الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الهدف السياسي وتبع ذلك ازدهار النشاط التجاري عليه. وهكذا، على سبيل المثال، اعتنت حكومة الإمبراطورية الرومانية ببناء عدد من الحصون على طول طريق دقلديانوس التي سبقت الإشارة إليها، وقد تم اكتشاف بقايا عدد من هذه الحصون قائمة في أماكن عديدة على طول هذه الطريق حتى الآن45. هذا، إلى أن التوتر السياسي والعسكري الدائم بين الرومان والفرس ودأب الفرس على قطع الطريق التجارية على التجار الرومان، أفسح المجال أمام مدينة تدمر على أن تلعب دور الوساطة التجارية كمنطقة شبه محايدة، وإن كانت داخلة ضمن النفوذ الروماني، طالما أنها لم تكن من الناحية الرسمية، وهكذا تضمن روما الحصول على السلع اللازمة لها من الشرق الأوسط والأقصى.
45 راجع DUSSAUD: ذاته، ص80-81.
ج-
النشاط التجاري البحري:
وأنتقل بالحديث الآن إلى الشق الآخر من النشاط التجاري لشبه الجزيرة، وهو النشاط التجاري البحري. وأول ما نلاحظه في هذا الصدد هو أن الموقع الجغرافي التاريخي لشبه الجزيرة العربية كان موقعًا يتيح لها إمكانات واسعة في مجال التجارة البحرية. فهي تشغل، كما سبق أن رأينا في مناسبة سابقة، موقعا وسطا بين بحرين هما البحر الأحمر من الغرب والخليج من الشرق وبينهما يمتد المحيط الهندي ليستمر بعد ذلك شرقا. كذلك فإن الرياح الموسمية التي تسود المنطقة أثبتت أنها عامل مساعد للملاحين إلى حد كبير. هذا، إلى أن نهري دجلة والفرات في شمال الخليج، ونهر النيل عبر البحر الأحمر، بإمكاناتهما في مجال النقل يشكلان امتدادين لهذا الموقع التجاري الوسيط، أما من الناحية التاريخية فشبه الجزيرة كان يحيط بها دائما قوتان حضاريتان كبيرتان
إما حضارة الآشوريين والبابليين أو الفرس في الشرق، وإما المصريون أو البطالمة أو الرومان في الغرب.
ولكن وقفت في الجانب الآخر عدة صعاب لم تمكن عرب شبه الجزيرة في الحقبة الأولى من العصور القديمة من الانتفاع بهذه الإمكانات المتاحة لها من حيث الموقع. فالبحر الأحمر شواطئه ليست آمنة تماما، بل إن أغلب هذه الشواطئ، وبخاصة في القسم الشمالي من هذا البحر، عبارة عن شعب مرجانية لا تسمح بوجود موانئ ترسو عليها السفن في شيء من الأمان، أما فيما يخص الخليج فإن سواحله الشرقية لا تطل على أماكن يوجد فيها قدر كافٍ من الماء اللازم لمساعدة القائمين بأي نوع من النشاط التجاري في الفترات الموغلة في القدم. كذلك فإن شبه الجزيرة لا تنتج أي نوع من الأخشاب الصلبة الطويلة التي تصلح لبناء السفن. ومن هنا، فرغم أننا نسمع عن نشاط بحري في الحقبة الأولى من العصور القديمة في البحر الأحمر من جانب المصريين، أو لفترة وجيزة من جانب العبرانيين "على عهد سليمان" يعاونهم الفينيقيون "على عهد حيرام ملك صور"، وفي الخليج الفارسي من جانب الآشوريين والفرس، إلا أننا لا نسمع عن نشاط بحري عربي من جانب شبه الجزيرة في هذه الحقبة على الإطلاق46.
وفي الواقع فإن علينا أن ننتظر إلى العصر المتأغرق "القرون الثلاثة الأخيرة ق. م" والعصر الروماني الذي بدأ بعده مباشرة قبل أن نسمع عن ظهور النشاط التجاري البحري لسكان شبه الجزيرة وعن تطور هذا النشاط، وقد كان العصر المتأغرق في الواقع عصر نشاط اقتصادي من الطراز الأول
46 george hourani: arab seafaring in the indian ocean in ancient and early medieval times "khayat's reprints، beirut، 1963" صفحات 4-11.
وبخاصة في مجال التجارة، وعلى وجه التحديد في مجال التجارة البحرية، وهو نشاط أشار الإسكندر الأكبر إلى اتجاهه حين أرسل عددًا من معاونيه البحريين ليتعرفوا على شواطئ شبه الجزيرة سواء من ناحية الخليج أو من ناحية البحر الأحمر47، وحين أسس مدينة الإسكندرية على الشاطئ المصري لتصبح بعد موته أنشط ثغر بحري في مجال الاتصالات التجارية بين الشرق والغرب، ومن ثم يدخل البحر الأحمر والخليج في دائرة التصور الكامل لهذه الاتصالات.
وهكذا نسمع عن مدن من شبه الجزيرة العربية لها نشاط تجاري بعد ذلك بقليل. ففي أواسط القرن الثالث ق. م. أو قبل ذلك، يبدأ الجرهائيون "أهل مدينة جرهاء" قرب الشاطئ العربي للخليجيقومون بنشاط تجاري كبير، وحقيقة: إن أغلب هذا النشاط كان بريًّا في اتجاه القسم الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة، ولكن جزءًا منه كان بحريا يمر بمياه الخليج ثم يسير شمالا في نهر الفرات حتى مدينة سليوقية seleukeia التي أقامها السلوقيون على النهر "في المكان الذي أصبح بغداد فيما بعد"48. كذلك نجد حوليات العهد المبكر من حكم أسرة "هان" في الصين، في مجال الحديث عن علاقات هذه الأسرة الصينية الحاكمة مع منطقتي الشرق الأوسط والأدنى، تشير إلى نشاط بحري في المنطقة في فترة ترجع إلى ما بعد 140 ق. م. فتذكر أن الرحلة البحرية بين "تياو شيه" TIAO-CHIH "التي أمكن التعرف على أنها القسم الجنوبي المطل على الخليج من وادي الرافدين""وأرض الشمس الغاربة""ربما يقصد شمالي البحر الأحمر" تستغرق مائة يوم49. والإشارة إلى هذه السفرة البحرية تشير إلى نشاط بحري من إحدى موانئ المنطقة دون شك،
47 ARRIANOS: ANABASIS، vii 20: 8-10.
48 eratosthenes منقول في سترابون aristobolous، strabo: XVI، 1:9 منقول في سترابون strabo XVI، 3:3. كذلك agatharchides: XX "راجع GGM ج1، صفحات 186 وما بعدها".
49 النص مقتبس في G. hourani: ذاته، ص15 من ترجمة إلى الإنجليزية F.HIRth: china and the roman orient "leipzig، 1885".
وأرجح أن تكون هذه الميناء هي خاراكس charax "ميسان الحالية" التي تقع على رأس الخليج في جنوبي وادي الرافدين، وكان الإسكندر قد أسسها وجعل لها ميناء في المنطقة، ثم ذوت أهميتها بعض الشيء، ولكن أنطيوخوس antiochos خامس الحكام السلوقيين "الذين خلفوا الإسكندر على حكم سورية ووادي الرافدين" اعتنى بها وأعاد إليها أهميتها، ثم أعاد إنشاءها ملك "أو زعيم" لمنطقة عربية مجاورة هو سباوسينيس50 spaosenes "لعل النطق العربي للاسم شباس أو سباس".
كذلك فإن هذه الحوليات الصينية تذكر في أواخر القرن الأول الميلادي "97م" أن أحد سفرائها من أواسط آسيا، وكان - ينج kan-ying الذي وصل إلى تياو - تشيه -التي سبق ذكرها- في طريقه إلى تاتسن ta-t'sin "سورية" استفسر عن هذه الرحلة فذكر له سكان تياو - تشيه "الشواطئ الجنوبية لوادي الرافدين" أن "البحر كبير وواسع، وأنه إذا كانت الرياح مواتية فمن الممكن الوصول في ثلاثة أشهر، أما إذا لم تكن مواتية فمن الممكن أن تستمر السفرة سنتين، ولهذا فإن الذين يركبون البحر يأخذون معهم زادًا يكفيهم لثلاث سنوات، فإن في البحر شيئًا يحرك في الإنسان الحنين إلى بلده، وقد فقد الكثيرون حياتهم بسبب ذلك"51.
والنص، يشير، كما هو واضح، إلى معرفة بالبحر ومن ثم بالتجارة البحرية، ولكن يبدو أن شيئا من التخوف كان يحيط بالرحلات البحرية بين الخليج من جهة والبحر الأحمر من جهة أخرى، ربما لأن تجارة الشاطئ العربي المطل على الخليج كانت موجهة حتى ذلك الوقت أساسًا إلى الشرق أو على أكثر تقدير إلى الشواطئ الجنوبية لشبه الجزيرة، إذا اتجهت غربًا.
50 plinius: HN، VI 193.
51 مقتبس في g.hourani: ذاته، ص16.
وربما نستطيع أن نستنتج مثل هذا التصور إذا عرفنا أن تجار خاراكس "ميسان حاليا" كانوا يمارسون تجارة نشطة مع باريجازه barygaza، على خليج كامباي cambay، في الهند -تحمل سفنهم السلع العربية إليها، ثم تعود منها محملة بالنحاس والعاج وأنواع مختلفة من الأخشاب، ولعل استيراد هذه السلعة الأخيرة يشير إلى نوع من النشاط في بناء السفن التي كانت الأخشاب الصالحة لبنائها لا توجد في شبه الجزيرة العربية على نحو ما رأينا آنفًا. كذلك كانت سفن خاراكس تحمل السلع إلى الشواطئ الجنوبية العربية لشبه الجزيرة52. كما يذكر لنا بيلينيوس ثلاث مدن وموانئ أخرى ذات نشاط تجاري بحري، هي جرهاء وأكيلة acila "قرب رأس الخيمة الحالية" وهمنة homna وأطانة attana كموانئ على الجانب الشرقي لشبه الجزيرة العربية، ويذكر واحدة منها على الأقل، وهي أكيلة، في صدد العلاقات التجارية مع الهند53.
هذا عن النشاط التجاري العربي انطلاقا من منطقة الخليج. أما عن النشاط المماثل في البحر الأحمر، فنحن نجد اهتمام الإسكندر الأكبر بالتعرف على هذا البحر قد استمر في عهد حكام أسرة البطالمة الذين أسسوا دولة في مصر على أثر وفاته وكان هذا الاهتمام دافعًا كبيرًا وراء النشاط التجاري في هذا البحر. وحقيقة: إن التجار والملاحين اليونانيين قد استأثروا بالقسم الأكبر من هذا النشاط، ولكن النشاط التجاري العربي ظهر هنا في صور مختلفة منذ بداية هذا العهد وطوال العصر المتأغرق والقسم الأكبر من عصر الإمبراطورية الرومانية الذي ابتدأ في فجر العهد الميلادي.
وفي هذا الصدد أعود إلى نقش أسلفت الإشارة إليه يرجع إلى النصف
52 hourani: ذاته، ص16 وحاشية 16.
53 plinius: HN، vI، 51.
الأول من القرن الثالث ق. م. وفيه نجد تاجرًا معينًا هو زيد إبل بن زيد، وقد التحق بخدمة المعابد المصرية ضمن رجال الدين وكان يستورد المر والقليمة لهذه المعابد لقاء سلع من الأقمشة المصرية الفاخرة المصنوعة من الكتان ويقوم بهذا النشاط "في سفينته الخاصة"54. ومعنى هذا أن عربا من شبه الجزيرة كانوا يمارسون التجارة في البحر الأحمر وأن الملاحة في هذا البحر كانت آمنة آنذاك من غارات القراصنة الذين كانوا ينشطون فيه من حين لآخر. كذلك نجد في القرن الثاني في جزيرة ديلوس delos في بجرايجة "بين آسيا الصغرى وشبه جزيرة البلقان" نقوشا عربية معينية وسبئية مقدمة إلى آلهة عربية جنوبية من تجار عرب55. وفي هذا إشارة واضحة إلى المدى الذي وصل إليه هؤلاء التجار الذين نستطيع أن نرجح أنهم كانوا ينقلون تجارتهم في البحر الأحمر إلى مصر ثم إلى الإسكندرية ومنها إلى جزيرة ديلوس فقد كانت تجارة الإسكندرية نشطة مع هذه الجزيرة في خلال العصر البطلمي، كما كانت تجارة العرب الجنوبيين مع مصر واردة كما يثبت ذلك نص زيد إبل التاجر المعيني السابق الذكر.
على أن النشاط التجاري العربي في البحر الأحمر يبدو أن تراجع في القرن الأول ق. م. فلا يوجد لدينا خلال هذا القرن من الكتابات أو النقوش ما يشير إليه. وربما كان هناك سببان وراء هذا التراجع: السبب الأول هو تكثيف البطالمة في مصر لنشاطهم التجاري في البحر الأحمر والمحيط الهندي وإحكام سيطرتهم الاقتصادية على هذين الامتدادينِ المائيينِ، فقد عثر في مصر على أربعة نقوش ترجع إلى الفترة بين عامي 110 و51 ق. م. تشير إلى موظفين في حكومة البطالمة "مسئولين عن شئون البحر الأحمر والمحيط
54 راجع النص في القسم الخاص بالنقوش، في الباب الرابع من هذه الدراسة.
55 rostovizeff: social and economic history of the hellenistic world ج2، ص702 وحاشية 124.
الهندي"*. ومثل هذا التكثيف التجاري من جانب البطالمة بإمكاناتهم الاقتصادية القوية من المنطقي أن يؤدي إلى التراجع الذي أصاب التجارة البحرية من الجزيرة العربية، على الأقل في خارج دائرة النشاط البحري المحلي. أما العامل الآخر الذي أدى إلى هذا التراجع فهو اكتشاف بحار يوناني اسمه هبالوس hippalos لقيمة الرياح الموسمية في تسهيل رحلات السفن عبر المحيط الهندي إذا أحكم توقيت هذه الرحلات بحيث تتم في شهور معينة من السنة. وقد أدى هذا الاكتشاف لقيمة الرياح الموسمية إلى تكثيف أكثر للتجارة المباشرة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي56، وهي تجارة كان لا يمكن للتجار العرب أن ينافسوا فيها التجار اليونان الذين يملكون السفن الكبيرة التي تستخدم فيها المسامير لتوصيل ألواحها ببعضها، بينما كانت السفن العربية من النوع الصغير الذي تستخدم فيه الألياف لربط الألواح ببعضها57.
على أننا لا نلبث أن نسمع عن عودة للنشاط العربي في التجارة البحرية مع العصر الإمبراطوري الروماني الذي ابتدأ في فجر القرن الأول الميلادي. ففي أواسط هذا القرن يصف لنا صاحب كتاب "الطواف حول البحر الأريتري""وهو كاتب يوناني" ميناء ليوكي كومي leuke kome "القرية البيضاء" في القسم الشمالي من ساحل شبه الجزيرة، المطل على البحر الأحمر، بأنها سوق نبطية "أي: في منطقة الأنباط" للسفن العربية المحلية. كما يتعرض هذا الكاتب لميناء موزا muza "عند أو قرب مخا حاليا" فيصفها بأنها
* rostovizeff: ذاته، ج2، صفحات 923-929 وحواشي 203-207. كذلك في w.otto & h. bengIson: zur geschichte des niederganges des ptolemaierreiches "1938 muenchen" صفحات 194 وما بعدها.
56 plinius: hn.vi،100، 104،106.
57 g.hourani: ذاته، ص28.
سوق بحكم القانون ترسو عندها السفن. وعندها نجد المكان "وقد اكتظ بالعرب سواء من أصحاب السفن أو التجارة وهم منشغلون بأمورهم التجارية، إذ إنهم كانوا يمارسون التجارة مع الساحل البعيد "الساحل الإفريقي" ومع باريجازه "في الهند"" ثم ينتقل الكاتب في حديثه إلى "كانة" kane "حصن الغراب حاليا" التي تقع في شرقي العربية الميمونة arabia Eudaemon فيذكر أن أحمال اللبان والبخور كانت تصل إليها وأن هذه المدينة التي كانت سوقا "تتاجر كذلك مع مدن السوق الموجودة في الجانب البعيد "الجانب الإفريقي" كذلك، كما كانت تتاجر مع باريجازه وسكيثية "وادي السند" وأومانة OMANA "ربما لم تكن عمان الحالية" وبرسيس PERSIS المجاورة لها". هذا بينما نجد جزيرة سقطري "جنوبي شبه الجزيرة العربية""التي تتبع ملك أرض اللبان""يقصد ملك العربية الجنوبية" وقد أقام على شواطئها الشمالية تجار عرب وهنود ويونان"58.
أما عن الساحل الإفريقي فنحن نجد التجار العرب في كل مكان تقريبا حتى ميناء رابطة RHAPTA جنوبًا "قرب الزنجبار- جزء من تانزانيا حاليا". وعن هذه المنطقة يقول صاحب كتاب الطواف: "إن رئيسها "الذي كان من أصل عربي جنوبي" يحكمها بمقتضى حق قديم يجعلها خاضعة لسيادة المدينة التي تصل إليها أول ما تصل إلى ساحل العربية "يقصد مدينة موزا". وأهل موزا
…
يرسلون الآن سفنًا يجعلون عليها غالبا بحارة ووكلاء من العرب، على معرفة بأهل البلاد، يتزاوجون معهم ويعرفون الشاطئ ولغة المنطقة"59.
وحين يأتي القرن الثاني الميلادي لا يختفي النشاط التجاري البحري لعرب شبه الجزيرة رغم ازدياد نشاط التجارة اليونانية الرومانية في هذا القرن. وفي
58 periplos: XXI،XXVII.
59 ذاته: 7-10، 14، 16.
هذا الصدد عثر المنقبون الأثريون في مصر على نقش من عهد الإمبراطور الروماني هادريانوس "117-138م" يذكر نقابة مزدهرة ومعترفًا بها من الإمبراطور لربابنة من مدينة "تدمر" يعملون في البحر الأحمر60. وهو نقش يدعو في الحقيقة إلى التأمل، إذ إن أهل هذه المدينة قد اعتادوا ممارسة التجارة البرية في منطقة صحراوية، ومن ثم فانتقالهم إلى التجارة البحرية، إلى جانب إشارته إلى مقدرتهم، يثير في الحقيقة أكثر من تساؤل حول تغيير محتمل في ميزان الأهمية النسبية لكل من التجارة البرية وتجارة البحر.
ويبدو أن هذا القرن شهد الازدهار الأخير لنشاط التجارة البحرية العربية قبل الإسلام، ففي القرن الثالث الميلادي لا نسمع شيئا عن هذا النشاط، وفي الحقيقة لقد شهد هذا القرن عصر التدهور الاقتصادي للإمبراطورية الرومانية كما هبط فيه النشاط التجاري اليوناني في البحر. أما القرون الثلاثة التالية "بين القرن الرابع وظهور الدعوة الإسلامية في القرن السابع الميلادي" وهي الفترة التي عاصرت الإمبراطورية البيزنطية في الغرب والإمبراطورية الساسانية في الشرق، فنحن لا نسمع فيها شيئًا عن النشاط العربي التجاري في البحر الأحمر.
لقد أصبحت جزيرة سيلان في تلك الفترة هي همزة الوصل بين تجارة الصين وتجارة الشرق الأدنى. إليها يصل التجار الصينيون ليفرغوا تجارتهم، ومنها يبحر بهذه التجارة تجار من فارس والحبشة axum. وقد عادت التجارة اليونانية إلى النشاط بعض الشيء، فكانت تصل من شمالي البحر الأحمر حتى أدوليس adulis "عدول" على شاطئ الحبشة شمالي باب المندب، وربما عبرت باب المندب في بعض الأحيان. أما عن التجارة العربية البحرية وأما
60 annees d'epigraphie، 1912، نص رقم 171.