الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السادس
(تابع: الخطيب وصفاته)
صفات الخطيب الفطرية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله؛ أما بعد:
فلكل خطيب متميز خصوصيته؛ مهما كانت الأفكار بديعة والابتكارات متميزة، والاختيارات قوية، والأسلوب رصينًا، والإلقاء عاليًا؛ فلنْ تَتَحَقّق المثالية للخُطبة بهذه العناصر وحدها؛ لأنّ هُناك عَاملًا مُهِمًّا لا يجوز إغفاله إنه:"خصوصية الخطيب وانفراديته" وبعبارة أخرى: انصهارية هذه العناصر وانسجامها. وهذا لا يتأتى إلّا من خِلال الخَطيب وشخصيته، وتَكامُل مَوهِبَتِهِ وخصائصه العلمية والفنية.
إنّ الخُطبة كاللباس المفصل على القامة؛ لا يظهر جماله ولا يتكامل بناؤه، إلّا بقدر انسجامه على بدن اللابس؛ إنّ جَودَة اللباس وحسن لونِهِ ونَوعَ خِياطَتِهِ ودِقّة تفصيله لا تكفي في إعطاء الملبس الحَسن إلا بعد اتساق ذلك مع قامة اللابس وبدنه، ولهذا فإنّ الخُطبة الجيدة مستوفية العناصر لو ألقاها غير صَاحِبها لما ظهرت بذات القوة والتأثير والجمال والتأثر.
إذا كان الأمرُ كذلك فيَنْبَغي للخَطِيبِ المُتطلع للنُّبوغ والإبْدَاع أنْ يَعْرِف مَواهِبَهُ الخَاصّة، ويُحْسِن صقلها وتنميتها، ويَسْتَقِلّ بالابتكار والاختيار والأسلوب والإلقاء؛ لأنّ المُدَاوَمة على التّقليد والمُحاكاة، وإطالة الاقتباس لا تُنتج خَطيبًا متميزًا ذا خطب مثالية، وهذا عرض لما ينبغي أن يكون عليه الخطيب من صفات، وما يتحلى به من آداب، وصفات الخطيب تنقسم إلى نوعين: صفات فطرية: وصفات مكتسبة.
أما الصفات الفِطرية: فيُقصد بها الصفات الذاتية لدى الخطيب؛ من الاستعداد الفطري، والسليقة الطبيعية، من طلاقة اللسان وفصاحة المنطق، وثَبات الجَنَان، وصَوتٍ جَهُوري، وأداء مُتَوثّب، ولسان مُبين سليم من عيوب الكلام كالفأفأة والتأتأة؛ لتكون مَخَارج الحروف عنده صحيحة.
فليست الدعوة فنًّا مُكتسبًا من الفنون التي تشيع بين الأفراد والجماعات، ولو كانت كذلك لما عَرفَ النّاسُ شَيئًا عن الدعوة، ولقد كان الصحابة -رضوان الله عليهم- قادة الدعاة وسادتهم، وبهم وعلى أيديهم انتشرت الدعوة في آفاق الأرض وظلت رايتها تخفق فوق ربوعها ردحًا طويلًا من الزمن.
وهذا شيء لا يَعْلَمُه إلا الله تعالى وحده في سرائر الناس؛ فإذا علمه أظهره بتيسير كل سبيل إلى إظهاره؛ فيكون الاصطفاء منه للداعية، وأعظم الدعاة هم الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم جميعًا- وهم الصّفوة المُختارة المُجتباة، الذين هَيّأهم اللهُ لحَمْل رِسَالاته والدعوة إليها، وفي هذا يقول رَبُّنَا سُبحانه:{وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء} (آل عمران: 179).
وتوكيدًا لهذا المعنى يجعل مَناطَ الرِّسَالَة المُكَلّف بإبْلَاغِهَا والدّعْوة إليها ممّا اخْتَصّ نَفْسَه الشّريفة بعلمه؛ فَلا يُطْلِعُ على ذلك أحدًا من خلقه؛ إلا بعد أن يُرى الداعية حقيقة ماثلة أمام الناس جميعًا، وفي هذا يقول ربنا سبحانه:{اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} (الأنعام: 124) وهذه الموهبة لا تظهر للناس إلا بإذن ربها؛ فإذا كان اختيار الله للداعية إن كان نبيًّا مرسلًا من عنده كان الإذن بإبلاغ الرّسَالة التي أمر بإبلاغها: {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَاّ بِإِذْنِ اللهِ} (الرعد: 38).
فتظهر المَوهبة ويتداعى النّاسُ الذين تسقط الغشاوة عن قلوبهم إليها، في رجاء وصدق. أمّا الذين يُمسكون على غَشاوة قلوبهم بأيديهم؛ فإنهم يَظَلُّون في منأى عنها، ومشيئة الله عز وجل تقضي أن تقع الخلائق كلها في قبضتها، ومنها موهبة الداعية؛ فلا تسلك الناس في نظامها إلا إذا شاءت، وهذه الموهبة تظل منتظرة الإذن من ربها أن يظهرها أو يلهمها أن تظهر، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة:{وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا} (الفرقان: 51).