الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
منه شيء مما ذكر لتوفرت الدواعي على نقله، نعم لو فرضنا أن الجارح ذكر أمراً يصح أن يقال فيه: لو وقع لتوفرت الدواعي على نقله تواتراً: ولم يكن ذلك، فأنه لا يقبل منه. ولو أن السبكي ترك أن يفرض ما لم يقع بما وقع واعتنى بما وقع في الأمثلة التي ذكرها وبين وجوهها لأجاد وأفاد، وقد تعرضت لما وقفت عليه من ذلك في تراجم أولئك الثلاثة من قسم التراجم ولله الحمد.
9- مباحث في الاتصال والانقطاع
المبحث الأول: في رواية الرجل بصيغة محتملة للسماع عمن عاصره ولم يثبت لقاؤه له
.
ذكر مسلم في مقدمة (صحيحه) عن بعض أهل عصره: أنه شرط أن يثبت لقاء الراوي للمروي عنه ولو مرة فان لم يثبت لم يحكم لما يرويه عنه بالاتصال، وذكروا أن الذي شرط ذلك هو البخاري وشيخه علي بن المديني، وحكى مسلم إجماع أهل العلم سلفاً وخلفاً على الاكتفاء بالمعاصرة وعدم التدليس، وألزم مخالفه أن لا يحكم بالاتصال فيما لم يصرح فيه الراوي بالسماع وإن ثبت اللقاء في الجملة ولم يكن الراوي مدلساً. وتوضيح هذا الإلزام أنه كما أن الراوي الذي يعرف ويشتهر بالارسال عمن عاصره ولم يلقه قد يقع له شيء من ذلك، فكذلك الراوي الذي لم يعرف ويشتهر بالارسال عمن لقيه وسمع منه قد يقع له شيء من ذلك. فان كان ذلك الوقوع يوجب التوقف عن الحكم بالاتصال في الأول فيوجبه في الثاني، وإن لم يوجبه في الثاني فلا يوجبه في الأول، أجاب النووي بما إيضاحه أن رواية غير المدلس بتلك الصيغة عمن قد لقيه وسمع منه الظاهر منها السماع، والاستقراء يدل أنهم إنما يطلقون ذلك في السماع إلا المدلس. أقول فمسلم يقول: الحال هكذا أيضاً في رواية غير المدلس عمن عاصره، والرواية عن المعاصر على وجه الإيهام تدليس أيضاً عند الجمهور، ومن لم يطلق عليها ذلك لفظاً لا ينكر أنها تدليس في المعنى، بل هي أقبح عندهم من إرسال الراوي على سبيل الإيهام عمن قد سمع منه.
هذا وصنيع مسلم يقتضي أن الإرسال على أي الوجهين كان إنما يكون تدليساً إذا كان على وجه الإيهام، ويوافقه ما في (الكفاية) للخطيب ص 357.
وذكر مسلم فيها إرسال بالصيغة المحتملة عمن قد سمعوا منه ولم تعد تدليساً ولا عدوا مدلسين، ومحمل ذلك أن الظن بمن وقعت منهم أنهم لم يقصدوا الإيهام، وأنهم اعتمدوا على قرائن خاصة قائمة عند إطلاقهم تلك الراوية تدفع ظهور الصيغة في السماع وقد كنت بسطت ذلك ثم رأيت هذا المقام يضيق عنه. ولا يخالف ذلك ما ذكروه عن الشافعي أن التدليس يثبت بمرة، لأنا نقول: هذا مسلم ولكن محله حيث تكون تلك المرة تدليساً بأن تكون بقصد الإيهام والأمثلة التي ذكرها مسلم لم تكن كذلك بدليل إجماعهم على أن أولئك الذين وقعت منهم تلك الأمثلة ليسوا مدلسين.
وزعم النووي في (شرح صحيح مسلم) أنه لا يحكم على مسلم بأنه عمل في (صحيحه) بقوله المذكور، وهذا سهو من النووي، فقد ذكر مسلم في ذلك الكلام أحاديث كثيرة زعم أنه لم يصرح فيها بالسماع ولا علم لقاء، وأنها صحاح عند أهل العلم، ثم أخرج منها في أثناء (صحيحه) تسعة عشر حديثاً كما ذكره النووي نفسه ومنها ستة في (صحيح البخاري) كما ذكره النووي أيضاً.
وهذا ولم يجيبوا عن تلك الأحاديث إلا بأن نفي مسلم العلم باللقاء لا يستلزم عدم علم غيره، وهذا ليس بجواب عن تصحيح مسلم لها، وإنما هو جواب عن قوله أنها عند أهل العلم صحاح.
وقد دفعه بعض علماء العصر بأنه لا يكفي في الرد على مسلم مع العلم بسعة إطلاعه.
أقول: قد كان على المجيبين أن يتتبعوا طرق تلك الأحاديث وأحوال رواتها، وعلى الأقل كان يجب أن يعتنوا بالستة التي في (صحيح البخاري) ، وكنت أظنهم قد بحثوا فلم يظفروا بما هو صريح في رد دعوى مسلم، فاضطروا إلى الاكتفاء بذاك الجواب الإجمالي، ثم إنني بحثت فوجدت تلك الستة قد ثبت فيها اللقاء بل