُ الْفَجْرِ إنَّمَا هُوَ بِالسَّبَبِيَّةِ فَالْأُمُورُ الَّتِي ذَكَرْنَا مِنْ الْإِضَافَةِ إلَى

ــ

[التلويح]

أَوْ لَا يَكُونُ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ) جَعَلُوا صِيَامَ الْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ الْمُطْلَقَةِ وَقَضَاءَ رَمَضَانَ مِنْ الْوَقْتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالنَّهَارِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ قِسْمِ الْمُطْلَقِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْمِيزَانِ؛ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ بِالنَّهَارِ دَاخِلٌ فِي مَفْهُومِ الصَّوْمِ لَا قَيْدٌ لَهُ، ثُمَّ الْقَضَاءُ وَاجِبٌ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ، وَصَوْمُ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ بِالنَّذْرِ وَالْحِنْثِ وَنَحْوِهِ فَلَا يَكُونُ النَّهَارُ الَّذِي يُصَامُ فِيهِ سَبَبًا لِوُجُوبِهِ.

(قَوْلُهُ وَقِسْمٌ آخَرُ مُشْكِلٌ) حَقُّ التَّقْسِيمِ أَنْ يُقَالَ الْمُؤَقَّتُ إمَّا أَنْ يَتَضَيَّقَ وَقْتُهُ أَوْ لَا، وَالثَّانِي إمَّا أَنْ يُعْلَمَ فَضْلُهُ كَالصَّلَاةِ، وَإِمَّا أَنْ يُعْلَمُ مُسَاوَاتُهُ، وَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ تَكُونَ مُسَاوَاتُهُ سَبَبًا كَصَوْمِ رَمَضَانَ أَوْ لَا كَصَوْمِ الْقَضَاءِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يُعْلَمَ فَضْلُهُ وَلَا مُسَاوَاتُهُ كَالْحَجِّ أَوْ يُقَالَ الْوَقْتُ إمَّا أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ مِعْيَارًا لِلْأَدَاءِ هَذَا وَلَا ذَاكَ أَوْ سَبَبًا لَا مِعْيَارًا أَوْ بِالْعَكْسِ.

(قَوْلُهُ أَمَّا وَقْتُ الصَّلَاةِ) الْمُؤَدَّى مِنْ الصَّلَاةِ هِيَ الْهَيْئَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ الْأَرْكَانِ الْمَخْصُوصَةِ الْوَاقِعَةِ فِي الْوَقْتِ، وَالْأَدَاءُ إخْرَاجُهَا مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ، وَالْوُجُوبُ لُزُومُ وُقُوعِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِشَرَفٍ فِيهِ فَوَقْتُ الصَّلَاةِ ظَرْفٌ لِلْمُؤَدَّى أَيْ زَمَانٌ يُحِيطُ بِهِ وَيَفْضُلُ عَنْهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَشَرْطٌ لِأَدَائِهِ إذْ لَا يَتَحَقَّقُ الْأَدَاءُ بِدُونِهِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي مَفْهُومِ الْأَدَاءِ، وَلَا مُؤَثِّرٌ فِي وُجُودِهِ، وَلَيْسَ شَرْطًا لِلْمُؤَدَّيْ؛ لِأَنَّ الْمُخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الْوَقْتِ هُوَ صِفَةُ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ لَا نَفْسُ الْهَيْئَةِ فَإِنْ قُلْت ظَرْفِيَّةُ الْوَقْتِ لِلْمُؤَدَّى تَسْتَلْزِمُ شَرْطِيَّةَ الْأَدَاءِ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهَا قُلْت لَوْ سُلِّمَ فَلِأَنَّا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لُزُومٌ بَيِّنٌ حَتَّى يُسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ، وَأَيْضًا الْمَقْصُودُ بَيَانُ اشْتِرَاكِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فِي شَرْطِيَّةِ الْوَقْتِ، وَامْتِيَازُ الصَّلَاةِ بِظَرْفِيَّتِهِ وَالْوَقْتِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْمُؤَدَّى أَيْ لُزُومُ تِلْكَ الْهَيْئَةِ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ

ص: 389

آخِرِهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُوجِبُ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِالسَّبَبِيَّةِ لَكِنَّ مَجْمُوعَهَا يُفِيدُ الْقَطْعَ.

(وَلِتَغَيُّرِهَا بِتَغَيُّرِهِ صِحَّةً وَكَرَاهَةً وَفَسَادًا وَلِتَجَدُّدِ الْوُجُوبِ بِتَجَدُّدِهِ وَلِبُطْلَانِ التَّقْدِيمِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ التَّقْدِيمَ عَلَى الشَّرْطِ) أَيْ التَّقْدِيمَ عَلَى شَرْطِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ صَحِيحٌ (كَالزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ يُحَقِّقُهُ) أَيْ يُحَقِّقُ كَوْنَ الْوَقْتِ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ.

(إنَّ الْوَقْتَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُؤَثِّرًا فِي ذَاتِهِ بَلْ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى رَتَّبَ الْأَحْكَامَ عَلَى أُمُورٍ ظَاهِرَةٍ تَيْسِيرًا كَالْمِلْكِ عَلَى الشِّرَاءِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَتَكُونُ الْأَحْكَامُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا مُضَافَةً إلَى هَذِهِ الْأُمُورِ فَهَذِهِ الْأُمُورُ مُؤَثِّرَةٌ فِي الْأَحْكَامِ

ــ

[التلويح]

حَتَّى كَأَنَّهُ الْمُؤَثِّرُ بِالنَّظَرِ إلَيْنَا تَيْسِيرًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ يَرْبِطُ الْأَحْكَامَ بِالْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ كَالْمِلْكِ بِالشِّرَاءِ مِنْ أَنَّ النِّعَمَ مُتَرَادِفَةٌ فِي الْأَوْقَاتِ وَالْعِبَادَةَ شُكْرٌ فَأُقِيمَ الْمَحَلُّ مَقَامَ الْحَالِ، وَالْمُتَقَدِّمُونَ عَلَى أَنَّ السَّبَبَ نِعَمُ اللَّهِ تَعَالَى وَاخْتِلَافُ الْعِبَادَاتِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاسْتُدِلَّ عَلَى سَبَبِيَّةِ الْوَقْتِ بِسِتَّةِ أَوْجُهٍ كُلٌّ مِنْهَا أَمَارَةٌ تُفِيدُ الظَّنَّ لَا الْقَطْعَ لِقِيَامِ الِاحْتِمَالِ إلَّا أَنَّ الْمَجْمُوعَ يُفِيدُ الْقَطْعَ؛ لِأَنَّ رُجْحَانَ الْمَظْنُونِ يَتَزَايَدُ بِكَثْرَةِ الْأَمَارَاتِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ حَدَّ الْقَطْعِ كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَجُودِ حَاتِمٍ، وَفِيهِ مُنَاقَشَةٌ لَا تَخْفَى.

(قَوْلُهُ وَلِتَغَيُّرِهَا) أَيْ لِتَغَيُّرِ الصَّلَاةِ بِتَغَيُّرِ الْوَقْتِ حَيْثُ تَصِحُّ فِي وَقْتِهِ الْكَامِلِ، وَتُكْرَهُ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، وَتَفْسُدُ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ، وَالْأَصْلُ فِي اخْتِلَافِ الْحُكْمِ أَنْ يَكُونَ بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ بِاخْتِلَافِ الظَّرْفِ أَوْ الشَّرْطِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِهِ أَمَارَةَ السَّبَبِيَّةِ نَعَمْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ هُوَ الْمُؤَدَّى أَوْ الْأَدَاءُ وَالْمُدَّعِي سَبَبِيَّتَهُ لِنَفْسِ الْوُجُوبِ.

(قَوْلُهُ وَلِتَجَدُّدِ الْوُجُوبِ بِتَجَدُّدِ الْوَقْتِ) هَذَا أَيْضًا يُفِيدُ الظَّنَّ؛ لِأَنَّ دَوَرَانَ الشَّيْءِ مَعَ الشَّيْءِ أَمَارَةُ كَوْنِ الْمُدَارِ عِلَّةً لِلدَّائِرِ.

(قَوْلُهُ فَإِنَّ التَّقْدِيمَ عَلَى الشَّرْطِ صَحِيحٌ) دَفْعٌ لِمَا يُقَالُ إنَّ بُطْلَانَ تَقْدِيمِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى الْوَقْتِ لَا تَدُلُّ عَلَى سَبَبِيَّتِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا لَهُ، وَتَقْدِيمُ الْحُكْمِ عَلَى الشَّرْطِ أَيْضًا بَاطِلٌ فَأَجَابَ بِالْمَنْعِ مُسْتَنِدًا بِصِحَّةِ تَقْدِيمِ الزَّكَاةِ عَلَى الْحَوْلِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ بُطْلَانَ تَقْدِيمِ الشَّيْءِ عَلَى شَرْطِهِ ضَرُورِيٌّ؛ لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الشَّرْطِ فَلَا يَحْصُلُ قَبْلَهُ، وَفِي الزَّكَاةِ الْحَوْلُ لَيْسَ شَرْطًا لِلْوُجُوبِ أَوْ لِلْأَدَاءِ بَلْ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ شَرْطٌ لِلْأَدَاءِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بُطْلَانُ تَقْدِيمِ الْأَدَاءِ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ شَرْطِيَّتِهِ لَا بِاعْتِبَارِ سَبَبِيَّتِهِ لِنَفْسِ الْوُجُوبِ عَلَى مَا هُوَ الْمُدَّعَى، وَالْحَقُّ أَنَّ بُطْلَانَ تَقْدِيمِ الشَّيْءِ عَلَى شَرْطِهِ أَظْهَرُ مِنْ بُطْلَانِ تَقْدِيمِهِ عَلَى السَّبَبِ لِجَوَازِ أَنْ يَثْبُتَ بِأَسْبَابٍ شَتَّى فَبُطْلَانُ التَّقْدِيمِ لَا يَصْلُحُ أَمَارَةً عَلَى السَّبَبِيَّةِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ احْتِمَالَ الشَّرْطِيَّةِ قَائِمٌ إلَّا أَنَّ الْأَدِلَّةَ السَّابِقَةَ تُرَجِّحُ جَانِبَ السَّبَبِيَّةِ كَالْمُشْتَرَكِ يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى أَحَدِ مَدْلُولَيْهِ بِمَعُونَةِ الْقَرِينَةِ.

(قَوْلُهُ ثُمَّ هُوَ سَبَبٌ لِنَفْسِ الْوُجُوبِ) يُرِيدُ أَنَّ هَاهُنَا وُجُوبًا وَوُجُوبَ أَدَاءً وَوُجُودَ أَدَاءً وَلِكُلٍّ مِنْهَا سَبَبٌ حَقِيقِيٌّ وَسَبَبٌ ظَاهِرِيٌّ فَالْوُجُوبُ سَبَبُهُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الْإِيجَابُ

ص: 390

بِجَعْلِ اللَّهِ تَعَالَى كَالنَّارِ فِي الْإِحْرَاقِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَإِنْ قِيلَ الْحُكْمُ قَدِيمٌ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْحَادِثُ قُلْنَا الْإِيجَابُ قَدِيمٌ وَهُوَ حُكْمُهُ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ أَنَّهُ إذَا بَلَغَ زَيْدٌ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَا وَأَثَرُهُ وَهُوَ الْحُكْمُ الْمُصْطَلَحُ) أَيْ الْوُجُوبُ (حَادِثٌ، فَإِنَّهُ مُضَافٌ إلَى الْحَادِثِ فَلَا يُوجَدُ قَبْلَهُ، ثُمَّ هُوَ) أَيْ الْوَقْتُ لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ الْوَقْتَ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُجُوبِ نَفْسُ الْوُجُوبِ لَا وُجُوبُ الْأَدَاءِ.

(سَبَبٌ لِنَفْسِ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَا الْحَقِيقِيَّ الْإِيجَابُ الْقَدِيمُ وَهُوَ رَتَّبَ الْحُكْمَ عَلَى شَيْءٍ ظَاهِرٍ فَكَانَ هَذَا) أَيْ الشَّيْءُ الظَّاهِرُ، وَهُوَ الْوَقْتُ (سَبَبًا لَهَا) أَيْ

ــ

[التلويح]

الْقَدِيمُ، وَسَبَبُهُ الظَّاهِرِيُّ هُوَ الْوَقْتُ، وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ سَبَبُهُ الْحَقِيقِيُّ تَعَلُّقُ الطَّلَبِ بِالْفِعْلِ وَسَبَبُهُ الظَّاهِرِيُّ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى ذَلِكَ، وَوُجُودُ الْأَدَاءِ سَبَبُهُ الْحَقِيقِيُّ خَلْقُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِرَادَتُهُ وَسَبَبُهُ الظَّاهِرِيُّ وَاسْتِطَاعَةُ الْعَبْدِ أَيْ قُدْرَتُهُ الْمُؤَثِّرَةُ الْمُسْتَجْمِعَةُ لِجَمِيعِ شَرَائِطِ التَّأْثِيرِ فَهِيَ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ الْفِعْلِ بِالزَّمَانِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلِهَذَا أَيْ وَلِكَوْنِ الْوُجُوبِ جَبْرًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِيجَابِ لَا بِالْخِطَابِ كَانَتْ الِاسْتِطَاعَةُ مُقَارِنَةً لِلْفِعْلِ، إذْ لَوْ كَانَتْ قَبْلَهُ لَكَانَتْ إمَّا مَعَ الْوُجُوبِ وَهُوَ جَبْرٌ لَا اخْتِيَارٌ فِيهِ، أَوْ مَعَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ صِحَّةُ الْأَسْبَابِ وَسَلَامَةُ الْآلَاتِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْفِعْلِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ تَصَانِيفِهِ حَيْثُ قَالَ إنَّ السَّبَبَ مُوجِبٌ، وَهُوَ جَبْرِيٌّ لَا يَعْتَمِدُ الْقُدْرَةَ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَشْتَرِطْ الْقُدْرَةَ سَابِقَةً عَلَى الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ نَفْسُ الْوُجُوبِ وَهُوَ جَبْرُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَأَنَّهُ لَا يَعْتَمِدُ الْقُدْرَةَ الْحَقِيقِيَّةَ، أَمَّا فِعْلُ الْأَدَاءِ فَيَعْتَمِدُ الْقُدْرَةَ فَلِذَلِكَ كَانَتْ الِاسْتِطَاعَةُ مَعَ الْفِعْلِ.

1 -

(قَوْلُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ نَفْسِ الْوُجُوبِ وَوُجُوبِ الْأَدَاءِ) اعْلَمْ أَنَّ الْوُجُوبَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ عَلَى اخْتِلَافِ عِبَارَتِهِمْ فِي تَفْسِيرِهِ يَرْجِعُ إلَى كَوْنِ الْفِعْلِ بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ تَارِكُهُ الذَّمَّ فِي الْعَاجِلِ وَالْعِقَابَ فِي الْآجِلِ، فَمِنْ هَاهُنَا ذَهَبَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ إلَى أَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ إلَّا لُزُومُ الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ وَأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْوُجُوبِ بِدُونِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ بِمَعْنَى الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ الْأَعَمِّ مِنْ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالْإِعَادَةِ، فَإِذَا تَحَقَّقَ السَّبَبُ وَوُجِدَ الْمَحَلُّ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ تَحَقَّقَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ حَتَّى يَأْثَمَ تَارِكُهُ، وَيَجِبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ وُجِدَ فِي الْوَقْتِ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ أَوْ عَقْلِيٌّ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نَوْمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَالْوُجُوبُ يَتَأَخَّرُ إلَى زَمَانِ ارْتِفَاعِ الْمَانِعِ، وَحِينَئِذٍ افْتَرَقُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ الْفِعْلَ فِي الزَّمَانِ الثَّانِي قَضَاءٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ سَبْقُ الْوُجُوبِ فِي الْجُمْلَةِ لَا سَبْقُ الْوُجُوبِ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِعْلُ النَّائِمِ وَالْحَائِضِ وَنَحْوِهِمَا قَضَاءً وَبَعْضُهُمْ يَعْتَبِرُ الْوُجُوبَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَكُونَ فِعْلُ النَّائِمِ وَالْحَائِضِ وَنَحْوِهِمَا قَضَاءً لِعَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ التَّرْكِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ بِالْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ بِمَعْنَى انْعِقَادِ السَّبَبِ وَصَلَاحِيَّةِ الْمَحَلِّ وَتَحَقُّقِ اللُّزُومِ لَوْلَا الْمَانِعُ وَيُسَمِّيهِ وُجُوبًا بِدُونِ وُجُوبِ

ص: 391

لِنَفْسِ الْوُجُوبِ (بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا، ثُمَّ لَفْظُ الْأَمْرِ لِمُطَالَبَةِ مَا وَجَبَ بِالْإِيجَابِ الْمُرَتِّبِ الْحُكْمَ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ) وَهُوَ الْوَقْتُ (فَيَكُونُ) أَيْ لَفْظُ الْأَمْرِ (سَبَبًا لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ نَفْسِ الْوُجُوبِ وَوُجُوبِ الْأَدَاءِ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ اشْتِغَالُ ذِمَّةِ الْمُكَلَّفِ بِالشَّيْءِ، وَالثَّانِي هُوَ لُزُومُ تَفْرِيغِ الذِّمَّةِ عَمَّا تَعَلَّقَ بِهَا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبْقِ حَقٍّ فِي ذِمَّتِهِ فَإِذَا اشْتَرَى شَيْئًا يَثْبُتُ الثَّمَنُ فِي الذِّمَّةِ) فَثُبُوتُ الثَّمَنِ فِي الذِّمَّةِ نَفْسُ الْوُجُوبِ.

(أَمَّا لُزُومُ الْأَدَاءِ فَعِنْدَ الْمُطَالَبَةِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِ الْوُجُوبِ، وَأَيْضًا وَاجِبٌ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمِ وَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَلَا أَدَاءَ عَلَيْهِمْ لِعَدَمِ

ــ

[التلويح]

الْأَدَاءِ، وَلَيْسَ هَذَا إلَّا تَغْيِيرَ عِبَارَةٍ، وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَوُجُوبِ الْأَدَاءِ فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ حَتَّى إنَّ الشَّيْخَ الْمُحَقِّقَ أَبَا الْمُعِينِ بَالَغَ فِي رَدِّهِ وَإِنْكَارِهِ، وَادَّعَى أَنَّ اسْتِحَالَتَهُ غَنِيَّةٌ عَنْ الْبَيَانِ، فَإِنَّ الصَّوْمَ مَثَلًا إنَّمَا هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ قَضَاءِ الشَّهْوَتَيْنِ نَهَارًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْإِمْسَاكُ فِعْلُ الْعَبْدِ فَإِذَا حَصَلَ حَصَلَ الْأَدَاءُ، وَلَوْ كَانَا مُتَغَايِرَيْنِ لَكَانَ الصَّائِمُ فَاعِلًا فِعْلَيْنِ الْإِمْسَاكَ وَأَدَاءَ الْإِمْسَاكِ، وَكَذَا كُلُّ فَاعِلٍ كَالْآكِلِ وَالشَّارِبِ كَانَ فَاعِلًا فِعْلَيْنِ أَحَدُهُمَا ذَلِكَ الْفِعْلُ، وَالْآخَرُ أَدَاؤُهُ، وَهَذِهِ مُكَابَرَةٌ عَظِيمَةٌ، ثُمَّ قَالَ إنَّ جَعْلَ أَصْلِ الْوُجُوبِ غَيْرَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فِي الْوَاجِبِ الْبَدَنِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي الْهُذَيْلِ الْعَلَّافِ مِنْ شَيَاطِينِ الْقَدَرِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ وَالْحَجَّ لَيْسَتْ عِبَارَةً عَنْ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ الْمَخْصُوصَةِ بَلْ عَنْ مَعَانٍ وَرَاءَهَا تُقَارِنُهَا فَبِالسَّبَبِ تَجِبُ تِلْكَ الْمَعَانِي، وَتَشْتَغِلُ الذِّمَّةُ بِهَا، وَبِالْأَمْرِ يَجِبُ وُجُودُ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ الَّتِي تَحْصُلُ تِلْكَ الْمَعَانِي بِهَا أَوْ مَعَهَا فَيَكُونُ التَّحَرُّكُ وَالسُّكُونُ مِنْ الْعَبْدِ أَدَاءً لَهَا وَتَحْصِيلًا، ثُمَّ قَالَ إنَّ الشَّارِعَ أَوْجَبَ عَلَى مَنْ مَضَى عَلَيْهِ الْوَقْتُ وَهُوَ نَائِمٌ مَثَلًا بَعْدَ زَوَالِ النَّوْمِ مَا كَانَ يُوجِبُهُ فِي الْوَقْتِ لَوْلَا النَّوْمُ بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ، وَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ فِي بَابِ الصِّبَا وَالْكُفْرِ، وَهُوَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، وَأَوْجَبَ الصَّوْمَ عَلَى الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ مُعَلِّقًا بِاخْتِيَارِهِمَا الْوَقْتَ تَخْفِيفًا وَمَرْحَمَةً فَإِنْ اخْتَارَ الْأَدَاءَ فِي الشَّهْرِ كَانَ الصَّوْمُ وَاجِبًا فِيهِ، وَإِنْ أَخَّرَاهُ إلَى الصِّحَّةِ وَالْإِقَامَةِ كَانَ وَاجِبًا بَعْدَهُمَا، بِخِلَافِ الْوَاجِبِ الْمَالِيِّ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْمَالُ وَالْأَدَاءُ فِعْلٌ فِي ذَلِكَ الْمَالِ فَيَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَدَاءُ مَا وُضِعَ فِي ذِمَّةِ الصَّبِيِّ مِنْ الْمَالِ كَمَا لَوْ وَضَعَ فِي بَيْتِ الصَّبِيِّ مَالٌ مُعَيَّنٌ. وَأَمَّا الذَّاهِبُونَ إلَى الْفَرْقِ فَمِنْهُمْ مَنْ اكْتَفَى بِالتَّمْثِيلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَاوَلَ التَّحْقِيقَ فَذَهَبَ صَاحِبُ الْكَشْفِ إلَى أَنَّ نَفْسَ الْوُجُوبِ عِبَارَةٌ عَنْ اشْتِغَالِ الذِّمَّةِ بِوُجُودِ الْفِعْلِ الذِّهْنِيِّ، وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ إخْرَاجِ ذَلِكَ الْفِعْلِ مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ، وَلَا شَكَّ فِي تَغَايُرِهِمَا، وَلِذَا لَا يَتَبَدَّلُ ذَلِكَ التَّصَوُّرُ بِتَبَدُّلِ الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ بِالْعَدَمِ بَلْ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ، وَكَذَا فِي الْمَالِ أَصْلُ الْوُجُوبِ لُزُومُ مَالٍ مُتَصَوَّرٍ فِي الذِّمَّةِ، وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ إخْرَاجُهُ مِنْ الْعَدَمِ إلَى

ص: 392

الْخِطَابِ) أَمَّا فِي الْأَوَّلَيْنِ فَلِأَنَّ خِطَابَ مَنْ لَا يَفْهَمُ لَغْوٌ، وَأَمَّا فِي الْأَخِيرَيْنِ فَلِأَنَّهُمَا مُخَاطَبَانِ بِالصَّوْمِ فِي أَيَّامٍ أُخَرَ.

(وَلَا بُدَّ لِلْقَضَاءِ مِنْ وُجُوبِ الْأَصْلِ فَيَكُونُ نَفْسُ الْوُجُوبِ ثَابِتًا وَيَكُونُ سَبَبُهُ) أَيْ سَبَبُ نَفْسِ الْوُجُوبِ (شَيْئًا غَيْرَ الْخِطَابِ وَهُوَ الْوَقْتُ) لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ عَدَمِ الْخِطَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ غَيْرُ الْوَقْتِ، وَالْخِطَابُ يَصْلُحُ لِلسَّبَبِيَّةِ فَالسَّبَبِيَّةُ مُنْحَصِرَةٌ فِيهِمَا إمَّا لِهَذَا أَوْ لِلْإِجْمَاعِ فَيَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ أَحَدِهِمَا ثُبُوتُ الْآخَرِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ لَا يُدْرِكُونَ الْفَرْقَ بَيْنَ نَفْسِ

ــ

[التلويح]

الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِهِ ذَلِكَ أُقِيمَ مَالٌ آخَرُ مِنْ جِنْسِهِ مَقَامَهُ فِي حَقِّ صِحَّةِ الْأَدَاءِ وَالْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ وَجُعِلَ كَأَنَّهُ ذَلِكَ الْمَالُ الْوَاجِبُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ الدُّيُونُ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا لَا بِأَعْيَانِهَا فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَأَدَاءِ الْفِعْلِ هَذَا كَلَامُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ اشْتِغَالَ الذِّمَّةِ بِوُجُودِ الْفِعْلِ الذِّهْنِيِّ أَوْ الْمَالِ الْمُتَصَوَّرِ مُجَرَّدُ عِبَارَةٍ إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ تَصَوُّرُ مَنْ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ غَافِلًا كَالنَّائِمِ وَالصَّبِيِّ وَلَا التَّصَوُّرُ فِي الْجُمْلَةِ إذْ لَا مَعْنَى لِاشْتِغَالِ ذِمَّةِ النَّائِمِ أَوْ الصَّبِيِّ بِصَلَاةٍ أَوْ مَالٍ يُوجَدُ فِي ذِهْنِ زَيْدٍ مَثَلًا، ثُمَّ فِي تَفْسِيرِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ تَسَامُحٌ، وَالْمُرَادُ لُزُومُ الْإِخْرَاجِ، وَذَهَبَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ نَفْسَ الْوُجُوبِ هُوَ اشْتِغَالُ الذِّمَّةِ بِفِعْلٍ أَوْ مَالٍ، وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ لُزُومُ تَفْرِيغِ الذِّمَّةِ عَمَّا اشْتَغَلَتْ بِهِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ لِلْفِعْلِ مَعْنًى مَصْدَرِيًّا هُوَ الْإِيقَاعُ وَمَعْنًى حَاصِلًا بِالْمَصْدَرِ وَهُوَ الْحَالَةُ الْمَخْصُوصَةُ فَلُزُومُ وُقُوعِ تِلْكَ الْحَالَةِ هُوَ نَفْسُ الْوُجُوبِ، وَلُزُومُ إيقَاعِهَا وَإِخْرَاجِهَا مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ هُوَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ، وَكَذَا فِي الْمَالِيِّ لُزُومُ الْمَالِيِّ وَثُبُوتُهُ فِي الذِّمَّةِ نَفْسُ وُجُوبٍ، وَلُزُومُ تَسْلِيمِهِ إلَى مَنْ لَهُ الْحَقُّ وُجُوبُ الْأَدَاءِ فَالْوُجُوبُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا صِفَةٌ لِشَيْءٍ آخَرَ فَهَذَا وَجْهُ افْتِرَاقِهِمَا فِي الْمَعْنَى، ثُمَّ إنَّهُمَا (يَفْتَرِقَانِ فِي) الْوُجُودِ أَمَّا فِي الْبَدَنِيِّ فَكَمَا فِي صَلَاةِ النَّائِمِ وَالنَّاسِي وَصَوْمِ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ فَإِنَّ وُقُوعَ الْحَالَةِ الْمَخْصُوصَةِ الَّتِي هِيَ الصَّلَاةُ أَوْ الصَّوْمُ لَازِمٌ نَظَرًا إلَى وُجُودِ السَّبَبِ وَأَهْلِيَّةِ الْمَحَلِّ، وَإِيقَاعُهَا مِنْ هَؤُلَاءِ غَيْرُ لَازِمٍ لِعَدَمِ الْخِطَابِ وَقِيَامِ الْمَانِعِ، وَأَمَّا فِي الْمَالِيِّ فَكَمَا فِي الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى الرَّجُلُ شَيْئًا بِثَمَنٍ غَيْرِ مُشَارٍ إلَيْهِ بِالتَّعْيِينِ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ ضَرُورَةُ امْتِنَاعِ الْبَيْعِ بِلَا ثَمَنٍ، وَلَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ إلَّا بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ هَذَا حَاصِلُ كَلَامِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِلُزُومِ وُجُودِ الْحَالَةِ الْمَخْصُوصَةِ عَقِيبَ السَّبَبِ لُزُومُ وُجُودِهَا مِنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ كَالنَّائِمِ وَالْمَرِيضِ مَثَلًا فَلُزُومُ وُقُوعِ الْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيِّ مِنْ الشَّخْصِ بِدُونِ لُزُومِ إيقَاعِهِ إيَّاهُ لَيْسَ بِمَعْقُولٍ بَلْ لُزُومُ الْوُقُوعِ عَنْهُ تِلْكَ الْحَالَةِ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ وَبَعْدَهَا كَمَا يَلْزَمُ الْوُقُوعُ يَلْزَمُ الْإِيقَاعُ، وَإِنْ أُرِيدَ لُزُومُ وُجُودِ تِلْكَ الْحَالَةِ فِي الْجُمْلَةِ فَهَذَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْقَضَاءَ قَدْ يَكُونُ بِدُونِ سَابِقِيَّةِ الْوُجُوبِ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ، وَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى سَبْقِ وُجُوبٍ فِي الْجُمْلَةِ بِأَنْ

ص: 393

الْوُجُوبِ وَوُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَيَقُولُونَ إنَّ الْوُجُوبَ لَا يَنْصَرِفُ إلَّا إلَى الْفِعْلِ، وَهُوَ الْأَدَاءُ فَبِالضَّرُورَةِ يَكُونُ نَفْسُ الْوُجُوبِ هِيَ نَفْسُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فَلَا يَبْقَى فَرْقٌ بَيْنَهُمَا، وَلِلَّهِ دَرُّ مَنْ أَبْدَعَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَمَا أَدَقَّ نَظَرَهُ، وَمَا أَمْتَنَ حِكْمَتَهُ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْوَقْتُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَ وَقْتٌ شَرِيفٌ كَانَ لَازِمًا أَنْ يُوجَدَ فِيهِ هَيْئَةٌ مَخْصُوصَةٌ وُضِعَتْ لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ الصَّلَاةُ فَلُزُومُ وُجُودِ تِلْكَ الْهَيْئَةِ عَقِيبَ السَّبَبِ هُوَ نَفْسُ الْوُجُوبِ، ثُمَّ الْأَدَاءُ هُوَ إيقَاعُ تِلْكَ الْهَيْئَةِ فَوُجُوبُ الْأَدَاءِ هُوَ لُزُومُ إيقَاعِ تِلْكَ الْهَيْئَةِ، وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ أَوْجَبَ وُجُودَ تِلْكَ الْهَيْئَةِ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّبَبِ الدَّاعِي، ثُمَّ بِوَاسِطَةِ هَذَا الْوُجُوبِ يَجِبُ إيقَاعُ تِلْكَ الْهَيْئَةِ فَالْوُجُوبُ الْأَوَّلُ يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ، وَهِيَ الْهَيْئَةُ، وَالثَّانِي بِأَدَائِهَا حَتَّى لَوْ كَانَ السَّبَبُ بِذَاتِهِ دَاعِيًا إلَى نَفْسِ الْإِيقَاعِ لَا إلَى الْهَيْئَةِ

ــ

[التلويح]

يَلْزَمَ وُقُوعُ الْفِعْلِ مِنْ شَخْصٍ بِإِيقَاعِهِ إيَّاهُ فَلَمْ يَثْبُتْ وُجُوبٌ بِدُونِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَكَأَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا يَتَعَسَّرُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ فَإِنَّ الْمَعْذُورَ يَلْزَمُهُ فِي حَالِ قِيَامِ الْعُذْرِ أَنْ يُوقِعَ الْفِعْلَ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ لَوْ أَدْرَكَهُ، وَالْمُشْتَرِي يَلْزَمُهُ قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ أَنْ يُؤَدِّيَ الثَّمَنَ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ، وَلَا يَلْزَمُهُمَا الْإِيقَاعُ وَالْأَدَاءُ فِي الْحَالِ فَلَوْ قُلْنَا إنَّ الْوُجُوبَ هُوَ لُزُومُ إيقَاعِ الْفِعْلِ أَوْ أَدَاءِ الْمَالِ فِي زَمَانِ مَا بَعْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ، وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ لُزُومُهُ فِي زَمَانٍ مَخْصُوصٍ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا.

(قَوْلُهُ وَلَا أَدَاءَ عَلَيْهِمْ لِعَدَمِ الْخِطَابِ) فَإِنْ قِيلَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ صَوْمُ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ أَدَاءً لِلْوَاجِبِ وَإِتْيَانًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ قُلْنَا بَعْدَ الشُّرُوعِ بِتَوَجُّهِ الْخِطَابِ، وَيَلْزَمُ أَدَاءٌ كَمَا فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ عَلَى الرَّأْيِ الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبِ وَاحِدٌ لَا عَلَى التَّعْيِينِ.

(قَوْلُهُ وَلَا بُدَّ لِلْقَضَاءِ مِنْ وُجُوبِ الْأَصْلِ) ؛ لِأَنَّهُ إتْيَانٌ بِمِثْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ إلَّا أَنَّهُ يَكْفِي نَفْسُ الْوُجُوبِ عَلَى مَا مَرَّ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ إلَّا أَنَّ الْمَطْلُوبَ قَدْ يَكُونُ نَفْسَ الْفِعْلِ فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ وَيَفْتَقِرُ إلَى الْقُدْرَةِ بِمَعْنَى سَلَامَةِ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ، وَقَدْ يَكُونُ ثُبُوتُ خَلْفِهِ، وَيَكْفِي فِيهِ تَوَهُّمُ ثُبُوتِ الْقُدْرَةِ فَفِي مِثْلِ النَّائِمِ يَتَحَقَّقُ وُجُوبُ الْأَدَاءِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ وَسِيلَةً إلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ بِتَوَهُّمِ حُدُوثِ الِانْتِبَاهِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ الْمَبْسُوطِ.

(قَوْلُهُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ عَدَمِ الْخِطَابِ) تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ السَّبَبِ غَيْرَ الْخِطَابِ، وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ غَيْرُ الْوَقْتِ، وَالْخِطَابُ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ هُوَ الْوَقْتُ يَعْنِي أَنَّ السَّبَبِيَّةَ مُنْحَصِرَةٌ فِي الْوَقْتِ وَالْخِطَابِ إمَّا لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ سَبَبٍ وَلَا شَيْءَ غَيْرُهُمَا يَصْلُحُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَإِمَّا لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْوَقْتُ أَوْ الْخِطَابُ فَإِذَا انْتَفَى الْخِطَابُ تَعَيَّنَ الْوَقْتُ لِلسَّبَبِيَّةِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَ عَدَمَ الْخِطَابِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ اللَّغْوُ لَوْ كَانَ مُخَاطَبًا بِأَنْ يَفْعَلَ فِي حَالَةِ النَّوْمِ مَثَلًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مُخَاطَبٌ

ص: 394

الْحَاصِلَةِ بِالْإِيقَاعِ فَلُزُومُ ذَلِكَ الْإِيقَاعِ يَكُونُ نَفْسَ الْوُجُوبِ فَإِذَا تَصَوَّرَهُ الْعَقْلُ لَازِمُ الْوُقُوعِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ إيقَاعٍ فَلَزِمَ إيقَاعُ الْإِيقَاعِ هُوَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ، وَقَدْ يُوجَدُ نَفْسُ الْوُجُوبِ بِدُونِ الْوُجُوبِ الْأَدَاءِ كَمَا فِي الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، فَإِنَّ لُزُومَ وُجُودِ الْحَالَةِ الَّتِي هِيَ الصَّوْمُ حَاصِلٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اللُّزُومَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ السَّبَبَ دَاعٍ إلَيْهِ وَالْمَحَلُّ وَهُوَ الْمُكَلَّفُ صَالِحٌ لِهَذَا فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ اللُّزُومُ لَمَا كَانَ السَّبَبُ سَبَبًا لَكِنْ لَا يَجِبُ إيقَاعُهُ مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا إذَا وُجِدَ الْبَيْعُ بِثَمَنٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَالْبَيْعُ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ، وَقَدْ مَلَكَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَمْلِكَ الْبَائِعُ مَالًا عَلَى الْمُشْتَرِي تَحْقِيقًا لِلْمُبَادَلَةِ فَهَذَا نَفْسُ الْوُجُوبِ، ثُمَّ لُزُومُ أَدَاءِ الْمَالِ الْوَاجِبِ

ــ

[التلويح]

بِأَنْ يَفْعَلَ بَعْدَ الِانْتِبَاهِ، وَالْمَرِيضُ مُخَاطَبٌ بِأَنْ يَفْعَلَ فِي الْوَقْتِ أَوْ فِي أَيَّامٍ أُخَرَ كَمَا فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ جَوَّزُوا خِطَابَ الْمَعْدُومِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ صُدُورُ الْفِعْلِ حَالَةَ الْوُجُودِ حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ الْقُدْرَةُ الَّتِي بِهَا يَتَمَكَّنُ الْمَأْمُورُ مِنْ الْأَدَاءِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهَا عِنْدَ الْأَمْرِ بَلْ عِنْدَ الْأَدَاءِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام كَانَ مَبْعُوثًا إلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَصَحَّ أَمْرُهُ فِي حَقِّ مَنْ وُجِدَ بَعْدَهُ، وَيَلْزَمُهُمْ الْأَدَاءُ بِشَرْطِ أَنْ يَبْلُغَهُمْ وَيَتَمَكَّنُوا مِنْ الْأَدَاءِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ كَالْمَرِيضِ يُؤْمَرُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ إذَا بَرَّأَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [النساء: 103] أَيْ إذَا أَمِنْتُمْ مِنْ الْخَوْفِ فَصَلُّوا بِلَا إيمَاءٍ.

(قَوْلُهُ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّبَبِ الدَّاعِي) لَا الْمُوجِدُ الْمُؤَثِّرُ فِي حُصُولِ الشَّيْءِ حَتَّى يَمْنَعَ صَلَاحِيَّةَ الْوَقْتِ لِلسَّبَبِيَّةِ.

(قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ كَانَ السَّبَبُ بِذَاتِهِ) يَعْنِي أَنَّ الْوُجُوبَ هُوَ لُزُومُ مَا كَانَ السَّبَبُ دَاعِيًا إلَيْهِ، وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ لُزُومُ إيقَاعِهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ السَّبَبُ إيقَاعًا أَوْ غَيْرَ إيقَاعٍ حَتَّى لَوْ كَانَ إيقَاعًا فَنَفْسُ الْوُجُوبِ هُوَ لُزُومُ الْإِيقَاعِ، وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ هُوَ لُزُومُ إيقَاعِ الْإِيقَاعِ، وَفِي هَذَا دَفْعٌ لِمَا يُقَالُ إنَّ الْوَاجِبَ رُبَّمَا يَكُونُ الْفِعْلَ بِمَعْنَى الْإِيقَاعِ فَيَكُونُ لُزُومُ الْإِيقَاعِ نَفْسَ الْوُجُوبِ لَا وُجُوبَ الْأَدَاءِ.

(قَوْلُهُ: ثُمَّ إذَا كَانَ الْوَقْتُ) لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنْ الْوَقْتِ وَالظَّرْفِ هُوَ مُطْلَقُ الْوَقْتِ حَتَّى يَقَعَ أَدَاءٌ فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ أَوْقَعَهُ عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُؤَدِّي بِنِيَّةِ الْفَرْضِ وَالْأَدَاءِ وَلَا يَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَأَمَّا السَّبَبُ فَكُلُّ الْوَقْتِ إنْ أَخْرَجَ الْفَرْضَ عَنْ وَقْتِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَإِلَّا فَالْبَعْضُ إذْ لَوْ كَانَ هُوَ الْكُلُّ لَزِمَ تَقَدُّمُ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ أَوْ وُجُوبُ الْأَدَاءِ بَعْدَ وَقْتِهِ، وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ، أَمَّا لُزُومُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَلِأَنَّ الصَّلَاةَ إنْ وَجَبَتْ بَعْدَ الْوَقْتِ فَهُوَ الْأَمْرُ الثَّانِي، وَهَذَا ظَاهِرٌ وَإِنْ وَجَبَتْ فِي الْوَقْتِ لَزِمَ تَقَدُّمُ وُجُوبِهَا عَلَى السَّبَبِ الَّذِي هُوَ جَمِيعُ الْوَقْتِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْكُلَّ لَا يُوجَدُ إلَّا بِوُجُودِ جَمِيعِ

ص: 395

فَرْعٌ عَلَى الْأَوَّلِ فَهُوَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ فَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْوَقْتَ سَبَبٌ لِنَفْسِ الْوُجُوبِ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ السَّبَبَ لَيْسَ كُلَّ الْوَقْتِ بَلْ بَعْضَهُ فَقَالَ (ثُمَّ إذَا كَانَ الْوَقْتُ سَبَبًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ كُلَّهُ) أَيْ السَّبَبُ لَيْسَ كُلَّ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْكُلُّ سَبَبًا لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَجِبَ الصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ وَجَبَتْ فِي الْوَقْتِ يَلْزَمُ التَّقَدُّمُ عَلَى السَّبَبِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْكُلُّ سَبَبًا فَمَا لَمْ يَنْقَضِ كُلُّ الْوَقْتِ لَا يُوجَدُ السَّبَبُ إنْ وَجَبَتْ بَعْدَ الْوَقْتِ لَزِمَ الْأَدَاءُ بَعْدَ الْوَقْتِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا بَاطِلٌ فَلَا يَكُونُ الْكُلُّ سَبَبًا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ (لِأَنَّهُ إنْ وَجَبَتْ فِي الْوَقْتِ تَقَدَّمَ الْأَدَاءُ عَلَى السَّبَبِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ فِيهِ تَأَخَّرَ الْأَدَاءُ عَنْ الْوَقْتِ فَالْبَعْضُ سَبَبٌ، وَلَا يَتَعَيَّنُ الْأَوَّلُ بِدَلِيلِ الْوُجُوبِ عَلَى مَنْ صَارَ أَهْلًا فِي الْآخِرِ إجْمَاعًا وَلَا الْآخِرُ، وَإِلَّا لَمَّا صَحَّ التَّقْدِيمُ عَلَيْهِ فَالْجُزْءُ الَّذِي اتَّصَلَ بِهِ الْأَدَاءُ سَبَبٌ فَهَذَا الْجُزْءُ إنْ كَانَ كَامِلًا يَجِبُ الْأَدَاءُ كَامِلًا، فَإِذَا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْفَسَادُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ يَفْسُدُ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا كَوَقْتِ الْأَحْمَرِ يَجِبُ كَذَلِكَ فَإِذَا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْفَسَادُ بِالْغُرُوبِ لَا يَفْسُدُ لِتَحَقُّقِ الْمُلَاءَمَةِ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمُؤَدَّى) ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ نَاقِصًا، وَقَدْ أَدَّى كَمَا وَجَبَ بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِي الْوَقْتِ الْكَامِلِ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقْتٌ

ــ

[التلويح]

أَجْزَائِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَيْنَ ظَرْفِيَّةِ كُلِّ الْوَقْتِ وَسَبَبِيَّتِهِ مُنَافَاةَ ضَرُورَةِ أَنَّ الظَّرْفِيَّةَ تَقْتَضِي الْإِحَاطَةَ وَالسَّبَبِيَّةَ التَّقَدُّمَ، وَقَدْ ثَبَتَ الْأَوَّلُ فَانْتَفَى الثَّانِي، ثُمَّ ذَلِكَ الْبَعْضُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ الْوَقْتِ عَلَى التَّعْيِينِ، وَإِلَّا لَمَا وَجَبَتْ عَلَى مَنْ صَارَ أَهْلًا لِلصَّلَاةِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ بِقَدْرِ مَا يَسَعُهَا، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا آخِرَ الْوَقْتِ عَلَى التَّعْيِينِ، وَإِلَّا لَمَا صَحَّ الْأَدَاءُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لِامْتِنَاعِ التَّقَدُّمِ عَلَى السَّبَبِ فَإِنْ قِيلَ هُوَ سَبَبٌ لِنَفْسِ الْوُجُوبِ لَا لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ قُلْنَا لَا خِلَافَ فِي أَنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى نَفْسِ الْوُجُوبِ وَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ الْأَوَّلُ وَلَا الْآخِرُ فَهُوَ الْجُزْءُ الَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ الْأَدَاءُ، وَيَلِيهِ الشُّرُوعُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي السَّبَبِ هُوَ الْوُجُودُ، وَالِاتِّصَالُ بِالْمُسَبِّبِ فَلَا وَجْهَ لِلْعُدُولِ عَنْ الْقَرِيبِ الْقَائِمِ إلَى الْبَعِيدِ الْمُنْقَضِي، فَإِنْ قِيلَ الْمُسَبِّبُ هَاهُنَا نَفْسُ الْوُجُوبِ لَا الْأَدَاءُ حَتَّى يُعْتَبَرُ الِاتِّصَالُ قُلْنَا نَعَمْ إلَّا أَنَّ الْوُجُوبَ مُفْضٍ إلَى الْوُجُودِ أَعْنِي الْأَدَاءَ فَيَصِيرُ هُوَ أَيْضًا مُسَبِّبًا بِوَاسِطَةٍ فَيُعْتَبَرُ الِاتِّصَالُ بِهِ فَإِنْ اتَّصَلَ الْأَدَاءُ بِالْجُزْءِ الْأَوَّلِ تَعَيَّنَ لِعَدَمِ الْمُزَاحِمِ، وَإِلَّا تَنْتَقِلُ السَّبَبِيَّةُ إلَى الْجُزْءِ الَّذِي يَلِيهِ، وَهَكَذَا إلَى الْجُزْءِ الَّذِي يَتَّصِلُ بِالْأَدَاءِ فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ حِينَئِذٍ هُوَ جَمِيعُ الْأَجْزَاءِ مِنْ الْأَوَّلِ إلَى الِاتِّصَالِ قُلْنَا؛ لِأَنَّ فِيهِ تَخَطِّيًا مِنْ الْقَلِيلِ إلَى الْكَثِيرِ بِلَا دَلِيلٍ، وَأَيْضًا فِيهِ جَعْلُ السَّبَبِ مَوْجُودًا بِبَعْضِ الْأَجْزَاءِ، وَهُوَ الْجُزْءُ الْقَائِمُ الْمُتَّصِلُ فَإِنْ قِيلَ: إنْ اتَّصَلَ الْأَدَاءُ بِالْجُزْءِ الْأَوَّلِ فَقَدْ تَقَرَّرَتْ عَلَيْهِ السَّبَبِيَّةُ مِنْ غَيْرِ انْتِقَالٍ، وَإِلَّا فَلَا سَبَبِيَّةَ لَهُ حَتَّى يَنْتَقِلَ عَنْهُ، وَأَيًّا مَا كَانَ فَلَا انْتِقَالَ

ص: 396

كَامِلٌ لَا نُقْصَانَ فِيهِ قَطْعًا فَوَجَبَ عَلَيْهِ كَامِلًا فَإِذَا فَسَدَ الْوَقْتُ بِالطُّلُوعِ يَكُونُ مُؤَدِّيًا كَمَا وَجَبَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ عَبَدَةَ الشَّمْسِ يَعْبُدُونَهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ فَالْعِبَادَةُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ مُشَابِهَةٌ لِعِبَادَةِ الشَّمْسِ فَلِهَذَا وَرَدَ النَّهْيُ وَعِبَادَةُ الشَّمْسِ إنَّمَا هِيَ بَعْدَ الطُّلُوعِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ فَقَبْلَ الطُّلُوعِ وَقْتٌ كَامِلٌ وَلَا كَذَلِكَ قَبْلَ الْغُرُوبِ.

(فَإِنْ قِيلَ يَلْزَمُ أَنْ يَفْسُدَ الْعَصْرُ إذَا شَرَعَ فِيهِ فِي الْجُزْءِ الصَّحِيحِ وَمَدَّهَا إلَى أَنْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ قُلْنَا لَمَّا كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا جَازَ لَهُ شَغْلُ كُلِّ الْوَقْتِ فَيُعْفَى الْفَسَادُ الَّذِي يَتَّصِلُ بِالْبِنَاءِ) الْبِنَاءُ هُنَا ضِدُّ الِابْتِدَاءِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ الْكَامِلِ، وَالْفَسَادُ الَّذِي اعْتَرَضَ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ جُعِلَ عُذْرًا؛ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْهُ مَعَ الْإِقْبَالِ عَلَى الصَّلَاةِ مُتَعَذِّرٌ لَكِنَّ هَذَا يُشْكِلُ بِالْفَجْرِ، يَعْنِي مِنْ شَرْعِ فِي الْفَجْرِ وَمَدُّهَا إلَى أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَفْسُدَ كَمَا فِي الْعَصْرِ إذَا شَرَعَ فِي الْوَقْتِ الْكَامِلِ، وَمَدُّهَا إلَى أَنْ غَرَبَتْ، فَإِنَّ الصُّورَتَيْنِ الشُّرُوعُ فِي الْوَقْتِ الْكَامِلِ فَالْفَسَادُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْعَصْرِ أَنْ جُعِلَ عَفْوًا يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ فِي الْفَجْرِ عَفْوًا بِعَيْنِ تِلْكَ الْعِلَّةِ هَذَا إشْكَالٌ اخْتَلَجَ

ــ

[التلويح]

قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ السَّبَبِيَّةِ عَنْ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ اتِّصَالِ الْأَدَاءِ بِهِ، وَإِنَّمَا الْمُنْتَفَى عَنْهُ تَقَرُّرُ السَّبَبِيَّةِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي الِانْتِقَالَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ سَبَبٌ عَلَى طَرِيقِ التَّرْتِيبِ وَالِانْتِقَالِ لَكِنَّ تَقَرُّرَ السَّبَبِيَّةِ مَوْقُوفٌ عَلَى اتِّصَالِ الْأَدَاءِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ أَوْ تَوَقُّفُ السَّبَبِيَّةِ عَلَى الْأَدَاءِ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْوُجُوبِ الْمَوْقُوفِ عَلَى السَّبَبِيَّةِ يَلْزَمُ الدَّوْرُ، وَكَذَا مَا يُقَالُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ الْوُجُوبُ مَا لَمْ يَشْرَعْ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ سَبَبِهِ وَفَسَادُهُ بَيِّنٌ.

(قَوْلُهُ وَمَدَّهَا) أَيْ صَلَاةَ الْعَصْرِ إلَى أَنْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ أَيْ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْهَا عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِيَتَحَقَّقَ اعْتِرَاضُ الْفَسَادِ إذْ لَوْ حَصَلَ الْفَرَاغُ مَعَ الْغُرُوبِ لَمْ يَكُنْ فَسَادًا.

(قَوْلُهُ قُلْنَا لَمَّا كَانَ الْوَقْتُ) كَلِمَةُ لَمَّا لَيْسَتْ فِي مَوْقِعِهَا إذْ لَا مَعْنَى لِسَبَبِيَّةِ الْأَوَّلِ لِلثَّانِي، وَعِبَارَةُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ الْوَقْتَ مُتَّسَعًا، وَلَكِنْ جَعَلَ لَهُ حَقَّ شُغْلِ كُلِّ الْوَقْتِ بِالْأَدَاءِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَسَادَ الَّذِي يَعْتَرِضُ عَلَى مَا وَجَبَ بِسَبَبٍ كَامِلٍ كَمَا فِي الْفَجْرِ أَوْ نَاقِصٍ كَمَا فِي الْعَصْرِ، وَيَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ مَعَ الْإِتْيَانِ بِالْعَزِيمَةِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى الصَّلَاةِ فِي جَمِيعِ الْوَقْتِ هُوَ وُقُوعُ بَعْضِ الْأَدَاءِ خَارِجَ الْوَقْتِ عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَيْثُ صَرَّحَ بِاعْتِرَاضِ الْفَسَادِ بِالْغُرُوبِ عَلَى مَا ابْتَدَأَ فِي وَقْتِ الِاحْمِرَارِ، وَوَجْهُ تَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ أَنْ لَيْسَ فِي وُسْعِ الْعَبْدِ أَنْ يَقَعَ فَرَاغُهُ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ تَمَامِ الْوَقْتِ مُقَارِنًا بَلْ لَا يَحْصُلُ التَّيَقُّنُ بِشُغْلِ كُلِّ الْوَقْتِ بِالْأَدَاءِ إلَّا بِامْتِدَادِ الْأَدَاءِ إلَى التَّيَقُّنِ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَأَمَّا عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِ الْقَوْمِ فَهُوَ وُقُوعُ بَعْضِ الْأَدَاءِ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ كَمَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَمَا قَبْلَ الْمَغْرِبِ لَا مُجَرَّدُ وُقُوعِهِ

ص: 397

فِي خَاطِرِي، وَلَمْ أَذْكُرْ لَهُ جَوَابًا فِي الْمَتْنِ فَيَخْطِرُ بِبَالِي عَنْهُ جَوَابٌ، وَهُوَ أَنَّ فِي الْعَصْرِ لَمَّا كَانَ لَهُ شُغْلٌ فِي الْوَقْتِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُؤَدِّيَ الْبَعْضَ فِي الْوَقْتِ الْكَامِلِ وَالْبَعْضَ فِي الْوَقْتِ النَّاقِصِ، وَهُوَ وَقْتُ الِاحْمِرَارِ فَاعْتَرَضَ الْفَسَادُ بِالْغُرُوبِ عَلَى الْبَعْضِ النَّاقِصِ فَلَا تَفْسُدُ، وَأَمَّا فِي الْفَجْرِ فَإِنَّ كُلَّ وَقْتِهِ كَامِلٌ فَيَجِبُ أَدَاءُ الْكُلِّ فِي الْوَقْتِ الْكَامِلِ، فَإِنْ شَغَلَ كُلَّ الْوَقْتِ يَجِبُ أَنْ يَشْغَلَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَعْتَرِضُ الْفَسَادُ بِالطُّلُوعِ عَلَى الْكَامِلِ.

(وَلَوْ لَمْ يُؤَدِّ فَكُلُّ الْوَقْتِ سَبَبٌ فِي حَقِّ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْعُدُولَ عَنْ الْكُلِّ إلَى الْجُزْءِ فِي الْأَدَاءِ كَانَ لِضَرُورَةٍ وَقَدْ انْتَفَتْ هُنَا) هَذَا الْبَحْثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ الْوَقْتِ سَبَبٌ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَدَاءِ أَمَّا إذَا لَمْ يُؤَدِّ فِي الْوَقْتِ فَفِي حَقِّ الْقَضَاءِ كُلُّ الْوَقْتِ سَبَبٌ؛ لِأَنَّ الدَّلَائِلَ دَالَّةٌ عَلَى سَبَبِيَّةِ كُلِّهِ لَكِنْ فِي الْأَدَاءِ عَدَلْنَا عَنْ سَبَبِيَّةِ الْكُلِّ إلَى سَبَبِيَّةِ الْبَعْضِ لِضَرُورَةٍ، وَهِيَ أَنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ التَّقَدُّمُ عَلَى السَّبَبِ أَوْ تَأَخُّرُ الْأَدَاءِ عَنْ الْوَقْتِ، وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ فِي الْقَضَاءِ.

(فَوَجَبَ الْقَضَاءُ بِصِفَةِ الْكَمَالِ) أَيْ لَا نَقُولُ إنَّهُ إذْ لَمْ يُؤَدِّ فِي الْوَقْتِ انْتَقَلَتْ السَّبَبِيَّةُ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ

ــ

[التلويح]

بَعْدَ الْوَقْتِ، إذْ لَا فَسَادَ فِيهِ لِمَا ذَكَرَ فِي طَرِيقَةِ الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ الْمَذْهَبَ هُوَ أَنَّهُ لَوْ شَرَعَ فِي الْوَقْتِ فِي الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ أَوْ الْمَغْرِبِ أَوْ الْعِشَاءِ فَأَتَمَّ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ كَانَ ذَلِكَ أَدَاءً لَا قَضَاءً، وَظَاهِرٌ أَنَّ شُغْلَ كُلِّ الْوَقْتِ بِالْأَدَاءِ بِدُونِ هَذَا الْفَسَادِ مُمْتَنِعٌ فِي الْعَصْرِ دُونَ الْفَجْرِ بِلَا إشْكَالٍ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْ إشْكَالِ الْفَجْرِ بِأَنَّ الْعَصْرَ يَخْرُجُ إلَى مَا هُوَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فِي الْجُمْلَةِ، بِخِلَافِ الْفَجْرِ أَوْ بِأَنَّ فِي الطُّلُوعِ دُخُولًا فِي الْكَرَاهَةِ وَفِي الْغُرُوبِ خُرُوجًا عَنْهَا، وَأَمَّا جَوَابُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ شُغْلَ كُلِّ الْوَقْتِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَعْتَرِضُ الْفَسَادَ بِالطُّلُوعِ عَلَى الْكَامِلِ مُتَعَذِّرٌ عِنْدَهُ عَلَى مَا مَرَّ، فَعِنْدَ الْإِتْيَانِ بِالْعَزِيمَةِ أَعْنِي شُغْلَ كُلِّ الْوَقْتِ بِالْأَدَاءِ يَلْزَمُ احْتِمَالُ اعْتِرَاضِ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إلَى أَنَّ لَيْسَ مَعْنَى سَبَبِيَّةِ الْجُزْءِ الْمُتَّصِلِ بِالْأَدَاءِ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْجُزْءُ الَّذِي قُبَيْلَ الشُّرُوعِ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا شَرَعَ فَكُلُّ جُزْءٍ إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْجُزْءِ الَّذِي يُلَاقِيهِ وَمَحَلٌّ لِأَدَائِهِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَرِدُ أَصْلُ السُّؤَالِ فِي الْعَصْرِ الْمُمْتَدِّ؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ الَّذِي طَرَأَ عَلَيْهِ الْفَسَادُ بِالْغُرُوبِ وَجَبَ بِسَبَبٍ نَاقِصٍ.

(قَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يُؤَدِّ) فَالسَّبَبُ كُلُّ الْوَقْتِ فِي حَقِّ الْقَضَاءِ إذْ فِي حَقِّ الْأَدَاءِ السَّبَبُ هُوَ الْجُزْءُ الْمُلَاصِقُ وَاحِدًا فَوَاحِدًا، إذْ لَوْ كَانَ السَّبَبُ فِي حَقِّ الْأَدَاءِ أَيْضًا جَمِيعَ الْوَقْتِ لَمَا ثَبَتَ الْوُجُوبُ فِي الْوَقْتِ، وَلَمْ يَأْثَمْ الْمُكَلَّفُ بِالتَّرْكِ عَلَى مَا مَرَّ.

(قَوْلُهُ فَوَجَبَ الْقَضَاءُ بِصِفَةِ الْكَمَالِ) حَتَّى لَا يَجُوزَ قَضَاءُ الْعَصْرِ الْفَائِتِ بِحَيْثُ يَقَعُ شَيْءٌ مِنْهُ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ فَإِنْ قِيلَ السَّبَبُ، وَهُوَ كُلُّ الْوَقْتِ نَاقِصٌ بِنُقْصَانِ الْبَعْضِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ قُلْنَا: لَمَّا صَارَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ ثَبَتَ بِصِفَةِ

ص: 398

إلَى آخِرِهِ فَاسْتَقَرَّتْ السَّبَبِيَّةُ عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْقَضَاءِ حَتَّى يَجِبَ الْقَضَاءُ نَاقِصًا فِي الْعَصْرِ فَيَجُوزُ الْقَضَاءُ فِي وَقْتِ الْغُرُوبِ بَلْ نَقُولُ الْكُلُّ سَبَبٌ لِلْقَضَاءِ فَيَجِبُ كَامِلًا.

(ثُمَّ وُجُوبُ الْأَدَاءِ يَثْبُتُ آخِرَ الْوَقْتِ إذْ هُنَا تَوَجَّهَ الْخِطَابُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ الْآنَ يَأْثَمُ بِالتَّرْكِ لَا قَبْلَهُ حَتَّى إذَا مَاتَ فِي الْوَقْتِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمِنْ حُكْمِ هَذَا الْقِسْمِ أَنَّ الْوَقْتَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُتَعَيَّنًا شَرْعًا، وَالِاخْتِيَارُ فِي الْأَدَاءِ إلَى الْعَبْدِ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِتَعْيِينِهِ نَصًّا إذْ لَيْسَ لَهُ، وَضْعُ الشَّرَائِعِ، وَإِنَّمَا لَهُ الِارْتِفَاقُ فِعْلًا فَيَتَعَيَّنُ فِعْلًا كَالْخِيَارِ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَمِنْهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا شُرِعَ فِيهِ غَيْرُ هَذَا الْوَاجِبِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ النِّيَّةِ، وَلَا يَسْقُطُ التَّعْيِينُ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ بِحَيْثُ لَا يَسَعُ إلَّا لِهَذَا الْوَاجِبِ) هَذَا جَوَابُ إشْكَالٍ، وَهُوَ أَنَّ التَّعْيِينَ إنَّمَا وَجَبَ لِاتِّسَاعِ الْوَقْتِ فَإِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ يَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ التَّعْيِينُ فَقَالَ.

(لِأَنَّ مَا ثَبَتَ حُكْمًا أَصْلِيًّا) وَهُوَ وُجُوبُ التَّعْيِينِ بِالنِّيَّةِ، وَقَوْلُهُ حُكْمًا مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ (بِنَاءً عَلَى سَعَةِ الْوَقْتِ لَا يَسْقُطُ بِالْعِوَاضِ وَتَقْصِيرِ الْعِبَادِ) .

(وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ

ــ

[التلويح]

الْكَمَالِ؛ لِأَنَّ نُقْصَانَ الْوَقْتِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ بَلْ بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْعِبَادَةِ فِيهِ تَشَبُّهًا بِالْكَفَرَةِ، فَإِذَا مَضَى خَالِيًا عَنْ الْفِعْلِ زَالَتْ مُخْلِيَتُهُ، وَبَقِيَتْ سَبَبِيَّتُهُ فَكَانَ الْوُجُوبُ ثَابِتًا بِسَبَبٍ كَامِلٍ، وَلِهَذَا يَجِبُ الْقَضَاءُ كَامِلًا عَلَى مَنْ صَارَ أَهْلًا فِي آخِرِ الْعَصْرِ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْأَجْزَاءَ الصَّحِيحَةَ أَكْثَرُ فَيَجِبُ الْقَضَاءُ كَامِلًا تَرْجِيحًا لِلْأَكْثَرِ الصَّحِيحِ عَلَى الْأَقَلِّ الْفَاسِدِ.

(قَوْلُهُ ثُمَّ وُجُوبُ الْأَدَاءِ يَثْبُتُ آخِرَ الْوَقْتِ) ، وَهُوَ مَا إذَا تَضَيَّقَ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ بِحَيْثُ لَا يَفْضُلُ عَنْهُ جُزْءٌ مِنْ الْوَقْتِ إذْ يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا يُقَالُ فَالْمُؤَدَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لَا يَكُونُ إتْيَانًا بِالْأَدَاءِ الْوَاجِبِ وَبِالْمَأْمُورِ بِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ بَعْدَ الشُّرُوعِ يَجِبُ الْأَدَاءُ، وَيُتَوَجَّهُ الْخِطَابُ عَلَى مَا مَرَّ.

(قَوْلُهُ وَمِنْ حُكْمِ هَذَا الْقِسْمِ) وَهُوَ مَا يَكُونُ الْوَقْتُ فَاضِلًا عَنْ الْوَاجِبِ، وَيُسَمَّى الْوَاجِبَ، الْمُوَسَّعَ أَنْ لَا يَتَعَيَّنَ بَعْضُ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ بِتَعْيِينِ الْعَبْدِ نَصًّا بِأَنْ يَقُولَ عَيَّنْت هَذَا الْجُزْءَ لِلسَّبَبِيَّةِ وَلَا قَصْدًا بِأَنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ، وَهَذَا يُعْلَمُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ تَعْيِينَ الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ مِنْ وَضْعِ الشَّرَائِعِ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا لِلْعَبْدِ الِارْتِفَاقُ فِعْلًا أَيْ اخْتِيَارُ فِعْلٍ فِيهِ رِفْقٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِتَعْيِينِ جُزْءٍ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَتَيَسَّرُ فِيهِ الْأَدَاءُ بَلْ لَهُ الِاخْتِيَارُ فِي تَعْيِينِهِ فِعْلًا بِأَنْ يُؤَدِّيَ الصَّلَاةَ فِي أَيِّ جُزْءٍ يُرِيدُ فَيَتَعَيَّنُ بِذَلِكَ الْفِعْلِ ذَلِكَ الْجُزْءُ وَقْتًا لِفِعْلِهِ كَمَا فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُ الْأُمُورِ مِنْ الْإِعْتَاقِ وَالْكِسْوَةِ وَالْإِطْعَامِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ شَيْءٌ مِنْهَا بِتَعْيِينِ الْمُكَلَّفِ قَصْدًا وَلَا نَصًّا بَلْ يَخْتَارُ أَيَّهَا شَاءَ فَيَفْعَلُهُ فَيَصِيرُ هُوَ الْوَاجِبُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وَفِي هَذَا إشَارَةٌ إلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْمُوَسَّعِ هُوَ الْأَدَاءُ فِي جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ، وَيَتَعَيَّنُ بِفِعْلِهِ وَفِي الْمُخَيَّرِ هُوَ أَحَدُ الْأُمُورِ

ص: 399