الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في كل ما قمتَ به من عمل، وتسائل نفسك: هل كان عملي لله؟ هل أسلمت وجهي لرب العالمين؟ هل كنت مخلصًا فيما دعوت الناس إليه؟ فإن وجدت خيرًا فاحمد الله، واطلب منه المزيد، وأن رأيت خلاف ذلك فتب إلى الله وجاهد نفسك وأنت مستمر في الدعوة إلى الله؛ حتى تصل في نهاية المطاف إلى منازل الدعاة المخلصين، والعُلَماء العاملين المتقين.
من الآفات التي يتعرض لها بعض الدعاة: "العُجْب
"
يقول الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين) في تعريف العُجْب: العجب: هو استعظام النعمة، والركون إليها، مع نسيان إضافتها إلى المُنعم.
فبناء على هذا التعريف نقول: إن المُعْجَب بنفسه هو مَن أعطاه الله تعالى علمًا أو جاهًا، أو قوةً، أو جمالَ هيئةٍ أو نسبًا أو مالًا، أو كثرة أولاد، أو عقلًا وفطانة، أعطاه الله تعالى هذا أو بعض منه، ثم لا يخاف ما أعطاه الله من نعمة زوالها، ولا يَنْسب هذه النعمة إلا موهبها وهو الله عز وجل بل ينظر إلى كونها كمالًا له يفرح به، ويَطْمَئنُّ إليه؛ كأنّه يرى أنه شيء يستحقه، ولا فضلَ لله عليه، بل هو كمالٌ لا يزول عنه، وهذا هو الإنسان المعجب بنفسه.
وقد جاء ذم المُعجب في القرآن الكريم، والسنة المطهرة، وأقوال السلف الصالح:
أما القرآن الكريم: فقد قال الله تبارك وتعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} (التوبة: 25). قال
الله تعالى ذلك في معرض إنكاره على إعجابهم بالكثرة حين قال قائلهم: "لن نغلب اليوم عن قلة" وكانوا اثني عشر ألفًا أو أكثرَ؛ فلمّا نظروا إلى كثرتهم وأعجبوا بها ركنوا إليها، فجاءهم ما يكرهون من الهزيمة، حتى إذا فاءوا إلى الله، وتجردوا لله عز وجل وأيقنوا أنه النصر من عند الله عز وجل أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ونصرهم بعد هزيمة.
ومنه قول الله تعالى عن بني النضير: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواِ} (الحشر: 2)، فعاقبَ اللهُ اليهود لإعجابهم بحصونهم وبشوكتهم، وقال الله تعالى:{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} (الكهف: 103 - 104). وهذا أيضًا مرده إلى العُجْبِ بالعمل: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} .
وأما السُّنة النبوية: فالنّبي صلى الله عليه وسلم ذمّ العُجْبَ في أكثر من حديث: فقد روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((بينما رجل يتبختر في بُردته -أي: ثوبه الجميل- إذ أعجبته نفسه، فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة)) وهذا هو الإعجاب بالثوب والمال.
وروى أبو داود والترمذي عن أبي ثعلبةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ائتمروا بالمعروف، وانتهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم شحًّا مطاعًا وهوًى متبعًا، ودنيا مؤثرة؛ وإعْجَابَ كُلّ ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام)). وهذا هو الإعجاب بالرأي. ومما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه)) وهذا هو الإعجاب بالنفس.
وأما أقوال السلف في ذم العُجْب: فقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: "الهلاك في شيئين: العُجب والقنوط". وقال مُطَرّف رحمه الله: لئن أبيت نائمًا وأصبح نادمًا، أحَبّ إليَّ من أن أبيت قائمًا -أي: مصليًا- وأصبح معجبًا. لأنّ أبيت نائمًا: يعني: لا يقوم الليل، ويُصبح نادمًا على أنه نام ولم يصلِ بالليل في جوف الليل، فهذا يكون أحب إليه من أن يقوم الليل ثم يصبح فينظر إلى نفسه نظر إعجاب، ويمن على ربه ويستكثر ما صلى من تلك الليلة. وقيل في الحكم: لأن تضحك وأنت معترف بذنبك، خير من أن تبكي وأنت مدل بعملك.
فظهر مما أوردناه أن العجب مذموم في القرآن والسنة وأقوال الأئمة، فكيف يدخل العجب على الدعاة؟
قد يدخل العجب على نفس الداعية من حيث لم يحتسب، ومن مداخل العجب أن يعجب الداعية كل العجب ببلاغته، وجمال منطقه، وطلاقة لسانه، ومن مداخله: أن يَغْتَبِطَ ويُسَرّ ويفْرَح حين يتحدث الناس عن أعماله ونشاطه، ومدى أثره وتأثيره، ومن مداخله: أن يَعْتَقِدَ أنّه أصبح ذا شهرة علمية، وشَخْصِيّة دعوية عالمية، ومن مداخله: أن يقتنع أنه إذا عالج في المجتمع مشكلة، أو أصدر في مجال العمل الإسلامي رأيًا، لا يستطيع أحدًا أن ينحو نحوه، أو يعمل مثله.
ومن مداخله: أن يرى الناس يعظمونه ويثنون عليه، ويقومون على خدمته، ومن مداخله: أن يَجِدَ المَدْعُويّن قد ازدحموا على درسه، ووثقوا به، وتجمعوا حوله. ولذلك رُوي عن بعض علماء السلف: أنه كان إذا كثر العدد في حَلقته أنهى درسه.
إلى غير ذلك من هذه المداخل الشيطانية التي تدخل على نفوس الدعاة، وتجعل منهم أناسًا يغترون بمواهبهم ويعجبون بأنفسهم.
نعم؛ يقع الداعية في العجب إذا استعظم ذلك كله، ونسبه إلى نفسه، ونسي أن المنعم المتفضل هو الله عز وجل.
إن الله سبحانه وتعالى حين كلف النبي صلى الله عليه وسلم بالقيام بالدعوة في قومه، نهاه من أول لحظة عن العُجب الذي يفضي به إلى استكثار عمله، والمنّ به على ربه، قال سبحانه:{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} (المدثر: 1 - 6). إنّك ستُقدم لهذه الدعوة الكثير من جهدك والكثير من وقتك والكثير من مالك، ستُقدم للدعوة الكثير؛ فإيّاك أن تستكثره وتعجب به، وتَمُنّ به على ربك سبحانه وتعالى.
فقد يَقع الداعية العجب إذا استعظم ما يقدمه للدعوة، وينسَى أن الله سبحانه وتعالى هو الذي تفضل عليه، واستخدمه للدعوة، ووفقه فيها وأعانه عليها، أما إذا كان الداعية مرتاحًا لما كلفه الله به من أعباء ومسؤوليات، وراضيًا بما أوجبه عليه من تبليغ الدعوة، وحمل رسالة الإسلام، ونسب كل ما حققه في المجتمع من أثر وتأثير وإصلاح وتغيير، وكل ما وهبه الله إياه من سداد الرأي، وسعة العلم وطلاقة اللسان وقوة الحُجة، ومظهر إكرام، نسب ذلك كله إلى رب العزة والجلال، فهذا كله ليس من العجب في شيء، ولو وجد في نفسه نشوة وغبطة وسرور.
ولكن ما هو علاج العجب في الدعاة؟
الجواب على ضوء ما ذكرنا من تعريف العجب ومن مداخله على نفوس الدعاة: على الداعية إذا أحسّ من نفسه أنه إذا اعتراه شيء من العجب، فليسارع إلى معالجته، واستئصال شأفته من نفسه؛ خشيةَ أن يقع فيما هو أدهى وأمر، ألَاَ وهو زهو الكبر، وغطرسة الخيلاء.
أما علاج العجب فهو كما يلي:
أولًا: على الداعية أن يعلم أن الله عز وجل هو المنعم عليه بوجوده في الحياة أولًا وأصلًا وأساسًا. ثم بمنحه القدرة والذكاء والعلم والمعرفة، والصحة والجمال، والغِنى والجاه، والتوفيق والهداية؛ فلا معنى لئن يُعْجَب الدّاعِيَةُ بقوته وذكائه، ولا بعلمه ومعرفته، ولا بأثره وتأثيره، ولا بغناه وجاهه، إذ كل ذلك من فضل الله عليه وتوفيق الله إياه؛ فإن سلبه العقل؛ فكيف يتعلم ويتفقه؟ وإن سلبه الصحة والقدرة فكيف يتحرك ويعمل؟ وإن سلبه التوفيق والهداية فكيف يصلح ويغير؟
فعلى الداعية إذًا: أن لّا ينسب شيئًا من الفضل والخير إلى نفسه، بل ينسبه إلى مسببه وموجبه وهو الله عز وجل إنّ الله تبارك وتعالى قال:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} (الأنعام: 46)، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم:{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ} (الشورى: 24).
فإذا أعجبت بخطبة خطبتها، أو محاضرة ألقيتها؛ فاحمد الله على توفيقه، وتذكر فإن يشأ الله أن يختم على قلبك، ولا شَكّ أنك إن صدقتَ نفسك ستذكر أنك كثيرًا ما قمت على المنبر، وقد حضرت خطبتك وحفظتها وراجعتها وتدارستها وذاكرتها، ثم لم تجد منها شيئًا على المنبر، كل ذلك من قلة التوفيق؛ إذًا فإذا وفقت فاعلم أن ذلك من الله، فانسب الفضل إلى أهله، واحمد الله عز وجل عليه.
والرسول صلى الله عليه وسلم الذي هُو القدوة لأمته؛ كان يُقَرّر أنّ العبدَ مهما سَمَا عملُه الصالح، لا يَدْخُل الجنة أبدًا بعمله، بل بفضل الله تعالى ورحمته؛ ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:((لا يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)).