الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني:
مصر
والمذاهب الفنية
1-
مصر:
تمتد مصر على ضفاف النيل من مشارف أسوان إلى تخوم بحر الروم، مطلة عليها من الغرب الصحراء الغربية، ومن الشرق الصحراء الشرقية، وقد استطاعت أن تنهض نهضة واسعة في العالم القديم، بل لقد استطاعت أن تلعب أقدم دور في تأسيس الحضارة الإنسانية، وهو دور لا تزال أهراماته وصروح آثاره ماثلة تحت أعيننا تعبر أروع تبعير عن مدى ما بلغته مصر من مدنية، وقد أخذت تنشر هذه المدنية في الأمم المجاورة، متخذة ضمها إلى ممتلكاتها سبيلها إلى ذلك، فضمت في أطوار مختلفة الشام، وأجزاء من بابل وآشور، وتمضي أحقاب متطاولة ولمصر المكانة الأولة بين الأمم القديمة، ثم يدور الزمن دورة، فيعزوها الرعاة الهكسوس، ولكن سرعان ما تعود إلى نفسها فتطردهم منها، وتخرج مرة أخرى إلى آسيا، فتستولي على بعض أجزائها، ولكن الزمن يدور دورة، بل دورات فإذا مصر يغير عليها الحيثيون ثم الأشوريون ثم الفرس، وتستمر تابعة لهم منذ عام 525 ق. م، حتى يخرجهم منها الإسكندر المقدوني عام 333 ق. م، وبذلك تنتقل إلى حكم الإغريق، ويختط بها الإسكندر مدينة الإسكندرية، كما يختط بها بطليموس أحد قواد الإسكندر، دولة كبيرة استطاعت أن تنهض بها نهضة واسعة، وهي دولة البطالسة التي أقامت في الإسكندرية دارًا كبيرة للكتب، كما أقامت دارًا أخرى سمتها دار المتحف، وكانت جامعة كبيرة أضاءت منها أنوار الثقافة اليونانية، وخاصة بعد أن استولى الرومان على أثينا، فإن كثيرًا من أساتذتها فروا، ومعهم ما تبقى من مصابيح تلك الثقافة إلى
الإسكدرية، وقد رجعت هذه المصابيح تضيء متوهجة بمصر طوال عصر البطالسة، وبعد البطالسة، فإن جامعة الإسكندرية، ظلت قائمة في عهد الرومان الذين استولوا على مصر منذ عام 31م، ونحن نعرف أن روما لم تحاول أن تبعث في مصر نهضة ثقافية، إذ كانت تتخذها مخازن لما يلزمها من قمح، وكم أثارت فيها من حروب، وسفكت من دماء وأزهقت من أرواح!
وتدور عجلة الزمن دورة، فإذا عمر بن العاص يأتي على جيش عربي كبير عام 640م، متخذًا طريقه تلك الدروب، والمسالك التي كانت تشق طور سيناء إلى مصر، ويتعقب الروم في غير موقع، ويستطيع -بما أوتي من قوة- أن يطردهم منها، وبذلك تدخل في مصر عصر جديد هو عصر الإسلام والعروبة؛ وهو عصر امتاز منذ أوائله بالعدل، وأن يكون الناس سواسية أمام حاكمهم، فلا يضطهد أحد في نفسه ولا في ماله ولا في دينه، وقد أخذ المصريون يدخلون في دين الله أفواجًا، وهاجر إليهم كثير من قبائل العرب، ونزلوا ريف مصر، فكان ذلك عاملًا من عوامل الاندماج بين المصريين والعرب، على أنه ينبغي أن لا يفهم من ذلك أن المصرين تقبلوا الحكم العربي، وخضعوا له خضوعًا، بل كانوا كثيرًا ما يثورون1، وخاصة من أجل الضرائب التي كانوا يؤدونها، ولولا أن موجة الإسلام كانت حادة ما استطاع العرب أن يستمروا بمصر، فإن المصريين نزعوا عن دينهم، أو قل نزعت كثرتهم عن دينها إلى الدين الجديد، وحتى من بقي منهم على دينه أخذ يهجر لغته القبطية، وما كان يعرف من اليونانية إلى اللغة العربية بحيث لا نصل إلى القرن الرابع، حتى نجد أسقف أشمون يشكو من انعدام اللسانين، القبطي واليوناني في قبط مصر2، وما من ريب في أن ذلك يؤكد اندفاع مصر اندفاعًا شديدًا نحو التعريب، واتخاذ العربية لسانًا لها، فقد نزعت عنها ثيابها اللغوية القديمة، واتخذت مكانها ثيابًا عربية جديدة.
1 Stanley، Lane -poole، AHistory of Egypt in Midle Ages، pp. 28، 23.
2 انظر كتاب سير البطاركة لساويرس "طبع بيروت" ص6، وهو مؤلف بعد عام 400 هـ بقليل.