الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
د-
كتاب العصر الإمبراطوري الروماني المتأخر:
وأخيرا أنقل الحديث إلى الكتاب الكلاسيكيين الذين ظهروا في المرحلة المتأخرة من العصر الإمبراطوري الروماني، وهنا نجد نوعية مختلفة من المعلومات عن العرب. فبينما كان اتجاه الكتاب الكلاسيكيين حتى هذه الفترة فيما يجمعونه من أخبار عن العرب وعن شبه جزيرة العرب إما يمثل محاولة للتعرف العلمي العام بالمنطقة وسكانها كما كان في المرحلة التي عاصرت الكتاب الأول في القرن الخامس ق. م. أو اهتماما اقتصاديا في أساسه، كما كان الحال في العصر المتأغرق، أو اهتماما موسوعيا عمليا وسياسيا كما كان الحال في المرحلة الأولى من العصر الإمبراطوري الروماني، نجد الأمر يختلف الآن حين نصل إلى المرحلة المتأخرة من هذا العصر. فهذه المرحلة من تاريخ الإمبراطورية الرومانية كانت تسودها مجموعة من التيارات أو العوامل نقلت اهتمام الكتاب الذين ظهروا خلالها فيما يتعلق بالعرب وشبه الجزيرة العربية من الأشكال السابقة إلى شكل جديد.
وفي هذا الصدد سيطر على الرومان، بين عدة عوامل أخرى، ثلاثة عوامل رئيسية: أحدها هو الصراع مع الإمبراطورية الفارسية، والثاني هو الصراع مع البرابرة، والثالث هو انتشار العقيدة المسيحية آنذاك في أرجاء الإمبراطورية الرومانية الشرقية، ومن ثم فقد كان اهتمام الكتاب الرومان بالعرب وبشبه الجزيرة، اهتماما جانبيا يكاد ينحصر من جهة في الإمارتين العربيتين الحديتين، اللتين تتبع إحداهما الإمبراطورية الرومانية الشرقية وهي إمارة الغساسنة وتتبع الأخرى الإمبراطورية الفارسية المناوئة وهي إمارة المناذرة، ومن جهة أخرى في الاعتماد على العرب كجنود يعملون بشكل أو بآخر ضمن القوات الرومانية في المعارك بين الرومان والبرابرة، ومن جهة ثالثة في مدى تقبل العرب للعقيدة الجديدة
وموقفهم إزاء رجالها والمبشرين بها في المنطقة. وضمن هذه العوامل الثلاثة انحصر اهتمام الكتاب الكلاسيكيين في هذا العصر بالعرب كمجموعة بشرية يتحدثون عنها بشكل جانبي في أثناء حديثهم عن أحوال العالم الروماني وصراعاته، وحين يتحدثون يكون حديثهم عن صفات هذه المجموعة البشرية التي يود الرومان أن يعرفوا إلى أي مدى يمكنهم الاعتماد على خصائصها العسكرية أو ولائها السياسي أو استجابتها الدينية للعقيدة الجديدة.
ومن المؤرخين الذين برزوا في هذه المرحلة ثلاثة يمثلون نوعية الاهتمام الجانبي المذكور بالعرب آنذاك. وأول هؤلاء هو يوسيبيوس eusebios الذي نشأ في قيصرية caesarea في فلسطين وأصبح أسقفًا لهذه المدينة في 311م. وقد ألف كتابًا عن أحداث تاريخ اليونان والرومان تحت اسم الحوليات chronika جاءت فيه إشارات عابرة إلى العرب في بعض المواضع، ولكن ربما كان أهم كتبه هو "تاريخ الكنيسة" ekkiesiastikes historias، وهو يحتوي على إشارات متفرقة إلى العرب و"بلاد العرب" التي كان يعني بها دائما المنطقة المجاورة لسورية. والإشارات تدور كلها، دون استثناء، في نطاق انتشار العقيدة المسيحية أو ما يتصل من أشخاص ومواقف وأحداث. فهو يحدثنا مثلا عن أن حاكم بلاد العرب قد أرسل رسالتين إلى والي مصر وإلى أسقف الإسكندرية ليرسلا له الفقيه الديني المسيحي أوريجينيس origines السكندري ليلتقي به، وأن أوريجينيس قد ذهب إليه وأنجز المهمة التي ذهب إليها ب، ويحدثنا كذلك عن بيريللوس beryllos الذي كان أسقفًا في مدينة بصرى في "بلاد العرب" وكيف حاول أن
ب eusebios: ekk. hist. VI 19:15.
ينحرف بالكنيسة عن طريق تبني أفكار غريبة عن العقيدة المسيحية وكيف التقى به أوريجينيس السكندري وأعاده إلى طريق العقيدة السوية، وهو أمر يذكر بوسيبيوس أنه حدث في مناسبات أخرى ج، كما يحدثنا عما لقيه بعض رجال الدين المسيحي من تشريد أو استعباد أو قتل على يد العرب "يقصد الوثنيين منهم" د.
أما الكاتب البارز الثاني في هذه المرحلة فهو أميانوس ماركلينوس ammianus marcellinus الذي ولد في أنطاكية من أصل سوري في 330م، وعاش في القرن الرابع الميلادي وكان آخر المؤرخين الرومان العظام. وقد كتب كتابا باللاتينية "التي كانت بالنسبة له لغة مكتسبة" أسماه التواريخ historiae يغطي الفترة ما بين 96 أو 378م. وقد اندثرت من هذا الكتاب الأبواب الثلاثة عشر الأولى وتبقى منه القسم الذي يبدأ بالباب الرابع عشر وينتهي بالباب الحادي والثلاثين وهو يغطي الأحداث الواقعة بين عامي 353 و 378م. ورغم أن هذا المؤرخ يشير إلى العرب بشكل عرضي ضمن وصفه لبعض الأحداث مثل غيره من مؤرخي هذه الفترة، إلا لي أن إشاراته تستمد قيمتها من معاصرته للأحداث التي كتب عنها "على الأقل في القسم المتبقي من كتابه" وفي بعض الأحيان من رؤيته لها في أثناء الحملات التي اشترك فيها كرجل عسكري، ومن بينها ملات روما ضد الإمبراطورية الفارسية في الشرق. كذلك يزيد من قيمة هذه الإشارات اهتمامه بملامح الشخصية الجماعية لمن يتعرض لوصفهم، وهو أمر ربما اكتسبه من رحلات المتعددة التي قام بها سواء في أثناء خدمته العسكرية أو في غير ذلك من الأوقات وهي رحلات
ج ibid: VI،33: 1-3، 37-1.
د.VIII،12:1 "وهنا يصف العرب بالبربرية" ibid:VI، 42: 3-4.
جعلته يحتك بعديد من المجتمعات. أما العامل الثالث الذي يضفي أهمية على كتابته التاريخية فهو طريقته الموضوعية في الكتابة، وهي طريقة أدت بالمؤرخ الحديث جيبون gibbon إلى أن يقول عنه أنه "يكتب بلا أحكام مسبقة وبلا انفعال، وهما صفتان عادة ما تؤثران على من يكتب عن مواقف يعاصرها"، هذا وإن كانت هذه الصفة لا تحول دون وقوع هذا الكاتب في خطأ أو التباس أو مبالغة في بعض الملاحظات التي يبديها عن العرب في بعض الأحيان.
ولعل في ذكر بعض إشاراته عن العرب وشبه الجزيرة العربية ما يعطينا فكرة عن هذه الإشارات وعن طريقة تقديمه لها. وأولى هذه الإشارات تصف موقفا في عام 378م. ففي ذلك العام قامت قوة كبيرة من البرابرة مكونة من مجموعات من القوط والألان والهون بالزحف على القسطنطينية بعد أن هزموا الرومان في أدريانوبوليس، وقد سقط في المعركة عدد من القواد الرومان والإمبراطور نفسه وأصبح الموقف حرجًا. وفي هذا الشوط تقدمت الفصائل العربية التي كانت تحارب ضمن القوات الرومانية لمهاجمة البرابرة الغربيين، وهنا يقول أميانوس عن هذه الفصائل التي يسميها فصائل السراكيني saraceni: إنهم "أخذوا المبادرة على أثر حادثة غريبة لم يشهدها أحد من قبل، ذلك أن واحدا من بينهم، وهو رجل ذو شعر طويل وعارٍ إلا من قطعة قماش تغطي عورته، أخذ يطلق صيحات خشنة مخيفة ثم اندفع بسيفه القصير وسط القوطيين، وبعد أن قتل أحد رجالهم ألصق شفتيه بزور الرجل المقتول وأخذ يمص الدم الذي كان يتدفق منه بغزارة، وعند ذلك أصيب البرابرة بالرعب من هذا المنظر الغريب الوحشي، وبعدها فقد هؤلاء ثقتهم المعتادة
بأنفسهم، ولم يعودوا يتقدمون إلا بخطا مترددة كلما أقدموا على أية حركة"هـ.
والحديث، رغم غرابته لأول وهلة، قد يكون صادقا، فإلى جانب معاصرة الكاتب له "فقد خدم أميانوس تحت قيادة أورسينيكوس ursinicus في الشرق"، فإن كذلك ليس من المستبعد أن يكون واردا بين بعض القبائل البدوية، ومن غير المستبعد أن يكون لهذا التصرف مغزًى معين "ميثولوجي أو أنثروبولولجي ثقافي" في أذهان عرب البادية. وعلى أية حال فهناك إشارة مباشرة واحدة على الأقل إليه في قصيدة المهلهل بن ربيعة التغلبي "توفي في النصف الأول من القرن السادس م." التي هدد فيها قاتلي كليب من بني بكر حيث يقول: و
قل لبني ذهل يردُّونه
…
أو يصبروا للصيلم الحَنْفقيقْ
فلقد تروَّوا من دم محرم
…
وانتهكوا حرمته من عقوقْ
ولا يزال أثر هذا التصور سائدًا في الريف العربي حتى الآن، على الأقل من الناحية النظرية، حين نسمع أحدهم يقول عن عدو له: إذا فعل كذا فسأشرب من دمه.
وفي موضع آخر يصف بعض عادات العرب "يقصد أهل البادية منهم" فيقول: "إن حياتهم في تنقل مستمر، وهم يتخذون زوجات بموجب عقد مؤقت. ولكي يكون هناك مظهر من الحياة الزوجية، فإن الزوجة المستقبلة تقدم لزوجها رمحًا وخيمة على سبيل المهر، على أن
هـ historiae: XXXI، 16.6.
وشيخو وبستاني: المجاني الحديثة، قصيدة الداهية، أبيات 23-24.
يكون لها الحق في أن تتركه "أي زوجها" بعد مدة يتفق عليها فيما بينهما إذا أرادت ذلك، وإن حرارة العاطفة التي يندفع فيها الجنسان أمر لا يصدقه عقل" ح.
والملاحظة التي يبديها المؤرخ في القسم الأول من النص "الخاص بالزواج" فيها، على الأقل بالمقارنة بما كان سائدا في الفترة السابقة لظهور الدعوة الإسلامية مباشرة، شيء من الالتباس أو المبالغة، فالمرأة البدوية كان لها دون شك قدر من حرية التصرف أكثر من المرأة الحضرية في المجتمع العربي في العصور السابقة للإسلام، كذلك فإن انفصال الزوجة عن زوجها كان كذلك شيئا واردا، ولكن الوصف الذي يقدمه أميانوس قد لا يستقيم مع بعض الضوابط التي كانت موجودة في الحياة الزوجية عند العرب آنذاك، وإن كان يشير، رغم هذا، إلى ذلك القدر من الحرية الذي كان يعطي المرأة العربية البدوية القدرة على مفارقة زوجها في بعض الظروف، كما نستنتج ذلك واضحًا من الشعر المنسوب إلى هند بنت عتبة وصاحباتها وهن ينشدن محرضين رجالهن ضد المسلمين في غزوة أحد: ط
إن تقبلوا نعانق
…
ونفرش النمارق
أو تدبروا نفارق
…
فراق غير وامق
كذلك قد يقع أميانوس في خطأ التعميم في بعض الأحيان، وهو أمر نلحظه حين يتكلم عن تسمية العرب باسم العرب الميامين "السعداء أو المحظوظين" ARABES BEATI وتعليله لهذه التسمية فيقول: "إن
ح OP.CIT: XIV،4.
ط ابن هشام: السيرة، تحقيق السقا والإبياري "طبعة القاهرة 1936-1955" ج3، ص72.
الفرثيين "الفرس" جيران للعرب الميامين، وقد أطلقت عليهم هذه التسمية لأنهم أثرياء سواء فيما يخص ثمار الحقول أو قطعان الماشية أو التمر أو أنواع الطيوب المختلفة. ويطل قسم كبير من حدودهم على البحر الأحمر من ناحية اليمين "بالنسبة للقادم جنوبا سواء من سورية حيث موطن المؤرخ أو من روما حيث كان يقيم" بينما يحدهم البحر الفارسي من اليسار. والناس "في هذه البلاد" يعرفون كيف يحصلون على كل الميزات من هذين العنصرين "البحرين". وعلى هذين الساحلين توجد مواضع كثيرة لرسوِّ السفن وموانئ آمنة كثيرة ومدن تجارية مستمرة في خط لا ينقطع، وقصور ملكية على قدر كبير من الفخامة والزخرف، وعيون من المياه الحارة بطبيعتها والتي تهب المرء الصحة، وعدد كبير من الأنهار والجداول. وأخيرا فإن الجو هناك صحي لدرجة أنهم، في نظر أي شخص له حكم صائب، لا ينقصهم شيء من مقومات السعادة الغامرة، كذلك فهناك عدد كبير من المدن سواء على الساحل أو في الداخل ذات سهول ووديان غنية" ي.
وواضح هنا اهتمام المؤرخ ليس بإعطاء صورة مفصلة لاقتصاديات شبه الجزيرة أو حتى جغرافيتها الدقيقة على نحو التفصيل الذي رأيناه عند مؤرخي وجغرافيي المرحلة المبكرة من العصر الإمبراطوري الروماني من أمثال سترابون وبلينيوس وبطلميوس الجغرافي أو حتى من أتى قبلهم من الكتاب الكلاسيكيين، بل إنه يخطئ في ذكره لوجود عدد كبير من الأنهار والجداول، فشبه الجزيرة العربية لا توجد بها أنهار أو جداول على الإطلاق ومن المرجح أن ما يقصده أميانوس بذلك هو الوديان التي تملؤها مياه الأمطار في موسم المطر. وإنما يستهدف المؤرخ
ى Op.cit.: XIII،4:45-7.
هنا وصف شخصية المجتمع العربي ذاته كمجتمع سعيد وإبراز مقومات هذه السعادة.
ولكن مع ذلك فالمؤرخ يقدم نغمة واضحة في حديثه، فمن الواضح أنه يتحدث هنا عن المجتمع العربي الحضري، فهو يتحدث عن الزراعة والتجارة والمدن ويسمي السكان باسم العرب arabes مقابلًا بذلك بينهم وبين المجتمع البدوي وسكان من الأعراب الذين أسماهم سراكيني Saraceni كما رأينا في أحد نصوصه التي أسلفت ذكرها. على أننا رغم ذلك يجب أن نحترس من التعميم الذي وقع فيه حين أضفى وصفه في مقومات ما يوجد فيه المجتمع العربي الحضري من السعادة على كل طبقات هذا المجتمع، فقد كانت هناك طبقات ترزح تحت وطأة المعاناة حتى في أغنى مناطق شبه الجزيرة العربية وهي المنطقة الجنوبية الغربية بالذات "اليمن" التي أسماها الكتاب الكلاسيكيون باسم "العرب الميمونة" ك.
وأختم الحديث بثالث المؤرخين الكلاسيكيين البارزين الذين ظهروا في المرحلة المتأخرة من العصر الإمبراطوري الروماني والذين تعرضوا في كتاباتهم للعرب أو لشبه الجزيرة العربية، وهو المؤرخ بروكوبيوس PROKOPIOS الذي ولد في فلسطين وكان أحد رجال الحاشية في عهد بوستنيانوس "جستنيان" الأول وأصبح أمينًا للقائد البيزنطي بليزاريوس belisarios في 527م، وفي صحبته زار إيطاليا وولاية إفريقية "تونس وجزء من الجزائر الحالية" وآسيا الصغرى، ثم عاد معه إلى القسطنطينية في عام 542م. ورقى إلى مرتبة lllustris أي واحد
ك راجع الحديث عن الوضع الاجتماعي في الباب التاسع من هذه الدراسة.
من طبقة الأعيان، ثم عين محافظًا للقسطنطينية في 562م وتوفي بعد ذلك بثلاث سنوات.
وقد كانت التجربة التي اكتسبها سواء من خلال عمله العسكري أو مركزه المدني أو من رحلاته المتعددة، عاملا أعطى قيمة للكتب التي قام بكتابتها، ومن بين هذه كتاب عن المباني ktismata أشار في مواضع قليلة منه إلى العرب، وإن كانت إشاراته لا تفرق بين عرب شبه الجزيرة وغيرهم، كما نلمس، على سبيل المثال، من حديثه وهو بصدد وصفه لإحدى الكنائس في سيناء عن تعزيز هذه الكنيسة بجامعة عسكرية تخوفا من العرب الذين قد يقتحمون المكان "ويتخذونه قاعدة للتسلل نحو الأماكن القريبة من فلسطين" ل. وواضح هنا أنه يعني بإشارته هذه قبائل الأعراب في صحراء سيناء. على أنه يتحدث كثيرا عن العرب في كتاب آخر من كتبه أعطاه تسمية "عن الحروب" hyper ton poiemon والكتاب يقع في ثمانية أجزاء خصص الجزأين الأولين منها للحروب بين البيزنطيين والفرس، وهما الجزءان اللذان يهماننا في صدد دراستنا الحالية، إذ فيهما يتحدث كثيرا عن العرب في مجال حديثه عن إمارتي الغساسنة واللخميين اللتين كانتا تمثلان المنطقتين الحدّيتين أو منقطتي نفوذ الإمبراطورية البيزنطية والإمبراطورية الفارسية على التوالي، ومن ثم كان لهما دور في الصراع العسكري بين هاتين الإمبراطوريتين.
وفي هذين الجزأين من كتابه تدور المعلومات التي يوردها عن العرب داخل نطاقين رئيسيين. وفي أحد هذين النطاقين يصف الأحداث والمواقف التي تتصل بالغساسنة والمناذرة في وضعهما بين الإمبراطوريتين الكبيرتين. فهو يحدثنا مثلًا عن الحارث "ARETHAS" الثاني بن جبلة وكيف أقامه الإمبراطور بوستنيانوس justinianus "جستنيان" ملكًا للعرب "يقصد عرب بني غسان" وحثه على التصدي للمنذر "ملك إمارة اللخميين في
ل ktismata: V،8:7-9.
الحيرة" وعن الحرب التي خاضها فعلا ضد هذا الأخير، وعن اشتراك الحارث بجنوده مع الجيش الروماني "البيزنطي" بقيادة بيليزاريوس في الحرب التي دارت على ضفاف الفرات وكيف أرسله القائد البيزنطي في مهمة عسكرية ضد منطقة آشور وهكذا، م. كما يتحدث عن المنذر "alamoundaras" الثالث بن ماء السماء الغساني، الذي يسميه الكاتب كذلك باسم ملك العرب وعن شخصيته، ثم عن تضحيته للإمبراطور الفارسي بمحاربة الرومان "البيزنطيين" واشتراكه في هذه الحرب وعن صراعه مع الحارث بن جبلة وعن محاولة بوستنيانونس أن يتخذه حليفا له وعن تخوف البيزنطيين من نشاطه الذي اعتبره البيزنطيون تهديدًا لسورية وفينيقية ولبنان، ن.
والإشارات المذكورة تعطينا دون شك معلومات قيمة عن الأحوال السائدة في القسم الشمالي من شبه الجزيرة العربية في الفترة التي يغطيها الكتاب، ويزيد من هذه القيمة أن هذه الإشارات أو الأحداث جاءت من جهة في إطارها التاريخي الطبيعي وهو الصراع بين الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية، كما أن الذي رواها من جهة أخرى شخص اشترك في هذا الصراع بالفعل، وكان اشتراكه هذا على أعلى مستوى؛ إذ كان أمينا للقائد البيزنطي الذي أدار القسم الأكبر من هذا الصراع ومن ثم كان في الموقع الذي يجمع إلى جانب المعرفة الداخلية بالحدث معرفة أخرى بظروف التخطيط للحدث واتخاذ القرار بتنفيذه. كذلك فإنه بموقعه المتميز في الحياة المدنية كواحد من دائرة الأعيان المقربين من الإمبراطور البيزنطي كان في وضع يمكنه من تعميق معرفته بدخائل
م عن هذه الأحداث بالترتيب:
hyper ton polemon: 1،17:47-8، 18:7 26، 35; 11، 1:3-7، 16: 5 19: 11، 15-18، 26، 28: 12-14.
ن عن الوصف والأحداث على الترتيب:
op. cit: 1، 17:1، 40-48: 30-39، 18:1-9، 11، 28: 12-14، 1:13، 3:47، 11، 16:17،19:34.
السياسة البيزنطية إزاء الإمبراطورية الفارسية ومن ثم إزاء كل من إمارتي الغساسنة واللخميين.
أما النطاق الآخر الذي دار فيه حديث المؤرخ عن العرب فإنه يتعلق من جهة بأحوال العرب فيتحدث عن أماكن سكناهم في المناطق المزروعة بالنخيل أو في فلسطين وعن أحد أعيادهم الدينية وعن اشتراكهم كجنود سواء مع القوات الفارسية أو الرومانية "البيزنطية" وهكذا32، كما يتعلق من جهة أخرى بشخصيتهم كمجموعة بشرية. وفي هذا الصدد يصف بروكوبيوس العرب بعدد من الأوصاف يبدو فيها شيء من التحامل على العرب في عديد من المواضع، وإذا كان يظهر من حديثه في بعض الأحيان أن العرب الذين يقصدهم هم عرب البادية في شمالي شبه الجزيرة العربية وفي بعض الأحيان في جنوبها "وهو بسبيل حديث عام من شبه الجزيرة" إلا أنه يبدو في أحيان أخرى أنه يتحدث عن العرب عموما بما في ذلك عرب الغساسنة واللخميين والمسئولين فيهم. وفي هذا الصدد نجده يصف العرب في الحرب بأنهم يجيدون السلب والنهب ولكنهم لا يجيدون اقتحام المدن وبأنهم كثيرا ما يشنون الحروب فيما بينهم، وبأنهم لا يأتي ذكرهم حين تعقد المعاهدات، وفي مناسبتين ذكر عن بعض قبائلهم أنهم برابرة barbaroi وأنهم من أكلة لحوم البشر33 anthropophagoi.
32 على الترتيب:
op. cit:1،19:7-8، 10:11، 16:18، 1،17:1، 18:30،11، 27:30 1، 18:7 ، 26، 35، 11، 16:5.
33 على الترتيب:
op. cit: 11، 19:12، 28:12-14، 1:5، 1، 19:11، 15.
هذا وتجدر الإشارة إلى أن وصف العرب بالبرابرة "I، 19:11" وقد ورد كذلك عند بوسيبيوس، راجع حاشية "35" أعلاه. كما تجدر الإشارة كذلك بأن وصف البرابرة لم يكن يعني دائما التحقير من شأن =
وإذا كانت بعض هذه الأوصاف يمكن تسبيبها، مثل شن العرب للحرب فيما بينهم، بما شاهده المؤرخ من صراع بين الغساسنة والمناذرة. فإن الحديث لا يبدو مقنعًا في إنكار قدرة العرب على اقتحام المدن ووصف البرابرة الذي أطلقه على العرب وبخاصة إذا تذكرنا أن المؤرخ عاش في القرن السادس الميلادي وهو القرن الذي عرفت فيه إمارة الغساسنة وإمارة اللخميين في الحيرة قدرا ملموسا من التقدم في النواحي المعمارية والدينية والثقافية عموما من جهة، ومن جهة أخرى فهو القرن السابق مباشرة لظهور الدعوة الإسلامية التي كانت نقطة التفجير للتوحيد السياسي والديني لشبه الجزيرة العربية وللفتوحات العربية التي سقطت أمامها الإمبراطورية الفارسية وقسم كبير من الإمبراطورية البيزنطية. وفي هذا الصدد فإن حديث المؤرخ وملاحظاته عن العرب يبدو متناقضًا مع هذه الإنجازات التي أرى أن بوادرها لا بد أن تكون واردة في القرن السادس الذي عاش فيه وهو القرن السابق مباشرة لهذه الإنجازات، وهو تناقض إما أن نرده إلى تحامل أو تعالٍ من المؤرخ أو إلى تقصير في فهم أو تفسير ما كان يدور حوله من أحداث وتيارات.
= من يوصفون بهذه الصفة، وإنما كانت الصفة تعني بوجه عام من هم غير اليونان ومن ثم يتحدثون بلغة لا يفهمها هؤلاء "وقد كانت الإمبراطورية الرومانية الشرقية، وهي الإمبراطورية البيزنطية يونانية الحضارة" على نحو تسمية العرب للفرس بالعجم لأنهم لا يتكلمون العربية ومن ثم فهم، في تصور العرب، لا يتكلمون الكلام الجدير بهذا الوصف. وفي هذا الصدد نجد بروكوبيوس يصف المنذر بن ماء السماء بأنه "ذلك البربري "I، 17:43" رغم أنه يكرس عدة فقرات طويلة يتحدث فيها عن عظمته كقائد وعن خططه الحربية التي كانت قوات الإمبراطورية البيزنطية ترهبها ولا تستطيع التصدي لها "I، 17:40-8" بل إنه يصفه مرة بأنه "أجبر الدولة الرومانية على أن تجثو على ركبتيها على مدى خمسين عامًا" "I، 17:40"، ومرة بأنه "أثبت أنه أصعب وأخطر عدو للرومان" "5، 17:45".