الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2-
النثر المصري الحديث:
استطاعت مصر في العصر الحديث، أن تنهض نهضة واسعة في النثر العربي، وقد بدأت هذه النهضة في القرن التاسع عشر، منذ أرسلت البعوث إلى أوربا، فإن هذه البعوث لما رجعت، أخذت تفكر في إدخال بعض ما تعرفت عليه من الآداب الأوربية، فظهرت فكرة الترجمة، وبدأت هذه الترجمة مقيدة، على نحو ما نعرف عند رفاعة الطهطاوي في ترجمته "تليماك"، فإن من يرجع إلى هذه الترجمة يجدها مقيدة بالسجع المتكرر القوافي، كما يجدها مقيدة بالبديع، وهو أسلوب لا يختلف كثيرًا عما ألفناه في العصر الأيوبي، وما بعده من أساليب. ولكنا لا نتقدم إلى النصف الثاني من القرن الماضي، حتى نجد تحولًا واسعًا يحدث في النثر المصري وصياغته، إذ مل الكتاب زي السجع والبديع، وهو ملل يرجع في الواقع -إلى أن الذين تعلموا في أوربا، ثم عادوا وأرادوا أن يعبروا في لغتهم عما تعلموه، وجدوا هذه اللغة لا تستطيع أن تؤدي ما في نفوسهم، وعقولهم من معان بسبب ما صارت إليه من التحجر في أساليب السجع والبديع، حينئذ فكرت هذه الجماعة أن تهجر هذا الزي القديم، إلى زي أكثر ملاءمة لمعانيها، وما تريد التعبير عنه، وساعدها على ذلك أن مطبعة بولاق، أخذت تخرج كتبًا لأعلام العباسيين الأول من مثل كتاب كليلة ودمنة، وليس فيها سجع ولا بديع، وبالغ نفر من هذه الجماعة، فدعوا إلى نبذ اللغة العربية جملة، وأن يستخدم المصريون مكانها اللغة العامية على نحو ما نعرف عند عثمان جلال. وسرعان ما اصطدمت هذه الجماعة المجددة، التي تعلمت في أوربا بجماعة محافظة لم تذهب إلى أوربا، بل اكتفت بما تعلمته في الأزهر، وبما عرفته من صياغة السجع والبديع الشائعة، فنفرت من آراء الجماعة الأولى بدعوتها خروجًا على التقاليد، وانتهاكًا لحرماتها المقدسة.
وفي أثناء ذلك تقد على مصر جموع من الشام، إما فرارًا من الحكم العثماني وما كان ينطوي فيه من ظلم، وإما ابتغاء للنجاح الأدبي في مصر، وكانت هذه الجموع تتأثر بالآداب الأوربية أوسع مما تتأثر بها مصر، وذهب فريق منها إلى أمريكا، وأنشأوا صحفًا ومجلات هناك، وهم جماعة أدباء المهاجر الأمريكي، الذين امتازوا بثورة واسعة على اللغة العربية وأصولها.
ونرى من ذلك أن مصر كان بها في أواخر القرن التاسع عشر أربع طوائف، وهي طائفة الأزهريين المحافظين، ثم طائفة المجددين المعتدلين اللذين يريدون أن يعبروا بالعربية، دون استخدام سجع وبديع، وطائفة المفرطين في التجديد الذين يدعون إلى استخدام اللغة العامية، ثم طائفة الشاميين، وكانت في صف الطائفة الثانية، وما تزال المعارك تشتد بين الطائفة الأولى، والطوائف الأخرى حتى تنتصر طائفة المجديدين المعتدلين، فيعدل المصريون في كتابتهم إلى التعبير بعبارة عربية صحيحة، لا تعتمد على زينة من سجع وبديع، وإنما تعتمد على المعاني، ودقتها على نحو ما نرى في ترجمات، فتحي زغلول، وكتب قاسم أمين.
وهكذا أتيح لمصر أن تخرج من هذه المعارك، التي أقامت فيها لأواخر القرن التاسع عشر حول صياغة النثر بظفر محقق، إذ اعتمدت على اللغة العربية الصحيحة الحرة الحالية من قيود السجع، والبديع واتخذتها للسانها في كتابتها. أما العامية، فسرعان ما خرجت من بيئة الأدب، والأدباء إلى بيئة الفكاهة وصحافتها الهزلية، فظلت تعيش فيها حتى عصرنا الحاضر، وأما كتابة السجع والبديع، فقد انحازت عن الكتابات الأدبية، وإن ظلت تظهر -من آن إلى آخر- على نحو ما نعرف في "حديث عيسى بن هشام"، ولكن الناس ينصرفون عنها تدريجًا، ليمكن أن يقال: إنه لا يوجد في عصرنا الحاضر من يتشيع لهذه الصياغة، أو يعني بها عناية لها قيمة في أعماله وآثاره، وربما كانت الصحف من أهم الأسباب، التي أعدت لموت البديع والسجع، فإن كتاب الصحف مضطرون اضطرارًا إلى أن يخاطبوا أوسع مجموعة، وهذا لا يستقيم لهم مع اللغة المقيدة؛ لأن الذي يفهمها قليلون، من أجل ذلك عمد أدباء الصحف إلى هجر هذه اللغة المنمقة، واعتبروها لغة بالية، بل قل: لغة ميتة، لا تصلح لحديث ولا لكتابة، إذ أريد بالكتابة أن يفهما الناس. نحن لا نبعد إذا قلنا: إن هذه الجماعة من أدبائنا المحدثين هي التي قضت نهائيا على السجع، وأزيائه من بديع وغير بديع، فتحت أيديها ثم هذا التحول نهائيا، وأصبح الناس لا يكادون يلتفتون إلى من يفزع إلى أساليب البديع والترصيع، إذ يعتبرونه منفصلًا عنهم، وقلما فكروا فيه أو شعروا به.