الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
49 - باب الاستغاثة والتعجب الشبيه بها
الاستغاثة دعاء المستنصر المستنصر به، والمستعين المستعان به.
(إن استغيث المنادى أو تعجب منه جر باللام مفتوحة بما يجر في غير النداء) - قال المصنف: المعروف في اللغة: استغثت زيداً، قال تعالى:(إذ تستغيثون ربكم)، (فاستغاثه الذي من شيعته)، فالداعي مستغيث، والمدعو مستغاث، والنحويون يقولون: استغاث به فهو مستغاث به، وكلام العرب بخلافه. انتهى.
وممن ذكره بالباء سيبويه في كتابه، وجاء من كلام العرب كذلك؛ قال:
504 -
حتى استغاثت بأهل الملح ما طعمت
…
في منزل طعم نوم غير تأويب
وقال:
505 -
حتى استغاثت بماء لا رشاء له
…
من الأباطح في حافاته البرك
وجميع ما ينادى يصح كونه مستغاثاً ومتعجباً منه؛ ويمتنع هناك كونه بال، إلا فيما ذكر؛ ولا يمتنع هنا لفصل الاسم من حرف النداء باللام؛ ومثال المستغاث: يالله؛ ومثال المتعجب منه: ياللماء! .. وياللعجب! . ويا للدواهي! .
وإنما سيق المتعجب منه هذا المساق، لأن الاستغاثة لطلب النصر أو العون؛ ورؤية الأمر العظيم المتعجب منه يقتضي بالعادة طلب الشخص من يرى ذلك، فكأنه استغاث عند رؤية ذلك العظيم بما هو من جنسه ليحضر، فقال: يا للماء! . ويا للدواهي! .
وإنما جيء باللام، لأن ذلك أعون على مد الصوت، وهو معين على المقصود بالاستغاثة، وفتحت لأن المنادى واقع موقع المضمر، مع قصد التفرقة بين المستغاث والمستغاث به؛ ثم قيل: زائدة، لأن أدعو يتعدى بنفسه، واختاره ابن خروف؛ وقيل: متعلقة بيا، وهو لابن جني: وقيل: بالفعل المقدر تعدياً، وهو مذهب سيبويه، واختاره ابن عصفور وابن الضايع. وإنما قوي العامل باللام، مع تقدمه، وهو فعل، لالتزام إضماره.
وقوله: بما يجر في غير النداء، يعني لفظاً أو تقديراً، فتقول: يا لزيد ويا لأحمد ويا للزيدين ويا للزيدين ويا للفتى ويا للقاضي ويا لصاحبي ويا لرقاش ويا لهذا.
(وتكسر اللام مع المعطوف غير المعاد معه يا) - نحو: يا لزيد ولعمرو؛ قال:
506 -
يبكيك ناء بعيد الدار مغترب
…
يا للكهول وللشبان للعجب
وكسرت على أصلها، ولا لبس لعطفه على المستغاث، فإن أعيدت يا فتحت، نحو:
507 -
فيا لسعد ويا للناس كلهم
…
ويا لغائبهم ويا لمن شهدا
وليس ذكر هذه اللام بلازم في المعطوف، بل يجوز: يا لزيد وعمرو، ومنه:
508 -
يا لعاطفنا ويا لرياح
…
وأبي الحشرج الفتى النفاح
(ومع المستغاث من أجله) - نحو:
مكرر 506 - يا للكهول وللشبان للعجب
ونحو:
509 -
يا لقومي لفرقة الأحباب
وهي متعلقة بفعل محذوف غير الذي تعلقت به لام المستغاث، أي أدعوك لزيد، وقطع به ابن عصفور؛ وقطع ابن الضايع بتعلقها بفعل النداء؛ ولا يضر اتفاق اللفظين لاختلاف المعنيين؛ وقال ابن الباذش: تتعلق بمحذوف في موضع الحال، والأصل: يا لعمرو مدعواً لزيد.
(وقد يجر بمن) - نحو:
510 -
يا للرجال ذوي الألباب من نفر
…
لا يبرح السفه المردي لهم دينا
(ويستغنى عنه إن علم سبب الاستغاثة) - كقول عدي بن زيد:
511 -
وهل بالموت يا للناس عار؟
وقال ابن العلج: وقد يجرونه مجرى النداء فيأمرون نحو:
512 -
يا لبكر أنشروا لي كليباً
…
يا لبكر أين أين الفرار؟
(وقد يحذف المستغاث، فيلي يا المستغاث من أجله) - ولامه على حالها من الكسر، نحو:
513 -
يا لأناس أبوا إلا مثابرة
…
على التوغل في بغي وعدوان
أي يا لقومي لأناس؛ ولام المستغاث ولام المستغاث له إذا دخلتا على الياء كسرتا، أو على مضمر غيره فتحتا؛ وأجاز ابن جني في قوله:
514 -
فيا شوق ما أبقى! . ويا لي من النوى
…
ويا دمع ما أجرى! . ويا قلب ما أصبى! .
كون يا لي مستغاثاً، كأنه استغاث بنفسه من النوى، كونه مستغاثاً له، فيكون استغاث لنفسه، وحذف المستغاث؛ وعيَّن ابن عصفور الثاني، لئلا يرجع الكلام إلى: أدعو لي، وهو ممتنع في غير بابه، وهذا بناء منه على مذهب سيبويه في متعلق اللام، ولا يرد ذلك على القولين الآخرين.
(وإن ولي يا اسم لا ينادى إلا مجازاً، جاز فتح اللام، باعتبار استغاثته، وكسرها باعتبار الاستغاثة من أجله، وكون المستغاث محذوفاً) - وعلى ذلك جاء عن العرب الوجهان في: يا للعجب، ويا للماء، ويا للدواهي؛ ففتح اللام على جعله بمنزلة المستغاث، والمعنى: تعال فقد جاء وقتك، وإنما يفعل ذلك عند الاستعظام؛ وكسرها على حذف المستغاث، والمقصود أنك دعوته لذلك الشيء.
(وربما كان المستغاث مستغاثاً من أجله تقريعاً وتهديداً) - نحو: يا لزيد لزيدٍ! . أي أدعوك لنفسك؛ وجعل منه قول مهلهل:
يا لبكر أنشروا لي كليباً
…
البيت.
(وليست لام الاستغاثة بعض آل، خلافاً للكوفيين) - وقال ابن عصفور: إن الفراء حكى هذا المذهب عن بعض الناس، ووجه بالوقف على اللام، نحو:
515 -
فخير نحن عند البأس منكم
…
إذا الداعي المثوِّب قال: يا لا
فأصل يا لزيد على هذا: يا آل زيد، فحذفت الفاء والعين وبقيت اللام، ونظيره قولهم: مُ الله في: أيمن الله؛ ورد هذا القول بكسرها في: يا لزيد ولعمرو، ورد أيضاً بقولهم: يا لك، فلا يكون أصله: يا آلك؛ وإن قلنا: تضاف آل إلى المضمر، إذ لا يجوز: يا غلامك إلا في الندبة؛ على أن السيرافي منعه في الندبة أيضاً، وفيه بحث؛ وأما يا لا فيحتمل أن الأصل: يا قوم لا فرار، فتكون لا نافية؛ ويحتمل كونها لام الجر لحقتها ألف الإطلاق، واكتفى بها من المجرور، كالاكتفاء بالفاء في قولهم: بلى فا، أي فافعل.
(وتعاقبها ألف كألف الندبة) - فيدخل في المستغاث والمتعجب منه بدل اللام ألف في آخر الكلمة، ومنه:
516 -
حتى يقول الناس مما رأوا
…
يا عجبا للميت الناشر!
وإذا وقفت ألحقت هاء السكت، لا إذا وصلت، فتقول: يا عجباه! . وكلام سيبويه عن الخليل أن اللام هي الأصل، ولا يجمع بين اللام والألف، فلا يقال! يا لعجبا! . ولهذا قال: وتعاقبها؛ وهذا كقولهم: جحاجحة وجحاجيج، فجعلوا الهاء بدلاً من الياء، ولا يجتمعان؛ والجحاجحة والجحاجيح جمع الجحاجح، وهذا جمع الجحجاح وهو السيد.
(وربما استغنى عنها في التعجب) - وكذا في الاستغاثة، فتقول فيهما: يا لزيد، ويا للعجب! . ويا زيداً، ويا عجبا، إن وصلت، وتزيد الهاء إن وقفت؛ ويا زيد، ويا عجب، كصورة النداء، ومنه:
517 -
يا ريها اليوم على مبير
يريد ناقته؛ تعجب من كثرة ريها على هذا الماء.
(فرع): لا تجيء مع المستغاث والمتعجب منه إلا يا خاصة، وقل مجيء وا، ومنه قول عمر لعمرو بن العاص: واعجبا لك يابن العاص.