الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق خالد بن دريك، عن رجل من الصحابة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يقل عليّ ما لم أقل، أو ادعى إلى غير والديه، أو انتمى إلى غير مواليه، فليتبوأ بين عيني جنهم مقعدًا قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهل لها من عينين؟ قال: نعم، أما سمعتم الله يقول: إذا رأتهم من مكان بعيد" إلى آخر كلامه. وفيه شدة هول النار، وأنها تزفر زفرة يخاف منها جميع الخلائق.
نرجو الله جلَّ وعلا أن يعيذنا وإخواننا المسلمين منها، ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل.
•
.
ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن أهل النار إذا ألقوا، أي: طرحوا في مكان ضيق من النار، في حال كونهم مقرنين، دعوا هنالك، أي: في ذلك المكان الضيق ثبورًا، فيقال لهم: لا تدعوا ثبورًا واحدًا، وادعوا ثبورًا كثيرًا، فقوله: مكانًا منصوب على الظرف، كما قال أبو حيان في البحر المحيط.
وما ذكره هنا من أنهم يلقون في مكان ضيق من النار، جاء مذكورًا أيضًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى:{إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ} وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (20)} ومعنى مؤصدة في الموضعين بهمز، وبغير همز: مطبقة أبوابها، مغلقة عليهم كما أوضحناه بشواهده العربية في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى:
{وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} ومن كان في مكان مطبق مغلق عليه، فهو في مكان ضيق. والعياذ باللَّه. وقد ذكر أن الواحد منهم يجعل في محله من النار بشدة كما يدق الوتد في الحائط. وعن ابن مسعود: أن جهنم تضيق على الكافر كتضييق الزج على الرمح. والزج بالضم: الحديدة التي في أسفل الرمح.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: مقرنين، أي: في الأصفاد بدليل قوله تعالى في سورة إبراهيم: {وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49)} والأصفاد القيود. والأظهر أن معنى مقرنين: أن الكفار يقرن بعضهم إلى بعض في الأصفاد والسلاسل. وقال بعض أهل العلم: كل كافو يقرن هو وشيطانه، وقد قال تعالى:{حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38)} .
وهذا أظهر من قول من قال: مقرنين مكتفين، ومن قول من قال: مقرنين، أي: قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال. والثبور: الهلاك والويل والخسران.
وقال ابن كثير: والأظهر أن الثبور يجمع الخسار والهلاك والويل والدمار. كما قال موسى لفرعون: {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (102)} أي: هالكًا، قال عبد الله بن الزبعري السهمي:
إذ أجاري الشيطان في سنن الغـ
…
ـيِّ ومن مال ميله مثبور. اهـ
وقال الجوهري في صحاحه: والثبور الهلاك والخسران أيضًا، قال الكميت:
ورأت قضاعة في الأيا
…
من رأي مثبور وثابر
أي: مخسور وخاسر، يعني في انتسابها لليمن. اهـ منه.
وقوله تعالى: {دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13)} ، معنى دعائهم الثبور هو قولهم: واثبوراه. يعنون: يا ويل، ويا هلاك تعال، فهذا حينك وزمانك.
وقال الزمخشري: ومعنى وادعوا ثبورًا كثيرًا أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدًا، إنما هو ثبور كثير، إما لأن العذاب أنواع وألوان، كل نوع منها ثبور، لشدته وفظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها، فلا غاية لهلاكهم. اهـ.
تنبيه
اعلم أنه تعالى في هذه الآية الكريمة قال: {مَكَانًا ضَيِّقًا} وكذلك في الأنعام في قوله تعالى: {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا} وقال في هود: {وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} فما وجه التعبير في سورة هود، بقوله: ضائق على وزن فاعل، وفي الفرقان والأنعام بقوله: ضيقًا على وزن فيعل مع أنه في المواضع الثلاثة هو الوصف من ضاق يضيق، فهو ضيق.
والجواب عن هذا هو أنه تقرر في فن الصرف أن جميع أوزان الصفة المشبهة باسم الفاعل إن قصد بها الحدوث والتجدد جاءت على وزن فاعل مطلقًا، كما أشار له ابن مالك في لاميته بقول:
وفاعل صالح للكل إن قصد الـ
…
ـحدوث نحو غدا ذا جاذل جذلا
وإن لم يقصد به الحدوث والتجدد بقي على أصله.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله تعالى في سورة هود: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} أريد به أنه يحدث له ضيق الصدر، ويتجدد له بسبب عنادهم وتعنتهم في قولهم: {لَوْلَا أُنْزِلَ
عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ} ولما كان كذلك، قيل فيه: ضائق بصيغة اسم الفاعل. أما قوله: ضيقًا في الفرقان والأنعام فلم يُرد به حدوث، ولذلك بقي على أصله.
ومن أمثلة إتيان الفيعل على فاعل إن قصد به الحدوث قوله تعالى: {وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} وقول قيس بن الخطيم الأنصاري:
أبلغ خداشا أنني ميت
…
كل امرئ ذي حسب مائت
فلما أراد حدوث الموت قال: مائت بوزن فاعل، وأصله ميت على وزن فيعل.
ومن أمثلته في فَعِل بفتح فكسر قول أبي عمرو أشجع بن عمرو السلمي يرثي قتيبة بن مسلم:
فما أنا من رزء وإن جل جازع
…
ولا بسرور بعد موتك فارح
فلما نفى أن يحدث له في المستقبل فرح ولا جزع قال: جازع وفارخ، والأصل: جزع وفرح.
ومثاله في فعيل قول لبيد:
حسبت التقى والجود خير تجارة
…
رباحًا إذا ما المرء أصبح ثاقلا
فلما أراد حدوث الثقل قال: ثاقلًا، والأصل ثقيل، وقول السمهري العكلي:
بمنزلة أما اللئيم فسامن
…
بها وكرام الناس باد شحوبها
فلما أراد حدوث السمن قال: "فسامن"، والأصل: سمين.
واعلم أن قراءة ابن كثير ضيقًا بسكون الياء في الموضعين