الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والدعوة إلى الله وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقه، وأيامه التي تخوفهم من بأسه، والأمر بذكره وشكره الذي يحببهم إليه؛ فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحببه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببه إليهم، فينصرفون السامعون، وقد أحبوه وأحبهم، ثم طال العهد وخفي نور النبوة، وصارت الشرائع والأوامر رسوم تقام من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها، فأعطوها صورها وزينوها بما زينوها به فجعلوا الرسوم والأوضاع سنن لا ينبغي الإخلال بها، وأخلوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها، فرصعوا الخطب بالتسجيع والفقر وعلم البديع فنقص بل عدم حظ القلوب منها وفات المقصود بها".
فمما حفظ من خطبه صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر أن يخطب بالقرآن، وسورة "ق"، قالت أم هشام بنت الحارث بن النعمان:((ما حفظت "ق" إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يخطب بها على المنبر)).
فعلى الخطيب أن يحسن اختيار موضوعه، وأن يحدد الهدف منه والأغراض التي يريد أن يخرج بها هو وجمهوره من هذه الخطبة.
تقسيم الخطبة، وترتيب أفكارها
كل خطبة تتكون من عناصر أيًّا كانت قليلة أو كثيرة، وهذه العناصر ينبغي أن تكون مسلسلة تسلسلًا منطقيًّا، مقبولًا كل عنصرًا يسلم للذي يليه كتسلسل درج السلم، فيبدأ الخطيب بمقدمة ثم يعرض الموضوع شرحًا وتفصيلًا، ثم استدلال عقليًّا ونقليًّا ثم نتيجة أو خاتمة، وكل جزء من هذه الأجزاء مبنيًا على ما قبله، فالمقدمة تلفت انتباه السامع إلى موضوع الخطبة، وعرض الموضوع وشرحه يوحي بأهميته وضرورته، والأدلة النقلية والعقلية تقنع المستمع وتحفزه إلى موضوع الخطبة، وتحرضه على العمل والالتزام به.
ثم بعد ذلك تكون النتيجة فيها تلخيصًا للموضوع واستخلاصًا للعبرة والدروس المستفادة منه وإلزام للمستمع بما في الخطبة بعدما ما اقتنع به، وميزة هذه الطريقة في تقسيم الموضوع وتسلسل أفكاره وعناصره أن الناس إن عجزوا عن استيعاب التفصيلات الجزئية، فلم يعجزوا عن استيعاب العناصر الأساسية التي يعرضها الخطيب في خطبته مقسمة مسلسلة تسلسلًا منطقيًّا، وبإمكان كل فرد من المستمعين أن يفسرها لنفسه تفسيرًا مقبولًا، وبهذا يظل الموضوع حيًّا واضحًا للأذهان باقيًا ببقاء القرينة، وهي التقسيم والتسلسل المنطقي.
ومن المعلوم أن عناصر الخطبة ليست كلها سواء في الأهمية؛ فمنها ما هو حتمي وضروري، ومنها ما هو تكميلي فعلى الخطيب أن يختار العناصر ذات الأهمية لموضوعه وأن يلح عليها بالشرح والأمثلة، بينما لا يفعل ذلك بالأجزاء الأخرى التي هي دون تلك في الأهمية، وكل ذلك يتوقف على تقسيم الخطبة وتركيبها، وترتيب أقسامها حتى إذا انتهى الخطيب من خطبته يكون المستمعون قد أدركوا الهدف الذي يرمي إليه الخطيب، وإليك هذا المثال:
لو قلنا: أراد خطيب أن يدعو إلى التبرع لبناء ملجأ خيري يأوي الأيتام والفقراء، فكيف يوجه الخطيب خطبته؟ وكيف يعرض موضوعه؟ أقول: أولًا يجب عليه أن يأتي بمقدمة وجيزة تبين أن الإسلام دين التعاون، وأن المسلمين أمة واحدة يجمعهم شعور الإخاء ويؤذيهم أن يكون بينهم جائع أو عارٍ أو محتاج، وأن الدين الإسلامي يأمرهم بتحاشي وجود شيء من ذلك بينهم، ثانيًا ينتقل بعد هذا إلى التعريف بحال الملجأ الذي يدعوا لبنائه وإقامته، ويصف ما يقدمه هذا الملجأ للأيتام والفقراء الذين يؤون إليه،
ثم ينتقل من هذا إلى دعوتهم إلى التبرع، وهذا هو النتيجة ثم يعينه في هذا أمور كثيرة تتوقف على مهارته وثقافته، وعمق تفكيره، كأن يقول أن هؤلاء المساكين قد ينشأ الملجأ منهم نفوسًا صالحة وأشخاصًا نافعين لمجتمعهم، وإذا لم يعنهم الملجأ كانوا جراثيم فساد وكانوا ضررًا على الناس من هؤلاء من أخنى عليهم الدهر، وكانوا قبل ذلك أبناء تجار أثرياء أو زراع موسرين أو عباد صالحين، إن أي واحد من السامعين مهما كان ثريًّا أو صحيحًا لا يأمن أن يصير أولاده إلى هذا المصير، وقد يلح على ذويه المرض والفقر أو يطرأ عليهم سوء السلوك المدمر، فكما يود أن يجد من يعين أولاده عليه أن يساعد هؤلاء.
هذه النقطة الأخيرة هي قمة الخطبة، والتي ينبغي أن يتخير لها العبارات المثيرة، وفيها يعلو صوته ويبدو انفعاله وأسفه وحزنه، وهو بهذا قد سار في خطبته سيرًا مرتبًا انتقل فيه من عنصر إلى آخر انتقالًا طبيعيًّا.
ولكن كيف يتذكر الخطيب عناصر موضوعه؛ ليكون متسلسلًا؟
أقول لكل خطيب: هناك طريقتان تستطيع من خلالهما تذكر الأشياء:
أولًا: بواسطة دافعًا خارجي.
وثانيًا: بربط الشيء بشيء موجود في الذهن من قبل.
ويعني ذلك بالنسبة للخطب أن باستطاعتك كخطيب أن تتذكر نقاطها بمساعدة دافع خارجي كالملاحظات لكن من يرغب في أن يرى خطيب يستخدم ملاحظات، ثم بإمكانك أن تتذكر نقاطها بربطها بشيء موجود في ذهنك، ويجب أن تنتظم في تسلسل منطقي بحيث تؤدي النقطة الأولى إلى النقطة الثانية إلى الثالثة بشكل طبيعي.
ولكن لنفترض أن خطيب ما وجد نفسه فجأة خالي الذهن، وبدأ يحدق النظر إلى مستمعيه صامتًا وعاجزًا عن الاستمرار، إنه لموقف مرعب، إن كبرياءه يمنعه من الجلوس بارتكاب وخيبة أمل، هو يشعر أنه قادر على التفكير بالنقطة التالية أو بنقطة ما لو أن لديه مهلة عشرة أو خمسة عشر ثانية، لكن خمسة عشر ثانية من الصمت القلق أمام الجمهور لهو أقل بقليل من كارثة، فما الذي يجب القيام به حينئذٍ؟!
نقول: عندما وجد أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي نفسه في موقف مماثل من هذا سأل المستمعين بوضوح في مؤخرة الغرفة عما إذا كان صوته مرتفعًا يبلغهم أو لا، وقد كان يعلم أن صوته يبلغهم ولم يكن يبحث عن معلومات بل كان يسعى إلى كسب الوقت وخلال هذا التوقف الضئيل التقط الفكرة وتابع خطابه.
لكن ربما يكون أفضل منقذ في مثل هذا المأزق الذهني هو استخدام آخر كلمة أو عبارة أو فكرة في جملتك الأخيرة من أجل البدء بجملة جديدة، فهذا سيولد سلسلة لا متناهية تخيل أن خطيبًا يتحدث عن النجاح في العمل يجد نفسه في مأزق بسبب قوله، إن المستخدم العادي لا يتطور؛ لأنه لا يهتم جديًّا بعمله ولا يتميز بروح المبادرة ربما ليست لديك فكرة عما تقوله أو كيف تنهي الجملة، ولكن مع ذلك ابدأ فالتظاهر الهزيل أفضل من الإخفاق التام، إن روح المبادرة تعني الإبداع والقيام بشيء من تلقاء ذاتك من دون أن تنتظر ليطلب ذلك منك، وهذه ليست ملاحظة مدهشة، ولن تجعل من الخطاب خطابًا تاريخيًّا لكن أليست أفضل من الصمت المؤلم، فماذا كانت آخر فقرة لها تنتظم ليطلب ذلك منك لنبدأ جملة جديدة بهذه الفكرة، إن الطلب المستمر من المستخدمين الذين
يرفضون التفكير المبدع، وإرشادهم وقيادتهم لهو أكثر الأمور مدعاة للسخط حسنًا لنعالج هذا الموضوع، ولنغص ثانية يجب أن نقول الآن شيئًا عن الخيال، فالخيال المطلوب أي الرؤية.
هذه الطريقة لتسلسل أفكار الخطبة طريقة مهمة عندما يتذكر الخطيب هذه الجمل البسيطة يجب عليه في الوقت ذاته أن يفكر جيدًا بالنقطة الثانية في خطابه والشيء الذي ينوي قوله.
ومن أهم الأمور التي تمكن الخطيب من النفوذ إلى عقل المستمع وعاطفته مقنعًا ومستنيرًا أن يكون واقعيًّا في خطبته، وذلك بأن تنسجم الخطبة مع الواقع الذي يعيشه الناس وذلك بالحديث في أمراض المجتمع وعلله التي يئن منها في حياته.
فإذًا إذا أحسن الخطيب اختيار الموضوع المناسب للبيئة التي يعيش فيها، فما عليه إلا أن يهتم بترتيب الخطبة وتقسيمها، فالخطبة تشارك مجمل فنون القول كالمحاضرة والندوة، وغيرها في أنها تشتمل على ثلاثة عناصر هي: المقدمة، وجوهر الموضوع، والخاتمة، ولنفصل القول في هذه العناصر الثلاثة.
أما المقدمة: فقد قلنا إنها أول شيء يصل إلى أسماع الحاضرين من خطيبهم، وذكرنا الشروط التي يجب توفرها حتى تكون مهمة تجذب أسماع الحاضرين، ثم على الخطيب بعد المقدمة أن يركز على موضوعه الذي يريد أن يدخل فيه بعد الافتتاح المشوق، والمقدمة المهمة يبدأ مثلًا في ذكر الموضوع الذي سيتحدث عنه، فإذا رأى أن يربط الموضوع بحمد الله والثناء عليه، فله ذلك وإذا رأى أن يبدأ بأسئلة التشويق للسامعين فله ذلك، وإذا رأى أن يبدأ حديثه بذكر خطورة الموضوع الذي سيعالجه في خطبته، فإذا كان مثلًا سيتحدث عن التدخين ومضاره، فيقول حديثي إليكم اليوم عن قاتل خطير قتل خلال عام واحد خمسة
ملايين من البشر، وفوق ذلك أنه سارق كبير سرق أكثر من ستمائة وستين مليون ريال، وضحاياه بنسبة ثمانية وثلاثين في المائة من النساء هل تعلمون ما هو؟! هذا سؤال تشويق، ثم يجيب إنه الدخان، إنه السجائر، وغير ذلك.
وقد يختار أن يبدأ بذكر قصة مشوقة تجذب السامعين إليه، وتربطهم به وقد تكون القصة خيالية أو واقعية، والمهم فيها العبرة والفائدة في موضوع أهمية الوقاية من المنكرات مثلًا يقول الخطيب:"لدي اليوم قصة عجيبة وحادثة غريبة لرجل سرق منزله، فإذا به يخلع حديد النوافذ ثم سرق مرة أخرى وكانت المسروقات هذه المرة أكثر وأغلى، وبعد ذلك عمد إلى فتح الأبواب وعدم إغلاقها حتى أصبح منزله مغري بالسرقة لكل غادٍ ورائح، والمتوقع ممن يسرق أن يزيد في الاحتياط ويشدد في إحكام سد المنافذ، ومن هنا فإننا نحكم على هذا الرجل بأنه أحمق أو مجنون، ولكن حال كثير منا مع المعاصي والمنكرات التي تسرق من إيماننا يشبه حال هذا الرجل، فنحن كلما وقعنا في معصية تساهلنا بعد ذلك فيما هو أكبر منها، ولعل إدخال الفضائيات الماجنة إلى البيوت يصور تمامًا بيتًا بلا إقفال، ولا أبواب، ولا نوافذ".
وقد يستخدم الخطيب أسلوب الإغراب بإيراد بعض الغرائب والفرائض بأسلوب لفظي جميل يعطي أثرًا قويًّا في شد الانتباه، وربط السامعين؛ لأن النفوس تتعلق بكشف الغموض ومعرفة الغريب، ومن أمثلة ذلك أن يقول مثلًا وهو يتحدث عن استقبال رمضان، وكيف يستقبل الناس رمضان، يقول خطيب: اعذروني اليوم، فلن أتحدث إليكم وأستميحكم عذرًا في أن أتنحى عن مقام الخطابة وأترك المنبر لمن هو أولى بالحديث إليكم؛ لأنه الأقرب إليكم، والأعرف بكم، والآخر لديكم، سأترك الحديث اليوم إلى رمضان؛ ليحدثكم بنفسه، ويبثكم شكواه ويروي لكم تاريخه ويبين لكم أحكامه.
وقد يعمد الخطيب إلى البدء بمدح السامعين، والثناء على الحاضرين بما هم له أهل بلا غلو ولا إطراء استمالة لنفوسهم حتى يشجعهم على ما يريد منهم من الخير الذي يريد أن يفعلوه، كأن يريد أن يحثهم على عيادة المرضى، أو مساعدة المحتاجين، أو كسوة طلاب المدارس في فصل الدراسة، ونحو ذلك، وقد يجعل الخطيب نفسه واحد من الجمهور يعاني ما يعانون من المشكلات التي يتحدث عنها ويواجه تلك الصعوبات التي يصفها، ويحسن أن ينص على ذلك صراحة، وهذا يجعله شديد القرب للمستمعين ويهيئهم للإصغاء والانتباه.
من أمثلة ذلك أن يصرح الخطيب مثلًا بقوله: جميعنا يشعر بخطر هذه الشهوات والمغريات، وكلنا بلا استثناء يتعرض لضغطها وتأثيرها، أنا وأنت وهذا وذاك يدرك خطر القنوات الفضائية على أبنائنا وبناتنا، إذًا فنحن في سفينة واحدة.
وقد يبدأ الخطيب بذكر موضوع صراحة يقول: إن موضوعنا اليوم هو خطر التبرج والسفور، فنوضح خطرهم من حيث مخالفته لأحكام الشرع، ومن حيث أضراره النفسية والاجتماعية، كما سنذكر ما سيترتب عليه من أخطار الخلقية والأمنية، وسيكون ختام حديثه عن الوقاية من تلك المخاطر وهكذا.
ثم على الخطيب أن يمضي إلى تفصيل ما ذكر من خلال هذه النقاط:
أولًا: قوة العرض من خلال كثرة الأدلة، والشواهد القرآنية والنبوية، إضافة إلى النقول النصية من أقوال العلماء والفقهاء مع زيادة الإيضاح بإيراد شواهد الواقع المعاصر.
ثانيًا: وضوح العرض من حيث سهولة العبارات، وفصاحة الكلمات مع البعد عن الألفاظ الغريبة، والأساليب المعقدة.
ثالثًا: جاذبية العرض من خلال تنوع المادة بضرب الأمثال وذكر الأشعار وإيراد القصص، وعرض الحكم.
رابعًا: روعة العرض من خلال الإتيان بالجديد غير المتوقع من الخطيب والخطبة من معلومات متخصصة أو أخبار غير مشتهرة واستنباطات غير شائعة، ونحو ذلك، وعلى الخطيب أن يعتمد في خطبته على الأدلة الثابتة من القرآن الكريم والسنة النبوية، وقد أشرنا فيما سبق إلى ضرورة العناية بالأحاديث الصحيحة، واجتناب الأحاديث الضعيفة فضلًا عن الموضوعة، وأن يبتعد عن القصص والأساطير والخرافات، وعليه أن يكون موضوعه مترابطًا متصلًا متجانسًا، ويظهر ذلك من خلال أن يكون الخطيب ملمًّا بجوانب الموضوع المختلفة، ومطلعًا عليه من مراجع متعددة؛ ليكون ذلك معينًا على الاستيعاب التام للموضوع، ومن خلال استيعاب الموضوع، والتمكن منه يحرص الخطيب على تقسيم موضوعه إلى فقرات موضوعية يراعي فيها تقديم الأهم على المهم، ويحسن التقسيم بحيث يستطيع السامعون أن يركزوا في استيعاب الموضوع والخروج منه بفائدة، ويحسن أن لا يكثر من التقسيمات والتفريعات التي تشتت أذهان السامعين خاصة، وأن الخطبة قصيرة الوقت لا تحتمل مثل ذلك.
وعليه أن يحرص على الانسياب الموضوعي، وذلك بأن ينتقل من فقرة إلى فقرة بأسلوب سلس، وأن يجعل الانتقال من عنصر إلى عنصر آخر سهلًا، يسيرًا، مبررًا، بحيث يقدم الأسباب ثم النتائج وأهمية الموضوع، ثم عناصره، وهكذا، وينبغي أن يربط بين تلك الفقرات بجمل وأساليب تشويقية ومنطقية بحيث لا يشعر السامعون بشيء من الانقطاع والفجوات بين الفقرات، كما ينبغي العناية بالتناسب في الوقت بين الفقرات، وعدم تطويل بعض الفقرات بشكل كبير.
وبعد عرضه موضوعه مقسمًا معنصرًا كما ذكرنا يصل إلى خاتمة الخطبة، والخاتمة تعد خلاصة لموضوع الخطبة، وهي كالثمرة التي تأتي بعد الزراعة، والسقي،
والعناية، ولذا فإن الخاتمة لا تقل أهمية عن الموضوع نفسه فضلًا عن مقدمته، وينبغي أن يجعل الخطيب نصب عينيه عند تفكيره في الخاتمة هذه الأسئلة: هل يغلب على ظنك أيها الخطيب أن السامعين فهموا الموضوع واستوعبوه؟ وما هي الأسئلة التي تتوقع أن تسأل عنها بعد انتهاء موضوع الخطبة؟ ماذا تريد من السامعين أن يعملوا؟
لقد عرفناك أن للخطبة أغراضًا تتنوع هذه الأغراض بتنوع الخطبة، فلا بد أن يكون حاضرًا في ذهنك ماذا تريد من السامعين أن يعملوا، ماذا تريد أن تعلمهم من العقيدة، ماذا تريد أن يقوموا به من عبادات، ماذا تريد أن يصححوه من المعاملات، كيف يمكن أن يبقى لموضوع الخطبة أثر طيب ممتد في نفوس وعقول وسلوك السامعين، إن هذه الأسئلة حين تجعلها في ذهنك ستجعلك في مواجهة أمام نفسك بحيث تستشعر عظمة مسئولية الخطابة، وتدرك عمق أهمية دورها وتأثيرها، وأنها ليست مجرد أقوال مرسلة أو بلاغة جميلة أو حماسة متقدة، بل هي أمانة ورسالة، وتعليم وإرشاد، كما أن العناية بخاتمة تدفع الخطيب لمحاسبة نفسه وتربيتها؛ إذ كيف يطلب من الناس ما لا يعمله، وكيف يدعوهم إلى ما لا يقبله، وفي ضوء هذا يمكن تلخيص أهداف الخاتمة في هذه النقاط.
أولًا: الخاتمة تلخيص لأبرز نقاط الموضوع، وأكثرها أهمية.
ثانيًا: الخاتمة تركيز على الترجمة العملية المطلوبة للسامعين.
ثالثًا: الخاتمة هي العصارة التي تنعكس على شعور وإحساس السامعين، وتبقى في أذهانهم.
ومن حيث الأداء، فإن من المناسب أن يراعي الخطيب في الخاتمة ما يلي:
أولًا: الهدوء والبطء النسبي في الإلقاء، وذلك لما في الخلاصة من الثمرة والتركيز على النقاط المهمة.
ثانيًا: محاولة الربط بالمقدمة أو بعض العناصر المهمة في الموضوع للإشعار بالترابط من جهة، ولبيان أن الخاتمة نتيجة لما سبق ذكره من جهة أخرى.
ثالثًا: استخدام أساليب التوكيد والجزم التي تدفع نحو العمل والالتزام مع التطعيم بأساليب الحث والتشجيع، وتعزيز الثقة التي تحول دون اليأس والإحباط، والشعور بعدم إمكانية العمل والتغيير.
رابعًا: استخدام التعداد بالرقم صوتًا وبالأصابع إشارة، وذلك في ذكر نقاط التلخيص أو خطوات العمل المطلوبة.
خامسًا: في حالة وجود إكمال لتوابع الموضوع في خطب قادمة، فإنه تحسن الإشارة إلى ذلك والتشويق إليه والربط به.
أما من الناحية الشكلية، فإن خاتمة الخطبة ينبغي أن تشتمل على عنصرين أساسيين:
الأول: الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
ثانيًا: الدعاء لعموم المسلمين وتخصيص ولاه الأمر والمجاهدين، وضعفة المسلمين بالدعاء، ومن الخطأ أن يجعل الخطيب الخطبة الثانية كلها دعاء يقطعها عن الخطبة الأولى قطعًا ويبترها بترًا، بل -كما سمعنا- ينبغي أن تكون الخطبة الثانية متصلة تمام الاتصال بالخطبة الأولى، وتختم بما ذكرناه من الخاتمة.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.