الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مصادر الخطبة
ينبغي أن يستمد الخطيب عظته ونصحه من النصوص الشرعية والعلوم الكونية والفضائل النفسية. والخطابة الإسلامية الرشيدة هي التي تستمد من القرآن الكريم والسنة المحمدية، والنصوص الصحيحة وتسير في ضوئها. ولنا في هدي النبي صلى الله عليه وسلم خير قدوة وأفضل توجيه، فكثيرًا ما كان يخطب بالقرآن الكريم. وفي (صحيح مسلم) عن أم هشام بنت حارثة قالت:((ما أخذت {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} (ق: 1) إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها كل جمعة إذا خطب الناس)) وكان عمر رضي الله عنه يخطب أحيانًا بسورة "النحل".
فالقرآن الكريم والسنة الشريفة والنصوص الصحيحة وأقوال السلف الصالح؛ هي المصادر التي ينبغي أن تستمد منها الخطابة الإسلامية، وتلك هي الروافد الدافقة التي تمد الخطابة في الإسلام، وهي الينابيع الصافية التي ينبغي أن يجعلها الخطيب مصدر روائه وغذائه.
ولا غرو؛ فمن معاني القرآن الكريم تنفجر ينابيع الخطابة الصحيح، والخطابة المستمدة منه هي وقود النهضة الرشيدة، وضياء أمة تريد أن تستقيم على دربها، إذ إن أسلوبه في خلق الضمير الزكي والفكر الراقي وتقويم السلوك المعوج يكفي ويغني، ويشفي ويهدي للتي هي أقوم، كما قال من أنزله:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الإسراء: 9).
كما أن للقرآن قدرة فذة على قيادة الناس إلى الحق، وعلى استثارة أفكارهم، واستضاءة مشاعرهم، والسمو بهم إلى كل ما هو خير. ولم يكن الوعاظ والمذكرون في صدر الإسلام يذهبون إلى أبعد من الكتاب والسنة في توجيهاتهم
ونصائحهم، وكان عماد الخطبة أو العظة في عصرهم: إما القرآن، وإما السنة، وإما كلام مستمد منهما يدور في فلكهما ولا يتجاوز محيطهما.
وعندما نتأمل الخطب المروية لنا عن الخلفاء الراشدين نراها محكومة بتلك المعاني التي أشرنا إليها، وهي خطب فتحت لنفسها طريق الخلود والبقاء، فما زالت قائمة يرجع إليها الدعاة حينا بعد حين؛ ليقتبسوا منها ويأتنسوا بهديها ويأخذوا منها القدوة، بل ويتعلموا منها فنون الكلام.
وعلى الخطيب أن يحاول جهده في أن تكون خطبته محكومة بهذا الإطار السابق، ولا مانع من الاستئناس ببعض القصص القصيرة والصحيحة، خاصة للعامة التي تحب هذا النوع من القول وتطير وراء أصحابه، وليكن ذلك بحذر وبقدر. وفي القرآن الكريم والسنة المطهرة متسع كبير في هذا المجال، والله تعالى يقول:{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَاب مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (يوسف: 111).
أما القرآن الكريم هو أول مصدر يجب على الخطيب أن يستمد منه مادته، فهو كتاب الله عز وجل، ختم الله به الكتب، وأنزله على نبي ختم به الأنبياء، بدين عام خالد ختم به الأديان، فهو دستور الخالق لإصلاح الخلق، وقانون السماء لهداية الأرض، أنهى إليه منزله كل تشريع، وأودعه كل نهضة، وناط به كل سعادة، وهو حجة الرسول وآياته الكبرى، يقوم في فم الدنيا شاهدًا برسالته ناطقًا بنبوته، دليلًا على صدقة وأمانته، وهو ملاذ الدين الأعلى، يستند الإسلام إليه الدين في عقائده وعباداته وحكمه وأحكامه، وآدابه وأخلاقه، وقصصه ومواعظه، وعلومه ومعارفه، وهو عماد لغة العرب الأسمى، تدين له اللغة في بقائها وسلامتها، وتستمد علومها منه على تنوعها وكثرتها، وتفوق سائر اللغات
العالمية به في أساليبها ومادتها، وهو أولًا وآخرًا القوة المحولة التي غيرت صورة العالم، ونقلت حدود الممالك، وحولت مجرى التاريخ، وأنقذت الإنسانية العاثرة، فكأنما خلقت الوجود خلقًا جديدًا.
وما جاء في القرآن الكريم من أساليب الترغيب والترهيب، والتبشير والتحذير، والوعد والوعيد، على الأسلوب البالغ حد الإعجاز، يؤثر في القلوب ويستجيش الوجدان، ويثير العواطف ويأخذ بشكائم النفوس، ويعين على التقنن في أساليب الوعظ الخطابي عند حلول الأزمات، والحاجة إلى تأليف قلوب الجماعات، حتى إن الخطيب البليغ -الذي يحسن استخدام الآيات- يمكنه أن يدفع بالخطبة الواحدة من الملمات ما لا يدفع بالبيض المرهفات، ويملك من قلوب الرجال ما لا يملك بالأموال، كما صنع أبو بكر رضي الله عنه في خطبته يوم السقيفة.
أما السنة المطهرة فهي أعظم نبع بعد القرآن الكريم، يغترف منه الخطيب غرفًا ويعب منه عبًّا؛ أولًا: ليحيا هو في نفسه بالسنن، وليقيم بيته وأهله وحياته كلها على السنة، فيكون مرآة صافية للناس يرون فيها عيوبهم، ويتعرفون منها على جوانب النقص فيهم، فيقوِّمون العيوب ويستدركون النقص بمحاكاة الإمام والخطيب والاقتداء به.
وثانيًا: ليحفظ الكثير من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه في سننه، فيضمه إلى محفوظاته من القرآن الكريم ليستشهد بها في موضوعه، ويدلل بها على صحة فكرته، فهذا أدعى إلى الإذعان وأقوى في التسليم والانقياد، وأنصح للخطيب بعد أن يحفظ كتاب الله عز وجل حفظًا جيدًا أن يهتم بحفظ كتاب (رياض الصالحين)؛
فإن هذا الكتاب المبارك بفضل الله عز وجل قد أحسن الإمام النووي رحمه الله في ترتيبه، على الأبواب التي نحن كخطباء نتعايش معها، ونعيشها دائمًا في كل خطبة وفي كل موعظة.
ومن شأن الإمام في ذلك الكتاب أنه يصدر الموضوع بالآيات المناسبة من القرآن، ثم يعقب عليها بالأحاديث الصحيحة، فإذا حفظ الخطيب القرآن الكريم، ثم حفظ هذا الكتاب المبارك (رياض الصالحين) كان معه ذخيرة حية قوية كثيرة من القرآن الكريم، ومِن أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام فما عليه في أي خطبة أو في أي موعظة إلا أن يرتب الآية بعد الآية والحديث بعد الحديث، ويصل بين الآية والحديث بكلمة أو كلمات، وإذا به قد خرج بأثر كثير في قلوب الناس؛ لأنه لم يخرج منه إلا قال الله، قال رسول الله، وكلام الله كله بركة ورحمة وكلام رسول الله كله بركة ورحمة، وكلام الله كله نور وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كله نور، ألا ليت شعري متى يعلم الخطباء أن زمان الإنشاء قد انتهى، وأنه يجب علينا أن نعود إلى كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم.
كذلك يستمد الخطيب خطبته من دراسة السيرة والتاريخ، وأقصد بالسيرة:
أولًا: سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ودراسة كل ما يتصل بحياته صلى الله عليه وسلم ونشأته وبعثته، ودراسة دعوته ومراحلها المختلفة، وأساليبه في الدعوة ومنهجه في الدعوة والتربية والتعليم، وجهاده في سبيل نشر الدين الذي بعثه الله به، وأخبار هجرته وغزواته ومعاركه، إلى غير ذلك مما يتصل بحياته صلى الله عليه وسلم من ميلاده إلى وفاته، والاستفادة من ذلك، والسير بالدعوة والتحرك بهذا الدين في ضوء هذه السيرة.
ومن عاش مع هذه السيرة العطرة دراسة وتأملًا واتعظ واعتبر واتبع واقتدى؛ أعانته على طاعة الله عز وجل الطاعة المثلى، وأرشدته إلى الكمال الإنساني في أوج
صوره وأبهى حلله، وحسنت أخلاق دارسها، وورثت قلبه الطمأنينة إلى الله، والثقة في منهجه، وأعانته على فهم وتذوق روح ومقاصد كتاب الله عز وجل، واستشعر حلاوة الإيمان ولذة اليقين، وأمدته بقوة البيان الذي يؤثر به في العقول والقلوب، والحجج الساطعة والأمثلة البليغة، التي تعين الخطيب على إثبات ما يريد إثباته من حقائق الإسلام الحنيف.
ثانيًا: سيرة السلف الصالح رأس الأولياء وصفوة الأتقياء، وقدوة المؤمنين وخير عباد الله بعد الأنبياء والمرسلين، جمعوا بين العلم بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الجهاد بين يديه، شرفهم الله بمشاهدة خاتم أنبيائه صلى الله عليه وسلم وصحبته في السراء والضراء، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في الجهاد في سبيل الله عز وجل، حتى صاروا خيرة الخيرة وأفضل القرون بشهادة المعصوم صلى الله عليه وسلم فهم خير الأمم سابقهم ولاحقهم وأولهم وآخرهم، هم الذين أقاموا أعمدة الإسلام بسيوفهم وشادوا قصور الدين برماحهم، واستباحوا الممالك الكسروية وأطفئوا الملة النصرانية والمجوسية، وقطعوا حبائل الشرك من الطوائف المشركة عربية وعجمية، وأوصلوا دين الإسلام إلى أطراف المعمورة شرقها وغربها ويمينها وشمالها، فاتسعت رقعة الإسلام وطبقت الأرض شرائع الإيمان، وانقطعت علائق الكفر وانفصمت أوصاله، ودان بدين الله سبحانه الأسود والأحمر والوثني والملي.
أولئك قوم شيد الله فخرهم
…
فما فوقه فخر وإن عظم الفخر
سلام من الرحمن نحو جنابهم
…
فإن سلامي لا يليق ببابهم
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "إن الله تعالى اطلع في قلوب العباد فاختار محمدًا صلى الله عليه وسلم فبعثه برسالته، وانتخبه بعلمه، ثم نظر في قلوب العباد بعد فاختار له أصحابًا، فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه". فعلى الخطيب أن يعنى بدراسة سيرة الصحابة والتابعين، بعد سيرة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
وعلى الخطيب أن يحذر كل الحذر من الإسرائيليات، وهذه هي أهم وصية نوصي الخطيب بها، أن يكون عماد درسه أو خطبته القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة وأقوال السلف الصالح، وعدم الجري وراء القصص المملة والإسرائيليات الموضوعة؛ فإن ذلك موضوع نقد شديد وشكوى كثيرة من الجمهور للخطيب. ثم إنه ينبغي أن لا يغفل جانب الخطورة التي تعود على المسلمين من رواية الإسرائيليات؛ نظرًا لما تحويه من أباطيل وخرافات، نسب بعضها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، وذلك من حيث إنها تفضي إلى الآتي:
أولًا: إن هذه الإسرائيليات تظهر الإسلام بمظهر الدين الذي يهتم بالترهات والأساطير، والأباطيل التي لا أصل لها، كما أنها تظهره في صورة دين خرافي يعشق الخرافات ويطير وراءها، ويعنى بأوهام من صنع الخيال.
ثانيًا: إن رواية مثل هذه الإسرائيليات تكاد تصرف الناس عن ما هو أهم في دينهم ودنياهم، وتشغلهم بالتوافه والصغائر عن البحث في الأحكام والتفاصيل المهمة، وعن التدبر في آيات القرآن والانتفاع بعبره وعظاته وقصصه الحق، مع أن شغل الناس بمثل هذه الأمور مضيعة للوقت، فيما لا فائدة من معرفته، وما يعتبر البحث عنه عبثًا محضًا.
ثالثًا: أنها تعطي معلومات عن الكون ونظامه وسننه التي يسير عليها، ذلك أن كل ما خلقه الله تعالى قائم على سنن وقوانين شرعها الله تعالى، وجعلها نظامه الذي لا محيص عنه ولا خروج على حدوده، لكن نظرة في ما يرويه بعض المفسرين والواعظين تخيل للشخص أن هناك أمورًا تجري هكذا دون ما سبب أو ما مسبب، كيف والله يقول:{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (القمر: 49) ويقول: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} (الفرقان: 2).
رابعًا: إن مثل هذه الروايات لا تذكر هكذا وإنما تنسب إلى بعض الصحابة والتابعين، الأمر الذي يسيء إلى سمعة صحابة أجلاء وتابعين كرام ويهز الثقة فيهم.