المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌صفات الداعية النفسية - الخطابة - جامعة المدينة

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 مقدمة في الخطابة

- ‌مقدمة في تعريف الخطابة

- ‌تعريف الخطابة

- ‌تاريخ علم الخطابة ونشأتها

- ‌أهمية الخطابة ومكانتها

- ‌الدرس: 2 الغاية من الخطابة

- ‌أهمية الخطابة للدعوة الإسلامية

- ‌إعداد الخطبة

- ‌الدرس: 3 عناصر الخطبة

- ‌تركيب الخطبة

- ‌مصادر الخطبة

- ‌الأسلوب الخطابي

- ‌الدرس: 4 محتويات الخطبة

- ‌افتتاح الخطبة

- ‌الغرض من الخطبة

- ‌تقسيم الخطبة، وترتيب أفكارها

- ‌الدرس: 5 الخطيب وصفاته

- ‌أهمية الخطيب ومكانته في الإسلام

- ‌صفات الخطيب في الإسلام

- ‌الدرس: 6 تابع: الخطيب وصفاته

- ‌صفات الخطيب الفطرية

- ‌إعدادُ الخطيب الداعية عقليًّا

- ‌صفات الداعية النفسية

- ‌آداب تتعلق بالخطيب أثناء خطبته

- ‌إعداد الخطيب علميًّا وثقافيًّا

- ‌الدرس: 7 الخطابة في الجاهلية والإسلام

- ‌الخطابة في العصر الجاهلي

- ‌خصائص ومميزات الخطابة في الجاهلية

- ‌الخطابة في عصر الإسلام

- ‌مقارنة بين الخطابة في الجاهلية، والخطابة في الإسلام

- ‌دواعي الخطاب في عصر الإسلام

- ‌الدرس: 8 عوامل رقي الكتابة وازدهارها في صدر الإسلام

- ‌العوامل التي أدت إلى نمو الكتابة وازدهارها في صدر الإسلام

- ‌خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، ونماذج أخرى

- ‌الدرس: 9 نماذج من خطب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين

- ‌نماذج من خطب الخلفاء الراشدين الأربعة

- ‌نماذج من خطب الصحابة والتابعين

- ‌الدرس: 10 الدرس الديني: شروطه، فوائده، الفرق بينه وبين الخطبة

- ‌الدعوة أو التبليغ بالقول، وضوابطه، وآدابه

- ‌الدرس وشروطه وفوائده

- ‌الفرق بين الخطبة والدرس

- ‌الدرس: 11 المحاضرة والمناظرة، وآدابهما في الإسلام

- ‌كيف يحضر المحاضر محاضرته

- ‌الحديث عن المناظرة والمجادلة والمناقشة، وآدابها في الإسلام

- ‌الدرس: 12 ضوابط الخطاب الدعوي، ورسالة الخطاب الدعوي المعاصر

- ‌(ضوابط الخطاب الدعوي

- ‌رسالة الخطاب الدعوي

- ‌الدرس: 13 مثالب الخطاب الدعوي وطرق علاجها

- ‌مثالب الخطاب الدعوي وطرق علاجها

- ‌أصول ومنهج وأساليب الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه وحواره

- ‌ضرورة توافر النطق الجيد لدى الخطيب، وحسن الصوته وتمرينه

- ‌ضرورة الابتعاد عن الإسرائيليات والموضوعات والمنكرات، والضعيف

- ‌الدرس: 14 الندوة والمؤتمر، وخصائص كل منهما، وفوائده

- ‌(الندوة

- ‌المؤتمر

- ‌الدرس: 15 قواعد في الأسلوب الدعوي

- ‌قاعدة القول الحسن والكلمة الطيبة

- ‌الرِّفْقُ واللين والتّيسير

- ‌الشفقة والنصح لا التوبيخ والفضح

- ‌سهولة الأسلوب وبساطة الطرح، وواقعية التمثيل

- ‌التحدث بلُغة الجمع، وتعميم الخطاب عامةً دون قصد أفراد أو تعيين أشخاص

- ‌الحث والإكثار من استخدام عبارت الاستفهام

- ‌الدرس: 16 بعض الآفات التي قد يصاب بها الداعية

- ‌من الآفات التي قد تُصيب بعض الدعاة: "الرياء

- ‌من الآفات التي يتعرض لها بعض الدعاة: "العُجْب

- ‌من الآفات التي تصيب بعض الدعاة: "الغرور

- ‌من الآفات الخطيرة التي قد تصيب الدعاة: "الكِبْر

الفصل: ‌صفات الداعية النفسية

‌صفات الداعية النفسية

ثالثًا: صفات الداعية النفسية:

وهذه الصفات تقوم على أصول ثوابت لا بد منها، وهي: الإيمان:

فمن المعلوم يقينًا أنّ الإيمان بالله الواحد الأحد حين يتغلغل في النفوس، ويُخالط بشاشة القلوب، هو أولُ سِلاحٍ يَتَسّلح به المؤمن الداعية في مواجهة صراع الحياة؛ وفي مُجابهة مغريات الدنيا، سواء أكان الداعية متقهقرًا أو متقدمًا، وسواء أكان مهاجمًا أو مدافعًا، وسواء أكان منتصرًا أو ممتحنًا؛ فبدون الإيمان يبطل كل سلاح، ويبطل كل إعداد وتبطل كل ذخيرة.

وأعني بالإيمان أنْ يعتقد الداعية من قرارة وجدانه: أن الآجال بيد الله، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأنّ ما أخطأه لم يكن ليُصيبه، وأنّ الأُمّة لو اجتمعت على أن ينفعوه بشيء، لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، وإن اجتمعت على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، وعلى المؤمن أن يضع نصب عينيه قول الله الحق سبحانه:{قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَاّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون} (التوبة: 51). وعليه أن يردد صباح مساء قول الله جل جلاله: {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُون} (النحل: 61).

فبهذا الاعتقاد وبهذا الشُّعور يتحرر المؤمن من الخوف والجبن والجزع، ويتحلى بالصبر والشجاعة والإقدام؛ كما أعني بالإيمان أيضًا: أنْ يعتقد المؤمن من سويداء قلبه: أنّ الأرزاق بيد الله عز وجل وأنّ ما بسطه الله على العبد لم يكن لأحد

ص: 114

أن يَمْنعه، وأن ما أمسكه عليه لم يكن لأحد أن يعطيه، وأنّ ما قُدّر لا بد أن يمضي، وأن نفسًا لن تَموتَ حتى تستوفي رزقها وأجلها، وعلى المُؤمن أن يضع نصب عينيه قول الحق سبحانه:{إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} (الإسراء: 30)، وأن يردد صباح مساء قول الله سبحانه:{أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} (المُلك: 21).

فبهذا الاعتقاد وبهذا الشعور يتحرر المؤمن من الحرص الزائد على الدنيا، والإلحاح في الطلب؛ ويتحرر أيضًا من الشُّح النفسي، والتقتير المزري، والإمساك الشائن، ويتحَلّى بمعاني الكرم والإيثار والعطاء، بل يرى السعادة في القناعة، وعيش الكَفاف؛ فإذا قنعت النفوس رضيت بالقليل وكفاها اليسير.

وأعني بالإيمان كذلك: أن يعتقد المؤمن من أعماق أحاسيسه ومشاعره أن الله سبحانه معه، يسمعه ويراه، ويَعْلَمُ سِرّه ونجواه، ويعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، وعلى المؤمن أن يضع نصب عينيه قول الحق سبحانه:{مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَاّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَاّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} (المجادلة: 7)، {إِلَاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} أي: بصفاته بعلمه وسمعه وبصره وإحاطته. أما هو سبحانه وتعالى فعلى العرش استوى كما أخبر عن نفسه سبحانه وتعالى.

وعلى المؤمن أن يردد صباح مساء قول الله سبحانه: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَاّ يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَاّ فِي كِتَابٍ مُّبِين} (الأنعام: 59).

فبهذا الاعتقاد وبهذا الشعور يتحرر المؤمن من ربقة الهوى، ونزغات النفس الأمارة بالسوء، وهمزات الشياطين؛ وفِتنة المال والنساء ويتحلى بالمراقبة لله

ص: 115

والإخلاص له، والاستعانة به، والتّسليمِ لجَنابه ويندفع بكليته إلى العمل بكل أمانة وجدية وإتقان، بل يَكُون إذا مشى في الناس إنسانًا سويًّا وبرًّا تقيًّا، وريحانة طيبة الشذى، وشامة في المجتمع يُشار إليه بالبنان. بل يتمثل ما تمثل به شاعرنا الإسلامي حيث قال:

إِذا ما خَلَوتَ الدَهرَ يَومًا فَلا تَقُل

خَلَوتُ وَلكِن قُل عَلَيَّ رَقيبُ

وَلا تَحسَبَنَّ اللَهَ يَغفَلُ ساعَةً

وَلا أَنَّ ما يَخفى عَلَيهِ يَغيبُ

فعَلى هَذه المَعاني من الإيمان؛ يَنْبَغِي أن يتكونَ الدّاعية ويُواجه بها صراع الحياة.

الصفة الثانية: الإخلاص:

والإخلاص في حقيقته قوة إيمانية، وصراع نفسي يدفع صاحبه بعد جذب وشد إلى أن يتجرد من المصالح الشخصية، وأن يترفع من الغايات الذاتية، وأنْ يَقْصِدَ مِن عمله وجه الله عز وجل لا يَبْغِي من ورائه جزاء ولا شُكورًا، وإذا استمر المخلص على هذه الحالة من المجاهدة والتغلب على وساوس الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء؛ يصبح الإخلاص في أعماله كلها خلقًا وعادة، بل تصبح الأعمال التي تصدر عنه خالصة لله رب العالمين، دون أن يجد في ذلك أي تكلف أو مجاهدة، يقول الله تبارك وتعالى:{إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّين} (الزُّمَر: 2) ويقول سبحانه: {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (غافر: 65) ويقول سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء} (البيِّنة: 5) ويقول سبحانه: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} (الكهف: 110).

والعمل الصالح هو ما وافق السنّة، والنّهيُ عن الشرك أمر بضده، وهو الإخلاص لله عز وجل، ومُوافقة السُّنة والإخْلَاصُ لله شرطان أساسان في قبول

ص: 116

الأعمال، ولذلك قال الفضيل بن عياض رحمه الله في قول الله عز وجل:{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (المُلك: 2) قال: يعني أخلصه وأصوبه؛ فإذا كان العمل خالصًا وليس صوابًا لم يكن مقبولًا، وإذا كان صوابًا وليس خالصًا لم يكن مقبولًا حتى يكون خالصًا وصوابًا.

قيل: يا أبا علي، ما الخالص؟ وما الصواب؟ قال: الخالص ما ابتغي به وجه الله، والصّوابُ ما وافق هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي الحديث عن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله عز وجل لا يَقْبَلُ منَ العَمَلِ إلّا ما كان له خالصًا وابْتُغي به وجهه))، وحديث:((إنما الأعمال بالنيات)) من الأحاديث المشهورة: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دُينا يُصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)).

ولكن ما هي مواصفات المُخْلصين الدعاة؟

يجبُ على الدعاة أن يدركوا هذه الحقائق:

أولًا: أن يقصدوا من دعوتهم وجه الله.

ثانيًا: أنْ تكون جميع تصرفاتهم وأعمالهم وسلوكهم الاجتماعي على وفق شريعة الله.

ثالثًا: أن يُحاسبوا أنفسهم بشكل دائم، وأن يتساءلوا ماذا يريدون من تبليغ الدعوة؟ وماذا يقصدون من دعوة الناس؟.

رابعًا: أن ينظروا إلى أفعالهم؛ هل هي مطابقة لأقوالهم ولسان حالهم؟.

ص: 117

خامسًا: أن يحذروا مكائد الشيطان، ووساوس النفس والهوى وفتنة العجب ومزالق الرياء.

فبتقديري أنّ الدعاة إلى الله إذا أدركوا هذه الحقائق واتصفوا بهذه المواصفات، ساروا صادقين في درب الإخلاص؛ ومَضوا مُخْلِصين في طريق الدعوة، وحقّق اللهُ -سبحانه- على أيديهم إصلاح البشر، وهِدَاية الشعوب، بل النّاسُ يتأثرون بهم، ويَسْتَجِيبُون لدعوتهم، ويَقْبَلونَ هُدى الله عز وجل طائعين مختارين.

ثالثًا: الصّبر:

والصبر قوة نفسية إيجابية فعالة؛ تَدْفَعُ المُتحلي بها إلى مقاومة كل أسباب الخور والضعف، والاستكانة والاستسلام، وتَحْمِلُه على الصمود والثبات أمام الفتن والمُغريات، وأمامَ المحن والمكاره والأحداث، إلى أن يَأذنَ الله له بالنصر، أو أن يلقى الله عز وجل وهو عنه راضٍ.

لقد سَلَك المُشركون مع النبي صلى الله عليه وسلم مسالك شتى في الأذى، وأساليبَ مُتنوعة في الاضطهاد؛ ليَصُدّوه عن دعوته؛ ويُثنوه عن أداء رسالته؛ فمَا استَكَانَ وما خضع؛ حتى بعد أن أذن الله له بالهجرة، حاربوه بحملات مُتعددة، وحروبٍ طاحنة؛ ليستأصلوا دعوته وأتباعه، فما كان ذلك يرده عن تبليغ الدعوة ونشرها في الأرض، وظل صلى الله عليه وسلم صابرًا داعيًا مجاهدًا محتسبًا، ماضيًا في طريق إعزاز دين الله؛ حتى جاء نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجًا.

ألا فليتخذ الدُّعاة من مواقف صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم قدوة وأسوة، إن أرادوا أن يبنوا لأمّتهم مجدًا، ولبلاد الإسلام عزًّا وللمسلمين وحدة وقوة ومكانة، فإن الله تبارك وتعالى أمر المؤمنين بالتأسي بالنبي الأمين؛ فقال سبحانه:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب: 21).

ص: 118

إنّ الابتلاء سُنّة من سُننِ اللهِ الكونية، التي لا تتبدل ولا تتغير؛ ولكنها يَعْقُبها دائمًا النصر والتأييد والتمكين.

ولذلك سُئلَ الإمام الشّافعي رضي الله عنه: أيهما أحب إليك أن يبتلى الرجل ثم يُمكن، أم يُمكن ثم يبتلى؟ فقال: لا يُمكن حتى يبتلى، ثم قرأ قول الله عز وجل:{أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُون * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين} (العنكبوت: 2، 3)

ولقد كان من وصايا لُقْمَان الحكيم لابنه وهو يَعظه: أنه وصاه بالصبر بعد أن أمره بالقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومدحه الله تَعالى على هذه الوصية، وسَجّلها في كتابه؛ فهي تُتْلَى ويتقرب بتلاوتها إلى الله إلى يوم الدين:{يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور} (لقمان: 17).

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل؛ يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صُلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقّة ابتلاه الله على حسب دينه؛ فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة)).

ولقد أوذي المؤمنون الأولون من المهاجرين أيما إيذاء، فصبروا واحتسبوا ولما جاءوا يشكون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما زاد على أن ذكرهم بما كان يُصيب المُؤمنين من السابقين من الأذى، وكيف صبروا حتى أتاهم نصر الله، يقول الخباب بن الأرت رضي الله عنه: ((شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُتوسد بُردة له في ظل الكعبة؛ فقلنا: يا رسول الله، ألا تدعو لنا ألا تستنصر لنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: قد كان من كان قبلكم يؤتى بالرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يُؤتى بالمِنْشَار؛ فيوضع على مفرق

ص: 119

رأسه، فيُفْرَق فرقتين؛ ثم يُمْشَطُ بأمْشَاطِ الحديد ما لحمه وعظمه؛ ما يصده ذلك عن دينه، والله ليُتِمّن الله هذا الأمر؛ حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)).

رابعًا: الصدق:

لقد أمر الله تبارك وتعالى بالصِّدْقِ ومَدَح أهْلَه وبَيّنَ جَزاءهم؛ فقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِين} (التوبة: 119) وبين سبحانه وتعالى أنه في يوم القيامة ينفع الصادقين صدقهم، وأنهم سيفوزون برضوان الله والجنة:{قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم} (المائدة: 119).

وحقيقة الصّدق حصولُ الشّيءِ وتَمَامُه، وكَمَالُ قُوّتِهِ واجْتِمَاعُ أجزائه، هكذا قال ابن قيم الجوزية في "مدارجه"، ويكون الصدق في القصد والقول والعمل، ومعناه في القصد: كمال العزم، وقُوّةُ الإرَادِةِ على السير إلى الله، وتَجَوّز العَوائق؛ ويكون ذلك بالمُبادرة إلى أداء ما افترضه الله عليه، وفي مقدمته الجهاد في سبيله، ومن الجَهاد في سبيل الله: الدَّعْوَةُ إلى الله عز وجل.

أما صدق القول فمعناه نطق اللسان بالحق والصواب، فلا ينطق بالباطل أي باطل كان، ويَكُونُ الصِّدْقُ في الأعمال بأنْ تَكُونَ وِفْقَ المَناهج الشرعية، والمُتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا ما تحقق للمُسلم الصدق في القول والقصد والعمل، أدّى به ذلك إلى درجة أخرى في الصديقية، وهي التي أمر الله عباده المؤمنين بطلبها؛ موجهًا جل جلاله خطابه إلى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم:{وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا} (الإسراء: 80).

ص: 120

خامسًا: الرحمة:

وهي من الصفات الضرورية للداعية؛ وبها يُقبل الناس عليه، وبغلظته وفظاظته ينصرفون عنه، ولذلك كان رسل الله أرحم خلق الله بخلق الله، ولقد قال الله تعالى عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم:{لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيم} (التوبة: 128) وامتن عليه بهذه الرحمة التي فطره عليها فقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} (آل عمران: 159).

فالداعية لا بُدّ أنْ يَكونَ ذا قلبٍ يَنْبِضُ بِالرّحمة والشفقة على الناس، وإرادة الخير لهم والنصح لهم، ومن شفقته عليهم دعوتهم إلى الإسلام، لأن في هذه الدعوة نجاتهم من النار، وفوزهم بالجنة.

إنّ الداعيةَ يُحِبّ للناس ما يحب لنفسه، وأعظم ما يحب لنفسه الإيمان والهدى؛ فهو يحبُ ذلك للناس أيضًا. إن الوالد من شفقته على أولاده يحرص على إبعادهم عن الهلكة، ويُتْعب نفسه في سبيل ذلك، وأي هَلكة أعظم من الضلال والتمرد على الله، والدّاعي بدعوته إنما يسعى لتخليص المُتمردين العُصاة من الهلاك المحقق والخسران المبين.

ومنْ أهَمّ الصفات النفسية للداعية: قوة الملاحظة؛ ليدرك أحوال السامعين عند إلقاء خطبته؛ أهم مقبلون عليه؟ فيسترسل في قوله، أم هم مُعرضون عنه فيَتّجه إلى ناحية أخرى، وحُضور البديهة لتُسعفه بالعلاج المطلوب، إنْ وَجَد مِنَ القَوْمِ إعراضًا، والدواء الشافي إن وجد منهم اعتراضًا، وقد يُلقي الخطيبُ خُطبته فيعقب بعض السامعين معترضًا أو طالبًا الإجابة عن

ص: 121