الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الزراعة في أكثر من موسم وتوجد الغابات الطبيعية أو المزروعة من أشجار الطيوب والبخور في منطقة اليمن. ثم كان هناك، إلى جانب هذا التدرج النباتي، بعض المعادن التي وجدت في مناطق متفرقة في أرض شبه الجزيرة.
أما العامل الثاني الذي أضاف إلى هذا التنوع في الموارد فهو الموقع الجغرافي الذي تحتله شبه جزيرة العرب برًّا وبحرًا بين مناطق الشرقين الأوسط والأقصى في الشرق من جهة، وبين المناطق المطلة على البحر المتوسط في الغرب من جهة أخرى. وهكذا كانت المعبر الطبيعي، وفي بعض الأحيان المنطلق الطبيعي، لقوافل التجارة البرية والبحرية بين المنطقتين. وقد زاد من قيمة المورد التجاري الناتج عن هذا الوضع البري والبحري الوسيط، عنصر تاريخي يتصل ببعض الأوضاع التي كانت سائدة في العصر القديم. ففي ذلك العصر كانت الطيوب والبخور تشكل سلعة أساسية لا غنى عنها في الحياة اليومية سواء في التزيين أو في الطقوس والشعائر الدينية في المنزل والمعبد والصفقات التجارية والاجتماعية السياسية والمباريات الرياضية واحتفالات الزواج والمراسم الجنائزية، وفي الواقع كل ما يقدم عليه الأفراد أو المجتمع من ممارسات. وقد كانت شبه جزيرة العرب إما منتجة لهذه الطيوب وإما وسيطًا تجاريًّا يستوردها، هي وغيرها من السلع، من جهة ليصدرها إلى الجهة الأخرى.
الرعي
الرعي والرعاة
…
1-
الرعي:
أ- الرعي والرعاة:
ولنبدأ بالحديث عن الرعي الذي كان يشكل بنوعيه، الثابت والمتنقل، المورد الاقتصادي، أو مورد الإنتاج الرئيسي في القسم الأكبر من شبه الجزيرة العربية بحكم الطبيعة الجغرافية للمنطقة. وفي هذا الصدد كان رعي الإبل هو النوع الأساسي من الرعي في الأماكن التي يقل فيها العشب في المناطق الموغلة في الصحراء حيث يندر الماء، ومن ثم يصبح التنقل وراء مناطق العشب ضرورة
أساسية في حياة الرعاة. فالجمل، كما مر بنا في حديث سابق1، له صفات تلائم هذه الطبيعة الجغرافية أكثر من غيره، أهمها: الصبر على العطش لأيام طويلة، وثانيتها: قدرته على السير في المناطق الرملية بسبب طبيعة التكوين الإسفنجي التي تتميز بها أخفافه مما يعطيه ميزة في هذا المجال على غيره من الدواب، وثالثة هذه الصفات: قدرته الفائقة على نقل قدر من الأحمال تعجز عن نقلها هذه الدواب الأخرى، وهكذا كانت الإبل الحليف الأول لرعاة البادية في تنقلهم، ومن حليبها ولحمها وإلى جانب ما يحصلون عليه من تمر من هنا وهناك، كان غذاؤهم الرئيسي. أما الأماكن الغنية بالعشب القريبة من الماء والواقعة على حواف السهول الزراعية، سواء على تخوم وادي الرافدين أو المنطقة السورية أو اليمن، فكان يكثر فيها رعي الغنم أساسًا، والخيول والماشية في بعض الأحيان؛ بسبب افتقار هذه الدواب لميزات الإبل، سواء فيما يخص تحمل العطش أو القدرة على السير في المناطق الرملية لمسافات طويلة أو على نقل أحمال ثقيلة.
وقد كانت أرض المراعي مشاعًا بين القبيلة حيثما تستقر في مناطق العشب لفترة تطول أو تقصر، وهو أمر أملته ظروف الطبيعة والتعايش معها، وهكذا أصبح قانونا ملازما لرعاة البادية سواء في العصور السابقة للإسلام أو حتى بعد ظهور الإسلام حيث نجده ينعكس في حديث للرسول صلى الله عليه وسلم يقول فيه:"الناس شركاء في ثلاث: الماء والنار والكلأ". ولكن هذه الملكية العامة أو المشاع لم تمنع من وجود أراضٍ بداخلها تدخل في نطاق الملكية الخاصة "طوال الفترة التي توجد فيها القبيلة في منطقة أو أخرى من مناطق العشب"، هذه الأراضي هي "الأحماء" التي كان الانتفاع بها قاصرا على بعض أفراد أو مجموعات القبيلة، كل حمى منها يدخل في نفوذ زعيم أو آخر هو وأتباعه من زعماء القبيلة، ترعى إبله فيها وحدها، إلى جانب الانتفاع بأراضي الرعي
1 راجع الباب الثالث من هذه الدراسة، الخاص بالملامح الجغرافية.