الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
54 - باب التحذير والإغراء وما ألحق بهما
ثبت هذا الباب في بعض النسخ التي عليها خط المصنف، ولم يشرحه المصنف فيما شرحه، بل ذكر بعد شرح باب الاختصاص، شرح باب أبنية الفعل. والمراد بالملحق ما يذكره في الفصل بعد.
(ينصب تحذراً) - وفي بعض النسخ: تحذيراً.
(إياي وإيانا، معطوفاً عليه المحذور) - قال في البسيط: يقول أحدهما للآخر: إياك؛ فيقول: إياي، أي إياي أحفظ. انتهى. فليس العطف شرطاً؛ وقالوا: إياي والشر، أي إياي باعد من الشر، والشر باعد مني؛ وقال بعضهم: إياي أباعد، وقالوا: إياي وأن يحذف أحدكم الأرنب؛ فقال السيرافي: هو جملة واحدة، أي باعدوني وحذف أحدكم الأرنب؛ وقال الزجاج: جملتان، أي إياي وحذف الأرنب، وإياكم وحذف أحدكم الأرنب؛ إذ لا يباعد الإنسان فعل غيره، بخلاف: إياي والشر، فهو
جملة واحدة؛ ويجوز تقدير العامل قبل إياي لحذفه، فإن ذكر اتصل الضمير نحو: باعدني من الشر، والشر مني؛ وعلى تقدير: أباعد، لا يجوز الاتصال فليذكر مؤخراً.
(وتحذيراً إياك وأخواته) - وهي إياك وإياكما وإياكم وإياكن؛ والشائع في التحذير أن يراد به المخاطب.
(ونفسك وشبهه من المضاف إلى المخاطب) - نحو: رأسك والحائط، عينك والنظر لما لا يحل لك، فمك والحرام، رجلك والحجر.
(معطوفاً عليهن المحذور) - كما مثل؛ والكلام جملة واحدة، فإذا قلت: إياك والشر، فالتقدير: إياك باعد من الشر، والشر منك؛ وهذا قول السيرافي وجماعة؛ وقال ابن طاهر وتلميذه ابن خروف: هو جملتان، والتقدير: إياك باعد من الشر، واحذر الشر؛ وقال ابن عصفور مرة: الصحيح الأول، للزوم إضمار العامل في هذا، ولو كان كما زعم الثاني لكان باتفاق من النحويين من قبيل الجائز إظهاره، لكنه لا يجوز، وإنما وجب الإضمار، لتنزل إياك منزلته، وتحمله ضمير الفعل؛ ولا يبعد مجيء هذا الخلاف في: نفسك والشر ونحوه.
(بإضمار ما يليق من: نح أو اتق وشبههما) - كباعد واحفظ؛ وهو متأخر عن إياك، ولا يقدر متقدماً؛ والضمير متصل، فلما حذف انفصل؛ إذ يلزم كون الأصل: باعدك، مثلاً؛ وهو ممتنع في غير بابه؛ وهذا بخلاف إياي عند تقدير الأمر كما سبق؛ وبخلاف: نفسك والشر ونحوه؛ إذ يقدر مقدماً ومؤخراً.
(ولا يكون المحذور ظاهراً ولا ضمير غائب، إلا وهو معطوف) - فالظاهر نحو: إياك والشر، ونفسك والشر، وماز رأسك والسيف، وهو ترخيم مازني
بعد ترخيمه، وسماه مازناً، لأنه من بني مازن؛ فأما: أعور عينك الحجر، فعلى الحذف، أي والحجر، والضمير نحو:
548 -
فلا تصحب أخا الجهل، وإياك وإياه
أي إياك باعد منه، وإياه باعد منك، أو باعده.
(وشذ: إياه وإيا الشواب، من وجهين) - قال سيبويه: حدثني من لا أتهم عن الخليل، أنه سمع أعرابياً يقول: إذا بلغ الرجل الستين، فإياه وإيا الشواب. انتهى. فشذوا فيه من جهة استعمال ضمير الغيبة بلا عطف، ومن جهة إضافة إيا لظاهر؛ والتقدير: فإياه ليباعد من النساء الشواب، وليباعدهن عنه.
(ولا يلزم الإضمار إلا مع إيا) - فناصبها فعل واجب الإضمار حيث وقعت في هذا الباب، لقيامها مقامه، وقد سبق بيان تقديره.
(أو مكرر) - نحو: الأسدَ الأسدَ؛ وفي البسيط أنه قيل بجواز إظهار العامل فيه، وكذا قال الجزولي إنه يقبح ولا يمتنع، قال: ومنعه قوم؛ وقال سيبويه: إذا قلت: الطريق الطريقَ، لم يحسن إظهار الفعل فيه؛ لأن أحد الاسمين قام مقامه؛ فإن أفردت الطريق حسن الإظهار.
(أو معطوف ومعطوف عليه) - نحو: نفسك والشر، ومنه:(ناقة الله وسقياها).
(ولا يحذف العاطف بعد إيا، إلا والمحذور منصوب بإضمار ناصب آخر) - نحو: إياك الشر؛ فليس الشر منصوباً بإياك، بل بعامل آخر؛ قال سيبويه: زعموا أن ابن أبي إسحاق أجاز في الشعر:
549 -
فإياك إياك المراء فإنه
…
إلى الشر دعاء وللشر جالب
كأنه قال: إياك، ثم أضمر بعد إياك فعلاً، فقال: اتق المراء؛ قال ابن عصفور: ولا يلزم إضمار الفعل في هذا، فلو كان في الكلام لجاز إظهار الفعل؛ وقال أبو البقاء: المختار عندي تقدير فعل يتعدى إلى اثنين، فتقدير: إياك الشر: جنب نفسك الشر، وإياك في موضع نفسك.
(أو مجرور بمن) - نحو: إياك من الشر.
(وتقديرها مع أن تفعل كاف) - نحو: إياك أن تفعل، أي من أن تفعل؛ فقدرت من مع أن، لما عرف من قياسها وفي موضعها ذلك الخلاف؛ وفي البسيط: تقول: رأسك من الجدار، وعنه؛ ومن الجدار مفعول الفعل المحذوف، أي وقِّ رأسك من الجدار؛ أو مفعول من أجله، أي من أجل الجدار، أي من ضرره؛ وتقدير عن: نح رأسك عن الجدار؛ وقال سيبويه في: إياك أن تفعل: إن أردت: إياك والفعل لم يجز، أو إياك أعظ، مخافة أن تفعل، أو من أجل أن تفعل، جاز. انتهى. وحمل على تفسير المعنى، بجعل الكلام خبراً.
(وحكم الضمير في هذا الباب، مؤكداً ومعطوفاً عليه، حكمه في غيره) - ففي قولك: إياك والشر، ضميران: منصوب وهو إياك، ومرفوع وهو المستتر
في إياك، لقيامه مقام الفعل؛ فتأكيد كل منهما والعطف عليه، على الحال المقرر في غير هذا الباب، فتقول: إياك نفسك أن تفعل، بالنصب، أو إياك نفسك والشر، وإن شئت قلت: إياك أنت؛ هذا إن أكدت إياك؛ وتقول: إياك أنت نفسك أن تفعل، بالرفع، أو إياك أنت نفسك والشر؛ بلزوم أنت لتأكيد الضمير المتصل.
وتقول: إياك وزيداً والأسد؛ وإن شئت أتيت بأنت نحو: إياك أنت وزيداً والأسد؛ وتقول: إياك أنت وزيد أن تفعلا؛ ويقبح: إياك وزيد؛ وقال جرير:
550 -
فإياك أنت وعبد المسيح أن تقربا قبلة المسجد
قال سيبويه: أنشدناه- يعني يونس- منصوباً. انتهى. وروي مرفوعاً، عطفاً على الضمير المستكن في: إياك.
(وينصب المغرى به ظاهراً) - فلا يكون المضمر مغرى به.
(مفرداً) - أي غير مكرر ولا معطوف عليه، نحو: العهد؛ لمن يتوهم منه نكثه؛ أي الزم العهد.
(أو مكرراً) - نحو: الخَلَّةَ الخلَّةَ.
(أو معطوفاً عليه) - نحو: الأهل والولد.
(بإضمار الزم أو شبهه) - نحو: احفظ.
(ولا يمتنع الإظهار، دون عطف ولا تكرار) - فتقول: الزم العهد؛ وهذا كما سبق في: إياك المراء، ولا يجوز مع العطف والتكرار، كما سبق في ذاك.
(وربما رفع المكرر) - أنشد الفراء:
551 -
إن قوماً منهم عمير وأشبا
…
هـ عمير ومنهم السفاح
لجديرون بالوفاء إذا قا
…
ل أخو النجدة: السلاحُ السلاحُ
وقال في المعاني: نصب (ناقة الله وسقياها) على التحذير، وكل تحذير نصب، ولو رفع على إضمار: هذه ناقة الله وسقياها لجاز، لأن العرب رفعت ما فيه معنى التحذير؛ وأنشد البيتين؛ وأطلق على الإغراء تحذيراً؛ لأن من أمر بلزوم شيء حذر من تركه.
(ولا يعطف في هذا الباب إلا بالواو) - أي في التحذير والإغراء؛ لمقارنة المعطوف، وهو المحذر منه، في الزمان من غير مهلة؛ والمعطوف هنا يشبه التأكيد اللفظي، لأنه المحذر منه؛ والمعنى: ابعد عن الشر، والشر عنك؛ والتأكيد اللفظي إذا اختلف اللفظ لا يعطف إلا بالواو، نحو:
552 -
وهند أتى من دونها النأي والبعد
(وكون ما يليها مفعولاً معه جائز) - لأن الواو جاء معه، وهي للمقاربة في الزمان، فجاز نصب ما يليها على أنه مفعول معه.
(فصل): (ألحق بالتحذير والإغراء، وفي التزام إضمار الناصب مثل وشبهه، نحو: كليهما وتمراً) - ويستعمل هذا لمن خير بين شيئين، فطلبهما جميعاً؛ وأصله أن إنساناً خير بين شيئين، فطلبهما وطلب معهما تمراً.
(وامرأ ونفسه) - والمعنى على ترك الاعتراض.
(والكلاب على البقر) - قيل: المعنى: خل بين الناس جميعاً، خيرهم وشريرهم، واغتنم أنت طريق السلامة فاسلكها؛ وقيل: المعنى: إذا أمكنتك الفرصة فاغتنمها.
(وأحشفاً وسوء كيلة؟ ) - قال الهروي: هذا مثل لمن يظلم الناس من وجهين، والكيلة كالجلسة.
(ومن أنت زيداً) - يذكر هذا لمن قال: أنا زيد، فينكر عليه ذلك للعلم بأنه ليس إياه، أو ذكر صفات لنفسه هي لزيد، أو يقول: جاءني زيد، أو يسأل عنه، وليس من هذا القبيل. وفي قولهم: من أنت؟ تحقير للمخاطب وتقليل له؛ ويقال لمن لم يذكر زيداً، بل قال مثلاً: أنا عمرو، وقصدت الإنكار عليه في ذلك: من أنت زيداً؟ على المثل، كقولك للرجل: الصيف ضيعت اللبن، بكسر التاء، ولو اشتهر شخص بفعل جاز في اسمه ما جاز في زيد، فلك عند ذكره ممن ينكر عليه أن تقول: من أنت زيداً؟ ومن أنت عمراً؟ إن كان اسم المشهور عمراً مثلاً؛ وقد أشار سيبويه إلى هذا بقوله: من أنت فلاناً؟
(وكل شيء ولا هذا) - تقوله لمن ارتكب أمراً تراه دون كل شيء، والمقصود التحذير عن ذلك الشيء.
(ولا شتيمة حر) - أي كل شيء ولا شتيمة حر؛ جعل شتيمة الحر أخس ما يؤتى وأقبحه.
(وهذا ولا زعماتك) - ومعناه أن المخاطب كان يزعم زعمات، ثم ظهر خلاف زعمه، فقيل له ذلك.
(وإن تأتني فأهل الليل وأهل النهار) - ومعناه المبرة واللطف بالمخاطب.
(ومرحباً وأهلاً وسهلاً) - وهذا يقع خبراً لمن قصدك، ودعاء للمسافر، أي لقَّاك الله ذلك.
(وعذيرك) - قال عمرو بن معدي كرب:
553 -
أريد حياته ويريد قتلي
…
عذيرك من خليلك من مراد
يقال: عذيرك من فلان، أي هلم، من يعذرك منه؟ أي تلومه ولا يلومك؛ وقدر سيبويه عذيراً تقدير عذر، فقيل: هو اسم وضع موضع المصدر، نحو: عائذاً بالله، أي عياذاً؛ أو مصدر كالنكير والنذير؛ وقيل: مذهب سيبويه أنه مصدر كنذير؛ وقال المفضل: هو بمعنى عاذر.
(وديار الأحباب) - التزموا إضمار العامل في ذكر ديار الأحباب، لكثرة ذكر الشعراء ذلك، ووصف الأطلال والآثار، ومثله ذلك الأيام والمعاهد والدمن، لاستعمالهم ذلك كثيراً؛ ومنه قول ذي الرمة:
554 -
ديار مية إذ مي تساعفنا
…
ولا يرى مثلها عجم ولا عرب
(بإضمار: أعطني) - أي أعطني كليهما، وتمراً، يحتمل العطف على كليهما، ويحتمل النصب بعامل آخر، أي وزدني تمراً، ويحتمل النصب على المعية.
(ودع) - أي دع امرأ ونفسه، ويحتمل نصب نفسه على العطف، أي دع امرأ ودع نفسه، وكذا قدره سيبويه، ويحتمل نصبه على المعية.
(وأرسل) - أي أرسل الكلاب على البقر؛ ويروى برفع الكلاب على الابتداء.
(وأتبيع؟ ) - أي أتبيع حشفاً، وسوء كيلة، بتقدير: وتكيل سوء كيلة؛ وقيل: تقديره: أتعطي حشفاً وتسيء الكيل؟ وهو تفسير معنى.
(وتذكر) - أي من أنت تذكر زيداً؟ وتذكر في موضع الحال، والعامل فيها ما في أنت من الإنكار، والمعنى: من أنت حتى تذكر زيداً؟
(واصنع، ولا ترتكب) - أي اصنع كل شيء، وقولهم: ولا هذا، بتقدير: ولا ترتكب هذا، وكذا: ولا شتيمة حر، بتقدير: ولا ترتكب شتيمة حر.
(ولا أتوهم) - أي ولا أتوهم زعماتك، هكذا قدره قوم منهم المصنف، فزعماتك مفعول به، وقدره آخرون: ولا أزعم زعماتك، فنصب على أنه مصدر مشبه به، أي ولا أزعم زعمات مثل زعماتك، وأما هذا فمبتدأ حذف خبره، أي هذا الحق، ويقال أيضاً: أقول كذا ولا زعماتك، ونحو ذلك.
(وتجد) - أي إن تأتني فتجد أهل الليل والنهار، أي فتجد من يقوم لك مقام أهلك في الليل والنهار، وحذف الفعل لجريانه مجرى المثل في كثرة الاستعمال.
(وأصبت، وأتيت، ووطئت) - أي أصبت مرحباً، وأتيت أهلاً، ووطئت سهلاً، هكذا قدر المصنف أنها جمل ثلاث، وأعمل في كل واحد منها ما يليق به، وجعلها غيره جملة واحدة فقدر: صادفت كذا وكذا وكذا، وهذا
التقدير ظاهر في الخبرية؛ وقدر سيبويه مرحباً برحبت بلادك، وأهلاً بأهلت، على أنه دعاء كسقياً، فهما عنده مصدران حينئذ.
ومن قال إن مرحباً عند سيبويه مفعول، وعند غيره مصدر بدل من اللفظ بالفعل فقدوهم؛ والمعنى على الخبر: صادفت مرحباً، أي رحباً وسعة، وأهلاً أي ومن يقوم لك مقام الأهل، وسهلاً أي ليناً لا حزناً، ولا يمتنع هذا على إرادة الدعاء؛ والحاصل على الخبرية أنك أتيت سعة وأتيت أهلاً ومكاناً سهلاً، فاستأنس ولا تستوحش؛ وعلى الدعاء ما سبق عند ذكر الألفاظ.
والرحب بالضم السعة، والرحب بالفتح الواسع، وقد رحب يرحب رحباً ورحابة؛ والأهل أهل الرجل وأهل الدار، وكذلك الأهلة، وأهل الرجل يأهل أهولاً تزوج، وكذلك تأهل، وأهلت بالرجل أنست به، والسهل نقيض الجبل، وأرض سهلة، والنسبة إليه: سهلي بالضم على غير قياس.
(وأحضر) - أي أحضر عذيرك، وسبق تفسير معناه، ونحو ما سبق قول بعض الكوفيين: العذير النصير، يقال: عذيرك من فلان، أي هلم نصيرك؛ قال الخدب: العذير الحال، والعذير المعذرة، يقال: عذيرك من فلان، أي هلم معذرتك منه.
(واذكر) - أي مع الديار، فديار مية ونحوه منصوب باذكر، وبعضهم يقدره: ذكرت، ويدل على الفعل ما يساق من وصف الديار والأطلال.
(ويتصل بهذه) - وفي بعض النسخ: ويتصل بها، أي المنصوبات في هذا الفصل.
(في الجملة) - يعني أنه يقع ذلك في كلامهم، وليس المقصود أن كل شيء سبق ذكره، يتصل به شيء مما ذكره، ففيه ما ليس كذلك، نحو: من أنت زيداً، ونحو: عذيرك، وغيرهما.
(ما يستلزم عامله عامل ما قبله) - نحو: أحشفاً وسوء كيلة؟ فالبيع يستلزم في هذا المبيع الكيل، فاتصل سوء كيلة بقوله: أحشفاً، وعامل حشفاً وهو تبيع مستلزم لعامل سوء كيلة وهو تكيل.
(أو يتضمن معناه وضعاً) - نحو: كل شيء ولا هذا، وكل شيء ولا شتيمة حر؛ فالتقدير كما سبق: اصنع كل شيء، ولا ترتكب هذا؛ نحو: من أنت هذا، ونحو: عذيرك، وغيرهما؛ وما ذكره بعد هذا شرح على وجه لم يظهر لي موافقته لكلامه ذلك الظهور في أكثره، وقد وقع لي فيه شيء ستراه، فإن كان مطابقاً فالحمد لله؛ أو ولا ترتكب شتيمة حر، فعامل كل شيء يتضمن معنى عامل هذا أو وشتيمة حر بمقتضى الوضع، لاشتراكهما في المعنى من حيث الوضع؛ لكن الأول مأمور به، فهو من حيث القصد مثبت، والثاني منهي عنه، فهو من حيث القصد منفي؛ فلا مشاركة بينهما من جهة القصد، بل من جهة الوضع، فلم يتضمن معناه قصداً، بل وضعاً.
(وما هو في المعنى مشارك لما قبله في عامله) - نحو: كليهما وتمراً، وامرأ ونفسه، والكلاب على البقر، وإن تأتني فأهل الليل وأهل النهار؛ فالثاني والأول مشتركان في معنى العامل المقدر، لتعلق معناه بكل منهما.
(أو فيما ناب عنه) - نحو: مرحباً وأهلاً وسهلاً؛ فسهلاً يشارك ما قبله في: مرحباً، ومرحباً نائب عن عامله، والمعنى أن سهلاً يشارك أهلاً في الشيء الذي ناب عن عامله، وهو مرحباً، مشاركة معنوية لا لفظية؛ لأن كل واحد
جملة مستقلة؛ إلا أن معنى الجمل مشترك في أنها دعاء أو خبر؛ ومعناها في الدعاء: لقاك الله ذلك، كما سبق، وفي الخبر ما سبق أيضاً، وهو أنك أتيت سعة وأهلاً ومكاناً سهلاً، فاستأنس. فهذا ما ظهر لي، والله أعلم.
(ولا يمتنع الإظهار، إن لم يكثر الاستعمال) - يعني ما جاء منصوباً حذف ناصبه، ولكن لم يكثر استعماله، كما كثر استعمال ما سبق، لا يساويه في لزوم إضمار العامل، كقولهم: انته، أمراً قاصداً، أي وأت أمراً قاصداً، فيجوز إظهار: وأت. نص عليه سيبويه؛ ووهم في هذا الزمخشري، ثم الجزولي، فجعلاه مما التزم إضمار عامله؛ قال الشلوبين: ولا أعرف من غلط فيه غيرهما.
(وربما قيل: كلاهما وتمراً، وكل شيء ولا شتيمة حر، ومن أنت زيد) - أي برفع كلا وكل وزيد.
(أي كلاهما لي) - فكلاهما مبتدأ خبره لي، وهو محذوف لزوماً، كما التزم إضمار ناصبه، وتمراً منصوب بزدني؛ وقال الفراء: كلاهما منصوب على لغة من يجعل كلا بالألف في كل حال.
(وكل شيء أمم ولا ترتكب) - فكل مبتدأ خبره أمم، أي قصد، وحذف لزوماً، ولا ترتكب ناصب هذا أو شتيمة.
(ومن أنت، كلامك زيد أو ذكرك زيد) - فزيد خبر مبتدأ محذوف
واجب الحذف. وجاء أيضاً الرفع في قولهم: الكلاب على البقر، وقالوا: مرحب بالرفع، أي هذا مرحب، وقالوا: أهل ومرحب، وأنشد سيبويه قوله:
555 -
لملتمس المعروف أهل ومرحب
وروي أيضاً الرفع في الديار.