المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌26- أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي - التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ط المكتب الإسلامي - جـ ١

[عبد الرحمن المعلمي اليماني]

فهرس الكتاب

- ‌ مقدمة

- ‌قلبه للحقائق رأساً على عقب

- ‌الكوثري وتبين كذب المفترى

- ‌خيانته في النقل وجرأته على الله عز وجل

- ‌عرش الرحمن

- ‌كذب مفضوح في كتاب مطبوع

- ‌فصل: في الكشف عن مذهب المعتزلة وبيان حقيقته

- ‌خلاصة ما تقدم

- ‌كلام هؤلاء الطوائف

- ‌نفي القول بخلق القرآن

- ‌مقدمة

- ‌ترجمة فضيلة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة رحمه الله

- ‌طلب المباهلة

- ‌الحقيقة والمجاز

- ‌الإيمان قول وعمل

- ‌إحراج الكوثري

- ‌اللامذهبية

- ‌الكوثري يشتم الأئمة

- ‌الكوثري يشتم الصحابة

- ‌طبع كتب شيخ الإسلام ابن تيمية

- ‌الكوثري والغلو

- ‌دعوة الكوثري للمباهلة

- ‌الجزء الأول

- ‌القسم الأول: في القواعد

- ‌1- رمي الراوي بالكذب في غير الحديث النبوي

- ‌2- التهمة بالكذب

- ‌3 - رواية المبتدع

- ‌4- قدح الساخط ومدح المحب ونحو ذلك

- ‌5- هل يشترط تفسير الجرح

- ‌تحقيق أن الجرح المجمل يثبت به جرح من لم يعدل

- ‌6- كيف البحث عن أحوال الرواة

- ‌7- إذا اجتمع جرح وتعديل فبأيهما يعمل

- ‌8- قولهم: من ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح إلا

- ‌9- مباحث في الاتصال والانقطاع

- ‌المبحث الأول: في رواية الرجل بصيغة محتملة للسماع عمن عاصره ولم يثبت لقاؤه له

- ‌المبحث الثاني: في ضبط المعاصرة المعتد بها

- ‌المبحث الثالث: لا يكفي احتمال المعاصرة

- ‌المبحث الرابع: اشترط العلم باللقاء أو بالمعاصرة إنما هو بالنظر إلى من قصدت الرواية عنه

- ‌المبحث الخامس: اشتهر في هذا الباب العنعنة مع أن كلمة «عن» ليست من لفظ الراوي

- ‌القسم الثاني في التراجم

- ‌1- أبان بن سفيان

- ‌2- إبراهيم بن بشار الرمادي

- ‌3- إبراهيم بن الحجاج

- ‌4- إبراهيم بن راشد الآدمي

- ‌5- إبراهيم بن سعيد الجوهري

- ‌6- إبراهيم بن شماس

- ‌7- إبراهيم بن أبي الليث

- ‌8- إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر أبو إسحاق الفزاري

- ‌9- إبراهيم بن محمد بن يحيى أبو إسحاق المزكي النيسابوري

- ‌10- إبراهيم بن يعقوب أبو إسحاق الجوزجاني

- ‌11- أحمد بن إبراهيم

- ‌12- أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك أبو بكر القطيعي

- ‌13- أحمد بن جعفر محمد بن سلم

- ‌14- أحمد بن الحسن بن جنيدب أبو الحسن الترمذي الحافظ

- ‌15- أحمد بن الحسن بن خيرون

- ‌16- أحمد بن خالد الكرماني

- ‌17- أحمد بن الخليل

- ‌18- أحمد بن سعد بن أبي مريم

- ‌19- أحمد بن سلمان النجاد

- ‌20- أحمد بن صالح أبو جعفر المصري المعروف بابن الطبري

- ‌21- أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق أبو نعيم الأصبهاني الحافظ

- ‌22- أحمد بن عبد الله الأصبهاني

- ‌23- أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن العكي

- ‌24- أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود

- ‌25- أحمد بن عبيد بن ناصح أبو عصيدة النحوي

- ‌26- أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي

- ‌27- أحمد بن علي بن مسلم أبو العباس الأبار

- ‌28- أحمد بن الفضل بن خزيمة

- ‌29- أحمد بن كامل القاضي

- ‌30- أحمد بن محمد بن الحجاج أبو بكر المروذي

- ‌31- أحمد بن محمد بن الحسين الرازي

- ‌32- أحمد بن محمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني إمام أهل السنة

- ‌33- أحمد بن سعيد بن عقدة

- ‌34- أحمد بن محمد بن الصلت بن المغلِّس الحماني

- ‌35- أحمد بن محمد بن عبد الكريم أبو طلحة الفزاري الوساوسي

- ‌36- أحمد بن محمد بن عمر

- ‌37- أحمد بن محمد بن يوسف بن دوست أبو عبد الله العلاف

- ‌38 - أحمد بن المعذل

- ‌39- أحمد بن موسى النجار

- ‌40- أحمد بن يونس

- ‌41- الأحوص الجَوَّاب أبو الجواب

- ‌42- إسحاق بن إبراهيم الحنيني

- ‌43- إسحاق بن إبراهيم الموصلي

- ‌44 - إسحاق بن عبد الرحمن

- ‌46- أسد بن موسى بن إبراهيم المرواني الأموي

- ‌47- إسماعيل بن إبراهيم بن معمر أبو الهذلي الهروي الكوفي

- ‌48- إسماعيل بن بشر بن منصور السليمي أبو بشر البصري

- ‌49- إسماعيل بن أبي الحكم

- ‌50- إسماعيل بن حمدويه

- ‌51- إسماعيل بن عرعرة

- ‌52- إسماعيل بن عياش الحمصي

- ‌53- إسماعيل بن عيسى بن علي الهاشمي

- ‌54- الأسود بن سالم

- ‌55- أصبغ بن خليل القرطبي

- ‌56- أنس بن مالك صاحب النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌57- أيوب بن إسحاق بن سافري

- ‌58- بشر بن السري

- ‌59- بقية بن الوليد

- ‌60- تمام بن محمد بن عبد الله الأذني

- ‌61- ثعلبة بن سهيل التميمي الطهوي

- ‌62- جراح بن منهال أبو العطوف

- ‌63- جرير بن عبد الحميد

- ‌64- جعفر بن محمد بن شاكر

- ‌65- جعفر بن محمد الصندلي

- ‌66- جعفر بن محمد الفريابي

- ‌67- حاجب بن أحمد الطوسي

- ‌68- الحارث بن عمير البصري

- ‌69- حبيب بن أبي حبين كاتب مالك

- ‌70- الحجاج بن أرطاة

- ‌71- الحجاج بن محمد الأعور

- ‌ ثناء الأئمة على الحجاج:

- ‌72- حرب بن إسماعيل الكرماني السيرجاني

- ‌73- الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان أبو علي بن أبي بكر

- ‌74- الحسن بن الحسين بن العباس بن دوما النعَّالي

- ‌75- الحسن بن الربيع أبو علي البجلي الكوفي

- ‌76- الحسن بن الصباح أبو علي البزار الواسطي

- ‌77- الحسن بن علي بن محمد الحلواني نزيل مكة

- ‌78- الحسن بن علي بن محمد أبو علي المذهب التميمي

- ‌79- الحسن بن الفضل البوصرائي

- ‌80- الحسين بن أحمد الهروي الصفار

- ‌81- الحسين بن إدريس الهروي

- ‌82- الحسين بن حميد بن الربيع

- ‌83- الحسين بن عبد الأول

- ‌84- الحسين بن علي بن يزيد الكرابيسي

- ‌85- حماد بن سلمة بن دينار

- ‌86- حنبل بن إسحاق

- ‌87- خالد بن عبد الله القسري

- ‌88- خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك

- ‌89- داود بن الحجر

- ‌90- دعلج بن أحمد السجزي

- ‌91- الربيع بن سليمان المرادي

- ‌92- رجاء بن السندي

- ‌93- رقبة بن مصقلة

- ‌94- زكريا بن يحيى الساجي

- ‌95- سالم بن عصام

- ‌96- سعيد بن مسلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي الأمير

- ‌97 - سعيد بن عامر الضبعي

- ‌98- سفيان بن سعيد الثوري

- ‌99- سفيان بن عيينة

- ‌100- سفيان بن وكيع

- ‌101- سلام بن أبي مطيع

- ‌102- سلامة بن محمود القيسي

- ‌103- سلمة بن كلثوم

- ‌104- سليمان بن عبد الله

- ‌105- سليمان بن عبد الحميد البهراني

- ‌106- سليمان بن فليح

- ‌107- سنيد بن داود

- ‌108- شريك بن عبد الله النخعي القاضي

- ‌109- صالح بن أحمد

الفصل: ‌26- أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي

‌25- أحمد بن عبيد بن ناصح أبو عصيدة النحوي

. في (تاريخ بغداد) 13/ 373 «أحمد بن عبيد ثنا طاهر بن محمد

» قال الأستاذ ص 42: «فلم يكن بعمدة كما ذكره الذهبي في ترجمة عبد الملك الأصمعي من (الميزان) ، وقال الخطيب 2/ 260: «قال ابن عدي يحدث بمناكير» وقال أبو أحمد «الحاكم الكبير» : لا يتابع في جل حديثه» .

أقول: لفظ ابن عدي على ما في (تهذيب التهذيب) :

«حدث عن الأصمعي ومحمد بن مصعب بمناكير» قال ابن حجر «قال الحاكم أبو عبد الله هو إمام في النحو وقد سكت مشايخنا عن الرواية عنه» وقال ابن حبان في (الثقات) : «ربما خالف» وقال ابن عدي: «هو عندي من أهل الصدق» .

أقول: كأن ابن حبان وابن عدي رأيا أنه لا يعتمد الكذب ولكن يخطئ ويهم، مع احتمال أن يكون البلاء في كثير من مناكيره من محمد بن مصعب، فأنه ضعيف يروي المناكير واتهمه بعضهم. فأما الأصمعي فثقة، ويأتي إن شاء الله تعالى في ترجمته ذكر الحديث الذي أورده الأزدي من طريق أحمد بن عبيد هذا عن الأصمعي واستنكر هو وغيره فأجاب الذهبي بأن أحمد بن عبيد ليس بعمدة فأخذها الأستاذ هنا، وأعرض عنها عندما احتاج إلى الكلام في الأصمعي! والله المستعان.

‌26- أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي

مؤلف (تاريخ بغداد)(1)

قال ابن الجوزي في (المنتظم) ج 8 ص 267: «كان أبو بكر الخطيب قديماً على مذهب أحمد بن حنبل فمال عليه أصحابنا «الحنابلة» لما رأوا من ميله إلى المبتدعة وآذوه فانتقل إلى مذهب الشافعي» .

(1) اطلعت بعد كتابة هذه الترجمة وغيرها ببضع سنين على ترجمة الخطيب بقلم الدكتور يوسف العش أجاد فيها فاستفدت منها قائدتين سألحقهما في موضعهما وأنبه على ذلك.

ص: 324

أقول أقدم النظر في عقيدة الخطيب، زعم بعضهم أنه كان يذهب إلى مذهب الأشعري فرد الذهبي ذلك بقوله:«قلت مذهب الخطيب في الصفات أنها تمر كما جاءت صرح بذلك في تصانيفه» فاعترضه ابن السبكي في (طبقات الشافعية) ج 3 ص13 بقوله: «قلت هذا مذهب الأشعري

وللأشعري قول آخر بالتأويل» .

أقول: الذي شهره المتعمقون عن الأشعري التأويل وإن كان آخر مصنفاته (كتاب الإبانة) أعلن فيه اعتماده مذهب الإمام أحمد وأهل الحديث، فالقائل أن الخطيب كان يذهب مذهب الأشعري أوهم أنه كان من المتأولين، ولم يزد الذهبي على دفع هذا الإيهام، ولكن ابن السبكي لغلوه شديد العقوق لأستاذه الذهبي؛ وقد نقل الذهبي في (تذكرة الحفاظ) ج 3 ص 319 فصلاً من كلام الخطيب في الاعتقاد ينفي عنه التأويل والتعطيل، قال الخطيب:

«أما الكلام في الصفات فإن ما روي منها في السنن الصحاح مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية (1) والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا بذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، والفصل إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين

» .

ويظهر أن ابن الجوزي أميل إلى المبتدعة من الخطيب، قال شيخ الإسلام ابن تيميه في (شرح العقيدة الأصفهانية) ص 68:

«وأما الانتساب فانتساب الأشعري وأصحابه إلى الإمام أحمد خصوصاً وسائر أئمة الحديث عموماً ظاهر مشهور في كتبهم كلها، وما في كتب الأشعري مما يوجد

(1) مراده كغيره نفي الكيفية المدركة بالعقول كما جاء عن ربيعه الرأي ومالك وغيرهما «الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول» وليس المراد نفي أن يكون في نفس الأمر كيفية، كيف وذلك من لوازم الوجود. المؤلف. قلت: وكلام الخطيب هذا محفوظ في بعض مجاميع الظاهرية. ن

ص: 325

مخالفاً للأمام أحمد وغيره من الأئمة فيوجد في كلام كثير من المنتسبين إلى أحمد كأبي الوفاء بن عقيل وأبي الفرج بن الجوزي وصدقة بن الحسين وأمثالهم ما هو أبعد عن قول أحمد والأئمة من قول الأشعري وأئمة أصحابه» .

وإذ قد بان أن عقيدة الخطيب كانت مباينة لعقائد المبتدعة فلننظر في انتقاله عن مذهب أحمد في الفروع الظاهر أن معنى أنه كان على مذهب أحمد أن والده وأهله كانوا على مذهب أحمد وأنه هو انتقل إلى مذهب الشافعي في صغره زمان طلبه العلم، فما الباعث له على الانتقال؟ يقول ابن الجوزي: إن ذلك لميل الحنابلة عليه وإيذائهم له، فلماذا آذوه؟ يقول ابن الجوزي: لما رأوا ميله إلى المبتدعة. قد تقدم إثبات أن عقيدة أن عقيدة الخطيب كانت مباينة لعقائد المبتدعة وذلك ينفي أن يكون ميله إليهم رغبة في بدعتهم أو موافقة عليها، فما معنى الميل وما الباعث عليه؟

كان الحنابلة في ذاك العصر ينفرون بحق من كل من يقال أنه أشعري أو معتزلي وينفرون عن الحنفية والمالكية والشافعية لشيوع البدعة فيهم، وكان كثير من الحنابلة يبالغون في النفرة ممن نفروا عنه فلا يكادون يروون عنه إذا كان من أهل الرواية ولا يأخذون عنه غير ذلك من العلوم، وإذا رأوا الطالب الحنبلي يتردد إلى أو مالكي أو شافعي سخطوا عليه وقد ذكر ابن الجوزي نفسه في (المنتظم) ج 9 ص 213 عن أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي قال «وكان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء، وكان ذلك يحرمني علماً نافعاً» وتقدم في ترجمة أحمد بن عبد الله أبي نعيم الأصبهاني ما لفظه «قال إنسان من أراد أن يحضر مجلس أبي نعيم فليفعل - وكان مهجوراً في ذلك الوقت بسبب المذهب وكان بين الحنابلة والأشعرية تعصب زائد يؤدي إلى فتنة وقال وقيل وصداع، فقام إلى ذلك الرجل أصحاب الحديث بسكاكين الأقلام وكاد أن يقتل» ، مع أن مجلس أبي نعيم إنما كان لسماع الحديث لا للدعوة إلى الأشعرية.

وقد قال ابن الجوزي في (المنتظم) ج 8 ص 267 في وصف الخطيب:

ص: 326

«كان حريصاً على علم الحديث وكان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه» وقال قبل ذلك بورقة «أول ما سمع الحديث في سنة 403 وهو ابن إحدى عشرة سنة

وأكثر من السماع من البغداديين ورحل إلى البصرة ثم إلى نيسابور ثم إلى أصبهان ودخل في طريقه همذان والجبال ثم عاد إلى بغداد وخرج إلى الشام وسمع بدمشق وصور ووصل إلى مكة

وقرأ (صحيح البخاري) على كريمة

في خمسة أيام» .

أقول فحرصه على تحصيل العلم وولوعه به هو الذي كان يحمله على أن يقصد كل من عرف بالعلم مهما كان مذهبه وعقيدته وكان الحنابلة إذ ذاك يخافون عليه بحق أن يقع في البدعة، وإذ كانت نهمته تضطره إلى الانطلاق في مخالفتهم وغيرتهم تضطرهم إلى المبالغة في كفه بلغ الأمر إلى الإيذاء وكان وهو حنبلي لا يرجو من غيرهم أن يعطف عليه ويحميه وينتصر له فاحتاج أن يتحول إلى مذهب الشافعي ليحميه الشافعيون ولا يعارضوه في الاختلاف إلى من شاء من أهل العلم مهما كان مذهبه وعقيدته لأن الشافعية لم يكونوا يضيقون في ذلك مع أنهم إنما استفادوا الخطيب فهم أشد مساحة، وهذا وإن نفعه من جهة الظفر بأنصار أقوياء يتمكن في حمايتهم من طلب العلم كيف شاء لكن من شأنه أن يزيد حنق الحنابلة عليه وغيظهم منه وكانت بغداد مقر الحنابلة وأكثر العامة معهم، والعامة كما لا يخفي إذا اتصل بهم السخط على رجل تسارعوا إلى إيذائه وبالغوا، قال الكوثري في (التأنيب) ص 12: «وفي حلقة الخطيب بجامع المنصور فناولوا حدثنا صبيح الوجه ديناراً وقالوا له قف بإزائه ساعة وناوله هذه الرقعة فناوله الصبي وإذا فيها - ما ذكره السبط مما لا حاجة إلى ذكره هنا. ثم قال: وكانوا يعطون السقاء قطعة يوم الجمعة فكان من بعيد يإزائه ويميل رأس القربة وبين يديه أجزاء فيبتل الجميع فتتلف الأجزاء. وكانوا يطينون عليه باب داره في الليل فربما احتاج إلى الغسل لصلاة الفجر فتفوته

» .

ص: 327

قال الكوثري: «وفي ذلك عبر من ناحية الخطيب وأحوال الحنابلة في آن واحد» .

أقول: السبط ليس بعمدة كما يأتي وابن طاهر لم يدرك الخطيب لكن ما تضمنته القصة من تتبع أولئك العامة للخطيب وإيذائه يوافق في الجملة ما تقدم عن ابن الجوزي، وكذلك يوافق ما في (تذكرة الحفاظ) ج 3 ص 318 عن الحافظ المؤتمن الساجي «تحاملت الحنابلة على الخطيب حتى مال إلى ما مال إليه» وابن الجوزي نفسه يتألم آخر عمره من أصحابه الحنابلة حتى قال في (المنتظم) ج 10 ص 253 بعد أن ذكر تسليم المدرسة إليه وحضور الأكابر وإلقاءه الدرس:«وكان يوماً مشهوداً لم ير مثله ودخل على قلوب أهل المذهب غم عظيم» وزاد سبطه في (المرآة) عنه: «لأنهم حسدوني» قال السبط «وكان جدي يقول: والله لولا أحمد الوزير ابن هبيرة لانتقلت عن المذهب فإني لو كنت حنفياً أو شافعياً لحملني القوم على رؤوسهم» . وليس السبط بعمدة لكن عبارة المنتظم تشعر بصحة الزيادة. هذا حال ابن الجوزي في آخر عمره، فأما الخطيب فأنه كان انتقاله في حداثته ليتمكن من طلب العلم لا ليحمل على الرؤوس، وكأن كلام ابن الجوزي هذا مما جرأ السبط على الانتقال إلى مذهب أبي حنيفة تقرباً إلى الملك عيسى ابن أبي بكر الأيوبي، وقد دافع عنه صاحب (الذيل) على كتابة (المرآة) كما في (لسان الميزان) بقوله «وعندي أنه لم ينتقل عن مذهبه إلا في الصورة الظاهرة» . وهذا العذر يدفع احتمال أن يكون انتقل تديناً ويعين أنه إنما انتقل لأجل الدنيا.

فصل

قد علمت بعض ما كان يلقاه الخطيب من إيذاء العامة حتى في الجامع وقت إملاء الحديث وفي بيته، إذ كانوا يطينون عليه بابه فيحولون بينه وبين شهود الجماعة. عاش الخطيب في هذا الوسط إلى أن ناهز الستين من عمره، وأولئك المؤذون يتعاقبونه نهاراً وليلاً يتمنون أن يقفوا له على زلة، أو يعثروا له على عثرة،

ص: 328

فيشيعوها ويذيعوها ويدونها خصومه في كتبهم وتواريخهم لكنه لم يكن من ذلك شيء، أفليس في هذا الدلالة القاطعة على نزاهة الخطيب وطهارة سيرته؟

اللَّهم إلا أن في (معجم الأدباء) لياقوت ج4 ص29 عن ابن السمعاني عن عبد العزيز النخشبي أنه في معجم شيوخه:

«ومنهم أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب

حافظ فهم ولكنه كان يتهم بشرب الخمر، كنت كلما لقيته بدأني بالسلام فلقيته في بعض الأيام فلم يسلم علي ولقيته شبه المتغير، فلما جاز عني لحقني بعض أصحابنا وقال لي لقيت أبا بكر الخطيب سكران! فقلت له قد لقيته متغيرا واستنكرت حاله، ولم أعلم أنه سكران، ولعله قد تاب إن شاء الله تعالى» قال ابن السمعاني:

«ولم يذكر من الخطيب رحمه الله هذا إلا النخشبي مع أبي لحقت جماعة كثيرة من أصحابه» .

أقول النخشبي لم يكن من أهل بغداد وإنما دخلها في رحلته وابن السمعاني دخل بغداد نخلاً، وجمع تاريخاً لها ولقي جماعة لا يحصون من موافقي الخطيب ومخالفيه وأصدقائه وأعدائه من المتثبتين والمجازفين، ومعروف في العادة أنه لا يشرب المسكر فيتغير ثم يخرج يجول في الشوارع إلا من صار شرب المسكر عادة له لا يبالي أن يطلع عليها الناس، وإذا صار عادة استمر زماناً، فلو كانت هذه حال الخطيب لما خفيت على جميع أهل بغداد وفيهم من أعداء الخطيب جماعة يراقبون حركاته وسكناته ويطينون عليه باب داره بالليل، ويتعطشون إلى أن يظفروا له بعثرة ليذيعوها فيشتفوا بدلاً مما يسيئون به إلى أنفسهم وإلى من ينتسبون إليه أكثر من إساءتهم إلى الخطيب. وفي ذلك مع ظاهر سياق عبارة النخشعي أنه إنما أخذ التهمة من الفقيه التي حكاها وحاصلها أنه كان يعرف من عادة الخطيب أنه إذا لقيه بدأه بالسلام حتى

ص: 329

لقيه مرة فلم يبدأه بالسلام، والظاهر أن النخشبي بدأ هو بالسلام فرد عليه الخطيب ولم ينبسط إليه، فإن النخشبي من أهل العلم فلم يكن ليترك السلام معتذراً أن الخطيب لم يبدأه مع أن الظاهر أن النخشبي أصغر من الخطيب وإن مات قبله، والسنة أن الأصغر أولى أن يبتدئ بالسلام ولو سلم الخطيب فلم يرد عليه لحكى ذلك فأنه أدل على مقصوده، فاستنكر النخشبي من الخطيب أنه لم يبدأه بالسلام ولا أنبسط إليه على أعادته فعد ذلك الشبه تغير، ومعلوم أن الإنسان قد يعرض له ما تضيق به نفسه من هم أو غم أو تفكير في حل مشكل أو تكدر خاطر من سماع مكروه أو إيذاء مؤذ فيقصر عما جرت به عادته من الانبساط وحسن الخلق. والنخشبي يقول «لحقني بعض أصحابنا وقال لي لقيت الخطيب سكران؟» أحسبه يعني بقوله (أصحابنا) الحنابلة فكأنه لقي الخطيب بعض العامة الذين يتعاقبون الخطيب ويأذونه كما سلف وكأنه آذى الخطيب واسمعه المكروه فأعرض الخطيب وتغافل متكدراً وأسرع في المشي فمر بالنخشبي وهو حديث عهد بسماع المكروه من بعض أصحابه فلم ينبسط إليه، وكذلك صنع باللاحق فهذا هو شبه التغيير الذي أراه النخشبي وهو السكر الذي أطلقه ذلك اللاحق (1) هذا كله دفع لاحتمال فامن الثبوت الشرعي فلاحظ لتلك الحكاية فيه بحال (2) .

فصل

بعد أن قضى الخطيب قريبا من ستين سنة على الحال التي تقدمت من الانهماك في

(1) هذا إذا كانت كلمتا «لقي» و «الحق» . في عبارة النخشبي على ظاهرهما وإلا فيحتمل أن ذلك اللاحق هو المؤذي نفسه.

(2)

ولا حاجة بنا هنا إلى نحو ما يأتي في ترجمة الحسن بن إبراهيم. (المؤلف) قلت: وذلك لأن الحكاية لم تثبت لأن مدارها على رجل لم يسن وهو بعض أصحاب النخشبي. ن.

ص: 330

العلم ليلاً ونهاراً حتى كان يمشي في الطريق وبيده يطالعه وفي تلك الصيانة والنزاهة التي أعجز بها أولئك المؤذين فلم يعثروا له على عثرة خرج من بغداد في أيام الفتن وقصد دمشق وأقام بها، وكانت إذ ذاك تحت ولاية العبيديين الرافضة الباطنية، ولكن كانوا يتظاهرون بعدم التعرض لعلماء السنة فاستمر الخطيب على إعماله العلمية إلى أن بلغ عمره خمساً وستين سنة، وحينئذ أمر أمير دمشق من جهة العبيديين الرافضة الباطنية بالقبض على الخطيب ونفيه عن دمشق، فأما مؤرخ دمشق الحافظ الثبت ابن عساكر فقال «سعى بالخطيب حسين الدميني إلى أمير الجيوش وقال هو ناصبي يروي فضائل الصحابة والعباس في جامع دمشق» .

فهذا سبب واضح لنفي الخطيب، فإن العبيديين رافضة باطنية يكفرون الصحابة والعباس ويسرفون في بغضهم، ويرون في نشر فضائل الصحابة والعباس على رؤوس الأشهاد بجامع دمشق تحدياً لهم وتنفيراً عنهم ودعوة إلى الخروج عليهم ودعاية لخصومهم بني العباس الذين كانوا ينازعونهم الخلافة ويقاتلونهم عليها.

وأما ابن طاهر وما أدراك ما ابن طاهر؟ فحكى سبباً آخر وقبل أن اشرحه أذكر شيئاً من حال ابن طاهر، يقول ابن الجوزي في ترجمة ابن طاهر من (المنتظم) ج 9 ص 178 «

. فمن أثنى عليه فلأجل حفظه للحديث وإلا فالجرح أولى به، ذكره أبو سعد بن السمعاني وانتصر له بغير حجة بعد أن قال سألت شيخنا إسماعيل بن أحمد الطلحي عن محمد بن طاهر؟ فأساء الثناء عليه وكان سيئ الرأي فيه، وقال سمعت أبا الفضل محمد بن ناصر يقول محمد بن طاهر لا يحتج به صنف كتاباً في جواز النظر إلى المرد وأورد فيه حكاية عن يحيى بن معين قال رأيت جارية بمصر مليحة صلى الله عليها، فقيل له تصلي عليها؟ فقال صلى الله عليها وعلى كل مليح - ثم قال: كان يذهب مذهب الإباحة. قال ابن السمعاني. وذكره أبو عبد الله محمد بن الواحد الدقاق الحافظ فأساء الثناء عليه جداً ونسبة إلى أشياء. ثم انتصر له ابن السمعاني فقال: لعله قد تاب. فوا عجباً ممن سيره قبيحة فيترك الذم لصاحبها لجواز أن يكون قد تاب، ما أبله هذا المنتصر. ويدل على

ص: 331

صحة ما قاله ابن ناصر من أنه كان يذهب مذهب الإباحة ما أنبانا به أبو المعمر المبارك بن أحمد النصارى قال أنشدنا أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي لنفسه:

دع التصوف والزهد الذي اشتغلت

به جوارح أقوام من الناس

وعج على دير داريا فإن به الـ

رهبان ما بين قسيس وشماس

فاشرب معتقة من كف كافرة

تسقيك خمرين من لحظ ومن كاس

ثم استمع رنة الأوتار من رشأ

مهفهف لحظة أمضى من الماس

وذكره الذهبي في (تذكرة الحفاظ) 4/ 37 وذب عنه قال: «الرجل مسلم معظم للآثار وإنما كان يرى إباحة السماع «يعني سماع الغناء والملاهي» لا الإباحة المطلقة

معلوم جواز النظر إلى الملاح عند الظاهرية فهو منهم» وذكر ثناء جماعة عليه، وله ترجمة في (لسان الميزان) والمقصود أن ابن طاهر كان له ولوع بالجمال وتعلق به وتسمح فيه وإن لم يخرجه إن شاء الله تعالى إلى ما يوجب الفسق. وإنما ذكرته هنا لأن له أثراً على حكايته الآتية كما سترى.

في (تذكرة الحفاظ) ج 3 ص 318: «قال ابن طاهر في (المنثور) أخبرنا مكي الرملي «صوابه الرميلي» قال: كان سبب خروج الخطيب من دمشق أنه كان يختلف إليه صبي مليح فتكلم فيه الناس وكان أمير البلد رافضياً متعصباً، فجعل ذلك سبباً للفتك بالخطيب فأمر صاحب شرطته أن يأخذ الخطيب بالليل ويقتله وكان سنياً فقصده تلك الليلة في جماعته فأخذه وقال له بما أمر به ثم قال: لا أجد لك حيلة إلا أنك تفر منا وتهجم دار الشريف ابن أبي الحسن العلوي

ففعل ذلك، فأرسل الأمير إلى الشريف أن يبعث به: فقال له: أيها الأمير

ليس في قتله مصلحة

أرى أن تخرجه من بلدك. فأمر بإخراجه، فذهب إلى (صور) وأقام بها مدة» .

وذكر ياقوت في (معجم الأدباء) ج 4 ص 34 عن ابن طاهر نحو ذلك وفيه «

كان يختلف إليه صبي مليح الوجه قد مكي، وأنا نكبت عن ذكره» .

ص: 332

أقول: قد عرفت ابن طاهر فأما مكي الرميلي الذي حكى ابن طاهر القصة عنه فحافظ فاضل شافعي كالخطيب ومن تلامذة الخطيب المعظمين له، ترجمته في (تذكرة الحفاظ) ج4 ص 22 و (الطبقات الشافعية) ج 4 ص 20 وذكروا أنه سمع من الخطيب بصور، ثم سمع منه ببغداد كما يعلم من (ترجمة الخطيب) ، وكان مبجلاً للخطيب روى ابن عساكر عنه أنه رأى في المنام لما كانوا يقرؤون على الخطيب (تاريخه) ببغداد أنه حضر مجلس الخطيب القراءة التاريخ على العادة فرأى رجلاً لم يعرفه، فسأل عنه فقيل له هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ليسمع (التاريخ) . انظر الرؤيا مبسوطة في (طبقات الشافعية) ج 3 ص15 وذكرها الذهبي في (تذكرة الحفاظ) ج 3 ص321 قال: «قال غيث الأرمنازي قال مكي الرميلي: كنت ببغداد نائماً في ليلة ثاني عشر في ربيع الأول ثلاث وستين فرأيت كأنا عند الخطيب لقراءة (تاريخه) على العادة

» .

ويؤخذ مما تقدم أن الرميلي لم يلق الخطيب إلا بعد خروج الخطيب من دمشق فلم يحضر الرميلي ذلك الخروج فهل أخبره الخطيب بسبب إخراجه؟

قد عرفنا الخطيب وعرفنا الرميلي وعرفنا ابن طاهر فما الذي يتوقع من الخطيب بعد شيخوخته؟ وما الذي يتوقع أن يخبر به عما جرى له؟ وما الذي يتوقع أن يخبر به الرميلي عن أستاذه المبجل؟ وما الذي يتوقع من ابن طاهر؟

أما السؤال الأول فالعادة قاضية أن العالم الفاضل المستغرق في العلم الذي قضى عامة عمره في صيانة ونزاهة يمتنع أن يعرض له بعد شيخوخته داء العلاقة بالصبيان.

وأما الثاني: فمن عرف الخطيب ونزاهته وصيانته وعقله وتحفظه علم امتناع أن يخبر في شيخوخته بما يشينه شيئاً مزرياً.

وأما الثالث: فيبعد جدا أن يحكى الرميلي ما يشين أستاذه الذي يبجله ذاك التبجيل.

ص: 333

وأما الرابع: فقد طهر الله ابن طاهر من اختلاق الكذب، ولكن لا مانع أن يسمع حكاية لها علاقة ما بالجمال الذي كان مولعاً به متسمحاً في شأنه فتصطبغ في نفسه صبغة تناسب هواه فيحكيها بتلك الصبغة على وجه الرواية بالمعنى. فعسى أن يكون بعض أعداء الخطيب في دمشق لما سعوا به إلى ذاك الأمير الرافضي على ما تقدم عن ابن عساكر توقف لأن أكثر أهل الشام أهل سنة ويخشى أن يعلموا أنه تعرض للخطيب لأجل المذهب ففكر أولئك السعاة في حيلة، فرأوا في طلبه العلم الذين كانوا يختلفون إلى الخطيب فتى صبيحاً فتكلموا بين الناس بأن في اختلاف مثله إلى الخطيب ريبة وربما اختلقوا ما يوقع الريبة عند بعض الناس ثم قالوا للأمير تأخذ الخطيب على أنك إنما أخذته بهذه التهمة التي قد تحدث بها الناس.

فإذا كانت الواقعة هكذا فهي معقولة فقد يقع مثلها لأفضل الناس ويخبر بوقوعها له أعقل الناس وأحزمهم إذا كان يعلم أن معرفتهم بحاله تحجزهم عن أن يتخرصوا منها ما يكره، ويحكى وقوعها لأستاذه أبر الناس وأوفاهم، ولكن ابن طاهر لما سمعها اصطبغت في فهمه ثم في حفظه ثم في عبارته بميله وهواه ورأيه الذي ألف فيه ويؤيد هذا أن الرميلي لما حكى القصة سمى ذاك الفتى ولم ير في ذكر اسمه غضاضة عليه فلما حكاها ابن طاهر لم يسمه بل قال:«قد سماه مكي وأنا نكبت عن ذكره» لأن لونها عند ابن طاهر غير لونها عند مكي ولم يحتج ابن طاهر إلى تسميته كما احتاج إلى ذكر وقوع القصة للخطيب لتكون شاهداً لابن طاهر على ما يميل إليه كما استشهد بما حكاه عن ابن معين من قصة الجارية.

فتدبر ما تقدم ثم استمع لسبط ابن الجوزي وتصرفه.

قال الذهبي في (الميزان) : «يوسف بن فرغلي الواعظ المؤرخ شمس الدين أبو المظفر سبط ابن الجوزي روى عن جده وطائفة، وألف (مرآة الزمان) فتراه يأتي فيه بمناكير الحكايات، وما أظنه بثقة فيما ينقله بل يجنف ويجازف، ثم أنه ترفض وله في ذلك مؤلف

قال الشيخ محي الدين

لما بلغ جدي موت سبط ابن الجوزي قال لا رحمه الله كان رافضيا. قلت كان بارعاً في الوعظ ومدرساً للحنفية» .

ص: 334

أقول قد تقدم أنه كان حنبلياً ثم تحنف في الصورة الظاهرة على ما قاله مذيل مرآته لأجل الحظوة عند الملك عيسى بن أبي بكر بن أيوب يلقيه الكوثري «عالم الملوك الملك المعظم» فإن هذا الملك كان أهله شافعية فتحنف وتعصب، قال فيه الملا علي القاري الحنفي، كما في (الفوائد البهية في مناقب الحنفية) ص 152:

«كان متغالياً في التعصب لمذهب أبي حنيفة قال له والده يوماً كيف اخترت مذهب أبي حنيفة وأهلك كلهم شافعية؟ فقال أترغبون عن أن يكون فيكم رجل واحد مسلم» ! وهذا الملك قد أثنى عليه خليله السبط في (المرآة) ومع ذلك ذكره في مواضع متفرقة بفظائع، وقد سبق له ذكر في ترجمة أحمد بن الحسن بن خيرون وذكرت المانع من تتبع هفواته. فأما السبط فقد مر عن الذهبي ما علمت ومن طالع (المرآة) علم صدق الذهبي فيما يتعلق بالحكايات المنكرة والمجازفات ولا سيما فيما فيه مدح لنفسه، ويظهر من (المرآة) ما يرافق قول صاحب (الذيل عليها) أنه إنما تحنف في الصورة الظاهرة، وكذلك لا يظهر منها أنه رافضي فكأنه إنما ألف كتابه في الترفض تقرباً إلى بعض الرافضة من أصحاب الدنيا. فهذا المجازف اتصل بالملك عيسى وقد عرفت بعض حاله في التعصب فتحنف السبط إرضاء له، وألف كل منهما رداً على الخطيب كما مر في ترجمة أحمد بن الحسن ابن خيرون، وحاول السبط التقرب إلى عيسى بذم الخطيب وذكر حكاية ابن طاهر فزاد فيها، قال الأستاذ ص12 «قال سبط ابن الجوزي في (مرآة الزمان) : قال محمد بن طاهر المقدسي: لما هرب الخطيب من بغداد عند دخول البساسيري إليها قدم دمشق فصحبه حدث صبيح الوجه كان يختلف إليه، فتكلم الناس فيه وأكثروا حتى بلغ والي المدينة وكان من قبل المصريين شيعياً، فأمر صاحب الشرطة بالقبض على الخطيب وقتله وكان صاحب الشرطة سنياً فهجم عليه فرأى الصبي عنده وهما في خلوة فقال للخطيب قد أمر الوالي بقتلك وقد رحمتك

فأخرجوه فمضى إلى صور واشتد غرامه بذلك الصبي، فقال

ص: 335

فيه الأشعار فمن شعره

» .

فيقال لهذا الجانف المجازف توفي ابن طاهر قبل أن يولد جدك فمن أين لك هذه الحكاية عنه على هذا اللون؟ قد حكاها غيرك عن ابن طاهر حتى ياقوت مع شدة غرامه بالحكايات الفاجرة حتى في ترجمة الكسائي فلم يذكروا ما ذكرت، بل نقلها خليلك الملك عيسى في رده على الخطيب ص 277 من خط ابن طاهر كما قال ولم يذكر هذه الزيادة ولا ما يشير إليها. استنفدت هذه من ترجمة الخطيب للدكتور يوسف العش، وكانت القصة وابن طاهر في سن تسع سنين، ولم يكن بدمشق فمن سمع الحكاية؟ لم يسمعها على هذا الوجه من مكي الرميلي فإنه حكى ما سمعه من مكي علي غير هذا، وقد تقدم حال مكي بما يعلم أنه يمتنع أن يحكيها على هذا الوجه أو ما يقرب منه، مع أن مكياً لم يشهد القصة فممن سمعها؟ وفي أقل من هذا ما يتضح به نكارة القصة على هذا الوجه وبطلانها، ولو كان السبط ثقة لاتجه الحمل على ابن طاهر وتثبيت مجازفته لكن حال السبط كما علمت وقد حكاها غيره عن ابن طاهر على وجه يغتفر في الجملة فالحمل على السبط.

أما الأشعار المنسوبة إلى الخطيب فلا أدري ما يصح منها وما وجد منها بخطه قد يكون لغيره وما عسى أن يكون له فذاك على عادة العلماء الذين أخذوا بحظ من الأدب يقول أحدهم الأبيات على طراز ما عرف من شعراء زمانه كما ينقل عن ابن سريج وغيره، وما في (معجم الأدباء) عن أبي العز ابن كادش لا يعبأ به، ترجمة ابن كادش في (لسان الميزان) ج1 ص218 وفيها عن ابن النجار «كان مخلطاً كذاباً لا يحتج بمثله»

وتكلم فيه ابن ناصر وغيره. وذكر ابن عساكر أن ابن كادش أخبره أنه وضع حديثاً في فضل أبي بكر وتبجح بذلك قائلا «بالله أليس فعلت جيداً؟» !

فقد اتضح بحمد الله عز وجل سلامة الخطيب في عقيدته ونزاهته في سيرته وأن ما ظن غمزا في سيرته مع وضوح أنه ليس مما يعتد به شرعاً ليس مما يسوغ احتماله

ص: 336

تخرصاً بل تقضي القرائن وشواهد الأحوال وقضايا العادات ببطلانه.

ومن المضحك المبكي صنيع الأستاذ الكوثري يقول ص 10 في الخطيب «على سوء سلوك ينسب إليه ويجعله في عداد أمثال أبي نواس في هجر القول وسوء الفعل» ويقول ص 51 «إذاً فماذا يكون حاله حينما اقترف ذلك الذنب في دمشق» ويورد عن سبط ابن الجوزي القصة محتجا بها وفي مقابل ذلك يري كلام الأئمة في الحسن بن زياد اللؤلؤي الذي كذبه ابن معين وابن نمير وأبو داود وأبو ثور ويعقوب بن سفيان وغيرهم وقال صالح بن محمد الحافظ الملقب جزرة «ليس بشيء. لا هو محمود عند أصحابنا ولا عند أصحابهم يتهم بداء سوء وليس في الحديث بشيء» وفي (لسان الميزان) ج 2 ص 209 «قال أبو داود عن الحسن بن علي الحلواني رأيت اللؤلؤي قبل غلاما وهو ساجد،

وقال أحمد بن سليمان الرهاوي «رأيته يوماً في الصلاة وغلام أمرد إلى جانبه في الصف فلما سجد مدَّ يده إلى خد الغلام فقرصه» وصالح والحلواني والرهاوي كلهم من الحفاظ الثقات الأثبات فيضج الأستاذ من هذا ويعج ويقول ص 188 «والعجب من هؤلاء الأتقياء الأطهار استهانتهم بأمر القذف الشنيع هكذا فيما لا يتصور قيام الحجة فيه مع علمهم بحكم الله في القذفة ولا يكون ذلك إلا من قلة الدين واختلال العقل» يقول هذا ثم يرمي الخطيب بما رماه ويصرح أو يكاد مع أن القصة ولوكما حكاها سبط ابن الجوزي ليس فيها ما هو ظاهر في التقبيل فضلاً عن غيره ومع علمه بحال سبط ابن الجوزي وحال ابن طاهر وأن السبط لم يدرك ابن طاهر ولم يذكر سنده إليه وأن ابن طاهر لم يدرك القصة ولا ذكر في رواية السبط من أخبره بها وأن الرميلي الذي ذكر ابن طاهر القصة عنه على الوجه المذكور في (تذكره الحفاظ) لم يشهد القصة ولم يذكر عمن أخذها ومع طعن الأستاذ في الرميلي إذا قال ص 121 «تجد بينهم من يجعل النبي صلى الله عليه واله وسلم يحضر مجلس إقراء الخطيب لتاريخه

. ولا يكون منشأ ذلك إلا رقة الدين والنفاق الكمين» !!!

ص: 337

فليتدبر القارئ أيهما أولى بأن يكون قذفا شرعيا أكلمات الأستاذ بانياً على ما ليس بشيء أم قول صالح بن محمد الحافظ المبني على ما سمعه من الناس من اتهامهم اللؤلؤي: «يتهم بداء سوء» وإخبار الحافظين الآخرين بما شاهداه من الؤلؤي في حال سجوده من التقبيل وقرص الخد وأيهما أولى بأن يكون استهانة بأمر القذف الشنيع فيما لا يتصور

قيام الحجة فيه مع العلم بحكم الله في القذفة؟! وأيهما أولى وأحق بأن يقال فيه: «لا يكون ذلك إلا من قلة الدين واختلال العقل» ؟! وكذلك الرميلي الحافظ الفاضل ليس بترتيب على صدقه فيما حكى ما تقوم به حجة شرعية على أن تاريخ الخطيب كله حق، فأي حجة أو شبهة تبعد أن يكون صادقاً فيما حكى؟ فمن الأولى برقة الدين والنفاق الكمين؟!

فصل

قال ابن الجوزي في (المنتظم) ج 8 ص 266 بعد أن عدد جملة من مصنفات الخطيب «فهذا الذي ظهر لنا من مصنفاته ومن نظر فيها عرف قدر الرجل وما هيأ له مما لم يتهيأ لمن كان أحفظ منه كالدارقطني وغيره وقد روي لنا عن أبي الحسن ابن الطيوري أنه قال أكثر كتب الخطيب مستفادة من كتب الصوري ابتدأ بها» قال ابن الجوزي «وقد يضع الإنسان طريقا فيسلك، وما قصر الخطيب على كل حال» .

أقول: لم يسم ابن الجوزي من حكى له ذاك القول عن ابن الطيوري، وابن الطيوري هذا هو المبارك عبد الجبار وثقه جماعة وكذبه المؤتمن الساجي الحافظ، والصوري هو محمد بن عبد الله الساحلي ترجمته في (التذكرة) ج 3 ص 293 وفيها أن مولده سنة ست أو سبع بعد السبعين وثلاثمائة ووفاته سنة 441 فهو أكبر من الخطيب بنحو خمس عشرة سنة، ومع حفظه ففي (التذكرة) ج3 ص 298 في ترجمة أبي نصر السجزي المتوفى سنة 444 «قال ابن طاهر سألت الحافظ أبا إسحاق الحبال عن أبي نصر السجزي والصوري أيهما أحفظ؟ فقال:

ص: 338

كان السجزي أحفظ من خمسين مثل الصوري» وفي (التذكرة) ج 1 ص 314: «قال ابن ماكولا كان أبو بكر الخطيب آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفة وحفظاً واتقاناً وضبطاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتفنناً في علله وأسانيده وعلماً بصحيحه وغريبه وفرده ومنكره ومطروحه، ثم قال: ولَم يكن للبغداديين بعد الدارقطني مثله، وسألت الصوري عن الخطيب وأبي نصر السجزي ففضل الخطيب تفضيلاً بيناً» وقد علمت أن الصوري توفي سنة 441 أي قبل وفاة الخطيب باثنتين وعشرين سنة، ووفاة السجزي سنة 444 وابن طاهر لقي الحبال سنة 470 كما في (التذكرة) ج 3 ص 363 فتفضيل الحبال بين السجزي والصوري كان بعد موتهما فهو بحسب ما انتهى إليه أمرهما ن وأما تفضيل الصوري بين الخطيب والسجزي ففي حياتهما لكن أحدهما وهو السجزي كان في أواخر عمره والآخر وهو الخطيب في وسط عمره لأن الصوري مات سنة 441 كما مر فالسؤال منه وجوابه يكون قبل ذلك فإذا فرضنا أنه قبل ذلك بشهر مثلاً حيث كان سن السائل وهو ابن ماكولا نحو عشرين سنة فإن مولده سنة 422 كان قبل وفاة السجزي بنحو ثلاث سنين وقبل وفاة الخطيب بنحو اثنين وعشرين سنة، فيخرج مما تقدم أن الخطيب باعتراف الصوري كان قبل موته باثنتين وعشرين سنة بحيث يفضل تفضيلاً بيناً على من هو بحكم الحبال أحفظ من خمسين مثل الصوري فما عسى أن يكون بلغ بعد ذلك؟ وإذا كانت النسبة بينهما هي هذه فما معنى ما حكى عن ابن الطيوري؟ هل معناه أن الصوري ابتدأ في أكثر الكتب التي تنسب إلى الخطيب ولم يتم شيئاً منها؟ يقول ابن السمعاني أن مؤلفات الخطيب ستة وخمسون مصنفاً فهل ابتدأ الصوري في عمل ثلاثين مصنفاً أو نحوها ولم يتم شيئا منها؟ فإن كان أتم شيئاً شيئاً منها أو قارب أو على الأقل كتب منه كراسة مثلاً فقد كان ابن الطيوري من أخص الناس بالصوري كما يؤخذ من (لسان الميزان) ج5 ص10 أفلم يكن عنده شيء من ابتداءات الصوري فيبرز للناس تصديقاً لقوله؟ ولعل أصل الحكاية على ما يؤخذ من (معجم الأدباء) أن الكتب التي كانت ملك الصوري صار جملة منها بعد موته إلى الخطيب فاستفاد منها

ص: 339

الخطيب، لكن قد علمنا أن الخطيب لا يكاد يورد شيئاً إلا بأسانيده المعروفة، ومن تدبر مؤلفاته علم أنها من مشكاة واحدة أوائلها وأواخرها. هذا وفي رواية عن ابن الطيوري أن الصوري كان ترك كتبه عند أخت له بصور. وأن الخطيب أخذها عند خروجه إلى الشام (كأنه يعني عند دخوله صور وذلك بعد إقامته بدمشق) واحتج الدكتور بهذا على بطلان زعم ابن الطيوري من أصله لأن أكثر كتب الخطيب ثبت تأليفه لها قبل خروجه إلى الشام - وذكر دليل ذلك - وبأن الصوري إمام ببغداد نيفاً وعشرين سنة وبها مات فكيف يعقل أن لا يطلب كتباً تركها عند أخته؟!

فصل

قال ابن الجوزي في (المنتظم) ج 8 ص 267 بعد أن ذكر ميل الحنابلة على الخطيب حتى انتقل عن مذهبهم ما لفظه «وتعصب في تصانيفه عليهم فرمز إلى ذمهم وصرح بقدر ما أمكنه فقال في ترجمة أحمد بن حنبل: «سيد المحدثين» ، وفي ترجمة الشافعي:«تاج الفقهاء» فلم يذكر أحمد بالفقه. وقال في ترجمة حسين الكرابيسي أنه قال عن أحمد: أي شيء نعمل بهذا الصبي؟ إن قلنا لفظنا بالقرآن مخلوق، قال: بدعة، وإن قلنا: غير مخلوق، قال: بدعة، وله دسائس في ذمهم من ذلك أنه ذكر مهنأ بن يحيى

ومال الخطيب على أبي الحسن «عبد العزيز بن الحارث» التميمي

ومال الخطيب على أبي «عبد الله» عبيد الله بن «محمد بن» بطة

ومال الخطيب على أبي علي «الحسن ابن علي» ابن المذهب. وكان في الخطيب شيئان: أحدهما الجري على عادة عوام المحدثين في الجرح والتعديل فإنهم يجرحون بما ليس بجرح، وذلك لقلة فهمهم، والثاني التعصب على مذهب أحمد وأصحابه

» .

أقول: رحمك الله يا أبا الفرج! لا أدري أجاوزت الحد في غبطة الخطيب على مصنفاته التي أنت عيال عليها كما يظهر من مقابلة كتبك بكتبه، فدعتك نفسك إلى

ص: 340

التشعيث منه والتجني عليه؟ أم أردت التقرب إلى أصحابك الذين دخل في قلوبهم من يومك المشهود الذي لم ير مثله غم عظيم؟ أم كنت أنت المتصف بما ترمي به المحدثين من قلة الفهم؟

أما ما قاله الخطيب في ترجمتي أحمد والشافعي فلفظه في المطبوع ج 4 ص 412 في ترجمة أحمد «

إمام المحدثين الناصر للدين والمناضل عن السنة والصابر في المحنة

» وفي آخر الترجمة ج 4 ص 423 «قد ذكرنا مناقب أبي عبد الله أحمد بن حنبل مستقصاة في كتاب أفردناه لها فلذالك اقتصرنا في هذا الكتاب على ما أوردنا منها» وعبارته في ترجمة الشافعي ج 2 ص 56 «

زين الفقهاء وتاج العلماء

» فعلى هذا للشافعية أن يعاتبوا الخطيب قائلين: لم تذكر الشافعي بالحديث فإن كنت لا تراه محدثاً فقد سلبته أعظم الفضائل ولزم من ذلك سلبه الفقه والعلم الذي يعتد به، وإن كنت تراه محدثاً فقد جعلت أحمد إماماً له أو سيداً للمحدثين مطلقاً فشمل ذلك الفقهاء منهم فلزم أن يكون إمام الفقهاء أو سيدهم مطلقاً، ومع ذلك لم تذكر الشافعي بنصرة الدين ولا النضال عن السنة، فأما قولك «زين الفقهاء وتاج العلماء» فلا يدفع ما تقدم لأن المتزين أفضل من الزينة، ولا بس أفضل من التاج.

والصواب أن المناقشة في مثل هذا ليست من دأب المحصلين وإنما الحاصل أن المترجم يتحرى في صدر الترجمة أشهر الصفات فأحمد لتبحره الحديث وتجرده لنصر السنة كان أشهر بذلك منه بالفقه، والشافعي لتجرده للفقه كان أشهر به.

وأما قضية الكرابيسي فإن الخطيب روى بسنده في ترجمته ص 8 ص 64 عن يحيى بن معين أنه «قيل له أن حسينا الكرابيسي يتكلم في أحمد بن حنبل، قال ما أحوجه أن يضرب» وروي عن يحيى أيضا أنه قال «ومن حسين الكرابيسي لعنه الله

» ثم ذكر القصة التي فيها تلك الكلمة ثم ذكر روايات عن أحمد في تبديع الكرابيسي والتحذير منه ثم ذكر قصة فيها غض الكرابيسي من فضل أمير المؤمنين

ص: 341

علي بن أبي طالب، وأن رجلاً رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكذب الكرابيسي. فالخطيب ذكر تلك الكلمة لفائدتين.

الأولى: تفسير ما تقدم أجماله من أن الكرابيسي كان يتكلم في أحمد، ليتبين أنه كلام فارغ.

الثانية: زيادة التشنيع على الكرابيسي فمن توهم أن الخطيب حاول انتقاص أحمد فهو كمن يتوهم أن ذكره القصة التي فيها غض الكرابيسي من فضل علي بن أبي طالب، محاولة من الخطيب لانتقاص علي! وابن الجوزي يرمي الخطيب وعامة المحدثين بقلة الفهم وهذه حاله! وأما ما زعمه ابن الجوزي من ميل الخطيب على مهنأ والجماعة الذين سماهم فقد أفردت لكل منهم ترجمة تأتي في موضعها إن شاء الله تعالى وتتضح براءة الخطيب مما تخيله ابن الجوزي.

وقد وثق الخطيب جمعاً كثيراً بل جمعاً غفيراً من الحنابلة وأطاب الثناء عليهم. فإن ساغ أن يرمى بالتعصب على الحنابلة لذكره القدح في أفراد منهم فليسغ رميه بالتعصب لهم لتوثيقه أضعاف أضعاف أولئك، وليسغ رميه بالتعصب على الشافعية لذكره القدح في كثير منهم وقد من قريباً ما ذكره في الكرابيسي وهكذا حال بقية المذاهب فهل يسوغ أن يقال إن الخطيب كان يتعصب لأهل مذهب وعليهم؟ فإن قيل بل ينظر في كلامه ن قلت فستراه في التراجم.

فصل

قال ابن الجوزي: «وقد ذكر في (كتاب الجهر) أحاديث يعلم أنها لا تصح، وفي

(كتاب القنوت) أيضاً، وذكر مسألة صوم في يوم الغيم حديثاً يدري أنه موضوع، فاحتج به ولم يذكر عليه شيئاً، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:«من روى حديثاً يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» (1) . وذكر

(1) أخرجه مسلم في مقدمة (صحيحه) ن.

ص: 342

الكوثري في (التأنيب) ص10 عبارات أخرى لابن الجوزي تشتمل على زيادة فذكر مما أخرجه الخطيب في

(كتاب الجهر بالبسملة)«مثل حديث عبد الله بن زياد بن سمعان وقد أجمعوا على ترك حديثه، قال مالك: كان كذاباً، ومثل حديث حفص بن سليمان (1) ، قال أحمد: هو متروك الحديث» ومما يتعلق بـ (كتاب القنوت) : «ما أخرجه عن دينار بن عبد الله عن أنس قال: ما زال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقنت في صلاة الصبح حتى مات، قال: وسكوته عن القدح في هذا الحديث واحتجاجه به وقاحة عظيمة، وعصبية باردة، وقلة دين، لأنه يعلم أنه باطل، قال ابن حبان: دينار يروي عن أنس آثاراً موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب إلا على سبيل القدح فيه» .

أقول: الجواب من أوجه:

الأول: أن الخطيب إن كان قصد بجمع تلك الرسائل جمع ما ورد في الباب فلا احتجاج وإن كان قصد الاحتجاج فبمجموع ما أورده، بكل حديث على حدة.

الثاني: أننا عرفنا من ابن الجوزي تسرعه في الحكم بالوضع والبطلان وترى إنكار أهل العلم عليه في كتب المصطلح في بحث «الموضوع» .

الثالث: أن من جمة ما أورده في «الموضوعات» وحدها أكثر من ثلاثين حديثاً رواها الإمام أحمد في (مسنده) ولعله أورد في (الأحاديث الواهية) أضعاف ذلك، فيقال له: إن كنت ترى أنه خفي على الإمام أحمد ما علمته من كون تلك الأحاديث موضوعة أو باطلة فما نراك أحسنة الثناء عليه، وعلى ذلك فالخطيب

(1) هو أبو عمر البزاز الأسدي الكوفي القارئ، وهو متروك الحديث كما يأتي في التعليق. ن.

ص: 343

أولى أن يخفى عليه، وإن كنت ترى أن الإمام أحمد علم أنها موضوعة أو باطلة ومع ذلك أثبتها في (مسنده) ولم ينبه عليها فكفى به أسوة الخطيب.

الرابع: لا يلزم من زعم ابن الجوزي أن الحديث موضوع باطل أن يكون الخطيب يرى مثل رأيه.

الخامس: قد يجوز أن يكون الحديث موضوعاً أو باطلاً ولم ينتبه الخطيب لذلك.

السادس: إذا روي الحديث بسند ساقط لكنه قد روي بسند آخر حسن أو صالح أو ضعيف ضعفاً لا يقتضي الحكم ببطلان المتن مطلقاً، ولا يدخل من رواه بالإسنادين معاً في حديث «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» لأنه لا يرى الحديث نفسه كذباً، وقد يتوسع في هذا فيلحق به ما إذا كان المتن المروي بالسند الساقط ولم يرو بسند أقوى لكن قد روي معناه بسند أقوى، ويقوي هذا أن المفسدة إنما تعظم في نسبة الحكم إلى النبي صلى الله عيه وآله وسلم مع ظن أنه كذب لا في نسبة اللفظ وشاهد هذا جواز الرواية بالمعنى.

الأمر السابع: قوله في عبد الله بن زياد بن سمعان: «أجمعوا على ترك حديثه» فيه نظر فقد أكثر عنه ابن وهب ووثقه على ما في (مختصر كتاب العلم لابن عبد البر) ص199، ومجموع كلامهم فيه يدل أنه صدوق في الأصل فلا بأس بإيراد حديثه في المتابعات والشواهد (1) .

(1) قلت: بل الصواب فيه أنه ضعيف جداً، لا يصلح للاستشهاد به، كما يشير إلى ذلك قول الذهبي في (الميزان) : «تركوه

قال خ: سكتوا عنه

وقال أحمد: إبراهيم بن سعد يحلف أن ابن سمعان يكذب. وروى ابن القاسم عن مالك: كذاب» . وكذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية أنه كذاب فهذا جرح مفسر، فتوثيق ابن وهب إياه إن ثبت عنه، غير مقبول، كما يقتضيه علم المصطلح، وبينه المصنف رحمه الله في بحث (2- التهمة بالكذب)(ص 36 - 42) . ن.

ص: 344

وأما حفص فروى عبد الله حنبل عن أحمد «متروك الحديث» وروى عبد الله أيضاً عن أبيه: «صالح» ، وروى حنبل عن أحمد أيضاً «ما به بأس» فيأتي في حديثه نحو ما مرَّ (1) ، وإنما ذكر الخطيب رواية هذين مع عدة روايات عن غيرهما، والروايات في ذلك معروفة تراها في (سنن الدراقطني) و (سنن البيهقي) وغيرهما، وفي ذلك آثار عن الصحابة منها صحيح فما دونه.

وحديث أنس النافي للهجر قد أعل بعدة علل كما ترى ذلك في بحث المعلل من) تدريب الراوي) (2) وجمع الشيخ تقي الدين ابن تيمية بأن الأصل عدم الجهر ولكن

(1) قلت: بل يقال ما سبق آنفاً في ابن سمعان، فقد اتفقوا على تضعيفه أيضاً بل كذبه ابن معين في رواية وابن خراش، ولم يذكروا توثيقه إلا عن وكيع، وإلا ما ذكره المصنف عن أحمد من الروايتين عنه. ومثل هذا التوثيق مما لا يلتفت إليه بعد اتفاق الجمهور على تجريحه وتكذيب بعضهم له على أنه يمكن جمل التوثيق المذكور على راو آخر اسمه حفص بن سليمان أيضاً كما نبه على ذلك المصنف في (كيف البحث عن أحوال الرواة) ، ويؤيده أن ابن شاهين حمل قول أحمد «صالح» على حفص بن سليمان المنقري التميمي البصري، كما في (التهذيب) ولكي لا يشتبه هذا بالأول قال ابن حبان «وليس هذا بحفص بن سليمان البزار أبي عمر القاري، ذاك ضعيف. وهذا ثبت» . ن.

(2)

قلت: إنما أعلّ حديث أنس من جهة ما جاء في بعض طرقه من الألفاظ التي تدل بظاهرها على نفي قراءة البسملة أصلاً، وهو ما رواه عن مسلم عن قتادة عنه: «صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بـ (الحمد لله رب العالمين) لا يذكرون (بسم الله الرحمن الرحيم) في أول قراءة ولا في ألفاضه الأخرى التي اتفقت على إثبات قراءتها، وفي بعضها سراً. فليس معلولاً. هذا هو الذي انصب عليه كلام الحافظ السيوطي في الكتاب المذكور:(التدريب) ، فراجعه متأملاً، على أن قوله.

«يذكرون» يمكن تأويله بنفي ذكرها جهراً كما كانوا يجهرون بالفاتحة، فلا ينافي حينئذ الألفاظ الأخرى، فعلى هذا فليس الحديث معلا أصلاً، وهو حجة في إثبات قراءتها سراً، وهو الذي اعتمده الحافظ في (الفتح) فارجع إليه فإنه مهم. ن.

ص: 345

كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ربما جهر ليعلم أصحابه وكذلك أصحابه كان أحدهم ربما جهر ليعلم من يسمعه، وفي (الصحيح) عن أبي قتادة «كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورة يسمعنا الآية أحياناً» وللنسائي عن البراء «

فنسمع منه الآية بعد الآية

» ولابن خزيمة عن أنس نحوه كما في (فتح الباري) فإسماعه إياهم البسملة في الجهرية آكد لأنه إذا أسرّ بها وجهر بما بعدها توهموا أنه تركها البتة. فمن لم يقع له هذا الجمع أو لم يقو عنده وقوي عنده ما ورد في الجهر فأخذ به مطلقاً كالشافعي فلا لوم عليه، ومن احتج من أتباعه بما ورد في الجهر بالأسانيد القوية وألحق بها م يوافقها مما في سنده نحو ابن سمعان وحفص بن سليمان فلا حرج عليه (1) .

(1) قلت: قد علمت من التعليق السابق رقم (1) ، والذي قبله أن المذكورين واهيان جداً، لا يستشهد بهما، وما أفاده المصنف رحمه الله من ورود الجهر بالأسانيد القوية فيه نظر عندي، لأن البحث الدقيق في أحاديث الجهر قد دلَّ على أنها تنقسم إلى قسمين:

الأول: صريح في الجهر، ولكن ليس فيها ما يصح إسناده أصلاً، وقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموعة الفتاوى)(1/76 - 77 طبع كردي) اتفاق أهل المعرفة بالحديث على أنه ليس بالجهر بها حديث صريح، وإنما يوجد الجهر بها في أحاديث موضوعة

يرويها من جمع هذا الباب كالدارقطني والخطيب وغيرهما، فإنهما جمعوا ما روي، وإذا سئلوا عن صحتها قالوا بموجب علمهم، كما قال الدارقطني لما دخل مصر وسئل أن يجمع أحاديث الجهر؟ فجمعها، فقيل له: هل فيها شيء صحيح؟ فقال: أما عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا، وأما الصحابة، فمنه صحيح منه ضعيف. وسئل أبو بكر الخطيب عن مثل ذلك فذكر حديث معاوية لما صلى بالمدينة، وذكر الخطيب أنه أقوى ما يحتج به، وليس بحجة كما يأتي بيانه.»

ثم أطال في بيان ضعف إسناده من وجوه فراجعها فيه.

والقسم الآخر: أحاديث غير صريحة في الجهر، وأصح ما ورد فيه كما قال الحافظ في «الفتح» حديث أبي هريرة من رواية نعيم المجمر قال: «صليت وراء أبي هريرة فقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) ثم بأم القرآن

ويقول: إني لأشبهكم صلاة برسول الله =

ص: 346

وأما حديث «ما زال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقنت في الصبح حتى مات» فقد ورد من وجهين آخرين أو أكثر عن أنس، صحح بعض الحفاظ بعضها (1) وجاء نحو معناه من وجوه أخرى راجع، «سنن الدارقطني» و «سنن

= صلى الله عيه وسلم» .

فهذا كما ترى ليس فيه ذكر الجهر، وقوله:«فقرأ» يحتمل أن يكون قرأها سراً، ويكون نعيم علم بذلك بقربه منه، فإن قراءة السر إذا قويت يسمعها من يلي القارئ كما قال ابن تيمية.

والخلاصة أنه لم يصح في الجهر بالبسملة في الصلاة ما تقوم به الحجة في الحديث والتفصيل لا يتسع له هذا المكان فليراجع من شاء (نصب الراية) 1/335 - 336، بلى قد صح الإسرار بها من حديث أنس كما سبقت لإشارة إلى ذلك في التعليق السابق. وللحافظ محمد بن طاهر المقدسي رسالة جيدة في هذه المسألة اختار فيها لإسرار قال في مطلعها:

«أما بعد، فإن سائلاً سألني عن السبب الموجب لترك الجهر بقراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) في أول الفاتحة

بعد أن كنت أجهر بها؟ فكان الجواب:

إنني لما نشأت، كنت على مذهب أخذته تقليداً، إذ الصبي يكون مذهبه قبل التمييز مذهب أبويه وأهل بلده، فكنت على ذلك حيناً أعتقد صحته، جهلاً مني بطرق الأحاديث التي هي المرقاة المتوصل بها إلى معرفة ذلك، فلما رزقني الله تعالى من العلوم أجلها وأنفعها عاجلاً وآجلاً، دعاني ذلك إلى تناول الصحيح مما نقل عن صاحب الشريعة وترك ما سواه، وذلك أني تتبعت هذه المسألة وأحاديثها لفريقين فلم أجد في الجهر بها في الصلاة حديثاً صحيحاً يعتمد عليه أهل النقد

» .

(1)

يشير المصنف رحمه الله تعالى إلى الحاكم فهو الذي صحح الحديث من غير طريق دينار، وتعقبه ابن القيم وابن حجر وغيرهما بأن فيه أبا جعفر الرازي وهو ضعيف سيئ الحفظ، وأما الوجوه الأخرى التي أشار إليها المصنف، فهي واهية جداً لا تصلح للاستشهاد بها على أن بعضها ليس فيها ذكر القنوت في الصبح والمداومة عليها فليست شاهداً تاماً لو ثبت، وتفصيل هذا في كتابنا «سلسلة الأحاديث الضعيفة» رقم (1238) .

ص: 347

البيهقي» وبمجموع ذلك يقوى الحديث. وقد جمع ابن القيم بينه وبين ما جاء في ترك القنوت، فإذا أخرج الخطيب الحديث من تلك الأوجه القوية ثم ألحق بها رواية دينار لم يلزمه أن يبين في ذاك الموضع حال دينار لما مرَّ في الوجه السادس على أنه قد بيّن الخطيب في موضع آخر حال دينار وبينه وغيره واشتهر ذلك، وقد بين الأئمة كالثوري وابن المبارك وغيرهما حال الكلبي ثم كانوا يروون عنه ما لا يرونه كذباً ولا يذكرون حاله.

وأما النهي عن صوم يوم الشك فلم أعثر عليه (1) غير أن الأدلة على ذلك معروفة في (الصحيحين) وغيرهما وعن الإمام أحمد في صوم يوم الشك إذا كان غيم رواية أنه لا يصام واختاره بعض المحققين من أصحابه فعند الخطيب أن الحكم ثابت بأحاديث صحيحة وبقية الكلام يعلم مما مرّ.

وأما قول ابن الجوزي «وقاحة عظيمة وعصبية بارد وقلة دين» فابن الجوزي أحوج إلى أن يجيب عنها! غفر الله للجميع.

فصل

في (تاريخ بغداد) 2/177 «أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قال: أنبأنا عثمان بن أحمد الدقاق قال: ثنا محمد بن إسماعيل التمار قال: حدثني الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي يقول: ما ناظرت أحداً إلا تمعر وجهه ما خلا محمد بن الحسن. أخبرنا محمد بن الحسين القطان قال: أنبأنا دعلج بن أحمد قال: أنبأنا أحمد بن علي الأبار قال: حدثني يونس - يعني ابن عبد الأعلى - قال سمعت الشافعي يقول: ناظرت محمد بن الحسن وعليه ثياب رقاق فجعل تنتفخ أوداجه ويصيح حتى لم يبق له

(1) قلت: الظاهر أنه حديث «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم» فقد أورده الفتني في (تذكرة الموضوعات) عن (الخلاصة) وقال ص71: «هذا كلام عمار بن ياسر» . وهو ثابت عنه وقد خرجته في (الإرواء) .

ص: 348

زر إلا انقطع قلت: (الصواب: قال) ما كان لصاحبك أن يتكلم ولا كان لصاحبي أن يسكت، قال قلت له: نشدتك بالله هل تعلم أن صاحبي كان عالماً بكتاب الله؟ قال: نعم، قال قلت: فهل كان عالماً بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: نعم، قال قلت: أفما كان عاقلاً؟ قال: نعم، قلت: فهل كان صاحبك جاهلاً بكتاب الله؟ قال: نعم، قلت: وبما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: نعم، قلت: وكان عاقلاً؟ قال: نعم، قال: قلت: صاحبي فيه ثلاث خصال لا يستقيم لأحد أن يكون قاضياً إلا بهن، - أو كلاماً هذا معناه» قال الأستاذ ص180 في جملة الكلام على الحكاية الثانية في شأن تغير محمد بن الحسن:«هذا خلاف ما صح عنه في () انتقاء ابن عبد البر ص24 وخلاف ما ثبت عن الشافعي بطرق أنه لم ير من لا يتغير عند المناظرة سواه» .

أقول: الذي في «الانتقاء» في تلك الصفحة «حدثنا خلف بن قاسم قال نا الحسن ابن رشيق قال نا محمد بن الربيع بن سليمان ومحمد بن سفيان بن سعيد قالا نا يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي الشافعي: ذاكرت محمد بن الحسن يوماً، فدار بيني وبينه كلام واختلاف، حتى جعلت أنظر إلى أوداجه تدور وتنقطع أزراره فكان فيما قلت له يومئذ: نشدتك الله هل تعلم أن صاحبنا - يعني مالكاً - كان عالماً بكتاب الله؟ قال: اللهم نعم، قلت: وعالماً باختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: اللهم نعم» فالاختلاف بين الروايتين بالنسبة إلى تغير محمد اختلاف يسير لا تكاد تخلوا عن مثله حكاية تروى من وجهين مختلفين.

أما قول الأستاذ «وخلاف ما ثبت عن الشافعي بطرق

» فقد قدم الخطيب روايته في ذلك وفي سندها محمد بن إسماعيل التمار قال الأستاذ إنه غير موثق كما يأتي في ترجمته، ولا منافاة، بل معنى قوله «ما ناظرت أحداً إلا تمعر وجهه» على العموم فيعم كل مناظر في كل مناظرة فلا ينافي ذلك أنه تغير في مناظرة واحدة مثلاً.

ص: 349

ثم ذكر الأستاذ بقية القصة ثم قال «لا أدري متى كان أبو حنيفة أو مالك قاضياً

» .

أقول هذا هين فإن من لازم أهلية القضاء أهلية الاجتهاد، ثم قال:

«وتلك العبارة لم ترد في رواية من الروايات أصلاً بل هذه تغير من الخطيب حتماً وقد زاد في الآخر «أو كلاماً هذا معناه» ليتمكن من التملص من تبعة هذا التحريف الشنيع حينما يهتك ستر وجهه بأن قيل له استقصينا طرق تلك الحكاية من طريق يونس ابن عبد الأعلى وغيره استقصاء لا مزيد عليه فلم نجد تلك العبارة في شيء منها فتكون أنت غيرت وبدلت، فيجيب الخطيب قائلاً: ما ادعيت أن ما سبق ذكره هو نص عبارة الرواية بل هذا معناه، وكفى أن نقول لمثل هذا المحرف المنحرف أفليس في روايتك: ما كان لصاحبك أن يتكلم ولا كان لصاحبي أن يسكت، فكيف تتصور أن يوجب محمد ابن الحسن الكلام والإفتاء على من هو جاهل بكتاب الله وسنة رسوله ويحرم ذلك على العالم بهما، فيكون مع الخبر ما يبطله على أن من اطلع على كتب محمد بن الحسن

عَلِمَ عِلْمَ اليقين منزلة صاحبه عنده من معرفة الكتاب والسنة.

أقول قولك: «لم ترد في رواية من الروايات أصلاً» إن أردت الإطلاق فهذه مجازفة، فإن كثيراً من كتب الحديث فضلاً عن كتب الحكايات منها ما قد فقد ومنها ما ليس في متناول الأيدي، وحسبك أنك ادعيت الاستقصاء الذي لا مزيد عليه ومع ذلك فاتك في كلامك أثبت الطرق، وهي رواية ابن أبي حاتم عن ابن عبد الحكم وهي في موضعين من كتاب (تقدمة الجرح والتعديل) الذي نقلت عنه في غير موضع منها ما مرّ في ترجمة إبراهيم بن محمد بن الحارث، وفي (تهذيب التهذيب) في ترجمة مالك التنبيه عليها وهو في متناول يدك كل وقت وفي لفظ ابن أبي حاتم: «حدثنا محمد بن عبد الله بن الحكم قال سمعت الشافعي يقول: قال لي محمد بن الحسن أيهما أعلم بالقرآن صاحبنا أو صاحبكم؟ يعني أبا حنيفة ومالك بن

ص: 350

أنس، قلت على الإنصاف؟ قال نعم، قلت: فأنشدك الله من أعلم بالقرآن صاحبن أو صاحبكم؟ قال قال: صاحبكم، يعني مالك، قلت فأنشدك الله من أعلم بالسنة صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قلت فأنشدك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمتقدمين صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: صاحبكم، قال الشافعي فقلت: لم يبق إلا القياس والقياس لا يكون إلا على واحد من هذه الأشياء فمن لم يعرف الأصول فعلى أي شيء يقيس؟

فاتت الأستاذ مع زعمه أنه استقصى استقصاء لا مزيد عليه - هذه الرواية مع أن في ترجمة مالك من (تهذيب التهذيب) : «وقال ابن أبي حاتم ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم سمعت الشافعي يقول

» نعم نقل الأستاذ متن هذه الرواية عن كتاب لم تستند فيه ولا أشير إلى إسنادها فقال: «ولفظ ابن أبي إسحاق الشيرازي في (طبقات الفقهاء) ص 42 بدون سند قال الشافعي -» وذكر الأستاذ رواية ابن عبد الحكم من وجهين آخرين.

الأول: عن ص 23 من (انتقاء عبد البر) من طريق «إبراهيم بن نصر سمعت محمد ابن عبد الله بن الحكم يقول: سمعت الشافعي يقول: قال لي محمد بن الحسن: صاحبنا أعلم أم صاحبكم؟ - يعني أبا حنيفة ومالكاً - وما كان على صاحبكم أن يتكلم وما كان على صاحبنا أن يسكت، قال: فغضبت وقلت: نشدتك الله من كان أعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك أو أبو حنيفة؟ قال: مالك، لكن صاحبنا أقيس، فقلت: نعم، ومالك أعلم بكتاب الله وناسخه ومنسوخه وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبي حنيفة، فمن كان أعلم بكتاب الله وسنة رسوله كان أولى بالكلام» .

الثاني: عن (مناقب أحمد) لابن الجوزي ص 498 من طريق «يحيى بن آدم الجوهري قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: سمعت محمد بن الحسن يقول: صاحبنا أعلم أم صاحبكم؟ قلت: تريد المكابرة أم

ص: 351

الإنصاف؟ قال: بل الإنصاف، قلت: فما الحجة عندكم؟ قال: الكتاب والإجماع والسنة والقياس، قال: قلت: أنشدك أصاحبنا أعلم بكتاب الله أم صاحبكم؟ قال: إذ أنشدتني بالله فصاحبكم، قلت: فصاحبنا أعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أم صاحبكم؟ قال: صاحبكم، قلت: فبقي شيء غير القياس؟ قال: لا، قلت: فنحن ندعي القياس أكثر مما تدعونه وإنما يقاس على الأصول فيعرف القياس، قال: ويريد بصاحبه مالك بن أنس» .

ثم نقل عن (كتاب ذم الكلام) للهروي رواية أخرى من طريق الربيع عن الشافعي وبين الألفاظ اختلاف كما هو شأن الرواية بالمعنى، ومثل ذلك يكثر في رواية الأحاديث النبوية كما سترى أمثلته في «قسم الفقهيات» من هذا الكتاب، فما بالك بالحكايات؟

وأثبت هذه الروايات وأولاها بأن يكون متنها هو اللفظ الذي قاله الشافعي رواية ابن أبي حاتم لجلالته ولأنه أثبتها في موضعين من كتابه بلا فرق فدل ذلك أنه أثبتها في أصله عند تلقيها من ابن عبد الحكم ثم نقلها بأمانتها إلى كتابه المصنف. فأما بقية الروايات فلم تقيد في كتاب إلا بعد زمان بعد أن تداولها جماعة من الرواة وذلك مظنة بالتصرف على جهة الرواية بالمعنى، نعم رواية الخطيب من طريق الأبار عن يونس مقيدة في مصنف للأبار يرويه الخطيب بذاك السند لكن لم يقم دليل على أن الأبار أثبتها في أصله عند السماع إلا أن رواية ابن عبد البر دلت على ضبط الأبار، وإنما الظاهر أن يونس لم يكتب الحكاية عند سماعها من الشافعي ولم يتقن حفظها فاتسع في روايتها بالمعنى واحتاط.

وإيضاح ذلك أن القصة مبنية على المفاضلة، والمفاضلة قد يعبر عنها بالجمع كأن يقال:«أيهما أعلم» وقد يعبر عنها بالتفريق كأن يقال: «وأما كان فلان كذا» ثم يقال في الآخر: «فهل كان فلان كذا» على الوجه الذي يؤدي التفضيل فرواية ابن عبد الحكم من طرقها الثلاث، وكذا رواية الربيع سلكت طريق الجمع «أيهما أعلم» أما يونس فسلك طريق التفريق فوقع في روايته عند الخطيب وابن عبد البر: «هل

ص: 352

تعلم أن صاحبي - أو صاحبنا - عالم

» فلزم من هذا بحسب الظاهر أن يقال في المقابل: «فهل كان صاحبك جاهلاً» فجرى الأمر على ذلك كما في رواية الخطيب، وكأن يونس أحس بالخلل في الظاهر فقال في رواية الخطيب «أو كلاماً هذا معناه» فأما في رواية ابن عبد البر فقد يكون الاقتصار من يونس لشعوره بعدم إتقانه للقصة، فكما أنه لأجل ذلك لما حدث الأبار واستوفى القصة، فكما أنه لأجل ذلك لما حدث الأبار واستوفى القصة قال:«أو كلاماً هذا معناه» فكذلك لما حدث الأبار واستوفى القصة قال: «أو كلاماً هذا معناه» فكذلك لما حدث محمد بن الربيع ومحمد بن سفيان اقتصر على أولها وترك ما يتبين به الخلل. وقد يكون - وهو الظاهر - الاقتصار من عبد البر، وذلك لأسباب:

الأول: أن بقية الحكاية ليس من مقصوده في الموضع الذي ذكرها فيه.

الثاني: أن ذكر بقيتها مناف لمقصوده في الانتقاء من الإجمال والمجاملة.

الثالث: أنه شعر أن في بقيتها خللاً بحسب الظاهر.

أما قولي بأن الخلل بحسب الظاهر فقط فلأن القرائن تدل أن المقصود بكلمة «جاهل» الجهل النسبي، وفي (فتح المغيث) ص162: «فقد يقولون: فلان ثقة، أو، ضعيف، ولا يريدون أنه ممن يحتج به ولا ممن يرد، إنما ذاك بالنسبة لمن قرن معه

قال عثمان الدارمي: سألت ابن معين عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه

فقال: ليس به بأس، قلت: هو أحب إليك أو سعيد المقبري؟ قال: سعيد أوثق، والعلاء ضعيف. فهذا لم يرد به ابن معين أن العلاء ضعيف مطلقاً بدليل قوله أنه لا بأس به، وإنما أراد أنه ضعيف بالنسبة لسعيد المقبري.

وأما احتمال أن يكون الاقتصار من ابن عبد البر فمثل ذلك جائز عند الجمهور في الحديث النبوي فكيف الحكايات؟ وفي (تدريب الراوي) : «قال البُلْقيني: يجوز حذف زيادة مشكوك فيها بلا خلاف وكان مالك يفعله كثيراً تورعاً» .

وأما قولي: إن التغيير من يونس فلوجهين:

ص: 353

الأول: أن رواية ابن عبد الحكم بطرقها الثلاث ورواية الربيع قد دلت أن القصة مطولة، وأن موضوعها المفاضلة بين مالك وأبي حنيفة، ورواية ابن عبد البر من طريق يونس لا تفي بذلك.

الثاني أن رواية ابن عبد البر قد وافقت رواية الخطيب في التغيير في ذكر مالك بلفظ «عالم» وذلك من يونس اتفاقاً، وهو مقتض كما تقدم أن يقال في مقابله «جاهل» فبان أن هذا أيضاً من يونس. ولولا رواية ابن عبد البر، لجاز أن يكون التغيير من الأبار بأن يكون لما سمع القصة لم يثبتها في أصله ولم يتقن حفظها، فلما احتاج إلى ذكرها في مصنفة رواها بالمعنى ولما أحس بالخلل بحسب الظاهر قال «أو كلاماً هذا معناه» .

فأما احتمال أن يكون التغيير من الخطيب خطأ فباطل لأوجه:

الأول: ما تقدم من الدلالة على أن التغيير من فوق.

الثاني: أن الخطيب إنما يروي بذلك السند من كتاب معروف للأبار.

الثالث: أن الخطيب لم يكن يتساهل في الرواية من حفظه، وفي (تذكرة الحفاظ) : ج4 ص4 «قال الحميدي: ما راجعت الخطيب في شيء إلا أحالني على الكتاب، وقال: حتى أكشفه» وفي الصفحة التي تليها عن السلفي: «سألت أبا الغنائم النرسي عن الخطيب؟ فقال: جبل لا يسأل عن مثله، ما رأينا مثله، وما سألته عن شيء فأجاب في الحال إلا يرجع إلى كتابه» . وفيها ج3 ص318 عن عبد الوارث الشيرازي: «كنا إذا سألنا عن شيء أجابنا بعد أيام، وإن ألحنا عليه غضب، كانت له بادرة وحشة» .

الرابع: أن الخطيب يعلم عادة المحدثين في تتبع عثرات المحدث مع أنه قد أو غر قلوب كثير منهم فلو تساهل بالرواية من حفظه لما أخذه من مصنف معروف كما صنع الأستاذ ذلك في مواضع معتذراً بما تقدم في ترجمة أحمد بن سلمان، لقالوا له:

ص: 354

هذا كتاب معروف متداول وليس فيه كما ذكرت، إن قال: قد قلت: «أو كلاماً هذا معناه» قالوا: لم تبين أن هذا من عندك، ومع ذلك فعادتك التثبت الزائد حتى إذا سُئلت عن شيء أحلت على الكتاب فكيف يعقل أن تتساهل فيما تثبته في مصنفك.

هذا وقد علمنا أن الأئمة وثقوا الخطيب وثبتوه وبالغوا في إطرائه ولم يعثر له المتعنتون على أدنى خلل في الرواية وقد علمت محاولة ابن الجوزي الغض من الخطيب فلم يظفر بشيء من باب الرواية وإنما تعنت في أمور أخر قد مرّ ما فيها، فمحاولة الأستاذ أن ينسب التغيير إلى الخطيب وأنه تعمده تناوش من مكان بعيد.

قول الأستاذ «أليس في روايتك. ما كان لصاحبك أن يتكلم.. فكيف تتصور..» .

أقول قد يكون هذا من جملة التغيير ويكون الصواب ما في رواية ابن الجوزي من طريق ابن عبد الحكيم «ما كان على صاحبكم أن يتكلم» لكن في رواية الهروي من طريق الربيع «قد رأيت مالكاً وسألته عن أشياء فما كان يحل له أن يفتي» وقد مرّ بيان كلمة «جاهلاً» في رواية الخطيب المراد به الجهل النسبي وحاصله أنه دون مالك في العلم بالكتاب والسنة ومعروف عن أهل الرأي أنهم يؤكدون أمر الرأي والقياس ويقولون من كان عنده من العلم بالكتاب والسنة ما يكفيه وكان جيد النظر في الري والقياس كان عليه أن يفتي ومن كان ضعيف النظر في الرأي والقياس لم يكن له أن يفنى وإن كان أعلم من الأول بالكتاب والسنة. وقد أشار الشافعي في عدة مواضع من كتبه إلى زعم أهل العراق ضعف مالك في القياس ففي (الأم) ج4 ص6: «أرأيت من نسبتم إليه الضعف من أصحابنا وتعطيل النظر وقلتم: إنما يتخرص فيلقى ما جاء بلسانه..» وفيها ج7 ص257 «فسمعت بعض من يفتي منهم يحلف بالله ما كان لفلان أن يفتي لنقص عقله وجهالته وما كان ليحل فلان أن يسكت - آخر من هل العلم» على أن المحاجة والملاحة التي تبلغ بالحليم الوقور أن تنتفخ أوداجه وتنقطع أزراره مظنة للإسراف في القول.

ص: 355

قول الأستاذ «على أن من اطلع على كتب محمد بن الحسن

» .

أقول: قد سلف أنه ليس في تلك الرواية ولا غيرها نفي محمد أن يكون لأبي حنيفة علم بالكتاب والسنة، وإنما في الروايات كلها أنه دون مالك في ذلك، فأما العلم بالسنة فيكفي في الشهادة لذلك الموازنة بين ما روى محمد عن أبي حنيفة وما روى عن مالك، وأما العلم بالكتاب فإن كان في كتب محمد ما ينافي اعترافه فالأستاذ أحوج إلى أن يجيب عن هذا جواباً معقولاً، ولقائل أن يقول: إن محمداً لما يضايقه الشافعي وسأله بالله عز وجل وناشده إياه وشرط عليه الإنصاف راجع نفسه فلم يسعه إلا الاعتراف، ولعله جرى في بعض كتبه على الاسترسال في الميل إلى أبي حنيفة، والحق إن شاء الله تعالى أنه ليس في كتب محمد ما هو صريح في منافاة اعترافه.

قال الأستاذ «ملازمة الشافعي لمالك إلى وفاته لم ترد إلا في خبر منكر

والمعروف أنه صحبه إلى أن أتم سماع «الموطأ» منه في نحو ثمانية أشهر، وأما محمد بن الحسن فقد لازم مالكاً ما يزيد على ثلاث سنين فلا يتصور أن يسأل محمد بن الحسن عن الشافعي مبلغ علم أبي حنيفة، ومالك كما وقع في رواية الشيرازي، لأن أبا حنيفة لم يدركه الشافعي حتى يتحاكم في علمه إليه، وكذلك لم يلازم مالكاً أكثر من محمد بن الحسن، فالمفاضلة بين الإمامين بصيغة صاحبنا وصاحبكم هذه غير مستساغة» .

أقول الذي وقع في رواية الشيرازي هو الواقع في أثبت الروايات وهي رواية ابن أبي حاتم التي فاتت الأستاذ م زعمه أنه استقصى استقاء لا مزيد عليه. وكذلك هي في الوجهين الآخرين عن ابن عبد الحكيم، والشافعي حجازي فلعله عاد إلى المدينة بعد قراءته (الموطأ) وخروجه منها بل لعله تردد مراراً، وكان الشافعي، وكان الشافعي يدين أو ّلاً بقول مالك ويذب عنه، فإن لم يكن تلقى جميع ذلك منه فقد تلقى بعضه منه وبعضه من أصحابه، ومعرفة الشافعي بمبلغ علم أبي حنيفة يكفي فيه نظرة في كتبه وكتب أصحابه، وسؤال محمد للشافعي ليس على وجه التحكيم بل على وجه

ص: 356

السؤال عن رأيه، والشافعي حجازي كمالك كان أولاً يدين بقوله ثم صار ربما خالفه مع انتسابه إليه، وحينئذ وقعت القصة، وإنما أكثر خلافه لمالك بعد دخوله مصر، وذلك بعد موت محمد ابن الحسن، ومحمد بن الحسن عراقي كأبي حنيفة ينتسب إليه ويتبعه في أصوله ويذب عن قوله غالباً، فأي غبار على أن يقول محمد للشافعي «صاحبكم» يريد مالكاً و «صاحبنا» يريد أبا حنيفة؟

هذا وقد أشار الأستاذ في ما علقه على «الانتقاء» لابن عبد البر ص24 إلى الروايات واختلافها ثم قال «والمخلص من ذلك النظر في الأسانيد والمقارنة بينها وضرب ما يروى بغير إسناد عرض الحائط» .

ثم حاول عبثاً الرجوع عن هذا القضاء العدل في (التأنيب) 183 إذ قال: «ولعل الصواب في الأمر هو ما حكاه القاضي أبو عاصم محمد بن أحمد العامري في (مبسوطه) حيث قال في كتبه المذكور أن الشافعي سأل محمداً: أيما أعلم مالك أو أبو حنيفة؟ فقال محمد: بماذا؟ قال: بكتاب الله، قال: أبو حنيفة، فقال: من أعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أبو حنيفة أعلم بالمعاني ومالك أهدى للألفاظ» !

مُنى إن تكن حقاً تكن أحسن المنى

وإلا فقد عشنا بها زمناً رغداً

فصل

قال الخطيب (13/369) بعد ذكر المناقب «قد سقنا عن أيوب السختياني وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وأبي بكر بن عياش وغيرهم من الأئمة أخباراً كثيرة تتضمن تقريظ (1) أبي حنيفة والمدح له والثناء عليه، والمحفوظ عند نقلة الحديث عن الأئمة المتقدمين وهؤلاء المذكورين منهم في أبي حنيفة خلاف ذلك» .

(1) الأصل (تقريض) والتصويب من «الخطيب» .

ص: 357