الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
موقف التوجس من نحميا اليهودي حين حصل على إذن من أرتحَشْتا الإمبراطور الفارسي "646-424 ق. م" ببناء سور حول أورشليم "القدس". ورغم أن هذا التوجس لم يعبر عن نفسه إلى تصد إيجابي للزعيم اليهودي وإنما ظهر في هيئة معارضة ومناورات من جانب هؤلاء الزعماء قابله الزعيم اليهودي بمناورات مماثلة وانتهى الأمر ببناء السور الذي كان يريد بناءه، إلا أنه في الوقت ذاته يشير إلى أن العرب لم تزل هويتهم قائمة ومتمثلة في إدراك مصالحهم التي تصوروا أن بناء هذا السور قد يضر بها بشكل أو بآخر، ولكن يبدو أن الأمر لم يكن بأيديهم بالدرجة الأولى، فالإمبراطور الفارسي، وهو صاحب الأمر والنهي في المنطقة في ذلك الوقت على هذه المنطقة التي كانت قد دخلت ضمن إمبراطوريته، كان قد أعطى الإذن ببناء السور، من ثم فلم يكن هناك مجال واسع لتحرك عربي أو تكتل عربي يصل إلى مستوى التصدي وبخاصة إذا أدركنا أن الطرف الآخر، وهو الزعيم العبري، كان هو الآخر في وقف مماثل لا يملك فيه أن يقدم أو يؤخر كثيرًا8.
8 راجع التفصيلات في صفحات 186-191 في هذه الدراسة.
ج-
العلاقات مع القوى الشرقية:
وأنتقل الآن إلى صعيد آخر للعلاقات الخارجية للعرب، وهو الصعيد الذي ظهر عليه موقفهم إزاء منطقة وادي الرافدين حيث الدولة الآشورية ومن بعدها الدول الكلدانية "أو الدولة البابلية الحديثة" وإزاء الإمبراطورية الفارسية التي مدت سيطرتها إلى منطقة الشرق الأدنى بأكمله في غضون القرن السادس ق. م. وتكمن أهمية العلاقات العربية الخارجية في هذا الاتجاه ليس في ظهور الهوية الواضحة للعرب فحسب، وإنما في تطورها تدريجيا نحو التبلور بحيث اتخذ تحركها في هذا المجال أكثر من صورة وظهر في أكثر من اتجاه.
وقد كانت أولى العلاقات العربية في هذا الاتجاه الشرقي مع الآشوريين،
كما وردت في عدد كبير من النقوش المسمارية التي سجل عليها ملوك الدولة الآشورية إنجازاتهم العسكرية والسياسية مع جيرانهم. وأول نص تظهر فيه إشارة للعرب في هذا المجال يعود إلى عهد الملك شلمنصر الثالث "858-824 ق. م". وفي هذا النص الذي يرجع إلى السنة السادسة من حكمه يتحدث عن تحركاته العسكرية ضد المنطقة السورية، يذكر لنا الملك الآشوري أنه توجه إلى منطقة القرقار؛ لمواجهة تجمع كونه ملك دمشق، ظهرت فيه إلى جانب قوات الملك الدمشقي قوات من حماة وإرواد ومدن سورية أخرى، وكان من بين القوى المتحالفة مع ملك دمشق ضد الملك الآشوري "ألف عربي من راكبي الجمال بزعامة جنْدِبو"9.
ونحن نستطيع أن ندرك المغزى الحقيقي لظهور العرب في هذا النص إذا نظرنا إليه من أكثر من جانب، فهذا النص يأتي بعد ظروف شدت اهتمام الدولة الآشورية بشكل قوي طوال قرن بأكمله، هو القرن العاشر ق. م. تجاه المنطقة الواقعة على الحدود الغربية لهذه الدولة، حيث كانت تتعرض لهجمات متكررة من القبائل والممالك الآرامية؛ الأمر الذي اضطر الآشوريين إلى العمل العسكري المستمر للقضاء على هذه الهجمات الآرامية وعلى بقايا المستعمرات الحيثية في المنطقة، ودفع بهم "أي: الآشوريين" إلى مد هذا العمل العسكري إلى داخل الأراضي السورية كما يظهر من النصوص الآشورية التي ترجع إلى عهد الملك تجلات بيليسر الأول "1114-1076 ق. م" والملك آشور ناصر بال الثاني "883-859 ق. م" 10.
9 النص ANET صفحات 278-279.
10 عن ظروف الآشورية انظر رضا جواد الهاشمي: العرب في ضوء المصادر المسمارية، مجلة كلية الآداب، جامعة بغداد، عدد 22 شباط، 1978، صفحات 640-641. قارن H.W. F. Saggs: The Greatness that was babylon "london 1962" صفحات 90 وما بعدها، نصا تجلات بيليسر الأول وآشور ناصر بال الثاني في anet صفحات 274-276.
وقد تمكن الآشوريون خلال هذا العمل العسكري المتواصل طيلة القرن العاشر من السيطرة على القسم الشمالي والأوسط من منطقة الهلال الخصيب التي تصل بين وادي الرافدين وسورية وأصبح في مقدورهم التوغل في المنطقة السورية نفسها، ولكن يبدو أن المنطقة البدوية التي كانت تقع على التخوم الجنوبية لمنطقة الهلال الخصيب بدأت تسترعي اهتمام الملوك الآشوريين، الذين وجدوا في هذه المنطقة ما يستدعي الحرص على السيطرة عليها أو على الأقل على عمل فرض الأمن في أرجائها منعًا لسكانها من أي تحرك سياسي أو عسكري؛ نظرا لمرور بعض الخطوط التجارية بها، وقد كان هذا التحرك السياسي والعسكري واردا فعلا، والدليل على ذلك هو اشتراك تجمع من هذه القبائل البدوية بزعامة جندبو العربي في الحلف العسكري الذي كونه الملك الدمشقي.
أما الجانب الثاني الذي يضيف إلى مغزى ظهور العرب في النص المذكور فهو أن هذا الظهور في حد ذاته يشير إلى أن هذه القبائل البدوية لم تعد مجرد قبائل متفرقة تعيش بعيدا عن مجرى الأحداث في المنطقة، ولكنها أصبحت تجمعات تشير إلى أكثر من معنى على الصعيدين السياسي والعسكري. فألف محارب من راكبي الجمال هم أكبر من طاقة قبيلة واحدة، ومن ثم فهم يمثلون تجمعا قبليا بلغ من التنظيم السياسي قدرًا يمكن من تكوين هذه القوة العسكرية11. كذلك فإن هذه التجمعات القبلية في المنطقة لا بد أنها قد أصبح لها قدر محسوس من الفعالية؛ ومن ثم أصبح موقفها من هذا الحدث أو ذاك أمرا يحسب حسابه، فالحلف العسكري الدمشقي ضم قوات تابعة لتسعة ملوك من بينهم، إلى جانب ملك دمشق، ملوك حماة وإرواد ومدن سورية أخرى، واشتراك جندبو العربي بتجمعه القبلي مع هؤلاء الملوك وعلى مستواهم أمر يصبح له دلالته في ضوء هذا الاعتبار.
11 رضا جواد الهاشمي: ذاته، ص643.
أما الجانب الثالث الذي يدعم من مغزى هذا الظهور السياسي والعسكري من جانب العرب في العلاقات الدولية في المنطقة فنستطيع أن ندركه إذا تذكرنا أن تجمعا عربيا مماثلا "ولعله كان نفس التجمع أو تجمعا مجاورا له أو متداخلا معه" قد تحالف مع الفلسطينيين في نفس الفترة لاجتياح مملكة يهوذا "أو يهودية" على عهد الملك العبري يهورام "851-843 ق. م." وإذا أدخلنا في اعتبارنا أن هذا التحالف قد تم لأسباب اقتصادية تدور حول مرور الخطوط البرية التجارية في أراضي هذه القبائل العربية12. ومعنى هذا أن هذه القبائل كانت لها مصلحة حيوية في تحديد مواقفها إزاء الأحداث والعلاقات التي كانت تدور في المنطقة آنذاك.
وقد استمرت الحملات التي قام بها الآشوريون على المنطقة طوال العصر الآشوري الذي انتهى بسقوط الدولة الآشورية في 612 ق. م. وكان قسم أساسي من هذه الحملات موجهًا إلى التجمعات العربية التي يبدو من النصوص الآشورية أنها لم تكن سهلة المراس، الأمر الذي يشير إلى إدراكها المحدد لمصالحها التجارية في المنطقة وإلى اتساع هذه المصالح بما يدفعها إلى اتخاذ المواقف كلما شعرت بتحرك قد يؤدي إلى تهديد هذه المصالح. وتشير هذه النصوص إلى تطورين يمثلان مرحلتين جديدتين في العلاقات الآشورية العربية "بعد المرحلة التي يمثلها نص شلمنصر الثالث الذي ظهر فيه جندبو الزعيم العربي" تتخذ خلالهما هذه العلاقات أبعادا أكثر حدة وأكثر تكثيفا.
وأولى هاتين المرحلتين الجديدتين نجد فيها أن الملوك الآشوريين لم يقتصروا في معالجتهم للتجمعات العربية على الحملات العسكرية وإنما بدءوا يتجهون، إلى جانب ذلك، إلى سياسة يمكن أن نسميها سياسة الاحتواء السياسي من الداخل، عن طريق التدخل في تنصيب الزعماء العرب الذين يثقون في ولائهم
12 راجع أعلاه في هذا الباب.
على هذه التجمعات القبلية. وجدير بالذكر هنا أن هؤلاء الزعماء أصبح يشار إليهم في النصوص الآشورية التي ترجع إلى هذه المرحلة على أنهم ملوك أو "ملكات" لبلاد العرب، وليس مجرد إشارة بدون لقب كما رأينا في حالة جندبو العربي، وهو أمر قد يدل على أن تنظيم التجمعات القبلية العربية قد أصبح أكثر رسوخًا. وهكذا نرى الملك الآشوري أسرحدون "680-669 ق. م." يعين الملكة العربية "تاربوا" التي نشأت في قصر والده سنحاريب ملكة على العرب. ونجده في مناسبة ثانية، بعد أن توفي حزائيل الملك العربي، ينصب ابنه ياتع ملكًا. كما نجده في مناسبة ثالثة يعفو عن ملك مدينة يادع الذي استطاع أن يهرب من وجه جيوش الملك الآشوري في إحدى حملاته، فيعفو عنه هذا ويعينه ملكًا على بلاد "بازو"13.
أما من جانب العرب فقد بدا موقفهم في هذه المرحلة الجديدة أكثر إيجابيةً من المرحلة السابقة، فلم يعد موقفهم قاصرا على التصدي لحملات الملوك الآشوريين أو الهرب في بعض الأحيان من وجهها، وإنما بدءوا ينتهزون فرص التخلخل الذي بدأ يصيب الدولة الآشورية من الداخل والتي اتخذت شكل نزاعات على العرش صاحبتها ثورات داخلية في بعض الأحيان. ففي عهد الملك سنحاريب "704-681 ق. م." قام أحد الزعماء الكلدانيين في بابل، وهو مردوخ بلادان، بثورة ضد الملك. ويحدثنا سنحاريب في نقش سجل عليه انتصاره على هذا الثائر أن من بين الأقوام التي اشتركت في تدعيم هذه الثورة عربًا وآراميين وكلدانيين وأن هؤلاء، بما فيهم العرب المشار إليهم، كانوا يسكنون مدن الوركاء ونفر وكيش وسبار. وحقيقة إن هذه المناطق تقع داخل وادي الرافدين، أي: ضمن حدود الدولة الآشورية، إلا أن الملك يذكر أنه في أثناء عودته إلى عاصمته حارب مجموعة من القبائل يعدد
13 النص الخاص بتاربوا وياتع في anet صفحات 291-292. نص ملك يادع في مجموعة arab، ج2، نص رقم 538.
أسماءها وهم قبائل من البدو. ويستنتج أحد الباحثين المعاصرين أن أسماء هذه القبائل ترجح أن الملك سلك في عودته إلى آشور "العاصمة" طريقًا في البادية محاذية لنهر الفرات ليلقي الروع في نفوس القبائل التي أيدت الثائر مردوخ بلادان وينتزع منهم الولاء للآشوريين14.
وإذا كانت هذه المرحلة قد تميزت بهذا التدخل الإيجابي من جانب القبائل العربية الملاصقة لوادي الرافدين عن طريق مساندة الزعماء الثائرين ضد الملك الآشوري سنحاريب في داخل البلاد، فإن المرحلة التالية التي بدأت في عهد الملك الآشوري آشور بانيبال "668-633 ق. م." أخذت فيها العلاقات العربية مع الدولة الآشورية بعدا جديدا. ففي أثناء الثورة التي قام بها "شمش شوم أوكن" حاكم بابل ضد أخيه الملك آشور بانيبال، نجد تجمعا قبليا عربيا يشترك مع الأخ الثائر ضد أخيه الملك، ولكن العرب الذين قاموا بدعم الثورة ضد الملك ليسوا من قبائل البادية الملاصقة لنهر الفرت كما حدث في عهد الملك سنحاريب، وإنما يزحف التجمع العربي القبلي هذه المرة من منطقة بعيدة في النصف الغربي من شمالي شبه الجزيرة العربية، وهي منطقة دومة الجندل وتيماء، تحت قيادة الملك العربي ياتع الذي يبدو أنه لم يكتفِ بدعم الثورة بقواته، وإنما لعب دورًا أساسيًّا في تكوين حلف ضم قوات زعماء أو ملوك عرب آخرين "من بينهم ملك اسمه أبو ياتع" لهذا الغرض، كما "حرض كل سكان البلاد العربية للالتحاق به"15.
كذلك نجد أحد الملوك المشتركين في هذا الحلف "وهو أبو ياتع الذي أسلفت الإشارة إليه" يواصل تحديه للملك الآشوري ويزيد على ذلك فيسعى في أكثر
14 النص في مجموعة arab، ج2، نص رقم 234. الاستنتاج يقدمه رضا جواد الهاشمي: ذاته، ص647.
15 النص في anet، صفحات 297-298.
من مناسبة لاستمالة الأنباط في "أقصى الطرف الغربي للهلال الخصيب" إلى جانبه في عدائه للملك آشور بانيبال، وبعد عدد من المحاولات ينجح أبو ياتع في استمالة الأنباط لمحاربة الآشوريين، لا لصد هجمات آشور بانيبال، ولكن هذه المرة لمهاجمة حدود الدولة الآشورية ذاتها بتدعيم من "نانتو" زعيم الأنباط16.
وقد سقطت الدولة الآشورية في 612 ق. م. تحت ضربات القوتين المتحالفتين؛ الكلدانيين من "بابل" والميديين "من إيران". وبسقوط هذه الدولة قامت الدولة الكلدانية "أو الدولة البابلية الحديثة" في وادي الرافدين، وبدأ تطور جديد في العلاقات الخارجية العربية مع هذه المنطقة.
وإذا كانت العلاقات الخارجية بين العرب ومنطقة وادي الرافدين قد اتخذت في عهد الآشوريين منطلقًا اقتصاديًّا يحاول فيه الآشوريون بسط نفوذهم على المواقع الأساسية للطرق التجارية البرية في الغرب من جهة، ويحاول العرب، ضمن الأقوام الأخرى أحيانا ووحدهم في أحيان أخرى، أن يقابلوا هذا الاتجاه الآشوري بتصدٍّ وصل إلى درجة الإيجابية الهجومية في بعض المناسبات من جهة أخرى، فإن ظروف الدولة البابلية الحديثة قد دفعتها إلى اتخاذ موقف من علاقاتها مع العرب لم يصل إليه الآشوريون من قبل، وكان محور هذه الظروف هو الوضع الاقتصادي المتدهور الذي وجدت الدولة الجديدة نفسها مقبلة عليه.
وقد كان هناك سببانِ أديا إلى هذا الوضع، وأول هذين السببين هو أن سقوط الدولة الآشورية أتاح فرصة ذهبية أمام عدد من القبائل العربية
16 النص في anet ص299. عن المطابقة بين لفظة: nabaiati الواردة في النص وبين الأنباط المعروفين تاريخيًّا راجع، رضا جواد الهاشمي: ذاته، ص 659. عن رأي معارض لذلك راجع، hitti ذاته، ص67، حاشية1.
للسيطرة على عدد من المواقع الحيوية على الطريق التجارية الرئيسة التي كانت تربط بين جنوبي شبه الجزيرة العربية وشماليها، وأهم هذه القبائل هم الأنباط الذين نجحوا في الاستقرار في المنطقة المحيطة بالبتراء "جبل سعير" بعد أن زحزحوا القبائل الأيدومية من هذه المنطقة ودفعوا بهم نحو الشمال. وهكذا استطاع الأنباط "الذين رأيناهم يشتركون مع أبي ياتع في الهجوم على حدود الدولة الآشورية في عهد بانيبال" في أن يسيطروا من موقعهم الجديد ومن عاصمتهم التي تحصنها التكوينات الحجرية من ثلاث جهات، على عقدة رئيسة تتحكم في الطرف الشمالي من الخط التجاري المذكور. أما السبب الثاني فهو أن الميديين "الذين اشتركوا في إسقاط الدولة الآشورية" ما لبثوا أن ركزوا أنفسهم في القسم الشمالي الغربي من إيران، وأبعدوا بذلك الدولة البابلية الحديثة عن الطرق التجارية الآتية من شرق وشمال إيران، وهي الطرق التي كانت تجد طريقها قبل ذلك نحو الغرب إلى وادي الرافدين في عهد الآشوريين؛ وهكذا منع الميديون عن الدولة الجديدة في وادي الرافدين موردا اقتصاديا لا يمكن إغفاله أو الإقلال من أهميته17.
ويبدو أن هذا التدهور الاقتصادي استمر تدريجيًّا وبشكل منتظم حتى بلغ أقصاه في الشطر الأخير من عهد الدولة البابلية الحديثة، إذ تشير أسعار المواد في العقدين الأخيرين اللذينِ سبقا سقوط بابل أمام الزحف الفارسي "في 539 ق. م." إلى ارتفاعها إلى الضعف، ولنا أن نتصور ما يمكن أن يتركه هذا التضاعف على الواقع المعيشي والاقتصادي في المنطقة18.
وأمام هذا التدهور من جهة، والازدهار الاقتصادي من جهة أخرى في
17 عن استقرار الأنباط في البتراء راجع، hitti: ذاته، الصفحة ذاتها. عن الميديين، رضا جواد الهاشمي: ذاته، ص660.
18 "london 1962" saggs: the greatness that was babylon، ص148.
المواقع العربية المسيطرة على الخطوط التجارية البرية، وبخاصة الخط الذي يخترق شبه الجزيرة العربية من الشمال إلى الجنوب، نجد نابونائيد "نابونيدوس nabonidus عند الكتاب الكلاسيكيين" يتجه بأنظاره إلى الغرب ويقرر نقل مقر إمبراطوريته إلى واحة تيماء التي تشكل موقعا حيويا على الطريق التجاري الذي يصل شمالي شبه الجزيرة بجنوبها. وكان ذلك في السنة السابعة من حكمه أي: في 549 ق. م. وأقام بها نحو عشر سنوات قبل أن يعود إلى بابل في 539 ق. م. وهي السنة التي سقطت فيها بابل في أيدي الفرس الأخمينيين.
وقد كان انتقال الملك البابلي إلى قلب شبه الجزيرة دون شك أمرًا جديدًا لم يكن في حسبان القبائل العربية التي اعتادت أن تتعامل مع ملوك من وادي الرافدين، إما يأتون إليها في حملات ينتهي أثرها في كثير من الأحيان بعودة هؤلاء الملوك إلى عاصمة دولتهم، أو يقضون فترات بعيدينَ عن هذه القبائل إذا ما شغلهم إقرار الأمور في داخل وادي الرافدين، وبخاصة في أوقات الاضطراب والثورات، عن الالتفات بشكل حاسم إلى محاولات العرب للسيطرة على المواقع المهمة على الخطوط التجارية مما أغراهم في بعض المناسبات بنقض عهودهم مع الملوك الآشوريين أو حتى بمحاولة الاعتداء على حدود الدولة الآشورية كما مر بنا. وهكذا حين انتقال نابونائيد للإقامة في تيماء نجد موقف العرب يبدو واضحًا في جهتين محددتين، سواء إزاء اتخاذه لهذه المدينة مقرًّا له، أو إزاء إخضاعه لعدد آخر من المدن الواقعة على الخط التجاري الشمالي الجنوبي بعد ذلك. فمن جهة نجد بعض قبائل العرب تتصدى له مباشرة وهو موقف يتضح لنا من أحد النقوش التي نجد فيها هذا الملك يقدم على قتل أمير تيماء وعلى ذبح قطعان الماشية التي يمتلكها سكان المدينة وضواحيها، ومن نقش آخر، رغم تلف بعض سطوره، نفهم أن سكان بعض المناطق العربية تعرضوا للملك وحاولوا أن ينهبوا ممتلكاته ولكنه نجح في القضاء على بعضهم وتشتيت البعض الآخر مما اضطرهم للخضوع له، ومن الجهة الأخرى يبدو أن
سكان بعض المناطق آثروا قبول الأمر الواقع، إذ يقول الملك:"إن بلاد العرب وكل الملوك الذين أبدوا عداءهم، أرسلوا لي برسلهم طالبين السلم وحسن العلاقات"19.
وهناك ملاحظتان على إقامة نابونائيد في تيماء والأماكن التي وصل إليها وسيطر عليها، وأولى الملاحظتين هي أن المدن التي يذكرها في هذا الصدد تقع على الخط التجاري الشمالي الجنوبي مما يؤكد هدفه الاقتصادي من نقل مقر حكمه إلى تيماء. فإلى جانب هذه المدينة يذكر الملك أن هذه المدن هي دادانو، فاداكو، هيبرا، ياديهو، باتريبو20. وفيما يخص دادان فإن هذه المدينة "وهي العلا الحالية" كانت أحد المواقع الرئيسة التي اتخذها المعينيون الشماليون مقرًّا لهم، وهيبرا هي خيبر، وفداكو هي فدك الواحة الخصبة الواقعة إلى شمالي خيبر، كذلك فإن ياديهو، كما يظهر من نطقها، هي يادع، وهي منطقة بين فدك وخيبر. أما ياتريبو فهي يثرب التي تغير اسمها إلى المدينة المنورة بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها. وأما الملاحظة الثانية فهي أن يثرب تشكل آخر عمق في شبه الجزيرة العربية وصل إليه أي ملك من ملوك الدول التي قامت في وادي الرافدين.
ثم أختم الحديث عن علاقات العرب بالقوات الشرقية بعرض سريع لهذه العلاقات مع الإمبراطورية الفارسية. وفي هذا الصدد نجد الفرس يبدءون في مد نفوذهم على المناطق العربية بعد أن انتهوا من إسقاط بابل في 539 ق. م. ففي أحد النقوش التي ترجع إلى عهد الملك قورش الثاني "557 -529 ق. م."
19 النصوص على التوالي في anet، صفحات 313-314 و g.g.gadd: the harran inscriptions of nabonidus "anatolian studies، III، 1958" صفحة 35 وما بعدها.
20 النص الوارد في gadd في الحاشية السابقة.
نجد هذا الملك الفارسي يذكر أن كل ملوك المنطقة الممتدة بين البحر الأدنى "الخليج" والبحر الأعلى "البحر المتوسط" قد دانوا له بالولاء، وأنهم قدموا إلى بابل حاملينَ معهم جزية كبيرة وقبَّلوا قدميه، ويذكر من بينهم "كل ملوك الأراضي الغربية، الذين يسكنون الخيام"21. والنص صريح فهو يشير إلى كل هؤلاء الملوك، ومن ثم فرؤساء القبائل والتجمعات العربية القبلية "إلى جانب المناطق العربية الحضرية" قد خضعت لسلطان هذا الإمبراطور الفارسي.
غير أن تطورًا في العلاقات الفارسية العربية يبدو أنه حدث بين الشطر الأخير من القرن السادس ق. م. حين أخضع الملك قورش الثاني "557-529 ق. م." هذه المنطقة بعد سقوط بابل في 539 ق. م.، وبين أواسط القرن الخامس ق. م. إذ يذكر لنا المؤرخ اليوناني هيرودوتس "الذي عاش في أواسط هذا القرن" في أكثر من مناسبة ما يفيد أن العرب كان لهم وضع خاص، وعلى سبيل المثال فنحن نجد هيرودوتس herodotos المؤرخ اليوناني يذكر لنا في أثناء حديثه عن الولايات، أن "الولاية الخامسة "من ولايات الإمبراطورية الفارسية" تمتد بين بوسيدونيون على الشاطئ السوري
…
وبين مصر، ما عدا القسم الذي يسكنه العرب فهم لا يدفعون ضريبة" ثم يعدد في موضع آخر أسماء الشعوب التي لم تكن تدفع ضرائب للإمبراطور الفارسي ولكنها تقدم هدايا له، ويذكر من بينها العرب الذين كانوا "يقدمون ما يساوي ألف وزنة talentum من الطيوب سنويا"22.
ويبدو واضحًا من المقارنة بين النقش الفارسي وبين نصوص المؤرخ هيرودوتس أن المنطقة التي احتلها الفرس على عهد قورش الثاني تعرض فيها
21 النص في ANET، ص 316.
22 النصوص على التوالي، HERODOTOS: iii، 91، 97.
النفوذ الفارسي لشيء غير قليل من التخلخل، إذ يذكر المؤرخ اليوناني أن الإمبراطور الفارسي دارا "521-489ق. م." أخضع كل آسيا، ما عدا العرب "الذين لم يقدموا له طاعة العبودية" ولكنه كان مرتبطًا معهم برباط الصداقة حيث أمَّنوا لقمبيز "إمبراطور فارس من 529-521 ق. م." الطريق إلى مصر "التي ما كان ليستطيعَ دخولها لولا موافقة -يقصد حسن نية- العرب" ويؤكد هذا القول في مواضع أخرى يذكر فيها أن العرب ساعدوا قمبيز عندما أراد احتلال مصر بأن أمنوا له الطرق وزودوه بالماء وتبادلوا معه العهود23. وهكذا تكون العلاقة بين الفرس والعرب في هذه الفترة علاقة من نوع خاص، فالعرب في المنطقة القريبة من مصر هم الذين يسيطرون على مسالك الطرق الصحراوية المؤدية من المنطقة السورية "بالمفهوم الجغرافي" إلى مصر؛ ومن ثم فلا يمكن السيطرة عليهم سيطرة كاملة بالطرق التنظيمية التقليدية، ولكن الفرس في الوقت ذاته محتاجون إلى خدماتهم في تأمين الطرق أمام القوات الفارسية وإرشاد هذه القوات وتزويدها بالمياه على الطريق. وهكذا يتحول مفهوم العلاقة بين الفرس والعرب إلى خدمات متبادلة وعهود متبادلة، ويشير هيرودوتس في صراحة محددة إلى أن العرب حافظوا على عهودهم مع الفرس24.
غير أن المناطق العربية الواقعة في أقصى الشمال من شبه الجزيرة العربية لم تكن المناطق الوحيدة التي تعرض لها الفرس في شبه الجزيرة، ففي نص من عهد الإمبراطور الفارسي حشويرش "خشيارشاه الذي عرفه الكتاب اليونان باسم XERXES 485-465 ق. م." نجد هذا الإمبراطور يشير بشكل مباشر إلى امتداد حكمه على بلاد العرب، إذ يذكر بين قائمة الأماكن التي امتد حكمه إليها "ماكا والبلاد العربية" و "ماكا" هي دون شك ماكاي MAKAE التي يأتي ذكرها عند الكتاب الكلاسيكيين، كتسمية لقسم من الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية "عُمَان الحالية"،
23 على التوالي، ذاته: iii،88،4،7،9.
24 ذاته: iii،7،8.