الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يظهر أنها كانت من أصول الأشجعي. والله أعلم.
8- إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر أبو إسحاق الفزاري
.
في (تاريخ بغداد) 13/ 373 «
…
سمعت أبا إسحاق الفزاري يقول سمعت أبا حنيفة يقول: إيمان أبي بكر الصديق وإيمان إبليس واحد، قال إبليس يا رب وقال أبو بكر الصديق يا رب
…
» قال الأستاذ ص 40 «الفزاري كان يطلق لسانه في أبي حنيفة ويعاديه من جهة أنه كان أفتى أخاه على مؤازرة إبراهيم القائم في عهد المنصور فقتل في الحرب
…
وحكم شهادة العدو في مذهب الشافعي
…
معروف
…
ويقول ابن سعد في (الطبقات الكبرى) :كان كثير الغلط في حديثه، ويقول ابن قتيبة في (المعارف) أنه كان كثير الغلط في حديثه ومثله في (فهرست محمد بن إسحاق النديم) لكن ذلاقة لسانه في أبي حنيفة وأصحابه نفعته في رواج رواياته بين أصحاب الأغراض
…
مع أن الواجب فيمن كان كثير الخطأ في حديثه الإعراض عن انفراداته
…
» وقال الأستاذ ص 71: «سامح الله أبا إسحاق الفزاري كأنه فقد اتزانه من فقد أخيه فأصبح يطلق لسانه في فقيه الملة في كل مجلس ومحفل حتى مجلس الرشيد كما تجد ذلك في (تقدمة الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم
…
غاية ما فعل أبو حنيفة أن أفتى أخاه بما أراه الله حين استفتاه» ، وقال الأستاذ ص 77:
«إنما شأنه في السير والمغازي ولم يكن ابن سعد يرضاه فيها، ويذكره بكثرة الغلط، وابن سعد ذلك الأمام الكبير في السير والمغازي
…
» وقال ص 77:
«قال ابن سعد في الفزاري: كان ثقة فاضلاً صاحب سنة وغزو كثير الخطأ في حديثه» .
أقول مدار كلام الأستاذ في أبي إسحاق على أمرين:
الأول: قوله أنه كان يعادي أبا حنيفة الأستاذ أن يجعلها عداوة دنيوية لأجل الفتوى مع أن ذكر الفتوى لم يقع إلا في رواية ذكرت في (تاريخ بغداد)(13 / 384) في سندها يزيد بن يوسف الشامي فتكلم الأستاذ فيها ص 70:
قال «يزيد بن يوسف الشامي يقول ابن معين فيه: ليس بثقة، ويقول النسائي: متروك» والكلام فيه أكثر من ذلك حتى قال ابن شاهين في الضعفاء «قال ابن معين: كان كذاباً» وقال ابن حبان: «كان سيئ الحفظ كثير الوهم يرفع المراسيل ويسند الموقوف ولا يفهم فلما كثر ذلك منه سقط الاحتجاج بأفراده» .
فهذه الرواية ساقطة، والثابت رواية أخرى في (تاريخ بغداد)(13/ 384) فيها عن أبي إسحاق «قتل أخي مع إبراهيم الفاطمي بالبصرة فركبت لأنظر في تركته، فلقيت أبا حنيفة فقال لي من أين أقبلت؟ وأين أردت؟ فأخبرته أني أقبلت من المصيصة وأردت أخاً لي قتل مع إبراهيم، فقال أبو حنيفة: لو أنك قتلت مع أخيك كان خيراً لك من المكان الذي جئت منه
…
» .
وهناك رواية ثالثة في (تقدمة الجرح والتعديل) هي التي وقع فيها ما أشار إليه الأستاذ من إطلاق اللسان وفي إسنادها نظر، ولا ذكر فيها للفتوى، ولو صحت لكانت أدل على عدم الفتوى، فالحاصل أن الثابت أن أبا إسحاق بلغه قتل أخيه مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن الخارج على المنصور فقدم أبا حنيفة، فسأله أبو حنيفة فأجابه أنه جاء من المصيصة - الثغر الذي كان أبو إسحاق يرابط فيه لجهاد الروم ودفعهم عن بلاد الإسلام فقال أبو حنيفة:«لو أنك قتلت مع أخيك كان خيراً لك من المكان الذي جئت منه» . ومن المعلوم أن أبا إسحاق حبس نفسه غالب عمره على المرابطة في الثغر والتعرض للشهادة صباح مساء فلم يكن ليغمه قتل أخيه إلا لكونه في فتنة ولا لينقم على من رضي بقتل أخيه إلا لرضاه بما يراه
فتنة ولا ليستعظم قول من قال له: «لو أنك قتلت مع أخيك
…
» إلا لما فيه من تفضيل قتال المسلمين في غير كنهه عنده على الرباط والجهاد ودفع الكفار عن بلاد الإسلام، فهذا وغيره مما يوجد في الروايات الأخرى منها الرواية التي تقدمت أول الترجمة هو الذي أحفظ أبا إسحاق على أبي حنيفة فإن بلغ ذلك أن يسمى عداوة فهي عداوة دينية لا ترد بها الرواية بإجماعهم كما تقدم في القواعد، وسواء أكان الصواب استحسان الخروج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن وتفضيله على الجهاد والرباط كما رأى أبو حنيفة أم خلافه كما كان يعتقده أبو إسحاق، فإن أبا إسحاق إما مصيب مشكور وإما مخطئ مأجور، ولا بأس بالإشارة إلى وجهتي النظر:
كان أبو حنيفة يستحب أو يوجب الخروج على خلفاء بني العباس لما ظهر منهم من الظلم ويرى قتالهم خيراً من قتال الكفار، وأبو إسحاق ينكر ذلك، وكان أهل العلم مختلفين في ذلك فمن كان يرى الخروج يراه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بالحق، ومن كان يكرهه يرى أنه شق لعصا المسلمين وتفريق لكلمتهم وتشتيت لجماعتهم وتمزيق لوحدتهم وشغل لهم بقتل بعضهم بعضاً، فتهن قوتهم وتقوى شوكة عدوهم وتتعطل ثغورهم، فيستولي عليها الكفار ويقتلون من فيها من المسلمين ويذلونهم وقد يستحكم التنازع بين المسلمين فتكون نتيجة الفشل المخزي لهم جميعاً.
وقد جرب المسلمون الخروج فلم يروا منه إلا الشر، خرج الناس على عثمان يرون أنهم إنما يريدون الحق ثم خرج أهل الجمل يرى رؤساؤهم ومعظمهم أنهم إنما يطلبون الحق فكانت ثمرة ذلك بعد اللتيا والتي أن انقطعت خلافة النبوة وتأسست دولة بني أمية ثم اضطر الحسين بن علي إلى ما اضطر إليه فكانت تلك المأساة، ثم خرج أهل المدينة فكانت وقعة الحرة، ثم خرج القراء مع ابن الأشعث فماذا كان؟ ثم كانت قضية زيد بن علي وعرض عليه الروافض أن ينصروه على أن يتبرأ من أبي بكر وعمر فأبى فخذلوه، فكان ما كان، ثم خرجوا مع بني العباس
فنشأت دولتهم التي رأى أبو حنيفة الخروج عليها، واحتشد الروافض مع إبراهيم الذي رأى أبو حنيفة الخروج معه ولو كتب له النصر لاستولى الروافض على دولته، فيعود أبو حنيفة يفتي بوجوب الخروج عليهم!
هذا والنصوص التي يحتج بها المانعون من الخروج والمجيزون له معروفة، والمحققون يجمعون بين ذلك بأنه إذا غلب على الظن أن ما ينشأ عن الخروج من المفاسد أخف جداً مما يغلب على الظن أنه يندفع به جاز الخروج وإلا فلا. وهذا النظر قد يختلف فيه المجتهدان، وأولاهما بالصواب من اعتبر بالتاريخ وكان كثير المخالطة للناس والمباشرة للحروب والمعرفة بأحوال الثغور، وهكذا كان أبو إسحاق.
وأما حال أبي إسحاق في الرواية فنبدأ بتلك الكلمة: «كثير الخطأ في حديثه» هذه الكلمة نقلها الأستاذ عن ابن سعد وابن قتيبة وابن النديم، فأقول: ابن قتيبة وابن النديم لا شأن لهما بمعرفة الرواية والخطأ والصواب فيها وأحوال الرواة ومراتبهم، وإنما فن ابن قتيبة معرفة اللغة والغريب والأدب، وابن النديم رافضي وراق، فنه معرفة أسماء الكتب التي كان يتجر فيها، وإنما أخذا تلك الكلمة من ابن سعد.
وابن سعد هو محمد بن سعد بن منيع كاتب الواقدي، روى الخطيب في ترجمته أن مصعباً الزبيري قال لابن معين:«حدثنا ابن سعد الكاتب بكذا وكذا» فقال ابن معين «كذب» واعتذر الخطيب عن هذه الكلمة وقال: «محمد عندنا من أهل العدالة وحديثه يدل عل صدقه..» وقال أبو حاتم: «يصدق» ووفاة ابن سعد سنة 230 فقد أدركه أصحاب الكتب الستة إدراكاً واضحاً وهو مقيم ببغداد حيث كانوا يترددون، وهو مكثر من الحديث والشيوخ وعنده فوائد كثيرة ومع ذلك لم يخرجوا عنه شيئاً إلا أن أبا داود روى عن أحمد بن عبيد وستأتي ترجمته عن ابن سعد عن أبي الوليد الطيالسي أنه قال:«يقولون قبيصة بن وقاص له صحبة» وهذه الحكاية ليست بحديث ولا أثر ولا ترفع حكما ولا تضعه، والأستاذ كثيراً ما يتشبث
في التليين بعدم إخراج أصحاب الكتب الستة للرجل مع ظهور العذر كما تقدم في ترجمة إبراهيم بن شماس، فأما ابن سعد فلا مظنة للعذر إلا أنهم رغبوا عنه، وأظن الأستاذ أول من منح ابن سعد لقب:«الإمام» ولم يقتصر عليه بل قال: «الإمام الكبير» وتغاضى الأستاذ عن قول ابن سعد في أبي حنيفة فإنه ذكره في موضعين من (الطبقات) ج 6 ص 256 وج 7 قسم 2 ص 67 وقال في كلا الموضعين: «وكان ضعيفاً في الحديث» ولم يقرن هذه الكلمة بشيء مما قرن به كلمته في أبي إسحاق فلم يقل: «ثقة» ولا «فاضل» ، ولا «صاحب سنة» !
ومع ذلك فليس ابن سعد في معرفة الحديث ونقده ومعرفة درجات رجاله في حد أن يقبل منه تليين من ثبته غيره أنه في أكثر كلامه إنما يتابع شيخه الواقدي، والواقدي تالف، وفي (مقدمة الفتح) في ترجمة عبد الرحمن بن شريح:
«شذ ابن سعد فقال: منكر الحديث، ولم يلتفت أحد إلى ابن سعد في هذا فإن مادته من الواقدي في الغالب والواقدي ليس بمعتمد» . وفيها في ترجمة محارب بن دثار:
«قال ابن سعد: لا يحتجون به، قلت: بل احتج به الأئمة كلهم
…
ولكن ابن سعد يقلد الواقدي» . وفيها ترجمة نافع بن عمر الجمحي: «قد قدمنا أن تضعيف ابن سعد فيه نظر لاعتماده على الواقدي» .
وقد رد الأستاذ ص 168 قول إمام النقاد علي بن المديني في أبي حنيفة: «روى خمسين حديثاً أخطأ فيها» فقال الأستاذ: «لم يذكر وجه تخطئته في الحديث حتى يحتاج إلى الجواب وهو على كل حال جرح غير مفسر» وذكر ص 158 قول ابن أبي داود: «إن أبا حنيفة أخطأ في نصف أحاديثه» فقال الأستاذ:
«فلا نشتغل بالرد على هذا الكلام المرسل منه جزافاً من غير أن يبين ما هو خطؤه وفي أي حديث كان ذلك الخطأ» وذكر الأستاذ ص 90 قول ابن حبان في أبي حنيفة:
فأجاب الأستاذ جواباً إجمالياً يأتي مع النظر فيه في ترجمة ابن حبان إن شاء الله، يدفع الأستاذ هذه النصوص وإضعافها بأنها لم تفسر، ويتشبث في الغض من أبي إسحاق بتلك الفخارة النيئة «كثير الخطأ في حديثه» محاولاً أن ينطح بها الجبل الشامخ، وإذا قد تحطمت تلك الفخارة على رأس حاملها فلنذكر تقريظ الأئمة لأبي إسحاق (1) أما ثقته فقال ابن معين:«ثقة ثقة» ، وقال أبو حاتم:«الثقة المأمون الأمام» ، وقال النسائي:«ثقة مأمون أحد الأئمة» ووثقه جماعة غير هؤلاء واحتج به الشيخان في (الصحيحين) وبقية الستة والناس.
وأما فقهه فقال ابن المبارك: «ما رأيت رجلاً أفقه من أبي إسحاق الفزاري» وقال عبد الله ابن داود الخُريبي: «لقول أبي إسحاق أحب إليَّ من قول إبراهيم النخعي» .
وأثنى عليه آخرون في الفقه.
وأما معرفته بالسير فقال ابن عيينة: «ما ينبغي أن يكون رجل أبصر بالسير (وفي نسخة: بالسنن) منه» وقال الخليلي «أبو إسحاق يقتدى به وهو صاحب (كتاب السير) نظر فيه الشافعي وأملى كتابا على ترتيبه ورضيه» وقال الحميدي: «قال لي الشافعي: لم يصنف أحد في السير مثله» .
وأما إمامته وفضله فقال سفيان بن عيينة: «كان إماماً» وقال أيضاً: «والله ما
(1) من «تقدمة الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم و «تذكرة الحافظ» الذهبي و «تهذيب التهذيب» .
(2)
انظر «تفسير سفيان بن عيينة» جمع وتحقيق أحمد صالح محايري. طبع المكتب الاسلامي. فقد قال عنه: «كان إماماً»
رأيت أحداً أقدمه عليه» وقال الفضيل بن عياض: «ربما اشتقت إلى المصيصة وما بي فضل الرباط بل لأرى أبا إسحاق» وقال أبو داود الطيالسي: «مات أبو إسحاق الفزاري وليس على وجه الأرض أفضل منه» وقال عبد الرحمن بن مهدي: «إذا رأيت شامياً يحب الأوزاعي وأبا إسحاق فاطمئن إليه، كانا إمامين في السنة» وقال أبو أسامة: «سمعت فضيل بن عياض يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النوم وإلى جنبه فرجة، فذهبت لأجلس، فقال: هذا مجلس أبي إسحاق الفزاري، والثناء على أبي إسحاق كثير، وفي هذا كفاية.
فهؤلاء الأئمة ونظراؤهم الراضون عن أبي إسحاق والموافقون والمثنون عليه هم الذين سماهم الأستاذ فيما تقدم من عبارته «أصحاب الأغراض» وقال الأستاذ ص 66 في شأن أبي إسحاق: «حاله في علمه كما علمت وإنما وقعت ذلاقة لسانه في الوقوع في الناس موقع الإعجاب عند كثير ممن يحبون الوقوع في خصومهم بألسنة أناس آخرين فرفعوه إلى غير مرتبته!.
أقول: إذا كان هؤلاء ساخطين على أبي حنيفة هذا السخط الذي يصوره الأستاذ فليت شعري من بقي غيرهم من أئمة الدين يسوغ أن يقال إنه راض عن أبي حنيفة؟ وهل بقي إلا كسير وعوير، وثالث ما فيه خير؟ !
وقال الأستاذ ص 77: «قال الحافظ (؟) ابن أبي العوام: حدثني
…
سمعت إسماعيل ابن داود يقول: كان عبد الله بن المبارك يذكر عن أبي حنيفة فكانوا إذا اجتمعوا بالثغر - يعني المصيصة - لم يحدث ابن المبارك عن أبي حنيفة بشيء ولا يذكر أبو إسحاق الفزاري أبا حنيفة بسوء حتى يخرج ابن المبارك» .
أقول: إن صحت هذه الحكاية فإنما تدل على أدب كل من الإمامين مع صاحبه وحسن اعتقاده فيه، ولو كان ابن المبارك يرى أن أبا إسحاق يكذب على أبي حنيفة ويحكي عنه ما لم يكن ويتكلم فيه بالهوى ما ساغ لابن المبارك أن يسكت.