الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أو تسمية "عربانه" أو أزبابه" في النصوص الفارسية. وأخيرا فإن التسمية المباشرة للعرب أو لبلاد العرب كانت تشير في كل الحالات، عند هذه الشعوب، إلى قبائل القسم الشمالي من شبه جزيرة العرب. ولكن مع كل هذه الملاحظات، فقد كانت كل هذه النصوص تدل على مجموعة بشرية أصبحت لها هوية أو شخصية جماعية محددة في مجال الاحتكاكات أو العلاقات الخارجية مع الشعوب المذكورة4.
4 عن سبأ الجنوبية، التوراة: نبوءة يوئيل، إصحاح3:8. عن سبأ الشمالية النص في anet ص283. عن الدادانيين، التوراة: نبوءة أشعيا، إصحاح 21:13. العرب بمعنى البدو عند العبرانيين، نبوءة أشعيا، إصحاح 13: 20، كذلك نبوءة أرميا، إصحاح 25: 24. عن تسميات العرب في وادي الرافدين راجع: erich ebeling: reallexikon der assyriologie "1928" مادة araber. عن إشارة هذه التسميات إلى البداوة راجع: adolf grohmann: geschichte des alten orients، arabien muenchen 1963"" ص3 وحاشية1، كذلك ص21 وحاشية2. ترجمة النص الفارسي في anet: 316 والتعليق عليه في e.herzield: altpersische inschriften "1398 berlin" نص رقم 14 صفحات 27 وما بعدها.
5 التوراة: سفر أخبار الأيام الأول، إصحاح 30:27.
ب-
العلاقات مع العبرانيين:
ونحن نجد هذه الصورة المحددة منذ القرن العاشر في أول علاقات نسمع عنها بين العرب وجيرانهم، وهي العلاقات مع العبرانيين. لقد وجدت قبل ذلك، في عهد الملك داود، إشارات في التوراة إلى معاملات مع العرب، ولكنها كانت معاملات فردية لا نسمع فيها إلا عن أفراد مثل "أوبيل الإسماعيلي" أي: المنتمي إلى بني إسماعيل، أو "يازيز الهجري""نسبة إلى الهِجْر أو الحِجْر في مدائن صالح"5. أما في القرن العاشر فنجد المعاملات العربية تتحول عن هذه الصورة الفردية لتصبح معاملات منطقة كاملة. وفي هذا النطاق تدور العلاقة بين ملكة سبأ والملك سليمان "970-937 ق. م" ملك العبرانيين. إن النصوص التي تشير إلى هذه العلاقة نلمس منها في وضوح
محاولة من ملكة السبئيين لإقامة علاقات ودية مع هذا الملك تجاوزًا أو تخطيًّا لعلاقات يبدو من هذه النصوص أنها كانت على شيء من التوتر أو التأزم ومن ثم فهناك مصالح متعارضة لكلا الطرفين، وتحاول ملكة سبأ أن تخفف من حدة هذا التعارض الذي يضرب بمصلحة مملكتها. وقد رأينا في مناسبة سابقة أن مثل هذا التعارض لا يمكن أن يكون مفهومًا إذا كانت سبأ المقصودة هي مملكة سبأ الموجودة في القسم الجنوبي لشبه الجزيرة العربية. إذ في مثل هذه الحال لا توجد حدود مشتركة أو مصالح مهددة أو ضغوط سياسية أو غيرها، وإنما تصبح كل هذه الأمور أو بعضها واردة إذا كان بين المملكتين نوع من التجاور أو الاقتراب يجعل توتر العلاقات لسبب أو لآخر أمرا واردا. ونحن نجد في الواقع مدينة في الشمال تحمل اسم سبأ كلك ويرد ذكرها في النصوص الآشورية على أنها واقعة في أقصى الغرب بالنسبة للآشوريين، أي على حدود المنطقة السورية "بالمفهوم الجغرافي لهذه التسمية" ومن ثم تكون على حدود أو قرب حدود مملكة العبرانيين التي كان يتربع سليمان على عرشها. وقد قامت هذه المدينة ونمت حول واحدة أو أكثر من المستوطنات التي أقامها في شمالي شبه الجزيرة التجار السبئيون الجنوبيون شأنهم في ذلك شأن المعينيين، على سبيل المثال، الذين فعلوا شيئًا مماثلًا في الشمال6.
سبأ المذكورة إذن، هي سبأ الشمالية والقضية المطروحة هي قضية تعارض بين المصالح. فإذا أدخلنا في اعتبارنا أن سبأ مدينة تجارية تحصل على موردها الاقتصادي الرئيسي من تحكمها في أحد المواقع التي يمر بها الخط التجاري الذي تمر به القوافل المحملة بالطيوب وغيرها من السلع الآتية من جنوبي شبه الجزيرة ومتجهة إلى موانئ البحر المتوسط في الشمال، أصبح من الطبيعي أن
6 العلاقة بين سبأ وسليمان، في القرآن الكريم: سورة النمل: 22-23 و28-44. التوراة: سفر أخبار الأيام الثاني، إصحاح 9: 1 وما بعدها عن سبأ الشمالية نص في ANET ص238.
نستنتج أن نقطة التعارض بين مصالح المملكتين المتجاورتين هي نقطة مصالح تجارية مهددة بطريقة أو بأخرى. ونحن نجد في الواقع في سياسة الملك سليمان ما يؤدي إلى وجود هذا التعارض. لقد أراد هذا الملك أن يتبع سياسة اقتصادية يحول بها مملكته من الزراعة إلى الصناعة بما يستتبعه هذا من مواد أولية يحصل عليها من أسواق خارجية. كما أراد أن يدعم هذا الاتجاه الاقتصادي بانتهاج نشاط تجاري بحري لا يجعله تحت رحمة الخط البري التجاري القادم من الجنوب وإنما يترك له حرية الحركة المباشرة مع الأسواق التي يريد أن يتاجر معها. ونحن نجد في نصوص التوراة إشارة واضحة إلى هذا الاتجاه حين نعرف أنه اتخذ ميناء عصيون جابر "بجوار ميناء أيلة" على رأس خليج العقبة مرفأ أساسيا يبتدئ منه أو ينتهي إليه هذا النشاط التجاري، وحين نجده يلجأ إلى الملك حيرام، ملك صور، بالعمال والبحارة لبناء أسطول تجاري ولتسيير هذا الأسطول التجاري في البحر الأحمر، وحين نعرف كذلك، أنه وصل بنشاطه التجاري البحري هذا إلى "أوفير" التي يرجح أنها كانت ميناء على الشواطيء الشرقية لشبه الجزيرة العربية، إن لم يكن، حسب رأي بعض الباحثين، إحدى الموانئ الهندية. بل أكثر من هذا نجد هذا الملك يحاول إغراء حيرام ملك صور باستخدام هذا الخط التجاري البحري الجديد بدلًا من طريق مصر للاتجار مع بلاد العرب، في محاولة يبدو واضحًا أنها كانت تستهدف تنشيط هذه الطريق البحرية التجارية على حساب أية طرق أخرى في المنطقة7. ومثل هذا الاتجاه من جانب سليمان كان كفيلًا أن يؤثر تأثيرا ضارا على موقع تجاري مثل الموقع الذي تحتله مملكة سبأ الشمالية، ومن هنا تثور مخاوف ملكة السبئيين التي كان هذا الموقع التجاري هو المورد الاقتصادي
7 عن سياسة سليمان البحرية انظر التوراة: سفر الملوك الثالث، إصحاح 9: 26-27. عن محاولة إغرائه لحيرام بترك طريق مصر راجع: نجيب ميخائيل إبراهيم: مصر والشرق الأدنى القديم، ج3، سورية، ص231 عن أوفير، التوراة: أخبار الأيام الثاني، إصحاح 9: 1، راجع مناقشة مكانها في الباب الثامن الخاص بالموارد الاقتصادية في هذه الدراسة.
الأساسي، إن لم يكن الوحيد بالنسبة لمملكتها، ونفهم موقف التوتر الذي ثار بينها وبين سليمان من جهة، كما نفهم سبب الهدية السخية التي تظهر بين محتوياتها الطيوب والذهب والفضة والأحجار الكريمة، كمحاولة لإقامة علاقات، يمكن أن نصفها بلغة العصر الحديث أنها علاقات حسن جوار تصل من خلالها إلى اتفاق يحفظ لها مصالحها التجارية، وهكذا نجد في هذا الاتفاق أول مثال يصل إلى أيدينا حتى الآن لعلاقات خارجية عربية لا تتم في صورة معاملات فردية، وإنما تتم على مستوى مجموعة عربية منظمة في هيئة دولة لها مصالح محددة وهي تسعى بطريقة أو بأخرى لمعالجة علاقاتها بجيرانها لحماية هذه المصالح.
ومنذ ذلك الوقت نسمع عن علاقات خارجية عربية مع العبرانيين يقوم بها العرب كمجموعة ذات هوية واضحة تتحرك انطلاقًا من مصالح اقتصادية محددة وترتب عليها خطا سياسيا محددا. وقد مر بنا في مناسبة سابقة تحالف قام بين العرب والفلسطينيين ضد مملكة يهوذا "إحدى المملكتين التي انقسمت إليهما مملكة سليمان" في عهد الملك يهورام "851-843 ق. م" انتهى باجتياح هذه المملكة وإنزال أضرار فادحة بالقصر الملكي وبالبيت المالك. كما رأينا كذلك موقفا آخر في العلاقات الخارجية بين العرب والعبرانيين في عهد عزّيّا ملك يهوذا أو اليهودية "779-740 ق. م" تنعكس فيه الآية فينتصر على تكتل فلسطيني - عربي، يظهر فيه، إلى جانب الفلسطينيين، تجمع عربي مكون من العمُّونيين والمعينيين وعرب "جور بعل" الذين عرفنا أنهم كانوا أهل منطقة ربة عمون "عمان الحالية" ومملكة المعينيين الشماليين في منطقة العلا الحالية بالقسم الشمالي الغربي من شبه الجزيرة العربية، ومنطقة أخرى مجاورة للملكة العبرية، أما المناسبة الثالثة التي تظهر فيها هذه العلاقات فترجع إلى القرن الخامس ق. م. حين عاد العبرانيون من السبي البابلي. وهنا نجد عددا من الزعماء العرب من بينهم طوبيا العموني وجشم العربي يقفون