الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يريد أن يترك العرش" وإذا تركه فإن الغوغاء، حسب نبوءة معينة، ترجمة حتى الموت"24. ولنا أن نتصور أن هؤلاء الغوغاء هم أتباع أو أجراء الطبقة الأرستقراطية المالكة لهذا المورد الإنتاجي الأول في البلاد، كذلك لنا أن نتصور شيئًا من المبالغة فيما يخص مسألة الرجم. ولكن يبقى المعنى، حتى بعد هذه التحفظات واضحًا، وهو أن تنازل الملك عن عرشه أو تركه له بشكل أو بآخر، قد لا يناسب الطبقة التي اختارته إذا جاء ذلك في وقت غير مناسب لها، ومن ثم فمثل هذا التنازل لم يكن ليتم إلا بموافقة هذه الطبقة.
24 منقول في سترابون: strabo:XVI، 4:19.
الوضع الاجتماعي
مدخل
…
2-
الوضع الاجتماعي:
كان هذا، إذن، هو الوضع السياسي في شبه الجزيرة العربية في العصور السابقة للإسلام وليكن حديثنا الآن عن الوضع الاجتماعي. وفي هذا المجال فإن الناظر إلى مجتمعات شبه الجزيرة، سواء في ذلك المجتمعات القبلية البدوية أو مجتمعات الحضر التي تظهر على أوضحها في التكوينات السياسية الكبيرة، يجد أنها تشترك جميعًا في عنصرين أساسيين: العنصر الأول هو عوامل التماسك التي تبدو وكأنها تشد المجتمع إلى بعضه. والعنصر الثاني هو عوامل الانقسام الطبقي التي تسير في موازاة العوامل الأولى. ولنحاول الآن أن نعرف إلى أي حد سيطر كل من العاملين على سكان شبه الجزيرة.
أ-
عوامل التماسك:
وفيما يخص عوامل التماسك فإننا نجد عددا واضحا منها في التكوينات القبيلة تهدف إلى إشاعة التماسك، حسب تصور معين، في المجتمع القبلي. ومن بين هذه العوامل، عامل العصبية وعامل آخر مكمل له وهو الثأر. وحقيقة، إن العصبية والثأر قد أديا إلى مناسبات كثيرة من الصراع بين قبائل
شبه الجزيرة في العصر السابق للإسلام، وكان هذا الصراع يصل في بعض الأحيان إلى فترات من العداء الصريح الذي يستمر عقودًا بأكملها بين توتر أو مناوشات أو غارات كثيفة متبادلة حفظ التراث العربي لنا عددًا من مواقعها وهي التي تسمى أيام العرب25. ولكن من الجانب الآخر فإن كلًّا من هذين العاملين كان أمرًا حيويًّا بالنسبة للقبيلة حتى لا يذوب كيانها في مجال العلاقات بين القبائل في ظل الظروف القاسية التي سادت مجتمع البادية في شبه الجزيرة، فالعصبية التي تنتج عن تصور حقيقي أو مفترض لرابطة القرابة أو الدم كانت وسيلة التكتل الأساسية بين أفراد القبيلة في غياب أية وسائل أخرى ثابتة لإشاعة هذا التكتل. وهي وسيلة تجمع بين هؤلاء الأفراد بغض النظر عن الاعتبارات الأخرى المطروحة مثل اعتبارات الحق والباطل أو الظلم والعدل، بحيث يصبح هذا التكتل هو القيمة الأولى في حياة القبيلة التي كثيرًا ما كان يدفعها السعي وراء الكلأ إلى التنقل، وهو ظرف قد يؤدي إلى التشتت ومن ثم الاندثار كوحدة اجتماعية، أو إلى التصارع مع قبائل أخرى في سبيل الحصول على هذا الكلأ أو على عين ماء إذا أدخلنا في اعتبارنا قلة الماء في شبه الجزيرة إلى درجة الندرة في بعض الأحيان، وهنا مرة أخرى يبدو التكتل كعامل حيوي في ظل هذا الصراع. ونحن نجد الحديث عن هذه العصبية واردًا في أغلب ما وصل إلينا من الشعر الجاهلي، سواء أكان في الفخر بالقبيلة إلى درجة المبالغة، أم في هجاء قبيلة أو قبائل أخرى إلى درجة المبالغة كذلك.
25 عن عرض شامل لأيام العرب راجع، جورجي زيدان: العرب قبل الإسلام "مراجعة وتعليق حسين مؤنس"، طبعة دار الهلال، القاهرة صفحات 254-274. عن عرض بعض هذه الأيام راجع، عمر فروخ: تاريخ الجاهلية، صفحات 77-86، السيد عبد العزيز سالم: تاريخ العرب في العصر الجاهلي، صفحات 426-443، سعد زغلول عبد الحميد: في تاريخ العرب قبل الإسلام، صفحات 311-318.
كذلك يذكر لنا المؤرخ اليوناني هيرودوتوس26 أن القبيلة قد تلجأ في سبيل تقوية هذه العصبية إلى ما يمكن أن نسميه المؤاخاة بين شخص من داخل القبيلة وآخر من خارجها وذلك بأن يتقاسم هذا الأخير طعامًا مع ابن القبيلة، أو يمص قطرات من جرح يحدثه في جسمه، وهكذا يصبح هذا الشخص الغريب عن القبيلة ابنًا متبنًّى لهذه القبيلة. ولنا أن نتصور أن مثل هذا الشخص يكون مرغوبًا في تبنيه بسبب غزوة له أو بأس يتصف به، ولكن الأمر يظل على أي الأحوال طريقة من الطرق التي تلجأ إليها القبيلة لتقوية عصبيتها. ومن ثَمَّ يصبح هذا التصرف مؤشرًا نحو التماسك.
أما الثأر فهو نتاج طبيعي للعصبية وامتداد لها ويكمل نفس المهمة وهي الحفاظ على كيان القبيلة عن طريق مقابلة الاعتداء عليها باعتداء يهدف القائمون به إلى أن يكون رادعًا، ونحن نرى في هذا الصدد فكرة الثأر وقد أصبحت أحد واجبات سيد القبيلة كما يظهر، على سبيل المثال، من موقف أحد رؤساء القبائل، وهو عامر بن الطفيل "سيد بني عامر الذي سبقت الإشارة إليه" همًّا لا يستطيع أن يستريح قبل أن يقوم به رغم ما قد يسببه له ذلك في بعض الأحيان من حرج أو ألم.
تقوم ابنة العمريّ: ما لك، بعدما
…
أراك صحيحًا، كالسليم المعذب؟
فقلت لها: همي الذي تعلمينه
…
من الثأر في حيي زبيد وأرحب
إن أغْزُ زبيدًا أغْزُ قومًا أعزة
…
مركبهم في الحي خير مركب
وإن أغز حيي خثعم، فدماؤهم
…
شفاء، وخير الثأر للمتأوب
ثم يمضي ليفخر بتأديته لواجبه في طلب الثأر بكل ما يرى أنه:
سلاح امرئ قد يعلم الناس أنه
…
طلوب لثارات الرجال مطلَّب
26 herodotus: III، 8.
وبعد أن يتحدث عن اختيار قبيلته إياه سيدًا عليها يلخص مغزى الثأر بالنسبة لها "وفي الواقع بالنسبة لأية قبيلة أخرى" حين يقول:
ولكنني أحمي حماها، وأتقي
…
أذاها، وأرمي من رماها بمنكب27
وإذا كانت العصبية والثأر هما عاملا التماسك بالنسبة لكيان القبيلة، فإن الحرص عليهما لم يكن قاصرًا على رجال القبيلة فحسب، بل كان يتعدى ذلك إلى نسائها اللائي كن يحرصن عليهما بكل الطرق، بما في ذلك تحريض الرجال بكافة الطرق على التمسك بهذين العاملين اللذين أصبحا محورا أساسيا لحياة القبيلة وبمساعدتهن لهم على تنفيذهما والوقوف إلى جانبهم حتى في ميدان القتال، كما يبدو واضحًا من أبيات عمرو بن كلثوم في وصف أحد لقاءات الحرب:
على آثارنا بيض حسان
…
نحاذر أن تقسّم أو تهونا
أخذن على بعولتهن عهدًا
…
إذا لاقوا كتائب معلمينا
ليستلبُنَّ أفراسا وبيضا
…
وأسرى في الحديد مقرنينا
يقُتْن جيادنا ويقلن: لستم
…
بعولتنا إذا لم تمنعونا
إذا لم نحمهن، فلا بقينا
…
لشيء، بعدهن، ولا حيينا28
أما العامل الثالث الذي ساعد على التماسك القبلي فهو الاشتراك على المشاع في الكلأ الذي يوجد حيث تحل القبيلة، كما أشرت في مناسبة سابقة. إن هذا النظام أملته ظروف البادية على المجتمع القبلي من حيث هو ضرورة
27 هذا البيت والأبيات السابقة في شيخو والبستاني: المجاني، صفحات 292-293، أبيات 1-4، 7، 10.
28 شيخو والبستاني: ذاته، ص135، أبيات 77، 79-80، 82-83.
اقتصادية لا يمكن إغفالها أو تجاوزها، ولكنه في الوقت ذاته كان عاملًا من عوامل التماسك الاجتماعي بين أفراد القبيلة حول قيمة حيوية بالنسبة لهم -يعيشون فيها ويذودون عنها، وفي كل الأحوال يلتفون حولها متضامنين فيما يقدمون عليه سواء كان انتفاعا أو دفاعا.
فإذا خرجنا عن نطاق التكوينات القبلية إلى تكوينات ذات المجتمعات الكبيرة مثل تلك التي كانت موجودة في القسم الجنوبي الغربي لشبه الجزيرة حين تزدهر الزراعة وتوجد الغابات الممتدة من أشجار الطيوب وقدر لا بأس به من أعمال الصناعة والتعدين وجدنا كذلك إشارات متواترة، سواء في النقوش التي عثر عليها المنقبون الأثريون أو في الكتابات التي تركها لنا الكتاب الكلاسيكيون، إلى عدد من الممارسات في الحياة اليومية يؤدي إلى التماسك في جوانب مختلفة من الحياة الاجتماعية. وفي المجال يبدو أن فكرة الملكية "الامتلاك" الجماعية كانت معروفة في المنطقة بين أفراد الأسرة الواحدة على الأقل، يشير إلى ذلك سترابون ذاكرًا أن السيطرة على هذه الأملاك الجماعية كانت في يد الأخ الأكبر، ونحن نجد تأييدًا لهذا فيما ذكره بلينيوس الذي سبقت الإشارة إلى حديثه عن ملكية جماعية بين 3000 أسرة لجميع أشجار الطيوب الموجودة في دول الجنوب ولحق الاتجار في نتاج هذه الأشجار، وأضيف هنا أن هذا الكاتب يخوض في تفصيل كيفية هذا الانتفاع الجماعي فيذكر أن هناك من يقول: إن "مجموعات من" هذه الأسر تتناوب هذا الانتفاع من سنة إلى سنة وأن هناك من يقول: إن أرباح النتاج تقسم على كل الأسر سنويًّا، وسواء كان هذا أو ذاك ففكرة الملكية الجماعية والانتفاع الجماعي حسب تنظيم أو آخر قائمة في الحالين29.
29 جماعية الملكية في الأسرة في strabo: XVI، 4، 25، الملكية الجماعية لأشجار الطيوب وطرق الانتفاع بنتاجها في plinius: HN، XII، 54.
ولنا أن نصدق ما رواه هذان الكاتبان فأولهما كان صديقا شخصيا لقائد الحملة الرومانية على بلاد اليمن وقد كان حريصًا أن يستفسر من الجنود الرومان الذين اشتركوا في الحملة عما شهدوه في المنطقة، والثاني وهو بلينيوس يذكرنا في أكثر من موضع بأنه يحصل على معلوماته من التجار الرومان واليونان الذين يتعاملون مع سكان هذه المناطق. كما نجد تأييدًا لهذه النزعة نحو الملكية الجماعية في عدد من النقوش العربية الجنوبية التي يشير بعضها إلى جمعيات زراعية من نوع الجمعيات التعاونية التي نعرفها في الوقت الحاضر. وقد أسلفت الإشارة إلى واحدة من هذه الجمعيات كان لها مجلس إدارة مكون من ثمانية أشخاص يقومون على إدارة هذه "المؤسسة الزراعية" حسبما سماها باحث معاصر، والإشراف على العمل بها من تهيئة البذور ودفع الحصص أو الضرائب الواجب دفعها للحكومة أو للمعبد، ومن خزن وتسويق وبيع30.
ومثل هذا الاتجاه نحو الجماعية في الامتلاك أو إدارة الأملاك أو الانتفاع بنتاجها، رغم أنها ممارسة اقتصادية إلا أن انعكاساتها الاجتماعية تؤدي إلى التماسك بين شرائح كبيرة وكثيرة في هذا المجتمع الذي مُورست فيه الزراعة أو الانتفاع بغابات الطيوب أو الاتحاد في محصولها على نطاق واسع. ولعل إشارة أخيرة، في هذا الصدد قدمها لنا الكاتب الجغرافي والتاريخي سترابون تعطينا، في ختام الحديث عن هذه النقطة مدى تأثير هذه النزعة الجماعية حتى على التصورات أو الاعتبارات المتصلة بروابط الأسرة، إذ يذكر لنا هذا الكاتب أن "الإخوة كانوا يوضعون في منزلة أكثر تقديرًا من الأبناء"31. ونحن إذا تمعَّنَّا في هذه العبارة التي تجعل الإخوة مقدمين على الأبناء وجدناها تشير بشكل واضح إلى تجاوز التكتل داخل الأسرة الواحدة
30 نص halevy: 147، راجع الباب السابق الخاص بالموارد الاقتصادية وصف "المؤسسة الزراعية" في جواد علي: ذاته، ج7، ص224.
31 strabo: XVI، 4:25.