الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمة الطبعة الأولى:
اتخذت في هذا الكتاب السيرة التي اتخذتها في كتاب "الفن ومذاهبه في الشعر العربي"، فقد درست هناك الشعر في عصوره المختلفة دراسة أتاحت لي أن أضع للفن فيه -أو بعبارة أخرى لصناعته- ثلاثة مذاهب، وهي: الصنعة والتصنيع والتصنع، ومذهب الصنعة هو المذهب الذي نجده في أقدم نماذج الشعر العربي، إذا كان أصحابه يخضعون لطائفة من الرسوم، والتقاليد في صنعه، وهي تقاليد ورسوم تجعل الإنسان يشعر بأن أدبنا العربي منذ أقدم العصور أدب تقليدي، إذ تتضح فيه عناصر التقليد اتضاحا تاما، غير أن هذه العناصر لا تطغى على عناصر التحول والتطور فيه، ومن أجل ذلك كنا لا نمضي في درس الشعر العربي بعد خروجه من البادية إلى المدن المتحضرة، حتى نرى مذهبًا جديدًا يخرج في صناعته، هو مذهب التصنع الذي كان يقوم على طرائف الزخرف المختلفة من بديع وغير بديع، ونتغلغل في العصر العباسي، فإذا الحضارة العربية تتعقد تعقدا شديدا، وهو تعقد لم يلبث بأن انتقل إلى الصناعة والفن في الشعر، فأهل لخروج مذهب جديد هو مذهب التصنع الذي كان يقوم على تصعيب طرق الأداء، وقد جمد الفن في الشعر العربي عند هذه المذاهب الثلاثة، ولم يتجاوزها إلى مذهب جديد.
وهذه المذاهب التي فسرت بها الفن في الشعر العربي، ومراحله المتتابعة هي نفسها التي فسرت -على ضوئها- الفن في النثر العربي ومراحله بالمتعاقبة، فقد بدأت صناعة النثر في العصر الجاهلي بصورة فنية لا تأنق فيها، ولا تعقيد تبعا لحياة العرب البسيطة التي لم تكن تعتمد على تصعيب في الأداء، ولا على تنميق. وفزعت في وصف صورة النثر حينئذ إلى نصوص الشعر الجاهلي؛ لأنها أكثر صحة مما يضاف إلى هذا العصر من خطابة، وسجع كهان، ووجدت
في هذه النصوص ما يصور تصويرا تاما طبيعة النثر الجاهلي، وما كان يوفر له أصحابه من تحبير وتجويد.
ويدور الزمن دورة، وإذا الإسلام يفتح صفحة مشرقة في تاريخ العرب، فقد أخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن دائرة الشعوب القبلية إلى دوائر الأمم المتحضرة. وقد رأيت النثر يستمر في أثناء العصر الإسلامي في الصورة التي رسمها العصر الجاهلي من حيث نسجه وصوغه، وإن اختلفت موضوعاته، وتشعبت معانيه، فقد اتسعت الخطابة اتساعا شديدا، وأخذ يظهر بجانبها نوع جديد من النثر، لم يكن للعرب عهد به، وهو الكتابة الفنية، أو ما يسميه بعض الباحثين باسم النثر الفني. واستوعبت -في دقة- نشأة هذا النوع، وأثبت أنه لم ينشأ بفضل العناصر التي تحدرت من أصول أجنبية، وإنما نشأ بفضل العرب أنفسهم، وفي ظل نظمهم السياسية الجديدة. وليس معنى ذلك أني أنكرت تأثير العناصر الأجنبية في هذا النوع، بل لقد أخذت تشارك فيه مع مرور الزمن، ولكنها مشاركة اتصلت بنموه وتطوره لا بوجوده ونشأته. وما زال هذا النوع يتطور في العصر الإسلامي حتى وصل إلى عبد الحميد الكاتب، فأعطاه صورته النهائية، وهي صورة اندمجت في صورة المذهب القديم: مذهب الصنعة والصانعين. وقد ذهبت إلى أن عبد الحميد كان يتصل بالثقافة الفارسية مباشرة، أما الثقافة اليونانية فاتصل بها عن طريق أستاذه سالم الذي كان يعرفها معرفة وثيقة.
ويدور الزمن دورة أخرى، فإذا بنا نصل إلى العصر العباسي، ونلتقي بابن المقفع وسهل بن هارون والجاحظ، وأضربهم ممن كانوا يعنون بالكتابات الطويلة، أو بعبارة أخرى بالرسائل والكتب الأدبية، وقد حافظت هذه الجماعة على إطار النثر الذي تسلمته من عبد الحميد الكاتب، فلم تخرج به إلى مذهب جديد، بل عاشت في إطار مذهب الصنعة القديم، على الرغم من البون الشاسع بين ثقافتها، وثقافة أصحاب المذهب في العصور السابقة. وقد أوضحت منزلة ابن المقفع، وما استطاع أن ينهض به من الملاءمة بين العربية، وما نقل إليها
من كنوز الآداب الأجنبية، إذ استطاع أن يحتفظ لها بخصائصها وبأسلوبها الجزل الرصين. أما الجاحظ فعنيت ببيان فنه عناية واسعة، ودرست له "رسالة التربيع والتدوير" دراسة مفصلة، وذهبت في تعليل تكراره المسرف إلى أنه كان يملي كثيرا من كتبه، إذ أملى البيان والتبيين والحيوان والبخلاء، ورسالة التربيع والتدوير نفسها، ومن أجل ذلك اتسمت كتاباته -غالبًا- بمياسم كتب الإملاء والمحاضرة من حيث التكرار والاستطراد، وما يتصل بذلك أحيانا من خلل في البناء.
ولما تركت هذه الجماعة من أصحاب الكتابات الطويلة في العصر العباسي إلى أصحاب الكتابات الرسمية القصيرة، أو بعبارة أخرى أصحاب الدواوين والكتابة الديوانية، وجدت هذه الجماعة الثانية تسعى إلى إحداث مذهب جديد، هو مذهب التصنيع، وهو مذهب كان يعبر تعبيرا دقيقا عن الحضارة العباسية، وما يطوي فيها من تأنق وتنميق. وما زالت مقدمات هذا المذهب تتراءى -من حين إلى حين- في الدواوين العباسية حتى إذا كان مطلع القرن الرابع للهجرة، وجدت السجع يعم في دواوين المقتدر. وما لبث ابن العميد وزير البويهيين أن وصل بهذا السجع إلى ما كان ينتظر له من ترصيع بطرائف البديع المعروفة من جناس وطباق وتصوير. وعللت لاكتمال المذهب عند ابن العميد بأنه كان يتقن فن التصوير، وعلم الحيل "الميكانيكا"، فذهب يحتال في نماذجه حيلا أدته إلى أن يوفر لها كل ما يستطيع من زخارف السجع والبديع. ووقفت بعد ذلك عند أنصار هذا المذهب من مثل الصاحب بن عباد، وأبي إسحاق الصابي والخوارزمي، وبديع الزمان، ولاحظت أن بذورا مكتنة لمذهب ثالث أخذت تظهر عند الأخيرين، وقد بدت في شكل أتم وأوضح عند قابوس بن وشمكير، وما هي إلا أن يدور الزمن دورة، فإذا هذا المذهب تتم له صورته عند أبي العلاء، ونقصد مذهب التصنع الذي كان يقوم على تصعيب رق الأداء، وتعقيدها ضروبا من التعقيد، وإن الإنسان ليشعر كأن التعقيد أصبح غاية في نفسه، ولنفسه! واستطردت من أبي العلاء إلى الحريري في آثاره والحصكفي في نماذجه،
وفسرت ما نهضا به من تعقيد في أدوات فنهما ووسائله.
ويدور الزمن بعد ذلك في العصور الوسطى درة بل ما شاء من دورات، فلا يظهر مذهب جديد في صناعة النثر العربي وصياغته، بل يجمد الأدباء عند صورة المذهب الأخير، يمكثون في إطارها حائرين حتى العصر الحديث. وهذه هي المذاهب، أو المراحل التي مر بها الفن في النثر العربي، فقد بدأ بمرحلة الصنعة، ثم انتقل إلى مرحلة التصنيع، وما لبث أن انتهى إلى مرحلة التصنع، وتحجر في هذه المرحلة، فلم يستطع منها إفلاتا ولا خلاصا. وقد ذهبت أدرس هذا النثر في الأندلس ومصر، فتعقبت في الأقليمين نشأته، وتطوره، ومناهج، وأشهر أساتذته وأعلامه، وانهيت من هذا التعقب إلى أن الأندلس ومصر جميعا لم يستحدثا مذهبا يمكن أن نضمه إلى جملة المذاهب التي ظهرت في المشرق. وإن الباحث ليشعر كأنما كانت أصول المذاهب المشرقية، في صناعة الأدبي العربي: شعره ونثره أثبت وأصلب في تاريخ هذا الأدب من أن يصيبها أي إقليم من الأقاليم العربية بضرب واسع من ضروب التحريف والتغيير، وليس معنى ذلك أن مصر والأندلس لم تعبرا عن شخصيتها أي تعبير في أدبهما، بل لقد عبرتا ولكن في طاقة محدودة، وداخل المذاهب المشرقية الموضوعة. وسقت بعد ذلك خاتمة عرضت فيها بإيجاز لنهضة النثر المصري الحديث.
وهذه الدراسة المتشعبة النثر العربي، وما مر به من أحداث في عصوره، وأقاليمه المختلفة جعلتني أرجع إلى كل ما استطعت من كتب الأدب والتاريخ والجغرافيا عند العرب، وكذلك رجعت إلى طائفة من كتب المستشرقين. وينبغي أن أشير هنا إلى صعوبة هذا البحث، وكثرة ما صادفني فيه من مشاكل، كما ينبغي أن أشير إلى أنه كانت غايتي الأساسية -منذ الخطوات الأولى فيه- أن أضع أمام القارئ الصور الدقيقة للنثر العربي في مختلف أطواره ومراحله، وهي صور حاولت أن أحتفظ لها بخصائصها، فلم أعتمد على حكاية إحساسي، وشعوري إزاء نماذجها؛ وأيضا فإنني لم أعتمد في مسألة على الفروض والأوهام، وإنما.
اعتمدت على النصوص الحسية نفسها، وكل ما أرجوه أن أكون قد عرفت -بعض التعريف- بالنثر العربي في مختلف مناهجه ومذاهبه، وهو تعريف قصدت به في هذا الكتاب- كما قصدت في كتاب "الفن ومذاهبه في الشعر العربي" -أن أحبب قراءة أدبنا إلى شباب العصر الحديث الذين يؤمنون بفكرة المذاهب، والمناهج وتطبيقها في الدراسات المختلفة، والله ولي التوفيق والتيسير.
شوقي ضيف.
القاهرة في 1 من أبريل سنة 1946م.