المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

المتاخمة لشبه الجزيرة العربية تعتمد على مناطق البادية المتاخمة لها - العرب في العصور القديمة

[لطفي عبد الوهاب]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌تقديم الطبعة الثانية

- ‌تقديم الطبعة الأولى

- ‌المحتوى

- ‌القسم الأول: المنطقة والشعب والأرض

- ‌الباب الأول: منطقة نشوء الحضارات وشبه جزيرة العرب

- ‌إبعاد منطقة نشوء الحضارات

- ‌تحديد المنطقة

- ‌ المنجزات الحضارية الأولى وهذه المنطقة:

- ‌ المقارنة الحضارية بين هذه المنطقة والمناطق الأخرى:

- ‌أسباب نشأة الحضارات الاولى في هذه المنطقة

- ‌مدخل

- ‌ ظرف المناخ:

- ‌ ظرف المواصلات السهلة:

- ‌ الحدود شبه المانعة للمنطقة:

- ‌شبه جزيرة العرب ضمن منطقة نشوء الحضارات

- ‌حول الدور الحضاري لشبه جزيرة العرب

- ‌ مقدمات هذا الدور قبل ظهور الإسلام:

- ‌الباب الثاني: الساميون وشبه الجزيرة والعرب

- ‌قضية الساميين أو الشعوب السامية

- ‌مدخل

- ‌ افتراض لوجود عنصر سامي:

- ‌ رد على هذا الافتراض:

- ‌قضية أصل الساميين وشبه جزيرة العرب

- ‌ملاحظات مبدئية

- ‌افتراض اصل افريقي للساميين

- ‌ افتراضات أصل آسيوي للساميين:

- ‌ حول أصل الساميين وشبه جزيرة العرب:

- ‌الساميون والعرب

- ‌مدخل

- ‌ ملاحظات حول فكرة موطن أصلي للساميين:

- ‌ تصور مطروح حول هذه الفكرة:

- ‌ العرب وفكرة الأصل السامي:

- ‌الباب الثالث: شبه جزيرة العرب: الملامح العامة

- ‌ الموقع والسطح والأقسام الطبيعية:

- ‌ المناخ:

- ‌ النبات والحيوان:

- ‌القسم الثاني: المصادر

- ‌الباب الرابع: الاثار والنقوش

- ‌مدخل

- ‌ قيمة الآثار والنقوش في التاريخ لشبه الجزيرة:

- ‌امثلة من المخلفات الأثرية

- ‌مدخل

- ‌ الآثار المعمارية:

- ‌ النحت والمخربشات:

- ‌ الفخار والعملة:

- ‌النقوش

- ‌نقوش عن الاحوال الداخلية لشبه الجزيرة

- ‌ نقوش عن العلاقات الخارجية لشبه الجزيرة:

- ‌ تقويم عام للنقوش:

- ‌الباب الخامس: المصادر الدينية

- ‌مدخل

- ‌القرآن الكريم

- ‌مدخل

- ‌ أمثلة لأقوام شبه الجزيرة في القرآن:

- ‌ أمثلة عن الحياة الدينية في شبه الجزيرة:

- ‌ مثال لتكوين المجتمع في شبه الجزيرة:

- ‌ الحديث الشريف:

- ‌ التوراة والتلمود:

- ‌الباب السادس: المصادر الكتابية

- ‌مدخل

- ‌الكتاب الكلاسيكيون

- ‌كتاب المرحلة المبكرة

- ‌ كتاب العصر المتأغرق:

- ‌ كتاب العصر الروماني:

- ‌ كتاب العصر الإمبراطوري الروماني المتأخر:

- ‌الكتابات العربية في العصر الاسلامي

- ‌صعوبات أمام الاعتماد على هذه الكتابات

- ‌ استثناءات ممكنة من هذا التعميم:

- ‌الباب السابع: الشعر الجاهلي

- ‌ الشعر كمصدر تاريخي:

- ‌ اعتراضات على الشعر الجاهلي كمصدر تاريخي:

- ‌ ردود على هذه الاعتراضات:

- ‌ حول مجالات الشعر الجاهلي:

- ‌القسم الثالث: المجتمع

- ‌الباب الثامن: الوضع الاقتصادي

- ‌مدخل

- ‌الرعي

- ‌الرعي والرعاة

- ‌ الموارد المكملة لحياة الرعاة:

- ‌الزراعة والمحاصيل الطبيعية

- ‌المورد الزراعي

- ‌ المحاصيل الطبيعية:

- ‌التجارة

- ‌مدخل

- ‌ أهمية هذا المورد ومظاهر ذلك:

- ‌ طرق التجارة البرية:

- ‌ النشاط التجاري البحري:

- ‌ التعدين والصناعة:

- ‌الباب التاسع: الأوضاع الداخلية

- ‌مدخل

- ‌الوضع السياسي

- ‌مدخل

- ‌ التكوينات السياسية:

- ‌ نظام الحكم:

- ‌الوضع الاجتماعي

- ‌مدخل

- ‌ عوامل التماسك:

- ‌ عوامل الانقسام:

- ‌الوضع الديني

- ‌مدخل

- ‌ تطور العقائد الدينية وانتشارها:

- ‌ الظروف المحيطة بالحياة الدينية:

- ‌الباب: العاشر: العلاقات الخارجية

- ‌المرحلة الأولى: ظهور الهوية العربية

- ‌بدايات غير محددة

- ‌ العلاقات مع العبرانيين:

- ‌ العلاقات مع القوى الشرقية:

- ‌المرحلة الثانية: العلاقات مع القوات الغربية

- ‌الاسكندر الأكبر والدول المتأغرقة

- ‌ العلاقات مع الإمبراطورية الرومانية:

- ‌المرحلة الثالثة: العرب بين قوى الشرق والغرب

- ‌مدخل

- ‌ الإمارات العربية الحدّية:

- ‌ الدين والسياسة في الصراع الدولي:

- ‌الملاحق

- ‌اللوحات

- ‌ الخرائط:

- ‌مختارات من‌‌ المصادروالمراجع

- ‌ المصادر

- ‌ المراجع

الفصل: المتاخمة لشبه الجزيرة العربية تعتمد على مناطق البادية المتاخمة لها

المتاخمة لشبه الجزيرة العربية تعتمد على مناطق البادية المتاخمة لها فتتخذ منها مناطق تابعة تصد عنها أية غارات خارجية، سواء أجاءت هذه الغارات من القبائل البدوية أو دول أخرى. ومثل هذا حدث في حالة الإمبراطورية الفارسية التي كانت تسيطر على منطقة وادي الرافدين، وفي حالة الدولة البيزنطية التي كانت تسيطر على المنطقة السورية. لقد حولت كل من الإمبراطوريتين المنطقة البدوية المتاخمة لها إلى إمارة تابعة لها؛ الإمبراطورية تساعدها وتساندها ماديا وفي مقابل ذلك تقوم هذه الإمارة بالتصدي لأية غارات من الجانب الآخر "أو من بدو الصحراء" على حدودها. وهكذا قامت إمارة المناذرة على الحدود الغربية لوادي الرافدين، وإمارة الغساسنة على الحدود الشرقية للمنطقة السورية، في حدود هذا المفهوم الذي أشرت إليه.

ص: 294

‌الزراعة والمحاصيل الطبيعية

‌المورد الزراعي

2-

الزراعة والمحاصيل الطبيعية:

أ- المورد الزراعي:

المورد الثاني من الموارد الاقتصادية أو موارد الإنتاج في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام هو الزراعة. وفي هذا المجال فهناك تصور سائد مؤداه أن الزراعة كانت موردًا متدنيًا في العصر السابق للإسلام، ونحن نجد في الواقع ما يؤيد هذا التاريخ في الشعر الجاهلي. بل إن شاعرًا جاهليًّا ليس أقل من الأعشى الكبير، أحد شعراء المعلقات الذين تباهى العرب بشعرهم، يصف لنا مدى ازدرائه للزراعة والذين يعملون فيها حين يعبر عن بني إياد بأنهم يعيشون على هذه المهنة المتدنية -في نظره- ويصور لنا هؤلاء القوم وقد أخذوا ينتظرون موسم الحصاد وهم لا يجدون من عمل يقومون به سوى الجلوس خلف أبواب

ص: 294

موصدة يعالجون القمل وتشدهم إلى الأرض قيود لا يملكون معها فكاكًا6.

وربما كان أحد الأسباب الكامنة وراء هذا التصور هو أن الزراعة -وبخاصة زراعة الحبوب- دخلت بعض أقسام شبه الجزيرة العربية من مناطق أخرى، ومن ثم اعتبرت مهنة دخيلة بينما ظل الرعي دائما هو المورد الأساسي والعمل به هو المهنة الأصيلة. ونحن نجد في الواقع ما قد يؤيد مثل هذا التصور في وجود بعض ألفاظ عربية من أصل آرامي في مجال الزراعة؛ فلفظة "حارث" العربية مأخوذة من "آرس" الآرامية، و"بيدر" مأخوذة من "إدّر" و"أكّار" وهو العامل الذي يعمل في الحقل هي ذاتها اللفظة الآرامية، ولفظة "نير" مأخوذة من "نيدرا"، ولفظة "ناطور" وهو الحارس الذي يحرس الكروم هو "ناطورا" في الآرامية، ولفظة "قمح" مأخوذة من "قمحنو"، هذا بينما ريّ "البعل" في العربية هو الري الذي يعتمد على ماء المطر "الذي يرسله بعل، إله الآراميين"7.

ولكننا إذا تتبعنا هذا التصور نجد أنه كان في حقيقة الأمر قاصرًا على البدو وحدهم وأن الزراع لم يكونوا يعتنقون هذا التصور. وفي هذا الصدد فنحن نجد بين النصوص العربية الجنوبية القديمة التي عثر عليها المنقبون الأثريون

6 أبيات الأعشى في ازدراء الزراعة هي:

لسنا كمن جعلت إياد دارها

تكريت تنظر حبها أن يحصدا

قومًا يعالج قُمَّلًا أبناؤهم

وسلاسلًا أُجُدًا وبابًا موصدا

ثم يستمر ليذكر أن الغزو والغارات أكرم كوسيلة للحياة، فيقول:

جعل الإله طعامنا في مالنا

رزقًا تضمَّنه لنا لن ينفَدَا

مثل الهضاب جزَارة لسيوفنا

فإذا تُراع فإنها لن تطردا

راجع: ديوان الأعشى الكبير، تحقيق محمد حسين، بيروت، 1968، ص34.

7 عن الأصل الآرامي لري البعل راجع HITTI: ذاته، ص20. عن أصل لفظة قمح، جواد علي: ذاته، ج7، ص58. عن أصل الكلمات الباقية راجع: Ign، guidi: Larabie anteislamique "paris، 1921" ص50.

ص: 295

في اليمن ألفاظًا كثيرة تشير إلى المحصولات الزراعية أو إلى منتجاتها والمعاملات الخاصة بها. فلفظة "قمح" تقابلها لفظة "بُرّ" ولفظة "طحين" تقابلها لفظة "دققم" أي الدقيق، كما ترد في هذه النصوص لفظة "دق" بمعنى الحب الذي يتبقى في الأرض بعد التذرية، ولفظ "علص" بمعنى درس الحبوب أو بمعنى الحقل أو المزرعة. هذا بينما نجد ألفاظا أخرى عديدة غير منقولة عن الآرامية أو غيرها من لغات المناطق الواقعة خارج شبه الجزيرة، تشير إلى أنواع أخرى من الثمار أو المحاصل أو إلى عقود لتأجير الأرض بغرض الزراعة وهكذا8. وهذه النصوص بما فيها من تسميات ومعاملات تشير جميعًا إلى أن الحياة الزراعية في القسم الجنوبي من شبه الجزيرة كانت حياة طبيعية أصيلة لا ترد الألفاظ الدالة عليها من خارج البلاد وإنما تشكل موردا أصليا من موارد الإنتاج ليس فيه مجال لأن يتعالى أحد عليه أو يحط من شأنه أو شأن المشتغلين به.

كذلك ربما يتبادر إلى الذهن أن هذه النصوص العربية الجنوبية قد تشير إلى أن وجود الحياة الزراعية كمورد اقتصادي أساسي أمر قاصر على القسم الجنوبي من شبه الجزيرة. ولكن شهادة الكتاب الكلاسيكيين في أواخر القرن الثالث ق. م. وأوائل القرن الذي يليه، ثم شهادة القرآن الكريم في أوائل القرن السابع الميلادي، أي: بعد ذلك بعشرة قرون كاملة، ما يثبت أن تصور الحياة الزراعية كمورد اقتصادي أساسي في شبه الجزيرة العربية كلها كان تصورا قائما وراسخا. وفي هذا المجال نجد الجغرافي اليوناني إراتوسثينس "إراتسطين الجغرافي عند العرب" يصف شبه الجزيرة في الفترة التي اشتهر

8 عن لفظتي "بر" و "دققم"، راجع نص cih، 241 عن لفظة "دق" راجع نص res، VII، 285 عن الألفاظ الخاصة بالتأجير والمعاملات الزراعية الأخرى راجع نص cih، 99 ونصي halevy، 49،147 كذلك راجع أدناه في هذا الباب عن زراعات أخرى بالعربية الجنوبية راجع، جواد علي: ذاته، ج7، ص59.

ص: 296

وكتب خلالها "275-194ق. م." فيذكر عن بلاد العرب الميمومة "وهي شبه الجزيرة، اتجاهًا نحو الجنوب، فيما يلي رأس خليج العقبة -أيلة- غربا، ورأس الخليج العربي "الفارسي" شرقا" أن "أول قوم يقطنون بلاد العرب الميمونة، فيما يلي السوريين وأهل يهودية، هم قوم يعملون بالفلاحة، وبعد هؤلاء نجد الأرض رملية جرداء تنتج قليلًا من أشجار النخيل وبعض الأشجار الشوكية وأشجار الطرفاء MYRIKE، ويعمد أهلها إلى حفر الآبار ليحصلوا على مياه الري.... أما المناطق التي تقع في أقصى الجنوب في المنطقة المقابلة للحبشة فترويها أمطار الصيف وتبذر أرضها مرتين كل عام"9. وهو حديث كما نرى، يشير إلى درجات متفاوتة من الزراعة، مبتدئا بالزراعة العادية في الشمال، ومثنيا بالخفيفة في الوسط، ومنتهيا بالزراعة المكثفة في الجنوب.

أما آيات القرآن الكريم، الذي يشير إلى أحوال شبه الجزيرة العربية في أواخر العصر الجاهلي، فهي تتواتر لتثبت لنا أن الزراعة كانت موردا أساسيا ومرموقا في الوقت نفسه بين الموارد الاقتصادية لشبه الجزيرة العربية بأكملها، وقد عبرت الآيات القرآنية عن ذلك بأكثر من طريقة. فمن جهة نجد القرآن الكريم يتحدث عن الأطوار المتعددة التي يمر بها الزرع، ابتداء بإعداد الأرض وانتهاء بنضج المحصول، فهو يشير إلى حرث الأرض بداية ثم نمو الحبوب في باطن الأرض ثم الري واستواء الزرع على سيقانه ثم تركيب السنابل ثم الحصاد. كذلك يشير بوجه عام إلى الزرع واختلاف أنواعه، ثم يعدد بشكل مفصل بعض هذه الأنواع مثل: الحب والنخيل والأعناب وعدد من الفواكه الأخرى. كذلك يشير في عدد كبير من الآيات إلى قيمة الزراعة كمورد اقتصادي أساسي مرموق، فنجد إبراهيم عليه السلام يحس بوطأة المكان الذي اتخذه لذريته -وهو مكان غير ذي زرع- ويبتهل إلى الله أن يرزق

9 منقول في، STRABO: xvi،4:2.

ص: 297

هذه الذرية قدرًا من الثمرات تعينهم على ممارسة حياتهم، كما نجد الآيات القرآنية تشبه العمل الصالح بالحبوب التي تنبت كل منها سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة. وتقدم لنا مثلا لشخصين يتباهى أحدهما على الآخر بأنه يملك جنتين من نخيل وأعناب، بل إن بعض الآيات تقدم مثل هذه الجنات كأمنية لأي شخص له أسرة أو ذرية يسعى إلى تحقيق هذه الأمنية ويحافظ عليها ويخشى أن تتعرض لما يتعرض له الزرع والثمر من عوامل الطبيعة التي قد تعصف بها أو تحرقها. كما نجد في آية أخرى هذا الزرع وقد وضع موضع رضًا وإعجاب بالنسبة لأصحابه من المؤمنين ومصدر غيظ بالنسبة لمن وقف في سبيلهم أو تصدى لهم من غير المؤمنين10.

كذلك تظهر لنا الزراعة كمورد اقتصادي أساسي من موارد الإنتاج في شبه الجزيرة حين نعرف شيئا عن الأنواع العديدة من المعاملات التي اتصلت بالزرع والزراعة، وهي معاملات كانت على جانب كبير من التنظيم والتقنين. ومن بين هذه المعاملات، على سبيل المثال، المحاقلة، أي: استئجار الأرض بالحنطة أو الذهب أو أي شيء آخر يقوم مقامهما، والمزارعة وهي الاتفاق على أن يزرع شخص أرض شخص آخر لقاء نسبة معلومة من الثمر أو الحصاد يتفق عليه، على أن تكون البذور من مالك الأرض، والمخابرة وهي على نمط المزارعة ولكن تكون البذور على الزارع، وفي بعض أنواع الإيجار المتعلق

10 الحرث، سورة الواقعة:64. الحب في باطن الأرض، الأنعام: 59. الري، السجدة: 47، النبأ:15. الحصاد ق: 9. تركيب السنابل، البقرة:261. الحب، الأنعام:95، 99، ق:9، الرحمن: 12، يس: 32، النبأ: 15. النخيل والأعناب، الإسراء: 91، عبس: 28، البقرة: 266، الأنعام: 99، الرعد: 4، النحل: 11، 67، الكهف: 32، المؤمنون: 19، يس: 24، النبأ:32. الزرع بوجه عام، الواقعة: 64. اختلاف المزروعات، الأنعام:141. موقف إبراهيم، إبراهيم: 37. تشبيه العمل الصالح بالسنابل، البقرة:261. التباهي بالزرع، الكهف: 32. الزرع موضع رضا وإعجاب، الفتح:29.

ص: 298

بالأرض المزروعة لمدة معينة تكون هناك شروط من بينها مثلًا أن يكون للمالك حق إبطال العقد إذا أظهر المستأجر تباطؤًا أو تكاسلًا أو إهمالًا في استغلال الأرض، إذ يصبح معنى هذا، في حالة الاتفاق على نسبة يؤديها المستأجر إلى المؤجر، أن يكون هذا التباطؤ أو الإهمال سببًا في نقص المحصول ومن ثم في قلة نصيب صاحب الأرض من هذا المحصول11.

كذلك كانت هناك المعاملة على القصارة، وهي ما تبقى في السنابل من الحب بعد التذرية فيكون هناك اتفاق يجعل هذه القصارة من نصيب الذاري أحيانا ومن نصيب صاحب الزرع في أحيان أخرى. وهناك معاملة المساقاة وهي الاتفاق بين طرفين على قيام أحدهما بتوصيل الماء إلى أرض الآخر سواء أكان صاحب هذه الأرض أم ملتزمًا لها، مقابل تعهد يقدمه الطرف المستفيد من الماء إلى صاحب الماء بجزء من المحصول أو أي شيء آخر. وهناك كذلك المحاينة وهي الحصاد لقاء أجر، والمخاضرة وهي بيع الثمار قبل أن تنضج ربما للتخلص من معاملات جني الثمر أو حراسته أو حمله إلى الأسواق وما يحيط بذلك أو يتصل به من معاملات تستلزم كثيرا من الجهد أو العناء. وقد كانت المخاضرة في كثير من الأحيان مثارًا لعدد من الخلافات والمنازعات بين الأطراف المتعاقدة بسبب ما قد يصيب المحصول من تلف قبل أن يتم نضجه مما يفقد المبتاع لهذا المحصول ربحه أو جزءا من هذا الربح، فيطلب استرجاع ما دفعه كله أو بعضه، وقد أدى تواتر هذه الخصومات إلى أن نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع المحصول قبل أن ينضج إلا بعد أن يتبين صلاح

11 راجع النص عن المحاقلة في rodokanakis: katabanische texte، I ، 48 ونصوص عن الإيجار بشرط يمكِّن المالك من إبطال العقد في cih، 99،290،1064،1572. عن نصوص تخص استخدام الملاك لأجراء يزرعون الأرض مقابل أجر "أجرم في النصوص الجنوبية" يدفع لهم، راجع jamme: south arabian inscriptions، صفحات 76-77. عن بقية المعاملات وعن المعاملات بوجه عام راجع، جواد علي: ذاته، ج7، صفحات 216-224.

ص: 299

هذا المحصول، وعندئذ لا يحق لمبتاع أن يتذمر من شرائه. وأخيرا، وليس آخرًا، في هذا الصدد، فإن النصوص العربية الجنوبية تعرفنا، إلى جانب عدد من المعاملات الزراعية، بنوع من الجمعيات التعاونية لكل منها مجلس يتألف من ثمانية أشخاص يقوم على إدارة شئون الإقطاع الزراعي من تهيئة البذور والإشراف على العمل وإدارته ودفع حصة المعبد من المحصول، وحصة الحكومة "أي الضريبة المستحقة لها" وبيع المحصول أو توزيعه وهكذا12.

أما عن المحاصيل فكانت متعددة، وتشير النقوش العربية الجنوبية والقرآن الكريم إلى عدد لا بأس به، سواء في ذلك الفواكه أو الحبوب أو الخضراوات، ولكن تبرز من بين هذه المحاصيل والثمار ثلاثة أنواع بوجه خاص هي النخيل والأعناب والحبوب. ويحظى النخيل وما ينتجه من تمر الأهمية الأولى في شبه الجزيرة، وقد كانت وفرة النخيل بسبب ملاءمة مناخ شبه الجزيرة لنموه، هي دون شك التي دفعت به إلى المقدمة لكي يصبح العنصر الغذائي الأساسي لسكان هذه المنطقة. يتخذه البدوي طعاما، كما مر بنا في مناسبة سابقة، إلى جانب شيء من حليب النوق وفي بعض المناسبات القليلة شيء من لحم الإبل، ويصنع من نواه المدقوق أقراصًا يعطيها لإبله علفًا، ويتخذه الحضري طعاما إلى جانب أنواع أخرى لا يتيسر للبدو. ويبدو اهتمام سكان شبه الجزيرة قبل الإسلام بالنخيل من طريقة ذكره في أشعارهم ومن ورود ذكره عند مختلف الطبقات الاجتماعية التي ينتمي إليها هؤلاء الشعراء.

وفي هذا المجال نجد امرأ القيس، وهو ملك ينتمي إلى أعلى طبقة اجتماعية، يصف في معلقته مطرا عنيفا في غزارته فلا ينسى أن يذكر ما سببه هذا المطر

12 عن الجمعيات الزراعية وإدارتها راجع النص في HALEVY: 147. عن المعاملات الأخرى، جواد علي: ذات الصفحات في الحاشية السابقة.

ص: 300

من دمار كان بين أبرز آثاره أنه لم يترك جذع نخلة في مدينة تيماء "في شمالي غربي شبه الجزيرة" إلا اقتلعها، وفي هذا إشارة متضمنة إلى شهرة هذه المدينة بوفرة أشجار النخيل بها. كذلك نجد هذا الملك في قصيدة أخرى يصف بعض حسان الطبقة الاجتماعية الموسرة وقد ارتدين ثيابًا ملونة من قماش موشًّى جاء من أنطاكية، فلا يجد ما يشبه به لونها وجمالها، سوى لون التمر الذي لم يكتمل نضجه، ولبيد بن ربيعة وهو من سادة بني ربيعة، يفخر في معلقته بفرسه فيشبهها، إذا رفعت عنقها، بنخلة طويلة لا يكاد يصل إلى قمتها من يريد قطف ثمارها. ثم يصف الشاعر نعمة الله على الأبرار فيذكر أن الله يرزق هؤلاء أشجار نخيل طويلة كثيرة الحمل من التمر13. وربما كانت إحدى الملاحظات اللغوية التي قدمها باحث حديث عن النخل والتمر من بين الملاحظات التي لا تخلو من مغزى في هذا الصدد، إذ يشير هذا الباحث إلى أن لفظة "نخل" مصدر يفيد معنى استخلاص الشيء الطيب من غيره من الشوائب "من فعل نَخَل"، فهذه الشجرة، إذن، هي خلاصة الشجر جميعا، كذلك لفظة "تمر" التي هي نطق آخر للفظة "ثمر" وكأنما المقصود هو أن الثمر إذا ذكر وحده فلا بد أن يكون تمر النخيل أولًا وقبل كل شيء، فإذا كان المقصود ثمرا آخر فلا بد أن يحدد نوعه. هذا إلى ما نراه في المخربشات التي تركها سكان شبه الجزيرة في العصر السابق للإسلام في مواضع

13 بيت امرئ القيس عن نخل تيماء في شيخو والبستاني: المجاني، المعلقة، بيت 75:

وتيماءَ لم يُترك بها جذع نخلة

ولا أُطُمًا إلا مشيدًا بجندل

وبيته عن تشبيه ثياب الحسان في، ذاته، قصيدة لدى أم جندب، بيت 10:

علوْنَ بأنطاكية فوق عَقمَة

كجِرمَة نخل أو كجنة يثرب

بيت لبيد في وصف فرسه، المرجع ذاته، المعلقة، بيت 66:

أسهلت وانتصبت كجذع منيفة

جرداء يحصر دونها جرامها

بيته في رزق الأتقياء، ذاته، قصيدة إلى الله القرار، بيت 4:

يوم أرزاق من يُفضِّل عُمٌّ

موسقات وحُفَّل أبكار

ص: 301

عديدة من آثارهم والتي يظهر فيها رسم النخلة بشكل ظاهر14.

أما في القرآن الكريم الذي تشير آياته إلى أحوال شبه الجزيرة في الفترة الأخيرة من العصر الجاهلي فتبرز فيه شجرة النخيل لتحتل، مع الأعناب، المكان الأول بين الأشجار التي يشير إليها وإلى أهميتها في مجتمع تلك الفترة على نحو ما أسلفت15. وفي الواقع فإن الإشارة إلى الأعناب متواترة في الشعر الجاهلي، أحيانًا بوصفها أعنابًا فحسب، وأحيانًا أخرى بوصفها الفاكهة التي تصنع الخمر من عصارتها، وأحيانًا ثالثة في وصف مطول مفصل للخمر وما تبعثه في النفس، وهو وصف لا نكاد نرى شاعرا جاهليا إلا وعرج عليه في قصيدة على الأقل من قصائده، فيما عدا استثناءات قليلة، بل إن بعض شعراء العصر الجاهلي جعلوا من إفراطهم في شرب الخمر وحرصهم على ذلك نقطة فخر بالنسبة لهم في عديد من المناسبات. وقد يفيد في إعطائنا صورة من هذا الفخر وهذا الحرص أن أشير، كمثال من بين أمثلة عديدة، إلى موضعين في شعر طرفة بن العبد، يساوي في موضع منهما بين مبادرته إلى الشراب قبل الآخرين، وبين مبادرته لنجدة من يلجأ إليه، كاثنتين من لذات الحياة التي يسعى إليها، بينما يفخر في الموضع الآخر بأن قومه لا تعز الخمر عليهم ولو دفعوا خير إبلهم ثمنًا لها16.

14 الملاحظة اللغوية عن النخل والتمر في LAMMENS: ذاته، ص85، عن المخربشات راجع ملحق اللوحات: لوحة 20ب.

15 راجع حاشية 10 أعلاه.

16 الموضع الأول في شيخو والبستاني: ذاته، المعلقة، أبيات 57-59:

فلولا ثلاث هن من لذة الفتى،

وجدك، لم أحفل متى قام عودي

فمنهن سبقى العاذلات بشربة

كُميت، متى ما تُعل بالماء تزبد

وكرِّي -إذا نادى المضاف- مُحَنَّبًا

كسيد الفضاء، نبهته، المتورِّد

الموضع الثاني في المرجع ذاته، قصيدة غزل وفخر، بيت42:

لا تعز الخمر، إن طافوا بها

بسباء الشَّول والكوم البُكُر

من النصوص العربية الجنوبية التي ورد فيها لفظ عنبم، أي عنب، نصا HALEVY: 360،362.

ص: 302

وقد انتشرت زراعة الأعناب في عدد من أماكن شبه الجزيرة العربية في العصر السابق للإسلام فالنصوص العربية الجنوبية تشير في مواضع عديدة إلى معاملات تتعلق بهذه الزراعة أو بالزبيب الناتج عن تجفيف ثمارها في اليمن ومن بين هذه نص يشير إلى توزيع أبرهة "حاكم اليمن من قبل نجاشي الحبشة في أواسط القرن السادس الميلادي" لحصص من الزبيب "فصمم أو فصم في اللهجات العربية الجنوبية" بمناسبة إسهامهم في بناء سد مأرب. كذلك تظهر صور أغصان العنب وعناقيده محفورة على الآثار اليمنية سواء في الأحجار أو على الأخشاب أو الألواح المسواة من الجص، حتى صار هذا النوع من الزخرف إحدى خصائص الفن اليمني. كما نجد الأعشى الكبير يشيد بأعناب "أثافت"، إحدى مدن نجران، وقت قطافها وعصرها، في إحدى قصائده عن الخمر. والأعشى هو شاعر الخمر وشاعر الترحال والأسفار الذي يستطيع أن يقارن بين بلد وبلد وبين ما تنتجه هذه أو تلك من الأعناب. كذلك اشتهرت بعض الأماكن في الحجاز، مثل الطائف، بالأعناب والزبيب الذي يجفف منها، فعمرو بن العاص، وهو مخضرم أدرك الجاهلية، كان له بوهط من الطائف، كرم كثير بلغ عدد شجره ألف ألف عود17. وفي الواقع فإن الأعناب وما يجفف منها من زبيب كانت تمثل عنصرًا أساسيًّا من عناصر ثروة الطائف الاقتصادية.

أما عن النوع الثالث من الزراعة فهو الحبوب، ومن بينها الشعير الذي كانت زراعته منتشرة بعض الشيء ثم الحنطة أو البر "القمح" الذي يبدو أن

17 عن نص أبرهة، جواد علي: مجلة المجمع العلمي العراقي، مجلد 4، ج1، ص218، سطر 128. كذلك جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ط1، 1971، ج7، ص73. بيت الأعشى في شيخو والبستاني: ذاته، من قصيدة في مدح سادة نجران، بيت 25:

أحب أثافت يوم القطا

ف ووقت عصارة أعنابها

عن وهط عمرو بن العاص راجع، معجم ياقوت: مادة وهط، ج5، ص386.

ص: 303