المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌33 - باب حبذا - المساعد على تسهيل الفوائد - جـ ٢

[ابن عقيل]

الفصل: ‌33 - باب حبذا

‌33 - باب حبذا

(أصل حَبَّ من حبذا حَبُبَ أي صار حبيبا) - ولذلك لا يتعدى؛ وأصله: حبب بفتح الباء متعدياً، لقول العرب: حببت زيداً، وهو أقل من أحببت، فحول إلى فَعُل بضم الباء.

(فأدغم كغيره) - من الثلاثي المضعف كشد وشذَّ.

(وألزم منع التصرف) - لخروجه عن أصله إلى المدح.

(وإيلاء ذا فاعلا) - أي وألزم إيلاء ذا، فلا يكون فاعل حب في هذا الاستعمال إلا ذا اسم الإشارة. وأما قوله:

97 -

* وحُبِّ من يتحبب *

فعلى الأصل، لا لقصد المدح المقصود بحبذا. وما اختاره المصنف من أن ذا فاعل حب هو مذهب جماعة من النحويين، واختاره الفارسي في البغداديات،

ص: 140

وابن برهان، وهو كما قال المصنف: ظاهر مذهب الخليل وسيبويه؛ قال سيبويه: وزعم الخليل أن حبذا بمنزلة حَبَّ الشيء؛ وقرره سيبويه ولم يعترض عليه.

(في إفرادٍ وتذكير وغيرهما) - فلا يتغير ذا؛ لأن حبذا جرى مجرى المثل، فتقول: حبذا رجلاً زيد، ورجلين الزيدان، ورجالاً الزيدون، وامرأة هند، وامرأتين الهندان، ونساء الهندات.

(وليس هذا التركيب مزيلاً فعليه حب، فيكون مع ذا مبتدأ، خلافاً للمبرد وابن السراج ومن وافقهما) - ونسبه ابن هشام اللخمي وابن أبي الربيع وغيرهما إلى الخليل وسيبويه، لقول سيبويه تلو ما سبق: ولكن ذا وحب بمنزلة كلمة واحدة نحو لولا، وهو اسم مرفوع. انتهى.

والقائلون بالأول جعلوا ضمير: وهو اسم، عائداً إلى ذا لا إلى حبذا، تبقية لأل لكلامه على ظاهره؛ قال ابن خروف: حب فعل، وذا فاعل، وزيد مبتدأ خبره حبذا، هذا قول سيبويه، وأخطأ من زعم غير ذلك.

وحبذا على القول الثاني مبتدأ خبره ما بعده، ورد بأن فيه دعوى خروج الشيء عما استقر له بغير دليل، ترجيح ابن عصفور له بكثرة دخول يا علي حبذا دون استيحاش بخلاف: ألا يا اسقياني، ضعيف؛ فدخول "يا" على الأمر أكثر من دخولها على حبذا، ومنه قراءة الكسائي:(ألا يا اسجدوا) والمنادي في الموضعين محذوف، أو "يا" للتنبيه كألا، وهذا ظاهر كلام سيبويه في باب عدة ما يكون عليه الكلم.

(ولا اسمية ذا فيكون مع حب فعلاً فاعله المخصوص، خلافاً لقوم) - منهم

ص: 141

أبو الحسن الأخفش، وأبو بكر خطاب، ونسب إلى ابن درستويه؛ ورد بعدم النظير، فلم يركب فعل من فعل واسم، وبأنه دعوى بلا دليل؛ والاستدلال عليه بأنه ينفي الشذوذ في إفراد ذا في حبذا الزيدان ضعيف، فقد عهدنا لزوم اللفظ طريقة واحدة كقولهم: الصيف ضيعت اللبن، وهذا لم يعهد.

(وتدخل عليها "لا" فتحصل موافقة بئس معنى) - فيقال في الذصم: لا حبذا كما يقال في المدح: حبذا؛ قال:

98 -

الا حبذا عاذري في الهوى

ولا حبذا العاذل الجاهل

وفي دخول لا على بذا خروج عما استقر في كلامهم، لأنه إن كان حب فعلاً فاعله ذا، أو كان حبذا كله فعلاً لزم دخول لا على الماضي الذي لا يتصرف، وهي لا تصحبه، وإن كان حبذا كله اسما لزم عدم تكرار لا داخلة على المبتدأ، ولا يجوز إلا في الشعر، خلافاً للأخفش والمبرد؛ ولا يجوز كون لا ناصبة حبذا نحو: لا رجل في الدار، لأ حبذا خصوص، ونظير خروجهم عن قياسهم في قولهم: لا حبذا إفرادهم ذا مذكراً فيهما مع المؤنث والمثنى والمجموع.

(ويذكر بعدهما) - أي بعد حبذا ولا حبذا.

(المخصوص بمعناهما مبتدأ مخبراً عنه بهما) - وقد سبق في كلام ابن خروف أن هذا قول سيبويه، والرابط للجملة بالمبتدأ اسم الإشارة، كقوله تعالى:(ولباس التقوى ذلك خير) في قراءة من رفع اللباس.

(أو خبر مبتدأ لا يظهر) - أي واجب الحذف، وكأنه لما قيل: حبذا،

ص: 142

قيل: من المحبوب؟ فقيل: زيد، أي هو زيد. قال المصنف: والحكم هنا على زيد بالخبرية أسهل منه في: نعم الرجل زيد؛ لأن مُضْعِفَة ثَمَّ دخول الناسخ ولا يدخل هنا. وهذان الوجهان ذكرهما المصنف بناء على ما اختاره في حبذا؛ وقال ابن كيسان: إن الاسم تابع لذا على البدل تبعاً لازماً؛ وسبق في كلام المصنف أن من جعل حبذا اسماً أعربه مبتدأ وخبره على هذا المخصوص، وهذا قول المبرد، وأجاز الفارسي كون حبذا خبراً والمخصوص مبتدأ، ومنع ما اختاره المبرد، وأجاز بعضهم الوجهين، وثالثاً وهو كون المخصوص مبتدأ محذوف الخبر؛ وأجاز بعضهم كونه عطف بيان، وبعضهم كونه بدلاً لازماً، وهذان على أن ذا فاعل قد يتوجهان، وأما على أن حبذا مبتدأ فيبعدان.

(ولا تعمل فيه النواسخ) - لا برفع زيد ولا بنصبه، بخلاف نعم إذ يقال: نعم الرجل كان زيدٌ، برفع زيد والسبب في ذلك جريان هذا مجرى المثل، والأمثال لا تغير.

(ولا يُقدم) - فلا يقال: زيدٌ حبذا، وإن قيل: زيدٌ نعم الرجل؛ والعلة أن حبذا زيدٌ كالمثل؛ وأغفل الأكثرون التنبيه على هذه المسألة والتي قبلها، لكن نبه على هذه ابن بابشاذ، وعلل باحتمال توهم كون ذا في: زيدٌ حبذا مفعولاً، وهو توهم بعيد، وإنما المانع ما سبق.

(وقد يكون قبله) - أي قبل المخصوص.

(أو بعده تمييز مطابق) - أي في الإفراد وغيره نحو: حبذا رجلاً زيدٌ ورجلين الزيدان، ورجالاً الزيدون، وامرأة هند، وامرأتين الهندان، ونساء الهنداتُ؛ ويجوز تأخير المنصوب عن المخصوص فيها كلها، إلا أن التقديم أولى وأكثر، قاله المصنف.

ص: 143

(أو حال عامله حب) - نحو: حبذا راكباً زيدٌ، أو زيدٌ راكباً، ومنه:

99 -

يا حبذا المال مبذولاً بلا سرفٍ

في أوجه البر إسراراً وإعلانا

واختلف في المنصوب بعد حبذا، فقيل: حال مطلقاً، وهو قول جماعة من البصريين منهم الأخفش والفارسي؛ وقيل: تمييز مطلقاً، وهو مذهب أبي عمرو بن العلاء؛ وقيل: إن كان مشتقاً فحال، أو جامداً فتمييز؛ وفي البسيط لابن العلج جواز نصبه بأعني فيكون مفعولاً.

(وربما استغنى به) - أي بالتمييز.

(أو بدليل آخر عن المخصوص) - كقول بعض الأنصار، رضي الله عنه:

100 -

بسم الإله وب بدينا

ولو عبدنا غيره شقينا

فحبذا رباً وحب دينا

أ] فحبذا رباً الإله.

والثاني كقوله:

101 -

هويتُك حتى كاد يقتلني الهوى

وزرتك حتى لامني كل صاحب

وحتى رأى مني أدانيك رقةً

عليك ولولا أنت ما لان جانبي

ص: 144

ألا حبذا، لولا الحياء، وربما

منحتُ الهوى من ليس بالمتقارب

أي ألا حبذا حالي معك، يشير إلى ما سبق في البيتين الأولين.

(وقد تفرد حب) - أي من ذا، فتستعمل وحدها، ويكون مرفوعها حينئذ كل اسم يصح أن يكون فاعلاً، هكذا أطلق، وفيه نظر.

(فيجوز نقل ضمة عينها إلى فائها) - فتقول: حب زيدٌ رجلاً، بفتح الحاء وضمها؛ والأصل: حبُبَ، فنقلت ضمة العين إلى الفاء، وهذا إن كان المقصود به التعجب جاز إسناده إلى كل فاعل كما سبق، وإن كان بمعنى نعم لم يسند إلا إلى ما يكون فاعلاً لنعم، كغيره من هذا النوع، كما سيأتي بيانه، وإن قصد بحب مفرداً معنى أحب صلح لكل فاعل، وتعدى، ولزم فتح فائه، كما بلزم فتحها مصاحباً لذا.

(وكذا كل فعل حلقي الفاء مراد به مدح أو تعجب) - فيجوز في: حسُن الرجل زيد، وحسُن زيدٌ رجلاً، فتح الحاء على الأصل، وضمها على نقل ضمة العين إليها، وكذا غلظ وخشن ونحوهما. ولا يختص ذلك بالفاء الحلقية، وإن أوهم كلامه ذلك، بل يجوز في: ضرب زيدٌ رجلاً، أو ضرب الرجل زيدً، هذا النقل أيضاً؛ وفي قوله: مدح أو تعجب إشارة إلى جواز استعمال فَعُل بضم العين

ص: 145

لهما، وسبق من كلامه في آخر باب نعم أن فعل الأصل أو المحول ملحق بنعم حال كونه مضمناً تعجباً، وللناس في هذه المسألة خلاف:

فالفارسي وأكثر النحويين على إلحاقه بنعم فقط، فثبت له أحكام نعم؛ وأجاز الأخفش والمبرد إلحاقه بباب التعجب؛ وفي البسيط أن الأكثرين ومنهم الأخفش قالوا بكون فاعله كنعم وحبذا، ظاهراً عاماً ومضافاً ومضمراً مفسراً وإشارة، نحو: حسُن ذا زيدٌ؛ وقال بعضهم بكون فاعله كل اسم، وأجاز حب زيدٌ. انتهى.

والصحيح جواز الاستعمالين فيه؛ فإن جعل كنعم لزم فاعلها، أو كالتعجب فلا.

(وقد يجر فاعل حب بباء زائدة، تشبيهاً بفاعل أفُعِلْ تعجباً) - كقوله:

مكرر 96 فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها

وحب بها مقتولة حين تقتل

يروي بضم الحاء وفتحها، وسبق له في الكلام على فَعُل أنه يكثر انجرار فاعله بالباء، وأنشد في جملة ما أنشد لذلك هذا البيت. وظاهر كلامه هنا أنه قليل في حُبِّ لقوله: وقد يُجَرُّ

والعلة المقتضية لدخول الباء تضمنه التعجب، فلا فرق بين حُبِّ وغيرها، ومعظم الشواهد التي ذكرها المصنف وغيره لذلك في حب. وحكى الكسائي عن العرب: مررت بأبيات جاد بهن أبياتاً، وجُدْن أبياتاً؛ حذف الباء وجاء بضمير الرفع.

* * *

ص: 146