الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني: الصنعة في النثر
الإسلام
ي
1-
الإسلام:
يفتح الإسلام صفحة جديدة في تاريخ النثر العربي، هي صفحة دين قويم بعث به رسول عظيم، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وينقل العرب وغير العرب من حياة الفوضى، والهمجية والخرافة والوثنية، والعداوة والبغضاء إلى حياة مدنية، قوامها سعادة الجنس البشري وهناءته.
ولا يمضي نحو عشرين سنة حتى يجمع محمد صلى الله عليه وسلم العرب على هذا الدين الحنيف، ويستأصل ما كان فيهم من جذور همجية، ووثنية وتفكك وتخاصم، فيصبحوا بنعمة الله أمة واحدة تتعاون على الخير والبر والتقوى، ويخروا إلى الأذقان سجدا خشوعا لربهم، ورهبة من عقابه ورغبة في رحمته التي وسعت كل شيء.
لم يعد العرب قبائل متنابذة، كما كانوا في الجاهلية، يقتل بعضهم بعضا معظمين للدماء مفاخرين بالأحساب والأنساب، بل أصبحوا جماعة واحدة رحماء فيما بينهم، يسند قويهم ضعيفهم، لا يتحاربون ولا يتخاصمون، بل يتآزرون ويتعاونون، فلا نهب ولا سلب، ولا عصبية قبلية ولا دعوة جنسية، فالمسلمون جميعا من كل القبائل ومن عرب، وغير عرب إخوة لا فضل لغني على فقير، ولا لقوي على ضعيف، بل هم جمعيا سواء، ولا شريف على مشروف، ولا حر ولا عبد. كل منهم يرعى أخاه وحقوقه، وله حريته، ولكن بحيث لا تمس حرية الآخرين، فقد حدد الإسلام لهذه الحرية بتكاليفه الدينية بما حرم بن ضروب الإثم، ما ظهر منها وما بطن.
إنه دين سماوي، تعنو فيه الوجوه للحي القيوم الذي خلق السموات والأرض وما بينهما، وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى، ومد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات، فهو باعث كل حياة. قد أحاطت قدرته كما أحاط علمه بكل شيء، فهو القاهر فوق عباده:{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} ، وإنه ليعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، وقد أعذر رسوله الكريم وأنذر، في عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها، فإن وراء هذه الحياة حياة أخرى يحاسب فيها المرء على ما قدمت يداه، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، فإما الجنة والنعيم، وإما النار والجحيم، والله مع سلطانه وعدله رحيم، وعلى المسلم أن يصدع بأوامره ونواهيه في سره وعلنه، وأن يسير على هدى نبيه، وما شرعه للناس، وأن يأخذ بتعاليمه ووصاياه التي تحقق له السعادة في دنياه وأخراه.
وفي هذا الدين الكريم عقائد تتصل بوحدانية الله، والإيمان برسله وكتبه واليوم الآخر، وأن وراء عالمنا نوعين من الأرواح، نوعا خيرا هو الملائكة، ونوعا شريرا هو الشيطان، وفي الدين أعمال تتصل بعبادة الله وطاعته، هي الصوم والصلاة والزكاة، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا، وإنه ليدعو من آمن به إلى سيرة مستقيمة، فلا بغي ولا عدوان ولا فحش، ولا قتل ولا نهب، ولا نميمة ولا غيبة ولا كبر ولا فخر، بل حياة طاهرة تقية، خلصت من كل الشوائب، وهي حياة وضع لها الدين نظاما اجتماعيا سديدا يكفل للجنس البشري ما يليق به من كمال، إنها رسالة جليلة، ورسالة لم يؤدها أي دين من الأديان على هذه الصورة المثالية، ومن ثم لم تؤثر في العرب وحدهم، بل أثرت في العالم جميعه، ودانت لها الأمم في مشارق الأرض، ومغاربها مقرة بجلالها وجمالها.
القرآن الكريم:
كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، نزل به الروح الأمين على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم منجما مقسطا في ثلاث وعشرين سنة، حتى تستعد القوى البشرية لتلقي هذا الفيض الإلهي، وهو معجزة الإسلام الكبرى، إذ لم يبلغ أي كتاب ديني، أو دنيوي ما بلغه من
روعة البيان والبلاغة، ومس المشاعر وأسر القلوب، سواء حين يتحدث عن عظمة الله وجلال، أو حين يشرع للناس ما به صلاح معاشهم، وآخرتهم أو يصور لهم الثواب والعقاب، والفردوس والجحيم، أو يقص عليهم من أنباء الرسل الأولين ما فيه عبرة، ومزدجر للمؤمنين.
فقد نزل في أسلوب لا يبارى في قوة إقناعه وبلاغة تركيبه، حتى ليقول الوليد بن المغيرة أحد خصوم الرسول، وقد سمعه يتلو من آياته:"والله لقد سمعت من محمد كلاما، ما هو من كلام الإنس والجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق"1، ويلاحظ الوليد ملاحظة صادقة، هي أن القرآن لا يماثل كلام الإنس، ولا كلام الجن ويلاحظ الذي كان يجري على ألسنة كهانهم، فهو طراز وحده، له سحره البياني، بل له إعجازه الذي انقطعت آمال العرب دونه في محاكاته، أو الإتيان بشيء على مثاله في السيطرة على الألباب والقلوب، وقد تحداهم جل وعز أن يجمعوا أمرهم وكيدهم، فيأتوا بسورة من مثله أو بسور تحاكيه، فعجزوا وذلوا، يقول سبحانه:{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} ، ويقول تبارك وتعالى:{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . ويشرح ذلك الجاحظ فيقول:
"بعث الله محمدا عليه الصلاة والسلام في زمن أكثر ما كانت العرب
1 انظر تفسير الزمخشري في سورة المدثر، ومغدق: كثير المياه.
فيه شاعرا وخطيبا، وأحكم ما كانت لغة، وأشد ما كانت عدة، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله وتصديق رسالته، دعاهم بالحجة، فلما قطع العذر وأزال الشبهة، وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى، والحمية دون الجهل والحيرة نصبوا له الحرب ونصب لهم
…
وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن، ويدعهم صباح مساء إلى معارضته إن كان كاذبا بسورة واحدة، أو بآيات يسيرة، فكلما ازداد تحديا لهم بها، وتقريعا لهم بعجزهم عنها قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف، فلذلك يمكنك ما لا يمكننا، قال: فهاتوا ولو مفتريات، فلم يرم ذلك خطيب، ولا طمع فيه شاعر، ولو طمع فيه لتكلفه، ولو تكلفه لظهر ذلك، ولو ظهر لوجد من يستجيد ويحامي عليه، ويكابر فيه، ويزعم أنه قد عارض وناقض، فدل ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم، وسهولة ذلك عليهم، وكثرة شعرائهم وكثرة من هجاه منهم، وعارض الشعراء من أصحابه والخطباء من أمته؛ لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله، وأبلغ في تكذيبه، وأسرع في تفريق أتباعه عن بذل النفوس، والخروج عن الأوطان وإنفاق الأموال، وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والفضل بطبقات، ولهم القصيد العجيب والرجز الفاخر، والخطب الطوال البليغة والقصائد الموجزة، ولهم الأسجاع واللفظ المنثور، ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن ظهر عجز أدناهم، فمحال -أرشدك الله- أن يجتمع هؤلاء كلهم في الأمر الظاهر والخطاب المكشوف البين مع التقريع بالتقصير والتوقيف على العجز، وهم أشد الخلق أنفة، وأكثرهم مفاخرة والكلام سيد أعمالهم، وقد احتاجوا إليه، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض، فكيف بالظاهر الجليل المنفعة، وكما أنه محال أن يطيقوه ثلاثا وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة، كذلك محال أن يتركوه وهم يعرفونه، ويجدون السبيل وهم يبذلون أكثر منه".
وكان طبيعيا أن يستكين العرب أمام هذه الذروة الرفيعة من البلاغة والبيان، وهي ذروة ليس لها في اللغة العربية سابقة ولا لاحقة، ذروة جعلت العرب
حين يستمعون إلى آية تعنو وجوهم لربهم، ويخرون ركعا وسجدا مشدوهين بجماله مبهورين ببلاغته، وفي ذلك يقول جل وعز:{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} ويقول: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} . ولا يزال هذا الشعور الذي كان يختلج في قلوب العرب الأولين تخفق به القلوب في كل عصر لما يفتح من آفاق العالم العلوي، ولما يؤثر به في صميم الوجدان الروحي، وهو يمتاز بأسلوب خاص به ليس شعرا، ولا نثرا مسجوعا، وإنما هو نظم بديع، فصلت آياته بفواصل تنتهي بها، وتطمئن النفس إلى الوقوف عندها. وتتنوع الفواصل بين طوال، وقصار ومتوسطة بتنوع موضوعاته وتنوع المحاطبين، فقد كان يغلب عليه الإيجاز والإشارة في بدء الدعوة قبل الهجرة، حين كان يدعو إلى عبادة الله ونبذ الديانة الوثنية، والإيمان بالبعث والنشور، فلما انتقل الرسول عليه السلام إلى المدينة غلب عليه البسط، والإطناب لبيان نظم الشريعة، وما ينبغي أن يكون عليه نظام الحياة الاجتماعية، مما تقتضيه مصالح البشر في حياتهم على اختلاف الأزمنة والأمكنة.
وقد أثر هذا الكتاب العظيم آثارا بعيدة في اللغة العربية، فقد حول أدبها من قصائد في الغزل والحماسة، والأخذ بالثأر والفخر ووصف الإبل، والخيل والسيوف والرماح، ومن حكم متناثرة لا ضابط لها ولا نظام، إلى أدب عالمي يخوض في مشاكل الحياة والجماعة، وينظم أمورها الدينية والدنيوية. فارتقى الأدب العربي رقيا لم يكن يحلم به العرب، واتسعت آفاقه. وعادة يشير مؤرخو هذا الأدب إلى بعض ألفاظه التي ابتدأها ابتداء مثل القرآن، والفرقان والكافر والمشرك والمنافق، والصوم والصلاة والزكاة، فمدلولات هذه الألفاظ لم تكن حتى كان، والحق أنه جميعه بألفاظه ومعانيه المختلفة يعد ابتداء، بما علم العرب من أسس الإسلام ومبادئه، وبما بين لهم من ماهية الحياة بعد الموت ومن البعث، والنشور ورسالة الرسل، وعبادة الله الواحد الأحد، وبما نظم لهم من حياتهم في الأسرة والجماعة تنظيما ماديا وأدبيا وعقليا وروحيا، تنظيما يكفل لهم الكمال
البشرى والسعادة في الدارين، وعلى نحو ما جمع العرب على دين واحد جمعهم على لهجة واحدة من لهجات اللغة العربية، هي لهجة قريش، وكانت قد سادت في الجاهلية على لهجات القبائل العدنانية الشمالية، فأتم لها هذه السيادة على لهجات القبائل اليمنية الجنوبية، وكانت هي التي حملها العرب معهم في فتوحاتهم، فانتشرت في العالم الإسلامي جميعه من الصين والهند إلى المحيط الأطلسي، وجبال البرانس، إذ كانت تلاوته قرضا مكتوبا على المسلمين، قال جل شأنه:{وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا} ، وقال:{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} ، وبذلك كان للقرآن الكريم الفضل العظيم في حفظ اللغة العربية، وذيوعها وانتشارها في ملايين الناس مدى أجيال متعاقبة، بل مدى قرون مترادفة إلى اليوم.
فالقرآن هو الذي حفظ اللغة العربية القرون المتطاولة السابقة، وقد حول العربي من إنسان جاهل يؤمن بالخرافات إلى إنسان محب للعلم مشغوف بالمعرفة، يطلبها أينما كانت، ولم يلبث أن فتح له الأرض، فدخلت إلى العربية أمم شاركت في لسانها وأدبها، وتعاونت في تلك النهضة الروحية والاجتماعية والأدبية والعلمية، ومن الحق أن كل ما كسبته لغتنا من آداب في الشعر والنثر، ومن علوم شرعية ولسانية وعقلية فلسفية، إنما كان بفضل القرآن، بل لقد تعدت آثاره لغته العربية إلى لغات الأمم الإسلامية التي لا تنطق بلغته، ولنتصور العرب لم يرسل إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نزل فيهم الذكر الحكيم إذن لما فارقت لغتهم جزيرتهم، ولظلوا وثنيين في تنابذ وشقاق، وحروب طاحنة، بل لعل لغتهم كانت قد اندثرت كما اندثرت لغات قديمة كثيرة، فالقرآن هو الذي نفخ في روحها، وهو الذي أتاح لها الحياة على توالي القرون، وهو الذي نقلها من لغة بداوة إلى لغة مدنية، حتى أصبحت لغة عالمية لأمم كثيرة اتخذتها لسان ثقافتها وآدابها، ولا يوجد في تاريخ البشرية كتاب له هذه الآثار العظيمة في لغته، وتغيير أحوال من آمنوا به، بل هو يقف وحده في هذا الباب، إنه مفخرة العرب ومعجزة الإسلام، وآيته الباهرة.
الحديث النبوي:
حديث الرسول صلوات الله عليه هو الأصل الثاني للإسلام، وهو يشمل كل ما جاء عنه من قول أو فعل أو تقرير، وقد يسمى ذلك السنة. وترجع أهميته إلى أنه يتمم القرآن في بيان أحكام الشريعة الإسلامية، فالصلاة مثلا ذكرت في القرآن مجملة، فبين الحديث كيفيتها وأوقاتها، وكذلك الشأن في الزكاة فإن الحديث هو الذي بين قواعدها التي بجب اتباعها في جمعها وتوزيعها. وهناك آيات في الذكر الحكيم يحتمل وجوها مختلفة من المعاني، والحديث هو الذي يشرح المراد منها، وهذا إلى كثير من شئون الدين التي يستقل الحديث ببيانها.
ومنذ عصر الرسول يهتم المسلمون بالحديث عملا بقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} ، فكانوا يأتمون به كما كانوا يأتمون بالقرآن الكريم وما شرع لهم، ويدل على ذلك أكبر الدلالة ما يروى من أن الرسول حين أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن سأله: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد، قال: بسنة رسوله1. فرواية الحديث كانت معروفة في حياة الرسول، وكانت كل قبيلة تأخذ معها معلما يعلمها القرآن والسنة النبوية. وكثيرا ما كان يعقب الرسول على أحاديثه وخطبه بقوله: "ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب"2، ولما توفي الرسول، ودخل الموالي في الإسلام أخذوا يحاولون معرفة كل شأن من شئون الرسول، ليقتدوا به، ولم يكن العرب يقلون عنهم شغفا بتلك السيرة العاطرة.
كل ذلك دفع المسلمين إلى رواية الحديث، غير أنه لم يدون بصفة عامة إلا على رأس المائة الأولى للهجرة، أما قبل ذلك فكان هناك من يدونونه ومن لا يدونونه، وترى عن الرسول أحاديث مختلفة يدعو بعضها إلى تدوينه،
1 انظر مختلف جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر "الطبعة الأولى" ص126.
2 راجع مثلا خطبة حجة الوداع في البيان والتبيين 2/ 23.
ويدعو بعض آخر إلى عدم تدوينه1، ولعله كان يخشى إن دون أن يختلط بالقرآن، أو أن يشغل المسلمين عنه، وفي الوقت نفسه لم يجد مانعا في بعض الأحيان من أن تكتب عنه بعض الأحاديث التي تتعلق بالأحكام، وإذا انتقلنا إلى عصر الصحابة، وجدناهم يكرهون غالبا تدوين الحديث2. بينما يعنون بروايته، وأشار نفر منهم على عمر أن يدونه. فلبث شهرا يستخبر الله في ذلك، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له، فقال: إني كنت قد ذكرت لكم من كتاب السنن ما قد علمتم، ثم تذكرت، فإذا أناس من أهل الكتاب قلبكم قد كتبوا مع كتاب الله كتبا، فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدًا3، ومضى الصحابة لا يدونون الحديث تدوينا عاما مكتفين بروايته، وظلت هذه هي الفكرة الشائعة في عصر التابعين4، ولكن بمضي الزمن تزداد الرغبة في تدوينه، حتى إذا كان عهد عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى للهجرة رأيناه يأمر بتدوينه5، ولا مشاحة في أن أول من دونه تدوينا عاما هو ابن شهاب الزهري المتوفى سنة 123هـ، ومنذ هذا التاريخ أخذ تدوين الحديث يتسع، وأخذ يصنف ويبوب على الأحكام الفقهية، حتى يسهل الرجوع إليه في أمور الدين، على نحو ما نجد في كتاب "الموطأ" للإمام مالك إمام أهل المدينة المتوفى سنة 179 للهجرة، ولا نصل إلى أواسط القرن الثالث، حتى يضع فيه ابن حنبل مسنده الكبير، وتتلوه كتب الصحيح الستة، للبخاري ومسلم وأبي داود، والترمذي وابن ماجه والنسائي.
ووضع حول الحديث منذ العصر الأول في روايته سياج محكم، حتى لا يدخل فيه الوضع والانتحال، وحتى تظل الثقة قائمة به، وخاصة؛ لأنه
1 انظر تقييد العلم للخطيب البغدادي "طبعة يوسف العش" ص29، وما بعدها وص65 وما بعدها.
2 نفس المصدر ص36، وما بعدها.
3 نفس المصدر ص49، وما بعدها.
4 نفس المصدر ص45، وما بعدها وص99، وما بعدها.
5 الزرقاني على موطأ مالك "طبع المطبعة الخيرية" 1/ 10.
تأخر تدوينه تدوينا عاما. وقد كفل له من ذلك ما يملؤنا إعجابا بعلمائه ورواته، فقد اشترطوا شرواطا كثيرة في حملته، وأقاموا من أجله علما برأسه، يسمى مصطلح الحديث ميزوا فيه بين أنواع صحيحة وضعيفة، كما ألفوا كثيرا في رجاله ورواته، حتى يقفوا على درجة صدقهم، وقد أفردوا لضعيفه كما أفردوا لصحيحه مؤلفات كثيرة على نحو ما صنع ابن حبان وغيره، وكذلك أفردوا مؤلفات لموضوعاته، ومفترياته على نحو ما صنع السيوطي في كتابه "اللآلئ المصنوعة".
وبذلك حافظ المسلمون على حديث الرسول صلوات الله عليه، وإن كانوا قد أجمعوا على أنه في جملته روي بالمعنى ولم يرو باللفظ، بسبب تأخر تدوينه، ولعل ذلك ما جعل علماء الكوفة والبصرة، وبغداد لا يحتجون به في إثبات لغة العرب والاستدلال على القواعد النحوية، واللغوية التي دونوها، فقد تداوله الأعاجم، والمولدون قبل تدوينه تدوينًا عامًّا.
والذي لا شك فيه أنه عليه السلام لم يكن ينطق إلا عن ميراث حكمة، وأنه أوتي جوامع الكلم، وكان يكره الإغراب في اللفظ والتعسف والتكلف، ويكفي في بيان روعة تعبيره وبلاغة كلامه، وتراكيبه ما يقوله الجاحظ في كتابه البيان والتبيين من أنه "لم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، وشيد بالتأييد ويسر بالتوفيق، وهو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الإفهام وقلة عدد الكلام
…
لم تسقط له كلمة، ولا ذلت به قدم ولا بارت له حجة، ولم يقم له خصم ولا أفحمه خطيب، بل يبذ الخطب الطوال بالكلم القصار
…
ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفلج1 إلا بالحق ولا يستعين بالخلابة
…
ولم يسمع الناس بكلام قد أعم نفعا، ولا أقصد لفظا ولا أعدل وزنا، ولا أجمل مذهبا ولا أكرم مطلبا، ولا أحسن موقعا ولا أسهل مخرجا، ولا أفصح معنى ولا أبين في فحوى من كلامه
1 الفلج: الفوز والظفر.
صلى الله عليه وسلم"1. وقد تداول العرب والمسلمون من كلماته الجامعة بعض أمثال لم يتقدمه فيها أحد، من ذلك قوله2:
مات حتف أنفه3 -كل الصيد في جوف الفرا4- إذن لا ينتطح فيها عنزان - يا خيل الله اركبي- لا يلسع المؤمن من جحر مرتين -هدنه على دخن5 وجماعة على أقذاء- الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة6 -إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى7- إياكم وخضراء الدمن8 -الآن حمي الوطيس9.
على أنه ينبغي أن نعرف أن الأمثال لم يعد لها منذ ظهور الإسلام خطورتها في تاريخ النثر العربي، فقد تغيرت الحياة العربية من قواعدها، ولم تعد تحتكرها الأمثال، إذ أخذ العرب يشغلون عنها بتلاوة القرآن ورواية الحديث، واتخذوا منهما وموعظتهم، وحتى الشعر كف كثيرون من شعرائهم عن نظمه10.
1 البيان والتبيين 2/ 17.
2 نفس المصادر 2/ 15، وما بعدها والحيوان 1/ 335، وزهر الآداب للحصري "طبعة المطبعة الرحمانية" 1/ 23 ومجمع الأمثال للميداني 1/ 7، 1/ 21.
3 مات حتف أنفه: أي على فراشه من غير قتل في الوغى.
4 الفرا: حمار الوحش، يضرب مثلا في نفاسة الشيء أو الشخص.
5 دخن: حقد.
6 الراحلة: الصالحة؛ لأن ترحل.
7 المنبت: المسرع بناقته حتى عطبت فلم يقض حاجته ولا سفره، والظهر: الناقة التي يركبها.
8 الدمن: البعر المتلبد، وهو مثل يضرب تنفيرا من المرأة الحسناء تنشأ في منبت السوء.
9 الوطيس: التنور، يضرب مثلا على اشتداد الحرب.
10 أغاني "طبعة الساسي" 14/ 94.