الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
•
.
ذكر جلَّ وعلا في هذه الكريمة: أن الظالمين وهم الكفار قالوا للذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8)} يعنون: أنه أثر فيه السحر فاختلط عقله فالتبس عليه أمره، قال مجاهد: مسحورًا، أي: مخدوعًا، كقوله: فأنى تسحرون؛ أي: من أين تخدعون، وقال بعضهم: مسحورًا؛ أي: له سحر، أي: رئة فهو لا يستغني عن الطعام والشراب، فهو بشر مثلكم، وليس بملك. وقد قدمنا كلام أهل العلم في قوله:(مسحورًا) بشواهده العربية في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} .
ولما ذكر الله هذا الذي قاله الكفار في نبيه صلى الله عليه وسلم، من الإفك والبهتان خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله:{انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (48)} وما قاله الكفار في هذه الآية أعني قولهم: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (47)} وما قاله الله لنبيه في ذلك، وهو قوله:{انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ} الآية. جاء كله مصرحًا به في سورة بني إسرائيل في قوله تعالى: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (47) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (48)} .
قال الزمخشري: ضربوا لك الأمثال؛ قالوا فيك تلك الأقوال، واقترحوا لك تلك الصفات والأحوال النادرة، من نبوة مشتركة بين إنسان وملك، وإلقاء كنز عليك من السماء، وغير ذلك، فبقوا
متحيرين ضلالًا لا يجدون قولًا يستقرون عليه، أو فضلوا عن الحق فلا يجدون طريقًا إليه. اهـ.
والأظهر عندي في معنى الآية ما قاله غير واحد من أن معنى: ضربوا لك الأمثال: أنهم تارة يقولون: إنك ساحر، وتارة مسحور، وتارة مجنون، وتارة شاعر، وتارة كاهن، وتارة كذاب. ومن ذلك ما ذكر الله عنهم من قوله هنا:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ} الآية، وقوله:{وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} وقوله: {وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8)} .
وقوله تعالى: {فُضِّلُوا} أي: عن طريق الحق، لأن الأقوال التي قالوها، والأمثال التي ضربوها كلها كذب وافتراء، وكفر مخلد في نار جهنم، فالذين قالوها هم أضل الضالين.
وقوله تعالى: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} فيه أقوال كثيرة متقاربة.
وأظهرها أن معنى: فلا يستطيعون سبيلًا، أي: طريقًا إلى الحق والصواب. ونفي الاستطاعة المذكور هنا، كقوله تعالى:{مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} وقوله تعالى: {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (101)} وقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20)} وقد قدمنا أيضًا معنى الظلم والضلال وما فيهما من الإِطلاقات في اللغة مع الشواهد العربية في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.