الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذا النحو نحس دائمًا بضروب من التصنع تتسرب إلى صناعة الخوارزمي، وهي صناعة كانت تقوم على التصنيع، ولكنها أخذت تظهر فيها بعض شيات التصنيع وسماته، مما يدل على أننا وصلنا من التصنيع إلى هذه المنطقة، التي يختلط فيها المذهب بمقدمات مذهب آخر، وهي مقدمات ما تزال تتسع، حتى ينفذ منها الأدباء إلى إحداث المذهب الجديد، ونحن لا نصل إلى أواخر القرن الرابع حتى نجد الرغبات تتكامل للخروج، ومن مذهب التصنيع القديم إلى مذهب جديد من التصنع، وهو مذهب كان يقوم على التعقيد في الأسلوب، والأداء، وما من ريب في أن الخوارزمي عن شيء من هذه الرغبات مع أن فنه عامة يندمج في مذهب التصنيع.
4-
بديع الزمان وتصنيعه:
هو، أبو الفضل أحمد بن الحسين، ويعرف باسم بديع الزمان، أصل من همذان وإليها ينسب، وقد تركه عام 380هـ، وعمره نحو اثنتين وعشرين سنة، ويظهر أنه لم يكن معجبًا بها، فقد جاء في إحدى رسائله لأستاذه أحمد بن فارس اللغوي المعروف، الذي "أخذ عنه جميع ما عنده، واستنفذ علمه"1، قوله2:
لا تلمني على ركاكة عقلي
…
إن تيقنت أنني همذاني
وقد روى له ابن خلكان -مع شيء من الشك- بيتين يذم فيهما همذان، وأهلها ذمًا قبيحًا على هذا النحو3:
همذان لي بلد أقول بفضله
…
لكنه من أقبح البلدان
صبيانه في القبح مثل شيوخه
…
وشيوخه في العقل كالصبيان
1 اليتيمة 4/ 241.
2 رسائل بديع الزمان "طبع بيروت سة 1921" ص419.
3 وفيات الأعيان 1/ 39.
وقد يكون في هذا الشعر -إذا صحت نسبته إليه- ما يعلل لمفارقته بلده في مقتبل حياته، وقد تركها إلى حضرة الصاحب بن عباد زعيم أدباء عصره حينئذ، فتزود من ثماره وحسن آثاره1، ونراه يترك الصاحب إلى جرجان إذ "أقام بها مدة على مداخلة الإسماعيلية، والتعيش في أكنافهم، والاقتباس من أنوارهم، ثم قصد نيسابور فوافاها في سنة 382هـ، ونشر بها بزه، وأظهر طرزه، وأملى أربعمائة مقامة! نحلها أبا الفتح الإسكندري في الكدية وغيرها"2.
على أنه لا يستمر طويلًا في نيسابور، إذ نراه يرحل عنه متجولًا في خراسان، وسجستان وغزنة وما حواليه، ويقول الثعالبي: أنه "لم يبق من بلدة في ذه الأنحاء إلا دخلها، وجنى وجبى ثمارته، واستفاد خيرها وميرتها، ولا ملك ولا أمير لا وزير، ولا رئيس إلا استمطر بنوئه، وسرى في ضوئه، ففاز برغائب العم، وحصل على غرائب القسم، وألقى عصاه بهراة، واتخذها دار قراره، ومجمع أسبابه، واقتنى ضياعًا فاخرة، وعاش عيشة راضية، وحين بلغ أشده، وأربى على الاربعين ناداه الله فلباه، وفارق دنياه سة 398 هـ"3.
واشتهر بديع الزمان بحافظة قوية قوة شديدة، يقول صاحب اليتيمة:"إنه كان صاحب عجائب، وبدائع وغرائب، فمنها أنه كان ينشد القصيدة التي لم يسمعها قط وهي أكثر من خمسين بيتًا، فيحفظها كلها، ويؤديه من أولها إلى آخرها، لا يخرم حرفًا، ولا يخل بمعنى، وينظر في الأربعة والخمسة أوراق من كتاب لم يعرفه، ولم يره نظرة واحدة خفيفة، ثم يهذها عن ظهر قلبه هذا، ويسردها سردًا"4، وكما اشتهر بديع الزمان بحافظته اشتهر بسعة ارتجاله"5، وكان يعرف الفارسية، ويترجم بعض أشعارها إلى العربية، ويقال: إن الصاحب بن عباد اختبر مهارته في هذا الجانب6، ويقول صاحب اليتيمة:
1 اليتيمة 4/ 241.
2 اليتيمة 4/ 241.
3 اليتيمة 4/ 242.
4 اليتيمة 4/ 240.
5 اليتيمة 4/ 240.
6 Browne، Lit Hist ofpersia. vol ll، p. 112.
إنه "كان يترجم ما يقترح عليه من الأبيات الفارسية المشتملة على المعاني الغربية بالأبيان العربية، فيجمع فيها بين الإبداع، والإسراع"1.
وليس هناك كاتب في القرن الرابع نال من التمجيد، والثناء ما ناله بديع الزمان، وحتى اسمه لا يعرفه الناس، وإنما يعرفونه بلقبه الذي أطلقه عليه معاصروه، وإنه ليفصح عن مدى إعجابهم به، يقول الثعالبي:"هو معجزة همذان، ونادرة الفلك، وبكر عطارد، وفرد الدهر، وغرة العصر، ومن لم يبلق نظيره في ذكاء القريحة، وسرعة الخاطر، وشرف الطبع، وصفاء الذهن، وقوة النفس، ومن لم يدرك قرينه في طرف النثر وملحه وغرره، ولم ير ولم يرو أن أحدًا بلغ مبلغه من لب الأدب وسره، وجاء مثل إعجازه، وسحره"2، ويقول الحصري وقد ذكر اسمه "البديع":"هذا اسم وافق مسماه، ولفظ طابق معناه، كلامه غض المكاسر، أنيق الجواهر، يكاد الهواء يسرقه لطفًا، والهوى يعشقه ظرفا"3، وكان الحصري يتعصب له على الخوارزمي، وبلغ من تعصبه أنه لم يرو للخوارزمي شيئًا في كتابه، بينما أكثر من روايته عن البديع، إذ كان يعجب به، وبمقدرته على التجويد، والتحبير إعجابًا شديدًا، وقد ترك بيدع الزمان مجموعة كبيرة من الرسائل نيف على مائتين وثلاثين، وأكثرها في علاقاته الشخصية، وبعضها في مسائل أدبية، وقد تحدث في الرسائل رقم 167 عن انتشار التشيع، ومن يتصفح هذه الرسائل يحس فيها أثر الاحتفال والجهد الشديد، واستمع إليه في هذه الرسالة القصيرة4:
"يعز علي -أطال الله بقاء الرئيس- أن ينوب في خدمته قلمي عن قدمي، ويسعد برؤيته رسولي، دون وصولي، ويرد مشرعة الأنس به كتابي، قبل ركابي، ولكن ما الحيلة والعوائق جمة:
وعلي أن اسعى وليـ
…
ـس علي إدراك النجاح
1 اليتيمة 4/ 241.
2 اليتيمة 4/ 240.
3 زهر الآداب للحصري 1/ 307.
4 رسائل بديع الزمان ص 103.
وقد حضرت داره، وقبلت جداره، وما بي حب الجدران، ولكن شغفًا بالقطان، ولا عشق الحيطان، ولكن شوقًا إلى السكان".
وأكبر الظن أنه استقرت في نفسك الآن صورة من تصنيع البديع، فهو يعتند في تصنيعه على السجع القصير، وإنه ليبعد في ذلك، فإذا سجعاته لا تتألف من عبارات، وإنما تتألف من ألفاظ وكلمات، فـ"قلمي" تتبعها "عن قدمي" و"رسولي" يليها "دون وصولي"، و"كتابي" تجيء في إثرها "قبل ركابي"، وما من شك في أنه بلغ من ذلك مبلغًا لم يصل إليه ابن العميد، ولا من تبعوه في مذهب التصنيع، وهو ضيف إلى ذلك كل ما يمكنه من ترصيع بالبديع، وكان يعتمد -في أغلب الأمر- على الجناس، بينما كان يعتمد الخوارزمي في الأكثر على الطباق، وهما يشتركان بعد ذلك في العناية بالتصوير، على أن البديع كان يهتم بلون لم يأبه له الخوارزمي، وهو "مراعاة النظير" بين ألفاظه وكلماته، وكان يبالغ في ذلك حتى يضم اللفق إلى لفقه، والشكل إلى شكله، كقوله في تهنئة بمولود:"حبذا الأصل وفرعه، وبورك الغيث وصوبه، وأينع الروض ونوره، وحبذا سماء أطلعت فرقدًا، وغالبة أبرزت أسدًا"1، فإنه حين ذكر الأصل، وفرغه استطرد إلى ذكر الغيث وصوبه، والروض ونوره أو زهره، والسماء وفرقدها، والغابة وأسدها، ومن ذلك قوله في إحدى رسائله:
"وردت من ذلك السلطان حضرته، التي هي كعبة المحتاج لا كعبة الحجاج، ومشعر الكرام، لا مشعر الحرام، ومنى الضيف، لا منى الخيف وقبلة الصلات، لا قبلة الصلاة"2، فإنه حين ذكر الكعبة، والحجاج ذكر المشعر الحرام، ومنى الخيف وقبلة الصلاة، وكل ذلك ليجانس، ويناظر بين ألفاظه وكلماته. على أن هناك ظاهرة تختص بها رسائل بديع الزمان، ولا توجد في رسائل الخوارزمي، وهي ظاهرة القصص، وهي أوسع من أن نمثل لها بأمثلة؛ لأنها تنتشر في جميع رسائله، ومهما يكن فقد كان بديع الزمان معجبًا بمذهب التصنيع، وكان يسعى دائمًا إلى تطبيقه في رسائله، وكتاباته وإنه ليغالي في هذا التطبيق، فإذا هو يحاول أن يقصر عبارات سجعه تقصيرًا شديدًا، كما يحاول أن يفرط في استخدام ألوان البديع إفراطًا بعيدًا.
1 رسائل بديع الزمان ص515.
2 رسائل بديع الزمان ص151.