الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الظاهر. ونحن في الواقع لسنا بحاجة إلى أن نذهب بعيدا في البحث عن هذا السبب فالثقافة اليونانية هي التي كانت تسيطر على هذه المنطقة طوال العصر المتأغرق "الهللنستي" الذي بدأ مع خلفاء الإسكندر في بداية القرن الثالث ق. م، وفي هذا العصر كانت اللغة اليونانية هي لغة المعاملات بشكل أساسي سواء في الثقافة أو الإدارة أو التجارة. وقد استمرت هذه اللغة لغةً للمعاملات حتى بعد أن دخلت المنطقة في دائرة السيطرة الرومانية. ولما كان الرومان واقعيين وعمليين في سياستهم فقد أبقوا على هذه اللغة بشكل رسمي في الولايات الرومانية، وهكذا سكت هذه العملة وقد ظهرت النقوش التي عليها باليونانية وليست باللاتينية.
النقوش
نقوش عن الاحوال الداخلية لشبه الجزيرة
…
2-
النقوش:
أ- نقوش عن الأحوال الداخلية لشبه الجزيرة:
وبعد هذا الحديث السريع عن بعض الأمثلة من أنواع الآثار المختلفة التي وجدت أو عثر عليها في شبه الجزيرة، أقدم الآن بعض أمثلة من النقوش، سواء منها ما عثر عليه بشبه الجزيرة أو في بلاد أخرى احتكت بها أو تعاملت معها بشكل أو بآخر وسجلت هذه الاحتكاكات أو هذه المعاملات نقوشها. وقد سبق أن ذكرت أن وجود عدد من النقوش بلغات مختلفة في إحدى المناطق يشير عادة إلى أن هذه المنطقة كانت نقطة التقاء أو مرور في هذه المنطقة، عادة ما يكون تجاريا، للفئات أو المجموعات التي تتحدث بهذه اللغات. ونحن نجد منطقة لها هذه الصفة في القسم الشمالي الأوسط من شبه الجزيرة، ففي واحة الجوف وغيرها من المواقع الأثرية عثر على عديد من النقوش النبطية والثمودية واللحيانية والمعينية والسبئية، كما تتكرر الظاهرة ذاتها في المنطقة الشمالية الغربية في شبه الجزيرة حيث نجد في موقع العلا عددًا من النقوش
الدادانية والمعينية واللحيانية والثمودية والنبطية20. ويلاحظ هنا أن النقوش المعينية من أندر النقوش في هذه المنطقة؛ لأنها مقصورة إلى حد كبير على جنوبي شبه الجزيرة. ونحن نستطيع أن ندرك مغزى تجمع هذه النقوش المختلفة اللغات في هذه المنطقة إذا تذكرنا أن هذه المنطقة يمر بها الخط التجاري البري الذي كان يتفرع من خط القوافل الطولي "الذي كان يخترق شبه الجزيرة من الجنوب إلى الشمال" جنوبي العلا ليصل إلى وادي الرافدين في منطقة تقع عند مدينة النجف الحالية.
كذلك مر بنا أن انتشار نقوش بلغة واحدة في مناطق عديدة من شبه الجزيرة يعني أن المتحدثين بهذه اللغة ينتشرون في كل هذه المنطقة، وهو أمر نجده واضحا في انتشار النقوش الثمودية "النجدية والتيمائية" على امتداد واسع يشمل وسط شبه الجزيرة حيث نجد نقوشا ثمودية كثيرة على واجهة جبل برمة وفي موقع البيجادية شرقي الدوادمي، ويمتد نحو الغرب لنجد مجموعة أخرى من هذه النقوش حول مدينة الطائف، وإلى الشمال حيث نجد مجموعة ثالثة على جبل ياطب وجبل المليحية، وإلى المنطقة الشمالية الغربية حيث نجد بعض هذه النقوش على جبل غنيم تدلنا على أنه المكان الأصلي والأول لعبادة صلم الوثنية، ثم بعدد من المواقع في المنطقة الشمالية الغربية من شبه الجزيرة، من بينها عدد من النقوش على واجهة أحد الجبال في وادي عكمة شمالي العلا، ونقش على جدار في منظر بني عطية بالقرب من القرية21.
وبعض النقوش قد تقدم لنا معلومات تساعدنا على معرفة مدى الارتباط أو الاتصال بين لغة ولغة، ومن أمثلة ذلك النقوش المعينية السبئية "وهي نقوش
20 راجع أمثلة لبعض هذه النقوش في ملحق اللوحات: 19 أ - ج؛ راجع كذلك: مقدمة عن آثار المملكة العربية السعودية، صفحات 65، 96، 97.
21 راجع: مقدمة عن آثار المملكة العربية السعودية، صفحات 17، 18، 156. راجع كذلك لوحات 20 أ - ج.
بلغة جنوبية كما أسلفت" التي وجدت بموقع إثرا في منطقة قريات الملح في القسم الشمالي الأوسط من شبه الجزيرة والتي يحاول الباحثون اللغويون أن يجدوا فيها همزة الوصل بين لغة الجنوب ولغة الشمال، ومثل النقش الذي اكتشفه جوزف هاليفي في نقب الحجر بمنطقة نجران "عام 1772م" ومن هذا النقش عرف الباحثون اللغويون أن اللغة الجنوبية في شبه جزيرة العرب قريبة من اللغة الأكدية "البابلية والآشورية" واللغة الحبشية في بعض الجوانب مثل تكوين الأسماء وتصريف الأفعال وبعض المفردات والضمائر، ولكن وجود جمع التكسير بها يجعلها تقترب أكثر من لغة العرب الشماليين واللغة الحبشية. كذلك فإن الخط الذي كتب به النقش الذي نحن بصدد الحديث عنه كان البداية لمعرفة العلاقة بين الخط العربي الجنوبي وبين الخط الذي كتبت به بعض النقوش التي عثر عليها في سيناء، وهو الخط الذي يمثل حلقة الوصل بين الأبجدية الفينيقية والأبجدية المصرية القديمة التي أخذت عنها الأبجدية الفينيقية وطورتها22.
كذلك نعرف من بعض النقوش معلومات عن الأحوال والنظم والقوانين والعبادات التي كانت سائدة في منطقة أو أخرى من شبه الجزيرة. وفي هذا المجال فقد تم العثور حتى الآن في اليمن وحدها على حوالي 4 آلاف نقش يرجع أقدمها إلى القرن التاسع أو الثامن ق. م. على أقل تقدير، ويمكن تصنيفها إلى عدة أنواع؛ فبعضها يتصل بنذور قدمها بعض الأشخاص إلى الآلهة "إلمقه" و"عشتار" و"شمس" وقد نقشوها على لوحات من البرونز وضعوها في معابد هذه الآلهة، ومنها نتعرف على جانب من عبادات المنطقة، وبعضها منقوش على جدران المعابد وبعض المباني العامة ليسجل ويخلد أسماء المهندسين المعماريين الذين أسهموا في بنائها، ومن هذه النقوش "إلى جانب
22 عن النقوش المعينية - السبئية في القسم الشمالي الأوسط من شبه الجزيرة راجع حاشية 20. عن نقش نجران راجع: لوحة 21. راجع كذلك hitti: ذاته 51-52.
البقايا الأثرية نفسها" نعرف إلى أي حد ازدهر فن المعمار في اليمن بحيث حرص المهندسون المعماريون أو القائمون على هذه المباني على الربط بين أسمائهم وبين العمل المعماري الذي قاموا به أو أسهموا فيه بشكل أو بآخر. ومن بين هذه النقوش كذلك مجموعة تسجل أحداثا تاريخية مثل ذكر حملة عسكرية أو تسجيل انتصار، ومجموعة تسجل أوامر الشرطة والأوامر الإدارية الداخلية التي نتعرف من خلالها على اتجاهات الحكومات التي قامت في المنطقة في تنظيم مجتمعهم وإشاعة الاستقرار فيه، ثم مجموعة لها قيمتها بالنسبة لدارس النظم السياسية وهي تسجل بعض القوانين التي تكشف النقاب عن تطور دستور طويل عرفته المنطقة، وأخيرا هناك عدد من النقوش الجنائزية الموجودة على عدد من المقابر والتي تشير إلى بعض الشعائر والطقوس والأسماء التي تعطينا فكرة عن تقاليد السكان في هذا المجال، إلى جانب بعض المعلومات التي قد تساعدنا الأسماء الموجودة في النصوص على التوصل إليها بشكل غير مباشر عن طريق المقارنة مع نصوص أخرى.
ومن بين هذه النقوش اليمنية -على سبيل المثال- نص وجد منقوشا على حجر في الحائط الجنوبي لمنزل كشف الأثريون عنه في "تمنع" في وادي بيهان "في قتبان"، والمنزل يدعى منزل "يَشَف". والنص يذكر شراء بعض أشخاص لهذا المنزل حسب القواعد والقوانين المرعية التي كانت سائدة في عهد الملك "شَهْرياجل يُهَرْجِبْ" ملك قتبان وعمه الوصي على العرش فرع كرب، والتي تباركها الآلهة "والنص يعدد هذه الآلهة". ومن تفصيلات النص يمكن للباحث أن يعرف شيئا عن عبادات منطقة قتبان وآلهتها، وعن بعض أنواع العمارة التي كانت سائدة في الفترة التي نقش فيها هذا النص، إذ إن النص يذكر لنا تفصيلات المبنى وغرفه وملحقاته، وعن نظام تسجيل العقارات، ثم نستطيع القول عن طريق المقارنة مع نصوص أخرى ظهر فيها اسم الملك المذكور في النص، أن هذا النص يرجع إلى أوائل القرن الأول ق. م.