الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقارنة بين الخطابة في الجاهلية، والخطابة في الإسلام
وإذا عرفنا موضوعات الخطابة في الجاهلية وموضوعاتها في الإسلام، ومميزات الخطابة في الجاهلية ومميزاتها في الإسلام. إليك هذه المقارنة بين الخطابة في الجاهلية، والخطابة في الإسلام، كيف حرر الإسلام الخطابة من حمية الجاهلية؟
نقول: تعبير الإنسان خط بارزٌ من خُطوط شخصيته، والعالمون بطبيعة الإنسان يقررون أن العقل المنضبط في تصوراته يستتبع بالضرورة انضباط اللسان في أدائه، ولكي يصل المتكلم إلى ما يريد، لا بد من الأمرين معًا: عقل سليم، وتعبير سليم. ولا بد من الوعي بهذه الحقيقة، هذا الوعي الذي يفرض علينا وزن الكلمة قبل استعمالها من حيث كانت دليلًا علينا.
والأديب والخطيب أحد صناعي الأمة، والمُعبرون عن آمالها وآلامها، وإذ تمضي الأحداث وتنصرم الأيام؛ فإن قلم الأديب ولسان الخطيب يستبقيها ويجليها، وكلاهما مرآة تنعكس عليها أحداث الحياة، وتبقى ماثلة في ضمير الأمة، ما دام فيها خطيب وأديب، ولكن لن تكون للكلمة وصناعتها تلك القيمة إلا إذا ارتبطت بهدف سام، وخلق نبيل، وعبرت عن الفضائل، بل وحَشرت ملكات النفوس؛ للتّعلق بها، والاستشهاد في سبيلها، وكذلك كان الإسلام في مجال الخطابة التي حررها من حمية الجاهلية؛ لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتسير بالحياة والأحياء في الاتجاه الصحيح. وتلك هي نقطة الخلاف بين الإسلام والاتجاهات المُلحدة قديمًا وحديثًا.
وقد عقد "جولد زيهر" فصلًا بعنوان "الدين المروءة" وهو يتلخص في: "إن الإسلام رسم للحياة مثلًا أعلى غير المثل الأعلى للحياة في الجاهلية، وهذان
المَثَلان لا يتشابهان، وكثيرًا ما يتناقضان؛ فالشَّجاعة الشخصية، والشّهَامَةُ التي لا حد لها، والجَزم إلى حد الإسراف، والإخلاص التام للقبيلة، والقسوة في الانتقام، والأخذ بالثأر ممن اعتدى عليه أو على قريب أو على قبيلة، بقول أو فعل؛ هذه هي أصول الفضائل عن العرب الوثنين في الجاهلية.
أما في الإسلام فالخضوع لله والانقياد لأمره والصبر وإخضاع منافع الشخص ومنافع قبيلته لأوامر الدين، والقناعة وعدم التفاخر والتكاثر وتجنب الكبر، والعظمة هي المثل الأعلى للإنسان في الحياة.
وقد كانت الخطابة أصدق معبر عن هذا المثل الأعلى، وكان لها دورها البارز في تعميق هذه المفاهيم، في ضمائر المؤمنين؛ وإليك هذا المثل:
"قدم وفد تَميم على الرسول صلى الله عليه وسلم فنادوه من رواء الحُجرات أن اخرج إلينا يا محمد، فلما خرج قالوا: يا محمد، قد جئنا نفاخرك، فائذن لشاعرنا وخطيبنا، قال: ((قد أذنت لخطيبكم فليقل)) فقام فقال: الحمد لله الذي له علينا الفضل وهو أهله، الذي جعلنا ملوكًا ووهب لنا أموالًا عظامًا نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثره عددًا وأيسره عدة، فمن مثلنا في الناس! ألسنا برءوس الناس وأولي فضلهم؟ فمن يفاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وإنا لو نشاء لأكثرنا من الكلام، ولكنا نحيا من الإكثار فيما أعطانا، وإنا نعرف بذلك أقول هذا الآن لتأتونا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا".
إنّ هذا الخطيب يُمَثّل وجهة نظر الجاهلية المدفوعة بعامل التفاخر، والمكاثرة بالمال؛ هذا التفاخر الذي وصل به إلى مرتبة تحدى الناس جميعًا أن يكونوا مثلهم في قوله منكرًا:"فمن مثلنا في الناس".