الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حين فرض على رجال الدين الفرس أن يتوجوا بهرام "الذي كان ربيبًا لوالده" في مواجهة منافس قوي من أمراء البيت الحاكم الإمبراطوري50.
ولكن مع ذلك فإن هذا القدر من حرية الحركة بالنسبة لأمراء هاتين الإمارتين يبدو أنه لم يكن واردًا إلا في حالات إما تعتمد على الشخصية القوية لأحد هؤلاء الأمراء أو ترتبط بظروف تخلخل مؤقت في الأسرة الحاكمة في إحدى الدولتين الكبيرتين. أما الخط الأساسي الذي أثبت نفسه بصفة متواترة فقد كان دائما حرص هاتين الدولتين على إزاحة أي أمير من هؤلاء الأمراء من الطريق إذا بدأت تصرفاته تثير الشك في مدى ولائه للدولة التي يتبعها. وقد مر بنا في مناسبة سابقة موقف الإمبراطور البيزنطي تيبريوس الثاني الذي ساق كلًّا من الحارث الثاني وابنه النعمان إلى السجن في المنفى حين بدأ الشك يساوره في تصرفات كل منهما، كما رأينا، على الجانب الآخر، الإمبراطور الفارسي يعين بعد النعمان الثالث اللخمي أميرا من طيء هو إياس بن قبيصة "602-611م" ويعين إلى جانبه مقيما فارسيا أخذ في قبضته زمام الأمور ليصبح الأمير العربي مجرد من أية سلطة فعلية51.
50 hitti: ذاته، صفحات 79 و83.
51 ذاته: صفحات 80 و84.
ب-
الدين والسياسة في الصراع الدولي:
وأنتقل الآن إلى الحديث عن الاتجاه الثاني الذي سارت فيه العلاقات الخارجية العربية في المرحلة التي نحن بصدد الحديث عنها. وهذا الاتجاه يشكله تداخل العامل الديني في نسيج هذه العلاقات الخارجية وهو أمر بدأ يظهر بوضوح خاص في القرن السادس الميلادي في الصراع الثنائي بين الفرس والبيزنطيين على السيطرة على القسم الجنوبي من شبه الجزيرة العربية، وفي هذا الصراع تدخل الحبشة كقوة من الدرجة الثانية تساند سياسة الحكومة البيزنطية
وتنفذها، وإن كانت الأمور لا تثبت دائمًا على هذا الوضع فتتخذ هذه الدولة مواقف تبدو فيها كأنها بدأت تعمل لحسابها.
ونحن نجد مثالًا على ذلك في حادثة الأخدود حين أحرق "ذو نواس" الملك الحميري اليهودي في 523م عددًا كبيرًا من المسيحيين في فترة الصراع الديني الذي نشب بين المسيحية واليهودية في نجران. لقد أرسل المسيحيون يستنجدون بالإمبراطور البيزنطي يوستين "جستن justin" الأول الذي كان يعتبر نفسه حاميا للمسيحية والمسيحيين أينما وجدوا. لقد كتب يوستين إلى نجاشي الحبشة، وهو ملك أقرب دولة مسيحية للمنطقة ليخف لنجدة المسيحيين، وكان بذلك يعمل في حقيقة الأمر على مد نفوذه على العربية الجنوبية حتى يبعدها عن نفوذ الإمبراطورية الفارسية التي كانت تسعى جاهدة لأن تجد لنفسها موطأ لقدم في المنطقة. وقد تدخلت القوات الحبشية وانتصرت في مناسبتين؛ مرة في 523م تحت قيادة أرباط، ومرة في 525م تحت قيادة أبرهة. ولكن الأحباش الذين دخلوا كمنجدين بقوا كمستعمرين لمدة نصف قرن حتى 575م52.
وقد شهد هذا العام تكملة، ولكن من الجانب الآخر، لهذا الصراع الديني السياسي المتداخل الذي عرفته العلاقات العربية في الفترة التي نحن بصدد الحديث عنها. فنحن نسمع في ذلك العام عن حركة وطنية يقودها سيف بن ذي يزن وهو من سلالة البيت الحاكم الحميري قبل الاستعمار الحبشي، وفي هذه الحركة يحاول هذا الأمير أن يستنجد بالإمبراطور البيزنطي لإنهاء الحكم الحبشي، ولكن دون جدوى، فسياسة بيزنطة هي محاولة احتواء العربية الجنوبية عن طريق دولة مسيحية صديقة حتى تبعد المنطقة عن النفوذ الفارسي. وهنا يتوجه الأمير العربي حيث ينجح، عن طريق أمير الحيرة في الحصول
52 H. rodinson: ذاته، صفحات 31-32.
على نجدة من الإمبراطور الفارسي الذي وجد في هذا الموقف فرصة لمد النفوذ الفارسي إلى المنطقة. وهنا مرة أخرى كما حدث في حالة التدخل الحبشي، بدأ الفرس كمنجدين وانتهى الأمر بهم كمستعمرين، وتحولت العربية الجنوبية إلى ولاية "ستربية" فارسية حتى عام 628م53.
على أن أمورًا أخرى كانت قد بدأت تجد في وسط شبه الجزيرة في ذلك الوقت، ففي أوائل القرن السابع كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد بدأ يرسي في منطقة الحجاز، الدعوة الإسلامية الوليدة. وقد قدر لهذه الدعوة أن تغير مجرى التاريخ لقرون طويلة تالية، وأن تغير معه كل ما يتصل بالمجال الدولي من علاقات وأبعاد.
53 hitti: ذاته، ص66.