الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الموت، فإنها عنيفة إلا بمن رحم الله، ويا رب متعبد لله بلسانه معاد له بفعله، ذلول في الانسياق إلا عذاب السعير في أمنية أضغاث1 أحلام يعبرها بالأماني والظنون، فاعرف نفسك".
وهذه القطعة بدورها ترينا مدى احتفال الوعاظ برسائلهم، وما كانوا يؤدون فيها من ضروب الجمال الفني، ويقول صاحب الفهرست: إن رسائله كانت في ألفي ورقة2. ولا نرتاب في أن هذه الرسائل، وما يماثلها من مواعظ الحسن البصري، وأضرابه هي التي استعار منها سالم، وتلميذه عبد الحميد أسلوبهما الكتابي في الرسائل السياسية، فإننا نجدهما يكتبان من نفس النمط ونفس النموذج، وهو النموذج الذي شاع طوال القرن الثاني بين الكتاب العباسيين، وعلى رأسهم الجاحظ، ونقف قليلا لنتحدث عن عبد الحميد الكاتب في إيجاز.
1 أضغاث: أخلاط.
2 الفهرست ص 171.
8-
عبد الحميد الكاتب، وخصائصه الفنية:
هو، عبد الحميد بن يحيى مولى العلاء بن وهب القرشي، ويقول من كتبوا عنه: إنه يرجع إلى أصول فارسية1، وإنه كان من أهل الأنبار وسكن الرقة2، وكان في أول أمره يتنقل في البلدان معلما في الكتاتيب3، ثم التحق بديوان الرسائل في دمشق لعهد هشام بن عبد الملك، حيث خرجه ختنه سالم مولى مولى هشام، ورئيس هذا الديوان4. واتصل بمروان بن محمد، وكتب له أيام كان
1 المسالك، والممالك للإصطخري "طبعة ليدن" ص 145.
2 وفيات الأعيان لابن خلكان "طبعة المطبعة الميمنية 12/ 307".
3 نفس المصدر 1/ 307، والفهرست 170.
4 وفيات الأعيان 1/ 307، والوزراء والكتاب ص62.
واليا، فلما صارت إليه الخلافة أقامه على ديوانه، فنهض بالعمل فيه خير نهوض.
ولما دارت الدوائر على مروان، وانتصرت عليه الجيوش العباسية بقيادة أبي مسلم الخراساني في موقعه الزاب ظل مخلصا له وفيا، ففر معه إلى مصر حيث قتلا في موقعه بوصير1، ويروي المسعودي أن مروان قال له حين أيقن بزوال ملكه: قد احتجت أن تصير مع عدوي وتظهر الغدر بي، فإن إعجابهم بأدبك وحاجتهم إلى كتابتك يدعوانهم إل حسن الظن بك، فإن استطعت أن تنفعني حياتي صنعت، وإلا لم تعجز عن حفظ حرمي بعد وفاتي، فقال له عبد الحميد: إن الذي أشرت به علي أنفع الأمرين بك وأقبحهما بي، وما عندي إلا الصبر، حتى يفتح الله أو أقتل معك، وأنشد:
أسر وفاء ثم أظهر غدرة
…
فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره2
وفي ابن خلكان رواية أخرى تزعم أن عبد الحميد اختفى بعد مقتل مروان في الجزيرة، فوقف عليه السفاح، وعذبه حتى مات3، ويروي الجهشياري أنه اختفى عند ابن المقفع ففاجأهما الطلب، وأخذ عبد الحميد4، والصحيح ما ذكرناه أولا من أنه قتل في بوصير مع مروان.
وعبد الحميد أبلغ كتاب الدواوين في العصر الأموي وأشهرهم، وقد ضربت ببلاغته الأمثال، فقيل: فتحت الرسائل بعبد الحميد، وختمت بابن العميد5، ويقول ابن النديم:"عنه أخذ المترسلون، ولطريقته لزموا، وهو الذي سهل سبيل البلاغة في الترسل"6، ويزعم المسعودي أنه أول من استخدم التحميدات
1 وفيات الأعيان 1/ 307.
2 مروج الذهب للمسعودي "طبعة دار الرجاء" 3/ 178، والوزراء والكتاب ص79، وعيون الأخبار 1/ 26.
3 وفيات الأعيان، وانظر الوزراء والكتاب ص79.
4 الوزراء والكتاب ص80.
5 اليتيمة للثعالبي "طبعة الصاوي" 3/ 137.
6 الفهرست ص170.
في فصول الكتب1، والحق أنه القمة التي وصلت إليها الكتابة الفنية في العصر الأموي، إذ كان زعيم البلغاء في عصره غير مدافع، وقد بقيت منثورات من رسائله تشهد بفصاحته ولسنه، ومقدرته على التعبير والبيان مع الفخامة والطلاوة، من ذلك رسالة وجهها إلى عمال مروان بن محمد بالأمصار يأمرهم بمحاربة لعبة الشطرنج، ورسالة ثانية يصف فيها رحلة صيد وقد تأثر فيها تأثرا شديدا بوصف شعراء الجاهلية للصيد وكلابه وجوارحه، ورسالة ثالثة تقدم بها إلى الكتاب2، ضمنها وصايا مختلفة لهم، وهي تدل على نمو طبقتهم وأنهم أصبحوا يؤلفون جماعة بارزة في حياة الدولة، ووظائفها وأعمالها المتنوعة. ونراه يستهلها بأن صناعتهم أشرف الصناعات، إذ بهم ينتظم الملك وبتدبيرهم وسياستهم يستقيم الحكم، وينصحهم أن يتحلوا بخلال الخير وخصال الفضل، ويخوض فيما ينبغي أن يتقنوه من صنوف المعرفة والثقافة، يقول:
"فنافسوا معشر الكتاب في صنوف العلم والأدب، وتفقهوا في الدين، وأبدءوا يعلم كتاب الله عز وجل والفرائض، ثم العربية فإنها ثقات ألسنتكم، وأجيدوا الخط فإنه حلية كتبكم، وارووا الأشعار واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم وأحاديثها، وسيرها، فإن ذلك معين على ما تسمون إليه بهممكم، ولا يضعفن نظركم في الحساب، فإنه قوام كتاب الخراج منكم".
وفي ذلك الدلالة البينة على أن الكاتب في عصر عبد الحميد، كأن لا يستطيع أن يحسن وظيفة الكتابة إلا إذا ألم بالثقافة الإسلامية، وثقافة العرب الأدبية من خطابة وغير خطابة، ومن أيام وغير أيام، وأخبار الأمم الأجنبية ومعارفها، ولا بد أن يعرف الحساب، وأن يروي الأشعار ويقف على غريبها ومعانيها، فيفيد منها كما أفاد عبد الحميد نفسه في رسالة الصيد إذ نثر فيها كثيرًا من معاني الشعر القديم، فالكتابة لم تعد عملا سهلا بسيطا، بل أصبحت عملا معقدا، لا بد فيه من إعداد ومن تثقف تام بالقرآن الكريم، وأوامر الشريعة وبالأدب العربي
1 مروج الذهب 3/ 178.
2 الوزراء والكتاب ص73، وما بعدها.
وكنوزه النثرية والشعرية والآداب الأجنبية، وليس هذا كل ما يلفتنا في الرسالة، فقد تحدث عبد الحميد طويلًا عما ينبغي أن يأخذ به الكاتب نفسه في سياسة الناس وتدبير شئونهم، كما تحدث عما يمكن أن نسميه آداب اللياقة بالقياس إلى الخلفاء، والرسالة في مجموعها تتصل مباشرة بما أثر من وصايا ملوك الفرس لكتابهم، مما رواه الجهشياري في مقدمة كتابه الوزراء والكتاب، ولذلك كنا نظن ظنا أن عبد الحميد يتأثر فيها بتلك الوصايا، ولعل هذا هو الذي جعل صاحب الصناعتين يزعم أنه "استخرج أمثلة الكتابة التي رسمها لمن بعده من اللسان الفارسي، فحولها إلى اللسان العربي"1، ونص الجاحظ في بيانه على أنه ترجم بعض كتب من الفارسية2، ولا بد أن تكون هذه الكتب متصلة بعمله من الكتابة الأدبية، وربما كان من أطراف ما نقرؤه في رسالته إلى الكتاب الآنفة الذكر أننا نراه يدعوهم إلى تأليف ما يشبه النقابة في عصرنا، فقد طلب إليهم أن يعطفوا على من ينبو به الزمان منهم، وأن يواسوه، حتى يرجع إليه حاله ويثوب أمره، والرسالة بذلك دستور واسع للكتاب يصور واجباتهم الخلقية والثقافية، وعلى هديها كتبت فيما بعد كتب أدب الكاتب، والكتاب لابن قتيبة والصولي وغيرهما.
وربما كانت أهم رسالة سياسية وصلتنا عنه رسالته التي بعث بها عن مروان بن محمد إلى ابنه، وولي عهده عبد الله حين وجهه لمحاربة الضحاك بن قيس الشيباني الخارجي، الذي ثار في العراق، وامتدت ثورته إلى الموصل عام 128 للهجرة، وهي رسالة كبيرة، وكأن عبد الحميد أراد بها أن يضع دستورًا لتنظيم قواد الدولة لجيوشهم من الوجهتين: المادية والحربية، والرسالة تقع في نحو أربعين صحيفة، فهي أطول رسالة أثرت عن عصر بني أمية، إذ امتد فيها نفس عبد الحميد إلى كثرة واسعة من الصحف، فصل فيها الحديث عن آداب القادة وتصريفهم للمسائل الحربية، وأطال في بيان ذلك، حتى غدت
1 الصناعتين لأبي هلال العسكري "طبعة الحلبي" ص 69.
2 البيان والتبيين 3/ 29.
الرسالة أشبه ما تكون بكتاب مستقل.
وهذا الطول المسرف في الرسالة جعل خصائص عبد الحميد في فنه الكتابي تبدو واضحة تمام الوضوح، إذ نرى الخاصة من خصائصه تنبسط تحت عين القارئ انبساطا واسعا، وقد قسمها ثلاثة أقسام كبيرة قسم يصور القائد، وما ينبغي أن يكون عليه من آداب في سلوكه مع نفسه، ثم مع حاشيته ورؤساء جيشه، وأثر الثقافة الفارسية، وما عرف عن آداب الفرس في الملك والسياسة بين في هذا القسم، أما القسم الثاني فخاص بسياسة القائد لجيشه، وما ينبغي أن يتخذ فيه من شرطة وقضاة ورجال مال، وأما القسم الثالث فقد تحدث فيه عن التنظم الداخلي للجيش، وكيفية إعداده في وحدات كل وحدة مائة، وهو نفس النظام الحربي الذي كان متبعا عند البيزنطيين، مما يجعل طه حسين يظن أن عبد الحميد يتأثر في هذا النظام برسائل الحرب عند اليونان، وذهب يلتمس صلة عبد الحميد بالثقافة اليونانية في تقسيم كلامه عند اليونان، وذهب يلتمس صلة عبد الحميد بالثقافة اليونانية في تقسيم كلامه إلى فصول بحيث يؤدي كل فصل فكرة تامة، وهي خاصة في رأيه من خصائص النثر اليوناني القديم، وأيضًا فإنه وجده يستخدم الحال استخدامًا مسرفًا، على شاكلة استخدام اليونان له، يقول:"وهو لا يقتصد في استعمال الحال، وإنما هو يعتمد عليها في تحديد فكرته وتوضيحها، وتقييدها وتجميل الكلام، وإظهار الموسيقى"1.
وأغلب الظن أن عبد الحميد في ذلك كله إنما كان يقلد أستاذه سالما في كتابته. فصلة سالم باليونانية مقررة، ومر بنا أنه كان يسرف في استخدام الحال كما تشهد بذلك إحدى رسائله، وقد أثرت عن ابنه عبد الله رسالة2 تسرف أيضا في استخدام الحال، وكأنها كانت لازمة من لوازم سالم، وتأثر به فيها تلميذان له، أحدهما من بيته وهو ابنه عبد الله وثانيهما من غير بيته، وهو عبد الحميد. أما مسألة تنظيم الجيوش إلى وحدات كل وحدة مائة، فلعل عبد الحميد عرفها كما عرفها معاصروه عن طريق ما كانت تتبعه الجيوش البيزنطية في عصره
1 من حديث الشعر، والنثر لطه حسين ص40، وما بعدها.
2 الكامل للمبرد ص793.
في عصره من تنظيم حربي، وكانت الحرب قائمة بينهم، وبين العرب لا يهدأ أوارها.
ونحن نقف في منزلة وسطى بين طه حسين، ومن كتبوا عن عبد الحميد من القدماء، فقد أجمعوا على أنه كان فارسيا، وأنه نقل عن الفرص بعض رسائل أدبية، وإذا فهو في نثره يتأثر الفرس تأثرا مباشرا لا شك فيه، أما تأثره باليونان فلعله جاءه عن طريق أستاذه سالم الذي كان يحذق اليونانية، وهي تظهر عنده في التزامه المنطق الدقيق في تقسيم كلامه إلى أجزاء متميزة وفقر متناسقة، لا يظهر فيها أي نبو، ولا يداخلها أدنى شيء من استطراد أو تشعث، وفي رأينا أن سالما هو الذي اتبع ذلك أولا في رسائله بحكم ثقافته اليونانية، ثم حاكاه تلميذه، كما حاكاه في لازمة الحال، وفي أسلوبه الموسيقي الذي يقوم على الازدواج والترادف الصوتي، وهو أسلوب سبق إليه الوعاظ من أمثال غيلان الدمشقي، والحسن البصري، ونقله عنهم سالم في كتاباته، وجاراه تلميذه عبد الحميد فيه، حتى أوفى به على غايته، فبهر معاصريه ومن خلفوهم، وانظر إليه يقول في مطلع هذه الرسالة السياسية الطويلة1:
"اعلم أن للحكمة مسالك تفضي مضايق أوائلها بمن أمها سالكا، وركب أخطارها قاصدًا، إلى سعة عاقبها، وأمن سرحها2، وشرف عزها، وأنها لا تعار بسخف الخفية ولا تنشأ بتفريط الغفلة.. واعلم أن احتواءك على ذلك وسبقك إليه بإخلاص تقوى الله في جميع أمورك موثرا بها، وإضمار طاعته منطويا عليها، وإعظام ما أنعم الله به عليك شاكرًا له، مرتبطا فيه بحسن الحياطة له، والذب عنه من أن تدخلك منه سآمة ملال، أو غفلة ضياع أو سنة تهاون، أو جهالة معرفة، فإن ذلك أحق ما بدئ به ونظر فيه معتمدا عليه بالقوة والآلة والعدة، والانفراد به من الأصحاب والحامة، فتمسك به لاجئا إليه، واعتمد عليه مؤثرا له، والتجئ إلى كنفه متحيزا إليه، فإنه أبلغ ما طلب به رضا الله، وأنجحه مسألة، وأجزله ثوابا، وأعوده نفعا، وأعمه صلاحا".
1 صبح الأعشى للقلقشندي 10/ 195، وما بعدها.
2 السرح: المال السائم.
وواضح أن عبد الحميد يعتمد على خاصة الترادف الموسيقي، فالفكرة تؤدي لا في عبارة واحدة، وإنما في عبارتين أو عبارات، حتى يكتسب الأسلوب ضربا من التوقع والتعادل الصوتي، فإذا العبارات تتلاحق متوازنة متعادلة تعادلا موسيقيا رائعًا، يرضي الآذان والشعور، وهو أثناء ذلك يعتمد على الحال اعتمادًا مسرفًا لا نعرفه عند الوعاظ، ولا عند من سبقوهم وعاصروهم من الخطباء، إنما نعرفه عند سالم وابنه عبد الله ثم عند صاحبنا، وكأنها أصبحت لازمة من لوازم تلك المدرسة.
ويوشي عبد الحميد أسلوبه بحلية التصوير، وما يدمج فيه من استعارات، وبحلية الطباق والمقابلة، بالضبط على نحو ما كان يصنع الحسن البصري، وغيلان الدمشقي وأضرابهما في رسائلهم ومواعظهم، ومن رسائله الطريفة التي تصور مهارته البيانية تصويرا دقيقا رسالته للشخصية إلى أهله، وهو منهزم مع مروان يعزيهم عن نفسه1:
"أما بعد فإن الله جعل الدنيا محفوظة بالكره والسرور، وجعل فيها أقسامًا مختلفة بين أهلها، فمن درت2 له بحلاوتها، وساعده الحظ فيها سكن إليها، ورضي بها، وأقام عليها، ومن قرصته بأظفارها، وعضته بأنيابها، وتوطأته بثقلها، قلاها3 نافرًا عنها، وذمها ساخطا عليها، وشكاها مستزيدا منها.
وقد كانت الدنيا أذاقتنا من حلاوتها، وأرضعتنا من درها أفاويق4 استحليناها ثم شمست5 منا نافرة، وأعرضت عنا متنكرة، ورمحتنا6 مولية، فملح عذبها، وأمر حلوها، وخشن لينها، ففرقتنا عن الأوطان، وقطعتنا عن الإخوان. فدارنا نازحة، وطيرنا بارحة7، قد أخذت كل ما أعطت، وتباعدت مثلما تقربت، وأعقبت بالراحة نصبا8، وبالجدل9 هما، وبالأمن خوفا،
1 الوزراء والكتاب للجهشياري ص72.
2 درت: من الدر، وهو اللبن.
3 قلاها: أبغضها.
4 أفاويق: ما يتجمع في الضرع من اللبن الذي يحلب.
5 شمست: من شمس الفرس إذا منع ظهره.
6 رمحتنا: من رمحه الفرس إذا رفسه.
7 الطير البارحة: التي تمر من اليمن إلى اليسار، وكان العرب يتشاءمون بها.
8 نصبا: تعبا.
9 الجذل: السرور.
وبالعز ذلا، وبالجيدة1 حاجة، والسراء ضراء، وبالحياة موتا، لا ترحم من استرحمها، سالكة بنا سبيل من لا أوبه له، منفيين عن الأولياء، مقطوعين عن الأحياء".
وخصائص عبد الحميد جميعه واضحة في هذه الرسالة القصيرة: ففيها لازمة الحال، وفيها جودة التقسيم ودقة المنطق، وفيها الطباق ومقابلاته، والصور وألوانها وخاصة لون الاستعارة، وفيها الازدواج والترادف الموسيقي الذي يتيح لعباراته فنونا مختلفة من الإيقاعات، والموازنات الصوتية، وبذلك كنت تقرؤه، فيلذ عقلك لدقة معانيه، ويلذ شعورك لجمال تصويره، وجمال موسيقاه.
ونحن لا نقول كما قال السابقون: إن الرسائل بدئت بعبد الحميد، فقد بدأت منذ فاتحة العصر الإسلامي، وقام عليها بلغاء كثيرون أتاحوا لها النماء وضروبا من الازدهار، ومن ثم كنا نرفض أوليته في الرسائل ديوانية وغير ديوانية، ولكنا بعد ذلك نثبت له أنه كان القمة التي وصلت إليها نهضة الكتابة في العصر الأموي، لما صارت إليه عنده من هذا اليسر، وتلك المرونة في أداء المعاني اليتكان يجتلبها من الأدب الفارسي، والتي كان يعبر عنها تعبيرا منطقيا دقيقا، لا استطراد فيه، ولا حشو ولا نبو بأي وجه من الوجوه، وأيضًا لما أتاح لها من هذا الأسلوب التصويري الموسيقي، فإذا الكتابة عند تروق العين، والأذن كما تروق العقل والقلب، ومن غير شك هيأت ذلك كله عنده بيئات الوعاظ، كما هيأ له أستاذه سالم، ولكن ذلك لا يضيره، فحسبه أنه كان يملك لغته ويصرفها في أداء معانيه كما يشاء، كما كان يملك أسلوبه وينظمه تنظيما تصويريا وموسيقيا بديعا، مما جعله ينفذ بصنعة الرسائل إلى كل ما كان يريده أصحابها من تنويع في معانيها على أساس من المنطق الدقيق، وجمال في أساليبها على أساس من التصوير الطريف، والإيقاع الصوتي الأنيق.
1 الجدة: الميسرة.