الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
7-
قابوس بن وشمكير وتصنعه:
هو، أمير من أمراء الأسرة الزيارية، التي كانت تحكم طبرستان وجرجان، وهما ولايتان تقعان في الجنوب والجنوب الشرقي لبحر طبرستان، أو كما يسمى الآن بحر الحزر، والزياريون ينحدرون من بيت عظيم من بيوت الفرس، إذ يقال: إنهم ينتسبون إلى ملك ساساني هو قباذ1، وقد ولي قابوس الحكم عام 367هـ2، ولقبه خليفة بغداد -على عادته في تلقيب حكام الولايات الفارسية ألقابًا مختلفة- بلقب شمس المعالي3، واستهدف في أوائل حكمه لغارات كثيرة، من بني بويه، وما زالوا به حتى فر من إمارته عام 371 هـ إلى السامانيين، حيث عاش مكرمًا حتى عام 388، وهو العام الذي توفي فيه فخر الدولة البويهي، وفيه استرد ملكه4، على أن جنده وقواده حاصروه في أواخر حياته، لما كان فيه من بطش شديد، واضطروه إلى التنازل عن ملكه لابنه منوجهر، يقول العتبي:"قد كان قابوس على ما خص به من المناقب، والرأي البصير بالعواقب، والمجد المنيف على النجم الثاقب، مر السياسة، لا تستساغ كأسه، ولا تؤمن بحال سطوته وبأسه، يقابل زلة القدم بإراقة الدم.. وما زالت هذه حاله حتى استوحشت النفوس منه، وتآمر أعيان العسكر على خلعه"5، فخلعوه، واضطر ابنه أن ينزل على إرادتهم، وأن يخلع أباه، بل لقد حبسه في إحدى القلاع بجرجان، واستمر بها حتى اغتيل عام 403هـ6.
وكان قابوس واسع المروءة، عالي النفس، بعيد الهمة، لا يحب الملق
1 Browne، Lit Hist.of persia، ll، pp. 91 103.
2 معجم الأدباء 16/ 220.
3 نفس المصدر 16/ 220.
4 نفس المصدر 16/ 227.
5 اليميني للعتبي من شرح المنيني 2/ 172.
6 نفس المصدر 2/ 175، ومعجم الأدباء 16/ 221.
ولا المداهنة، حتى قالوا: إنه كان يأبى أن يستمع إلى مدائح الشعراء له، مع عطفه عليهم، وبذله لهم الجوائز والمكافآت1، وقد زاره البيروني وقدم له كتابه "الآثار الباقية"، كما قدم له الثعالبي "كتابي المبهج" و"التمثل والمحاضرة".
ومعنى ذلك أنه كان يشجع الأدباء والعلماء، وكان أديبًا ممتازًا نال حظًا واسعًا من ثقافة عصره، وخاصة الفسلفة وعلم الفلك والنجوم2، يقول الثعالبي:
"جمع الله له إلى عزة الملك بسطه العلم"3، ويقول العتبي:"لم يسمع في شيوخ الملوك بأبرع منه في الآداب والحكم"4، وقد مدحه أحد الشعرء مستغلًا لقبه "شمس الدولة"، فقال5:
لله شمسان تذكير لخيرهما
…
وللمؤنثة النقصان ملتزم
أزرى بتلك سنًا من غير معرفة
…
فيها وزين هذا العلم والكرم
يا أيها الملك الميمون طائره
…
وخير من في الورى يمشي به القدم
لو كنت من قبل ترعانا وتكنفنا
…
لما تهدي إلينا الشيب والهرم
واشتهر قابوس ببيانه وفصاحته، يقول الثعالبي:"إني أتوج هذا الكتاب بلمع من ثمار بلاغته"6، ويقول العتبي:"إن رسائله موجودة في البلاد، عند الأفراد لكني أكتفي منها بلمعة من بوارق بيانه، وزهرة من حدائق إحسانه"7، وقد جمع اليزدادي في عصر قريب من عصر قابوس هذه الرسائل، وسماها كمال البلاغة، فاستخرج منها أربعة عشر نوعًا في طريقة التسجيع، واستخدام القرائن واللوازم المتصلة بالسجعات، وإن نظرة في هذا الكتاب تجعل القارش يحس مدى التعقيدات، التي كان يتخذها قابوس في حرفته، ولسنا ندري من أين جاءته هذه التعقيدات، إلا أن يكون للفراغ الذي
1 معجم الأدباء 16/ 229.
2 انظر بكتاب براون السابق 2/ 103.
3 اليتيمة 4/ 56.
4 اليميني مع شرح المنيني 2/ 17.
5 اليتيمة 4/ 47 واليميني 1/ 115.
6 اليتيمة 4/ 56.
7 اليميني 2/ 17.
أصابه، وهو معزول عن حكمة أثر في ذلك، وهو فراغ طال طولا شديدًا، نحو ثمانية عشر عامًا لم يكن له فيها أي عمل، فماذ يصنع؟ وكيف يمضي أوقات فراغه؟ هل يعمد إلى اللهو؟ كلا فإن العتبي يقول:"إنه فطم نفسه عن رضاع الملاهي"1، إذا فكيف يصنع بهذا الفراغ الهائل الذي امتد أيامًا، بل أسابيع وشهورًا، بل أعوامًا، بل ثمانية عشر عامًا؟ لقد اتجه إلى الأدب يقطع به هذا الفراغ، فهو يتخذه لهوه، أو قل: يتخذه لعبته، وقد تحولت عنده هذه اللعبة إلى ما يشبه لعبة الشطرنج، التي كانت شائعة في عصره.
فهو يمضي فيه الساعات الطوال، بل قل: الأشهر الطوال والسنين الطوال، يعبث به ويلعب بأسجاعه، ويحاول أن يصل في أثناء هذا العبث، واللعب إلى ما لم يصل إليه أي كاتب في عصره، أليس هو الأمير ابن الأمراء الذي كان آرباوه يجلسون على أسرة من ذهب2؟ إنه ليصنع -على طريقة كتاب عصره- فيحسن التصنيع، ولكنه يرى ذلك شيئًا عاديًا بالقياس إليه، وهو لا يعطيه ما يريده من تفوق عليهم، لذك نراه يجنح إلى فنون من التعقيد في أداء تصنيعه، وهي فنون تنتقل به، وبعمله إلى مذهب جديد هو مذهب التصنع، وهو مذهب جره إليه إغرامه بالإغراب في استخدام أدوات التصنيع، واستمع إليه يكتب إلى خاله الإصبهبذ، وهو أحد قائدين أيداه في العودة إلى ملكه، إلا أنه عاد فأخلد في أحد الحصول إلى جانب المجانبة3، فكتب إليه بهذه الرسالة4:
"الإنسان خلق ألوفًا، وطبع عطوفا، فما للإصبهبذ سيدي لا يحنى عوده، ولا يرجى عوده، ولا يخال لفيئته مخيلة، ولا يحال تنكره بحيلة، أمن صخر تدمر قلبه فليس يلينه العتاب، أم من الحديد جانبه، فلا يميله الإعتاب، أم من صفاقة دهر مجن نبوه، فقد نبا عنه غرب كل حجاج، أم من قساوته مزاج إبائه، فقد أبى على كل علاج، ما هذا الاختيار الذي يعد الوهم فهمًا،
1 اليميني 2/ 16.
2 معجم الأدباء 16/ 219.
3 اليميني 2/ 14.
4 انظر كمال البلاغة، وهو يتضمن رسائل شمس المعالي قابوس بن وشمكير "طبع
المطعبة السلفية" ص53.
وهذا التمييز الذي يحسب الخير شيرًا؟ وما هذا الرأي الذي يزين له قبح العقوق، ويمقت إليه رعاية الحقوق؟ وما هذا الإعراض الذي صار ضربة لازب، والنيسان الذي أنساه كل واجب؟ أين الطبع الذي هو للصدود صدود، وللتألف ألوف ودود؟ وأين الخلق الذي هو في وجه الدنيا البشاشة والبشر، وفي مبسمها الثنايا الغر؟ وأين الحياء الذي يجلي بمحاسنه الكرم، وتحلى بمحاسنه الشيم؟ كيف يزهد فيمن ملك عنان الدهر فهو طوع قياده، وتبع مراده، ينظر أمره ليمتثل، ويرقب نهيه فيعتزل. وكيف يعرض عمن تعرض رفاهة العيش بإعراضه، وتنقبض الأرزاق بانقباضه، ومن أضاء نجم الإقبال إذا أقبل، وأهل هلال الحد إذا تهلل؟ وكيف يزهى على من تحقر في عينه الدنيا، ويرى تحته السماء العليا، قد ركب عنق الفلك، واستوى على ذات الحبك، فتبرجت له البروج، وتكوكبت لعبادته الكواكب، واستجارت بعزته المجرة، وأثرت بمآثره أوضاح الثريا؟ بل كيف يهون من لو شاء عقد الهواء، وجستم الهباء، وفصل تراكيب السماء، وألف بين الناء والماء، وأكمد ضياء الشمس والقمر، وكفاهما عناء السير والسفر، وسد مناخر الرياح الزعازع، وطبق أجفان البروق اللوامع، وقطع ألسنة الرعود بسيف الوعيد، ونظم صوب الغمام نظم الفريد، ورفع عن الأرض سطورة الزلازل، وقضى بما يراه على القضاء النازل، وعرض الشيطان بمعرض الإنسان، وكحل الحور العين بصور الغيلان، وأنبت العشب على البحار، وألبس الليل ضوء النهار؟ ولم لا يعلم أن مهاجرة من هذه قدرته ضلال، ومباينة من هذه صفته خبال، وأن من له هذه المعجزات يشترى رضاه بالنفس والحياة، ومن أتى بهذه الآيات يبتغي هواه بالصوم والصلاة؟
…
وليس إلحاحي على سيدي مستعيدًا وصاله، ومستصلحًا خصاله، وعدى عليه هذه العجائب، ووثوبي لاستمالة من جانب إلى جانب؛ لأني كنت ممن يرغب في راغب عن وصلته، أو ينزع إلى نازع عن خلته، أو يؤثل حالًا عند من ينحت أثلته، أو يقبل بوجهه على من لا يجعله قبلته، فإنى لو عملت أن الأرض لا تسف تراب قدمي لجنبتها جنبي، وأن السماء لا تتوق إلى تقبيل
هامتي لقلبت عن ذكرها قلبي، لكني أكره أن يعرى نحره من قلائد الحمد، ويجتنب جبينه إكليل المجد.. ولا يعجبني أن يكسو ضوء مكارمه كلف الخمول، ويأذن لطوالع معاليه بالأفول، فإن فضل سيدي الحمود على الوقود، والعدم على الوجود، ونزل من شاهق إلى خفض، ومن حالق إلى أرض وهاجر بهجره، وأصر على صرمه، ومال إلى الملال، ولم يصل نار الوصال، حللت عنه معقود خنصري، وشغلت عن الشغل به خاطري، بل محوت ذكره عن صفحة فؤادي، واعتددت وده فيما سال به الوادي:
ففي الناس إن رثت حبالك واصل
…
وفي الأرض عن دار القلى متحول"
وأنت ترى شيات التصنع واضحة في هذه الرسالة، لا بما يعمد إليه قابوس من مبالغات وصور غريبة فحسب، بل بما يعمد إليه من استخدام الجناس استخدامًا معقدًا، وإنه لتقعيد يبدو في جميع جوانب الرسالة، وانظر إليه في مستهلها يجانس بين عوجه، وعوده، وهو جناس نراه في جميع رسائله، إذ يعمد إلى المغايرة في بعض الحركات، أو بعض الحروف، فاذا هو يقع على مثل هذا الجناس الذي يمكن أن نسميه جناس الخط، وقد يكون لجمال خطه أثر فيه، يقول العتبي:"أما خطه فسمه إن شئت وشيًا محبوكًا، أو تبرًا مسبوكًا، أو درًا مفصلًا، أو سحرًا محصلًا، وكان إسماعيل بن عباد "الصاحب"، إذا قرأ خطه يقول: هذا خط قابوس، أم جناح طاووس"1.
وأفرط في استخدام هذا الجناس الخطي، إذ تعود أن يعيد الكلمة، التي كتبها بشكل جميل مرة أخرى مع إعطائها حركة جديدة، أو مع تبديل بعض حروفها، فإذا هو يكثر من هذا الجناس في رسائله إكثارًا، واستمر في قراءة الرسالة، فسترى هذه السجعة، "ولا يخال لفيئته مخيلة، ولا يحال تنكره بحيلة". وواضح أنه جانس هنا جناسًا خطيًا بين يخال، ويحال كما جانس نفس الجناس بين مخيلة ومحيلة، وليس ذلك كل ما عني به، فقد عني بشيء.
1 اليميني مع شرح المنيني 2/ 26.
آخر لعله أكثر من ذلك تعقيدًا، وهو أنه جانس بين أول كلمة في السجعة الأولى، وآخرها أي بين يخال ومخيلة، وكذلك صنع بالسجعة الثانية إذ جانس بين يحال وبحيلة، وإن في ذلك ما يجعلنا نخس أن يصعب على نفسه الممرات، التي يسلكها إلى نهاية قرائنه وأسجاعه، فهو يبدأ عبارته بكلمة، ثم يطلب الطجناس بينها، وبين آخر كلمة فيها، وهو يتخذ ذلك مصرًا عليه، إذ نراه يعدل إليه مرارًا في هذه الرسالة، وفي رسائله الأخرى، وتأمل هذه السجعة الطويلة في الرسالة:"أم من صفاقة الدهر مجن نبوه، فقد نبا عنه غرب كل حجاج، أم من قساوته مزاج إبائه، فقد أبى على كل علاج"، فإنك تراه يسجع العبارتين تسجيعًا داخليًا، فإذا هما تنحلان إلى أربع سجعات لا إلى سجعتين كما يبدو في الظاهر، ولكن ليس هذا ما يلفتنا عند قابوس، إنما يلفتنا أنه أنهى السجعة الداخلية الأولى بكلمة اشتق منها أخرى في مطلع الجملة التالية لها، وكذلك صنع السجعة الداخلية الثانية، أرأيت إلى الممرات كيف تعقد، وتصعب بطرق شتى؟ واستمر في الرسالة فستراه يأتي بطريقة ثالثة؛ إذ يجانس ببين كلمة في داخل العبارة، وبين نهايتها كقوله:"أضاء نجم الإقبال إذا أقبل، وأهل هلال المجد إذا تهلل"، ولا تظن أن هذه طرفة بل هي عقدة، فقد أصبح الفن في رأي قابوس عقدًا خالصة، وهو لذلك يعقد عباراته هذا التعقيد، الذي يصعب فيه الممرات إليها على نحو ما مر أمثلة، وكما نرى في هذه العبارات بالرسالة نفسها "تبرجت له الروج، وتكوكبت لعبادته الكواكب، واستجارت بعزته المجرة، وأثرت بمآثره أوضاح الثريا"، وما من ريب في أن هذه الجناسات تحمل أوسع سمات للتصنع، إذ نراه يلزق الجناس بكلامه تلزيقًا، وإن الإنسان ليشعر، كأنما فقد الجناس بهجته القديمة من الزخزف والتصنيع، فقد تحول إلى صورة جديدة؛ لأنها لا تحوي حسنًا ولا جمالًا، وهل هناك حسن أو جمال في قوله:"كنت ممن يرغب في راغب عن وصلته، أو ينزع إلى نازع عن خلته"، أو قوله: "يؤثل حالا عند من ينحت أثلته،